بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة المؤسسة

لعلَّ مفهوم ومصاديق المقاومة تعرَّضا لتشويه كبير على أيدي العفالقة القدماء – الجدد –؛ فإننا لم نر أو نسمع عن مقاومة تذبح شعبها بحجة تحريره، ولم نر أو نسمع عن مقاومة لا أحد يعرف لخطوط العامة لفكرها ولسياستها وفلسفتها الاجتماعية والسياسية، ولم نر أو نسمع عن مقاومة ليس لها قائد أو مجلس شورى معروف أو ما اعتاد عليه الناس من صيغ ومسمَّيات الهياكل القيادية.

ولهذا ارتأينا ان نُعرِّف الناس ماهيَّة المقاومة الحقيقية مفهوماً ومصداقاً، ونفضح البراقع المزيفة التي يتبرقع بها العفالقة ذابحو الشعب قديماً وحديثاً؛ وذلك كله من خلال طرح رأي واجتهاد شهيد المحراب آية الفكر والجهاد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) في – (المقاومتين) – الحقيقية – مفهوماً ومصداقاً – والمزيفة...

ان المقاومة التي قادها شهيد المحراب كانت تهدف إلى أمرين أساسيَّين:

الأوَّل: الإطاحة بالنظام القائم على حكم الأقليَّة تأريخيَّاً؛ وذلك لارتباطه بالأجنبي ارتباطاً قائماً على العمالة الصريحة والمبرقعة

– حسب المصلحة – وذلك بهدف الإستقواء على الأغلبية، وليس ارتباطاً براغماتياً مبنيَّاً على تبادل المصالح.

الثاني: إحلال نظام العدل والحرية والمساواة والاستقلال؛ كون ان تسلُّطَ الجبابرة هو نوعٌ من أنواع الاحتلال، ولن تكون هنالك حكومة عادلة تسمح بالحرية، وتسعى إلى المساواة، إلا إذا كانت حكومةٌ تشارك فيها كل مكونات الشعب العراقي.

هذه هي مقاومة شهيد المحراب وأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، أما المقاومة التي تظهر على شاشات الإعلام العربي المنافق، فليست – وببساطة – سوى محاولة بعثية جديدة للعودة إلى حكم الأقليَّة.

ولابدَّ لنا – هنا – من إلفات نظر القاريء إلى ان هذا الكتاب الهام هو مجموع من عدَّة بحوث ومحاضرات لشهيد المحراب ألقيت في فترتين:

فترة ما قبل سقوط صنم الطاغوت صدّام، وفترة ما بعد سقوط الصنم، وابتلاء العراق الجريح بالمقاومة الزائفة المتبرقعة ببرقع الجهاد.

لذا فان القاريء سيجد في الكتاب حديثاً عما يجب على الأمة فعله لمقاومة نظام صدام وإسقاطه، وحديثاً آخر عما حدث بعد إسقاط صدام من مقاومة زائفة.

هذا فضلاً عن التنظير الشرعي والثوري الراقي لفكرة المقاومة والجهاد.

وقد قام الأخ العزيز أحمد ضاحي بإعداد هذه المحاضرات والأبحاث لتكون بالشكل اللائق، نسأل الله تعالى أن يكون عملنا هذا متقبلاً منه سبحانه وذخيرةً لنا (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ).

مؤسسة

تراث الشهيد الحكيم (قدس سره)

الفصل الاول

الجهاد والمقاومة
في المنظور الشرعي

تمهيد

لاشك ان ظاهرة المقاومة الإسلامية من الظواهر السياسية، والدينية العامة الشاملة التي لاحظناها من بلادنا الإسلامية، وعبر التاريخ الإسلامي، وفي العصر الحاضر يكاد العراق ان يكون من البلاد التي امتازت بها في تاريخه، بحيث كانت من الظواهر التي اتصف بها منذ الصدر الأول للإسلام وحتى يومنا الحاضر، ولاسيما في الفترة الزمنية الأخيرة التي ابتلي بها العراق وشعبه بالأنظمة الجائرة الطاغوتية المستبدة.

ويمكن ان نجد الأصل الإسلامي العقائدي السياسي لعنوان المقاومة في مفهوم الصبر والاستقامة بمعناه الإسلامي الصحيح الذي يطرحه القران الكريم.

فاننا إذا أردنا ان نرجع إلى المضمون السياسي، والديني لمفردة (المقاومة) فاننا نجده في مفهوم الاستقامة، أو مفهوم الصبر والمصابرة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)(1).

فالصبر – حسب مضمونه السياسي الإسلامي – ليس معناه الاستسلام والخنوع، والقبول بالأمر الواقع الفاسد – كما يفهمه، أو يطرحه بعض الناس في مواقفهم السياسية، والسلوكية – وانما: هو عبارة عن المقاومة التي هي الاستقامة على الدرب، حيث يتمسك ويلتزم الانسان بالحق والعدل، وبشخصيته الإنسانية، وهويته ومبادئه الإلهية، وأفكاره الأصيلة التي يؤمن بها، وبأهدافه المقدسة في التكامل الفردي والاجتماعي... ثم يصبر على الأذى في هذا الالتزام، ويقاوم كل الضغوط التي يمارسها الأعداء من أجل فرض الاستسلام، حتى يأذن الله سبحانه وتعالى بالفتح، والوصول إلى الأهداف (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)(2).

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالانفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(3).

فالصبر بمفهومه الإسلامي، هو مقاومة ضغوط الأمر الواقع الفاسد، وتحمُّل الآلام والمعاناة التي تترتب على هذه المقاومة، والاستمرار في الجهاد الذي قد يعبِّر عنه في القران الكريم بالاستقامة والثبات (أَمْ حَسِبْتُمْ ان تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا ان نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)(4). وقال سبحانه، في الحديث عن قصة طالوت وداود مع الطاغية جالوت ( فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ انهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ* فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ)(5).


(1) آل عمران:200

(2) البقرة: 177

(3) البقرة: 155

(4) البقرة: 214

(5) البقرة: 249 - 251

المفهوم الشرعي للجهاد والمقاومة

والجهاد من أهم الواجبات الإسلامية، وهو مأخوذ – لغةً – من (الجَهد) بمعنى التعب والمشقَّة، أو من الجُهد بمعنى الوُسع

والطاقة، فهو- إذن- يعني تحمُّل التعب والمشقة، وبذل الطاقة والوسع من أجل إعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان، والدفاع عن الحق والعدل، ومقاومة الظلم والطغيان، ومحاربة الكفر والباطل والنفاق. وبالمعنى الاصطلاحي، القتال في سبيل الله.

الجهاد والمقاومة في القرآن والسنة

وقد ورد في فضل الجهاد والحثِّ عليه كثيرٌ من الآيات الكريمة والروايات الشريفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الكرام، وانه ممّا بني عليه الإسلام.

فمن الآيات قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير)(1).

(ان اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ انفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِان لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالانجِيلِ وَالْقُرْان وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(2).

(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً * وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَان الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً)(3).

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَان انتَهَوْاْ فَان اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِير)(4).

(أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ان يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَان يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِانهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ)(5).

وأما الروايات فهي كثيرة:

1) فقد روي – بطريق صحيح – عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((الخير كلُّه في السيف، وتحت ظلّ السيف، ولا يقيم الناس إلا السيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار))(6).

2) كما روي – بطرق متعددة أيضاً- عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((للجنّة باب يقال له: باب المجاهدين يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم، والجمع في الموقف والملائكة ترحّب بهم ,قال: فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاًّ وفقراً في معيشته ومحقاً في دينه، ان الله عز وجل أغنى أمَّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها ))(7).

3) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أخبرني جبرئيل (عليه السلام) بأمر قرَّت به عيني، وفرح به قلبي، قال: يا محمّد، من غزى غزوة في سبيل الله من أمّتك، فما أصابه قطرة من السماء أو صداع إلا كان له شهادة يوم القيامة))(8).

4) وعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر الباقر(عليه السلام) يقول:ان علي بن الحسين (عليه السلام) كان يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((ما من قطرة أحبّ إلى اللهعز وجل من قطرة دم في سبيل الله))(9).

5) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه خطب في يوم الجمل فقال: ((أيّها الناس، ان الموت لا يفوته المقيم، ولا يُعجزه الهارب، ليس عن الموت محيص ومن لم يمت يُقتَل، وان أفضل الموت القتل، والذي نفسي بيده لألفُ ضربة بالسيف أهونُ عليَّ من ميتة على فِراش))(10).

6) وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((أما بعد... فان الجهاد باب من أبواب الجنَّة، فتحه الله لخاصَّة أوليائه.., إلى ان قال: هو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجُنَّتُه الوثيقة، فمن ترَكَهُ رغبة عنه ألبسَهُ الله ثوبَ الذُّلِّ، وشملَه البلاء، وفارق الرضا، ودِيثَ بالصَّغارِ والقَماءَة, وضُرِبَ على قلبه بالأسداد، وأُديلَ الحقُّ منه بتضييع الجهاد, وسئِمَ الخسف، ومنع النّصَف))(11)

7) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) ((ان الله عز وجل فرض الجهاد وعظَّمَهُ وجعله نصره وناصره. والله ما صلحت دنيا ولا دينٌ إلا به))(12)

8) وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: ((للشهيد سبع خصال من الله: أولُ قطرة من دمه مغفورٌ له كلُّ ذنب، والثانية: يقع رأسهُ في حجر زوجتيه من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه، تقولان: مرحباً بك، ويقول هو مثلَ ذلك لهما، والثالثة: يُكسى من كسوة الجنة، والرابعة: يبتدره خزنةُ الجنّة بكل ريح طيبة أيّهم يأخذه معه، والخامسة: ان يرى منزله، والسادسة: يقال لروحه: اسرحي في الجنة حيث شئت, والسابعة: ان ينظر في وجه الله، وأنها لراحة لكل نبي وشهيد))(13).

9) وعن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن أبيه، عن آبائهم (عليهم السلام)، ان النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((فوق كل ذي برٍ بر حتى يُقتل الرجلُ في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بِر. وان فوق كل ذي عقوق عقوقا حتى يَقتُلَ أحد والديه، فإذا فعل ذلك، فليس فوقَه عقوق))(14).


(1) الحج: 78

(2) التوبة: 111

(3) النساء: 74 - 75

(4) الأنفال: 39

(5) الأنفال: 65

(6) الكافي: 5: 2، باب فضل الجهاد: ح1

(7) نفس المصدر: ح2

(8) ثواب الأعمال: 189

(9) الكافي: 5: 53، باب فضل الشهادة: ح3

(10) المصدر السابق: ح4

(11) الكافي: 5: 4، باب فضل الجهاد: ح6

(12) المصدر السابق: ح11

(13) تهذيب الأحكام: 6: 121، باب فضل الجهاد وفروضه: ح3

(14) الكافي: 2: 348، باب العقوق: ح4

أقسام الجهاد

وقد ورد في الآيات الكريمة،وفي الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام)، ان الجهاد على أقسامٍ وأنواع:

الأول: جهاد النفس،وهو خوف الله تعالى، والورع عن محارمه، ونهي النفس عن الهوى، والسيطرة فيها على الميول، والشهوات، والرغبات، وتوجيهها إلى الحق والصواب، ودرجات التكامل الإلهي.

قال تعالى:(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَان الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)(1)

وقد روي – بسند معتبر – عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه بعث سريةً إلى القتال فلما رجعوا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر،قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ فقال: جهاد النفس))(2).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((ان أفضل الجهاد من جاهد نفسَه التي بين جنبيه))(3).

وإنما كان هذا الجهاد هو الجهاد الأكبر؛ لأنه يشمل كلَّ أنواع الجهاد، وفعل الواجبات، وترك المحرمات، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) – في بيان حقيقة هذا الجهاد والأثر المترتب عليه – قوله (عليه السلام): ((من ملك نفسه إذا رغب، وإذا رهب، وإذا اشتهى، وإذا غضب، وإذا رضي، حرّم الله جسده على النار))(4).

ولا يمكن للإنسان ان يؤدي الجهاد الأصغر إذا لم يكن ممّن قد جاهد نفسه، والتزم بواجباته الشرعية الفردية، والاجتماعية، وتحمَّلَ مسؤوليته تجاه الإسلام والأمة، الإسلامية وكذلك إذا لم يملك الشجاعة والصبر وتحمّل المشاق والآلام.

الثاني: جهاد وقتال الكفار المشركين من غير أهل الكتاب، كالملاحدة والمرتدين، وعبدة الأوثان الذين لا يؤمنون بالله تعالى، أو يشركون به تعالى أو يشركون معه غيره من الآلهة، ولا يدينون دين الحق ولا يؤمنون بالرسالات الإلهية.

فان هؤلاء يجب دعوتهم إلى الإسلام، والعمل على هدايتهم إلى كلمة التوحيد والإيمان بالله ورسالاته،كل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا قامت عليهم الحجّة البالغة، وأتَّضح لهم

الحق واستنفدت كل الوسائل، ولم يبقَ إلا الجحود والحاجز النفسي، فان أجابوا دخلوا في جماعة المسلمين. وإلا وجب قتالهم، وجهادهم إلى ان يسلموا، أو يقتلوا، أو يقع الصلح والهدنة بينهم وبين المسلمين كل ذلك حسب ما يراه الإمام العادل، والحاكم الشرعي، وولي الأمر، بعد تشخيصه المصلحة الإسلامية العليا، والقدرة على القتال حسب الشروط التي يذكرها الفقهاء في كتاب الجهاد.

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه)(5).

(وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً)(6)

وهؤلاء المشركين هم مشركوا العرب الذين كانوا يقاتلون المسلمين، وكذلك العجم من الترك، والديلم، والخزر، وغيرهم من المشركين الذين كانوا يجاورون البلاد الإسلامية.

الثالث: جهاد وقتال أهل الكتاب من الكفّار، كاليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئة، إذا لم يكونوا مواطنين أو معاهدين.

حيث يجب مقاتلة هؤلاء – بنفس الشروط السابقة التي ذكرت في القسم السابق – حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون(7)، أو يقع الصلح والهدنة بينهم وبين المسلمين.

قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)(8).

الرابع: الجهاد دفاعاً عن الإسلام، وبلاد المسلمين عندما يتعرضون إلى العدوان من الكفار، والمرتدين، وتكون بيضة الإسلام وأصل الدين في خطر عظيم.

حيث يجب القتال دفاعاً عن الإسلام وبلاد المسلمين في كل الظروف والأحوال، على الرجل والمرأة والشاب والشيخ الكبير ما دام لهم القدرة على ذلك، ولو كان بطول المدة في المقاومة، والصبر على الأذى، والاستقامة في العمل.

وقد ورد في الحديث الصحيح قول الصادق (عليه السلام): ((... وان خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه ليس للسلطان، قال: قلت: فان جاء العدو إلى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟ قال: يقاتل عن بيضة الإسلام لاعن هؤلاء؛ لان في دروس الإسلام دروس دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)))(9).

الخامس: جهاد وقتال أهل البغي: وهم أولئك الذين يتجاوزون الحدود في علاقاتهم بالنظام العام بحيث يهددون نظام الجماعة المسلمة في تحقيق الأمن أو العدل، فيجب على الحاكم والجماعة المسلمة القتال والجهاد من أجل تحقيق العدل، والأمن للنظام الإسلامي.

والبغي الذي يجب جهاده له صور ثلاث:

الأولى: ان يكون البغي ضد النظام الإسلامي، والحاكم الإسلامي من قبل جماعة من المسلمين، بحيث يخرجون على الحاكم الإسلامي العادل، ويعملون من أجل الإطاحة به؛ لتحقيق أغراض وأهداف شخصية؛ أو لتفسير آرائهم واجتهاداتهم ومواقفهم الخاصة عليه.

كما في بغي طلحة، والزبير وعائشة على أمير المؤمنين (عليه السلام) وخروجهم عليه بالقتال والحرب، وممارستهم لأعمال الإخلال بالأمن العام، وتهديدهم لنظام الجماعة في الأعمال التي قاموا بها في البصرة.

وكما في بغي معاوية، والخوارج على عليّ (عليه السلام) في الشام، والنهروان.

فيجب مقاتلة مثل هذه الجماعات حتى تخضع، وترجع إلى الحق كما فعل الإمام عليّ (عليه السلام).

الثانية: ان تقوم جماعة من المسلمين بالقتال ضد جماعة أخرى من المسلمين؛ بسبب الخلافات والنزاعات التي تحصل بين الجماعات العشائرية والقبلية، أو بين مدينة وأخرى، أو حزب وآخر. ويتدخل الحاكم الشرعي أو المسلمون؛ للإصلاح بينهما، فتأبى إحدى الجماعتين القبول بالحكم الشرعي، وتبغي في استخدام القوة؛ لفرض موقفها ورأيها الخاص فيجب مقاتلتها حتى تفيء إلى أمر الله تعالى.

الثالثة: ان يبغي الحاكم الإسلامي على الأمة والجماعة المسلمة، فيفرض عليها الباطل، والانحراف بالقوة والقهر، ويستخدم القتل، والمطاردة والإخراج من الديار؛ لفرض رأيه الخاص، فيجب مقاتلة هذا الحاكم ومقاومته، ومنعه من الظلم والعدوان، كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام) مع يزيد بن معاوية، وثار الصالحون من أهل البيت ضد الطغاة أمثال، زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) ضد الأمويين، والحسين بن علي (صاحب فخ) ضد العباسيين،... وغيرهم.

وقد قال تعالى في محكم كتابه الكريم: (وَان طَائِفَتَان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَان بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَان فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ان اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(10).

فان الحاكم الشرعي إذا استمر وأصر على بغيه في قتل الناس – بعد نصحه – فيجب على المسلمين مقاتلته؛ ليكفّ عن قتل المسلمين، ويرجع إلى أمر الله، هذا إذا كان يؤمن بالنظام الإسلامي، وأما إذا كان لا يقبل الإسلام أصلا، فهو حاكم بالكفر، ويجب قتاله بسبب كفره – كما سوف نعرف ذلك قريباً -.

وقد ورد عن الإمام الحسين (عليه السلام) انه قال في خطبة له في أصحاب الحرّ بن يزيد الرياحي في طريقه إلى كربلاء: ((أيها الناس ان رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرِم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغّيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله ان يدخله مدخله، ألا ان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن،وأظهروا الفساد، وعطلَّوا الحدود واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله،وحرموا حلاله، وأنا أحقّ من غيَّر،....))(11).

وقد ورد في الحديث الشريف المعروف (بحديث الأسياف)، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: ((سأل رجل أبي(عليه السلام) عن حروب أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان السائل من محبِّينا، فقال له أبو جعفر(عليه السلام): بعث الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمسة أسياف، ثلاثة منها شاهرة، فلا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها، ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها(12) فإذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس كلهم في ذلك اليوم... وسيف منها مكفوف، وسيف منها مغمود سلّه إلى غيرنا وحكمه إلينا)).

فأما السيوف الثلاثة الشاهرة:

فسيف على مشركي العرب... إلى ان قال: والسيف الثاني على أهل الذمة........ إلى ان قال: ((وأما السيف الثالث سيف على مشركي العجم...)) إلى ان قال: ((وأما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل)). قال الله عزّ وجلّ:(وَان طَائِفَتَان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَان بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهَِ)(13).

فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ((ان منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل. فسُئل النبي من هو مَن هو؟ فقال: خاصف النعل،يعني: أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال عمّار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثاً،وهذه الرابعة،والله لو ضربنا حتى يبلغونا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل.

وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين (عليه السلام) ((ما كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في أهل مكة يوم فتح مكة فانه لم يسب لهم ذرية، وقال: من أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن... إلى ان قال: وأما السيف المغمود فالسيف الذي يقام به القصاص...))(14).


(1) النازعات: 40-41

(2) الامالي للصدوق: 160: المجلس: 71

(3) وسائل الشيعة: 15: 163، باب وجوب جهاد النفس: ح9

(4) من لا يحضره الفقيه: 4: 400: ح5860

(5) الأنفال: 39

(6) التوبة: 36

(7) منهاج الصالحين: 1: 361 للسيد الخوئي.

(8) التوبة:29

(9) الكافي: 5: 21، باب الغزو مع الناس إذا خيف على الإسلام: ح2، والمراد من الدروس – هنا – محو الإسلام.

(10) الحجرات:9

(11) تاريخ الطبري ج3، القطع الكبير: 306، حوادث سنة 61. وذكر فقهاء عدة أدلة من الآيات والروايات تدل على وجوب مقاومة الحاكم المسلم الظالم إذا بغى في حكمه على المسلمين بحيث أصبح حكمه هو (اتخاذ عباد الله خولاً ومال الله دولاً) كما عبر الإمام الحسين (عليه السلام) ، أي:

اتخذ عباد الله عبيداً له، ومال الله مالاً لأهله ولعله يتداوله كيف يشاء. راجع كتاب ولاية الفقيه:1 :594 وما بعدها للشيخ المنتظري، والكفاح المسلّح: 83، وما بعدها للسيد الحائري..(المؤلف).

(12) كناية عن ظهور القائم(عجل الله تعالى فرجه الشريف).

(13) الحجرات:9

(14) الكافي: 5: 12، باب وجوه الجهاد: ح2 

وجوب الجهاد في عصر الغيبة تحت قيادة الفقيه الجامع للشرائط

قال السيد الخوئي (قدس سره): (ان الجهاد مع الكفار من أحد أركان الدين الإسلامي، وقد تقوّى الإسلام، وانتشر أمره في العالم بالجهاد، مع الدعوة إلى التوحيد في ظل راية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن هنا فقد أهتم القران الكريم به في ضمن نصوصه التشريعية، حيث قد ورد في الآيات الكثيرة، وجوب القتال والجهاد على المسلمين مع الكفار المشركين حتى يسلموا أو يقتلوا، ومع أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد، وهم صاغرون.

ومن الطبيعي ان تخصيص هذا الحكم بزمان مؤقت وهو زمان الحضور(1)، لا ينسجم مع اهتمام القران وأمره به من دون توقيت في ضمن نصوصه الكثيرة)(2).

وقال – أيضا – بعد البحث في موضوع الوجوب وشروطه: (وقد تحصّل من ذلك: ان الظاهر هو عدم سقوط وجوب الجهاد في عصر الغيبة(3) وثبوته في كافة الإعصار لدى توفر شرائطه، وهو في زمن الغيبة منوط بتشخيص المسلمين من ذوي الخبرة في الموضوع(4) ان في الجهاد معهم مصلحة للإسلام(5) وقد نقل عن صاحب الجواهر (قدس سره)(6) انه يعتبر في الجهاد أذن الفقيه الجامع للشرائط في زمن غيبة الإمام (عليه السلام)باعتباره وليّ الأمر لشؤون المسلمين فيها.

وقد قرَّب الإمام الخوئي (قدس سره) هذا الشرط بقوله: (وبما ان عملية هذا الأمر المهم في الخارج بحاجة إلى قائد وآمر يرى المسلمون نفوذ أمره عليهم، فلا محالة يتعيّن ذلك في الفقيه الجامع للشرائط، فانه يتصدى لتنفيذ هذا الأمر المهم من باب الحسبة)(7).

وبهذا نعرف: ان هذا الواجب الشرعي لابد من تنفيذه – في هذا العصر– تحت إشراف الفقيه الجامع للشرائط، وتحت قيادته المباشر، سواء على القول بولاية الفقيه المطلقة– كما يذهب إلى ذلك جماعة من العلماء القدماء والمعاصرين – أم على القول بولاية الفقيه، ولكن ليس بشكل مطلق كما يذهب إليه جماعة أخرى منهم.


(1) أي حضور احد المعصومين(.

(2) منهاج الصالحين 1-363: المسألة الثانية.

(3) أي غيبة الإمام الحجة(عجل الله تعالى فرجه الشريف).

(4) المقصود من الموضوع هو: موضوع الجهاد وهو مجمل الأوضاع السياسية والإمكانات المادية والقدرات والطاقات التي تملكها الأمة، والتي يمكن تعبئتها في العملية الجهادية وأوضاع النظام ونقاط الضعف والقوة فيه والموازنة بينها، وهذا ما يمكن للمرجع الديني السياسي ان يقوم به من خلال الفحص وجمع المعلومات والاستشارات في الميادين المختلفة ذات العلاقة بهذا الموضوع..(المؤلف).

(5) منهاج الصالحين 1-365

(6) صاحب الجواهر: الشيخ محمد حسن النجفي من كبار علماء الامامية وكتابه جواهر الأحكام في شرح شرائع الإسلام يعتبر أعظم موسوعة فقهية استدلالية يرجع إليها الفقهاء.

(7) منهاج الصالحين: 1- 366 والمقصود من الحسبة: وهي نظرية في الولاية تفرض وجود الولاية في الامور التي لا يمكن للمسلمين ان يتركوها بدون ولي وادارة لها، فالأمر الذي يفرض التصدي والتولي لها عليهم، ويتعيّن ذلك في الفقيه، لأنه القدر المتيقن من احتمالات الولي.

مقاومة الحكم غير الإسلامي مع كون الحاكم متظاهراً بالإسلام

هذا كلّه فيما إذا كان الحكم إسلامياً ولكنَّ الحاكم كان يتصف بالظلم، والبغي، والطغيان إلى درجةٍ يتخذ فيها (عباد الله خولاً ومال الله دولاً) ويكون الطابع العام لحكمه هو انه (يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان). كما ورد التعبير عن ذلك في خطب الإمام الحسين (عليه السلام) وأحاديثه.

وأما إذا كان الحكم غير إسلامي كما هو في بعض الحكومات في عصرنا الحاضر، التي تعادي الدين والإسلام، وتعلن عن نفسها بأنها لا تلتزم بالإسلام والشريعة الإسلامية، ففي مثل هذه الحالة يضاف مبرّر آخر وسبب آخر للقتال والجهاد، بالإضافة إلى الطغيان، و الظلم، والبغي حتى لو كان الحاكم مسلماً؛ لان الإسلام وبيضة الدين تصبح في خطر عظيم؛ بسبب سيطرة الكفر وحكم الضلال والانحراف.

ولا شك لدى الفقهاء جميعاً انه يجب على المسلمين جميعاً الجهاد إذا تعرض الإسلام إلى الخطر، وأصبحت بيضة الدين مهددة بالزوال، وبيضة الدين هي: عزّ الدين وهيمنته العامة على الحياة الاجتماعية.

وقد ورد في رواية معتبرة عن الإمام أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قال: ((وان خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل فيكون قتاله لنفسه وليس للسلطان قال.قلت فان جاء العدو إلى الموضع الذي هو فيه كيف يصنع؟ قال:يقاتل عن بيضة الإسلام لاعن هؤلاء؛ لان في دروس الإسلام دروس ذكر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)))(1).

وبهذا نعرف المبرر للقتال من أجل إقامة نظام الحكم الإسلامي – إذا اقتضى الأمر ذلك – وهو عندما يرفض المتسلطون والحكام الذين لا يحكمون بالإسلام ان يفسحوا المجال للدعوة الإلهية، والرسالة الإسلامية ان تأخذ طريقها إلى الناس والمجتمع.

فإذا أضيف إلى ذلك كلّه ان أصبح الحاكم في المجتمع من الطغيان والظلم بحيث كان يتخذ من ممارسة القتل، والإخراج من الديار والأموال، أسلوبا عامَّاً يستخدمه في فرض وجوده وهيمنته، وتحوُّل الناس إلى مجرد مستضعفين، قد فقدوا إرادتهم وقدرتهم على الحركة، والمقاومة والحرية في اتخاذ القرار. فان ذلك يضيف سبباً آخر للقتال والمقاومة.

قال الله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَان الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً)(2).


(1) الكافي: 5: 21، باب الغزو مع الناس إذا أضيف على الإسلام: ح2

(2) النساء: 75 

ويمكن ان نلخص أسباب ومبررات الجهاد في الإسلام، كما يستفاد من القران الكريم والروايات الشريفة الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأمور التالية:

كسر الأغلال والقيود

الأول: وذلك برفع الموانع والحواجز التي يضعها المستكبرون والكفار أمام نشر الإسلام والدعوة الإسلامية، وإقامة العدل والقسط بين الناس.

وهذا انما يكون بعد دعوة الكفار إلى الإسلام بالحكمة، والموعظة الحسنة، وبذل الوسع في هدايتهم، واستنفاد كافة الوسائل في ذلك.

قال تعالى في بيان تعليل تشريع القتال: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً) (1).

وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)(2).

وقال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَان انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَان إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)(3).

وقال تعالى: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ان يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَان يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَان انتَهَوْاْ فَان اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَان تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ ان اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)(4).

وقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَانزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَان لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَانزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ان اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ )(5).


(1) الحج: 40

(2) البقرة: 217

(3) البقرة: 193

(4) الأنفال: 38 - 39

(5) الحديد: 25 

الدفاع عن بيضة الإسلام

الثاني: وذلك عندما تتعرض إلى الخطر لأي سبب كان، مثل هجوم الكفار على بلاد المسلمين ومحاولة السيطرة عليها، أو إقامة الأنظمة الملحدة والكافرة بالإسلام والمنكرة للشريعة الإسلامية، وفرضها بالقوة المادية.

قال تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ ان اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ)(1).

وقال تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ ان اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)(2).

وقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِانهُمْ ظُلِمُوا وَان اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)(3).

وقال تعالى: (وَان نَّكَثُواْ أَيْمَانهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ انهُمْ لاَ أَيْمَان لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ ان تَخْشَوْهُ ان كُنتُم مُّؤُمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(4).


(1) البقرة: 190

(2) البقرة:194

(3) الحج:39

(4) التوبة: 12-15

الدفاع عن نظام العدل والأمن في المجتمع الإسلامي

الثالث: وذلك بمواجهة البغي والعدوان الذي يهدد العدل والأمن، سواءٌ كان البغي من الحاكم أم المحكوم أم بين المحكومين أنفسهم، بقاعدة قوله تعالى: (فَان بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)(1).

وقاعدة قوله تعالى:(انمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ)(2).


(1) الحجرات:9

(2) الشورى: 42

الدفاع عن المظلومين والمستضعفين

الرابع: عندما يفقدون القدرة على المقاومة، والحركة مع إرادتهم للحرية، وسعيهم لعبادة الله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَان الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً)(1).


(1) النساء: 75 

الدفاع عن النفس والعرض والمال

الخامس: عندما يتعرض الانسان إلى التهديد والخطر،فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، انه من قال: ((من قتل دون عرضه فهو شهيد))(1).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((من قتل دون ماله فهو بمنزلة شهيد))(2).

وقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِانهُمْ ظُلِمُوا وَان اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا ان يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)(3).

وإذا كان الدفاع عن الجماعة المسلمة والوطن الإسلامي فهو واجب بلا إشكال.


(1) فقه السنة: 2: 484

(2) وسائل الشيعة:28: 383: ح2

(3) الحج:39 -40

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية