4. مركز الاعلام: ويتحمل مسؤولية التنفيذ في مختلف المجالات الاعلامية: الصحافة، الاذاعة، التلفزيون، البيانات الاعلامية، متابعة وكالات الأنباء والاتصال بها... إلخ.
5. مركز العمل الجهادي في الداخل: حيث يتحمل مسؤولية متابعة وتنفيذ مجمل العمل الجهادي ومايتعلق به في داخل العراق.
6. مركز الأمانة المركزية: حيث تتولى مسؤولية العلاقات الداخلية، وأمانة المجالس، ومحاضر الاجتماعات، والأرشيف الخاص، والنشرة الخاصة، ومتابعة انعقاد المجالس واجتماعاتها.
ويتم وضع نظام داخلي لجميع هذه المراكز، والوحدات، يحدد الواجبات والوظائف والأعمال، كما يجب وضع خطط عمل سنوية لأعمالها ونشاطاتها.
المنظمات المستقلة ادارياً
الركن الثالث: من الممكن، بل من اللازم - أحياناً - تشكيل منظمات سياسية، أو مراكز اجتماعية، أو ثقافية، أو انسانية عامة مستقلة ادارياً، تابعة للمرجعية سياسياً، وتحت اشرافها العام، وبذلك تختلف هذه المنظمات والمراكز عن المراكز السابقة؛ لأنها تحت الاشراف الخاص للمرجعية، وترتبط بها ارتباطاً معنوياً وادارياً.
وتقوم هذه المنظمات والمراكز المستقلة بالعمل والسعي؛ لتحقيق أهداف خاصة معينة، ترتبط بعموم القضية العراقية، مثل: منظمة للاغاثة، أو لحقوق الانسان، أو مركز للدراسات الاستراتيجية، أو للدراسات التاريخية، أو لرعاية الكوادر والصفوة وتربيتها.
ويتخذ قرار تشكيلها، أو القبول بها - إن وجدت - من قِبل المجلس السياسي أو المرجع، أو من قبل المؤسسات العامة الصالحة، ويتمّ وضع نظام داخلي لها يوضّح طريقة عملها، وعلاقتها بالمؤسسات المذكورة، ويتمّ التنسيق معها، من خلال المجلس المركزي أو بصورة مباشرة، وتلتزم بالسياسات العامة، أو تفاصيلها حسب طبيعة علاقتها، ومستواها، والتي تقرها المرجعية الدينية.
ولابد في هذه المؤسسات المستقلة أن تجسّد المنهج العام في التحرك السياسي والاجتماعي، من خلال الالتزام بالنقاط التالية:
1. المركزية للمرجعية في الاشراف، وفي التخطيط العام، والتوجيه، والاسناد، وفي السياسات العامة، واللامركزية في التخطيط التفصيلي، وفي الادارة، وفي التنفيذ وفي الامكانات، حيث تتحمل المؤسسات ذلك بصورة مستقلة.
2. الاهتمام بملئ الفراغات في ساحة العمل، والعمل على سدِّ النقص، وتلبية الحاجات العامة.
3. المحافظة على المرونة في الحركة والواجهات، مع الانتماء إلى الاسلام والمرجعية واقعياً.
4. الاهتمام بقضايا الاسلام، والأمة العامة، وعدم الوقوع في أمراض الفئوية، أو الانغلاق على الذات.
5. الايمان بالاطار العام للتحرك، المتمثل بالمرجعية، والمؤسسات العامة الصالحة والالتزام بالثوابت المطلوبة فيه.
المؤسسات العامة الصالحة
الركن الرابع: لقد تقدم - في بداية شرح التصور النظري للقيادة والمؤسسات - انه توجد لدينا في تنظيم الأمة عدة أنواع من المؤسسات:
النوع الأول: المؤسسات العامة الصالحة، التي يتم من خلالها تنظيم الحركة العامة لأبناء الأمة عموماً، وينخرط فيها أبناء التيار الالهي - تيار حزب الله والمرجعية - ليقوموا بدورهم المتميز الواعي المسؤول، في الجهاد والعمل في سبيل الله، من خلالها ويمارسوا نشاطهم العام في خدمة الاسلام والمسلمين، والدفاع عن العقيدة والمظلومين، وايجاد التغيير الاجتماعي الصالح المطلوب، في اخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتحقيق الحق والعدل، ونشر الهدى والصلاح بين الناس.
وقد قلنا انّ القسم الأهم - من عملنا في صفوف الأمة - سوف يكون ضمن هذه المؤسسات الإسلامية العامة الصالحة، الروحية العبادية: كالمسجد، وأماكن الزيارة، والحسينية، أو الثقافية: كالحوزة العلمية، والمنبر الحسيني، والمكتبات العامة، والمدارس والمراكز الدينية الثقافية وغيرها من المؤسسات العامة، أو الاعلامية والتربوية: كالتبليغ الاسلامي والصحافة الإسلامية والراديو ووسائل النشر والتبليغ الأخرى، أو السياسية كالمنظمات والجمعيات والحركات الإسلامية الصالحة، أو الجهادية كالتشكيلات الجهادية العامة - المقاومة الإسلامية - التي قد تفرضها ظروف العمل والحركة.
وقد أشرت سابقاً إلى ضرورة وجود هذه المؤسسات العامة، لأسباب ثلاثة: اعداد القوة المطلوبة، واجتناب السقوط بمرض الفئوية الخطير، والبقاء مع الأمة في حركتها وعدم العزلة عنها.
ونظرتنا إلى هذه المؤسسات - كما ذكرنا سابقاً - انّها مؤسسات حقيقية، ذات قرار نافذ، يقوم على نظام وأسس وضوابط محددة، وانها ليست مجرد واجهات، تستخدم لتعبئة الجماهير أو كسب الأفراد، ويختفي وراءها القرار الخاص للمرجعية.
وهذا هو الفرق بين نظرتنا إلى المؤسسة، ونظرة وفهم التنظيمات الحزبية لها، التي ترى: بأنّ القرار يكون للحزب، وانّ هذه المؤسسات هي مجرّد واجهات يمكن الاستفادة من ايجادها، أو من الموجود منها، مما عرفته الأمة في طول تاريخها.
ويكون دور المرجعية الاجتماعية السياسية الدينية في مجال هذه المؤسسات العامة الصالحة هو:
أ) إيجاد واسناد وبناء هذه المؤسسات، بمقدار ملئ الفراغات المطلوبة في مجالها، وتنويع نشاطاتها؛ لتستوعب عموم النشاطات العامة أو تقوية وجودها.
ب) ترشيدها، وتطويرها، والتخطيط العام لها، وتوجيه حركتها ضمن الأهداف العامة للقضية؛ لتؤدي دورها الطبيعي العام.
ج) العمل على استيعاب عموم أبناء التيار الصالح، وغيره من أبناء الأمة في مجمل حركتها ونشاطها.
د) توظيف طاقاتها وامكاناتها في خدمة الأهداف المقدسة للأمة، وتعبئة طاقاتها الكامنة لهذا الغرض.
هـ) ايجاد الارتباط المناسب بها - المباشر أو غير المباشر - حسب ما تقتضيه ظروفها، وظروف العمل السياسي، والاجتماعي العام، وتطوراته، وذلك بما يؤمِّن مبدأ قيمومة المرجعية الدينية على عموم العمل الاسلامي السياسي.
وتتحمل هذه المؤسسات - كما تقدم - تنظيم الحركة العامة للأمة في المجالات المختلفة، والضابطة العامة التي تحدد طبيعة الأعمال التي تقوم بها هذه المؤسسات:
انّ كل عمل يتم تسميته باسم الأمة، أو يكون من أجل قضاياها العامة، ويطلب فيه مشاركة مختلف الأصناف والطبقات، فمن الضروري أن يتم باسم هذه المؤسسات العامة أو باسم المرجعية نفسها، ويكون دور المؤسسات الأخرى الخاصة، أو التخصصية هو اسناد هذه الحركة أو المساعدة في اجراءها وتنفيذها.
فالتظاهرات والمسيرات، والعمل العسكري العام، والأعمال السياسية العامة في العلاقات، والمواقف ذات العلاقة بمصير الأمة، والتمثيل لحركة الأمة، والأعمال الثقافية العامة في التربية والتعليم والتزكية والتبليغ، ومايشبه ذلك من قضايا أخرى، كلّها أمور لابد أن تقوّم بها هذه المؤسسات العامة.
وتقوم مؤسسات القيادة - المكتب المركزي، أو المؤسسات ذات العلاقة به - بدور التنفيذ والتخطيط، دون أن يكون لها دور مهم في الواجهة العامة لحركة الأمة؛ لأنّ المرجعية هي واجهتها المتحركة، وهي مؤسسات وجدت من أجل تمكين المرجعية من العمل والحركة.
وأما المؤسسات التخصصية المستقلة، فهي تقوم بأعمال ضمن تخصّصها في الوقت الذي تمارس دورها في الاسناد والتنفيذ للمؤسسات العامة.
المنظمات الخاصة
الركن الخامس: لابد أن نؤمن بضرورة وجود هذا النوع من المؤسسات؛ لأنّ الأمة في سعة دائرتها، وتعدد الاجتهادات والآراء فيها، وطبيعة بعض النشاطات والأعمال فيها، لا يمكن أن تصاغ ضمن سياسات موحدة، بل لابد أن تقوم فيها مؤسسات مختلفة الهوية - سياسية وثقافية، ومهنية، ودينية، وتعليمية - كأفراز طبيعي لحركتها، وهذه التعددية مضافاً إلى انها أمر طبيعي في حركة الأمة، يمكن أن نعتبرها عاملاً ايجابياً في حركة الأمة ونهوضها وحياتها وتطورها.
ولكن المهم في هذه التعددية أن نحافظ على:
1. وحدة الأمة من ناحية اعتصامها بحبل الله تعالى والأصول العقائدية والثقافية والسياسية، التي تشكل العقيدة السياسية والميثاق الجامع لها، الذي يوحد مسارها العام.
2. وحدة الموقف تجاه القضايا المصيرية للأمة، في حركتها، أو في مواجهة أعدائها.
3. على وحدة الهدف العام، الذي تسعى إليه في اقامة الحق والعدل بين الناس.
ولذلك لابد أن نشترط في هذه المؤسسات الخاصة: الشرعية، والهدفية - الصلاح -، والالتزام بـوحدة الجماعة، وعدم الخروج عليها، وتفصيل الحديث في ذلك له مجال آخر تحدثنا عنه في عدة مواضع.
ومن اللازم للمرجعية الدينية عندما تشخص هذه الشروط الثلاثة، أن تقوم برعاية هذه المؤسسات، والاهتمام بها والتعاون معها.
كما يجب على هذه المؤسسات، الايمان والقبول بدور المرجعية العام في هذه الرعاية والقيمومة؛ لأنّ هذا هو جزء من الثوابت الشرعية من ناحية، ويجسّد وحدة الجماعة من ناحية أخرى.
الفصل التاسع
شروط المرجعية الدينية السياسية
إذا قلنا بالتعددية والتخصص في المرجعية، فما هي الشروط العامة التي لابد من توفرها في المرجع الديني السياسي؟ وهل تختلف عن الشروط العامة المطلوبة في المرجع الديني في الفتيا والفكر؟
وبصدد الجواب عن هذا السؤال، يمكن أن نذكِّر: بأنّ الشروط المطلوبة في المرجعية السياسية، هي: الشروط نفسها المطلوبة في المرجعية في الفتيا، مع اختلاف في الدرجة وبعض الخصوصيات والمواصفات، ولتوضيح ذلك نذكر هذه الشروط واحداً بعد الآخر:
اولاً: العــلم
تقدم انّ العلم في المرجعية في الفتيا لابد أن يكون على مستوى الاجتهاد المطلق الفعلي في استنباط الأحكام الشرعية، ولا يكفي الاجتهاد المطلق على مستوى الملكة، فضلاً عن الاجتهاد المتجزئ، بـل لابد أن يكون هو الاعلم بين المجتهدين في موارد الخلاف عند تعدد المجتهدين، كما هو المعروف بين الفقهاء، ولكن في المرجعية السياسية الدينية، لابد في المرجـع أن يكون مجتهداً في المسائل الشرعية التي ترتبط بعمله السياسي، بحيث يكون قـادراً على تشخيص الموقف الشرعي الاسلامـي السياسي، في اطار الحكم الشرعي المستنبط مـن الكتاب الكريـم والسنة النبوية، ومن الواضح أنّ هذا القدر من الاجتهاد، والعلم، هو ادنى من المقدار المطلوب في المرجعية الدينية في الفتيا.
وهناك من يشكك في أعلمية المرجع المتصدي للاُمور السياسية، وإدارة شؤون الدولة، حيث يبعدهُ ذلك عن الدرس وطلب العلم، إذا كان المقصود بالأعلمية في الاستنباط والاجتهاد، فهذا التشكيك في محله، أما إذا كان المقصود الأعلمية في تشخيص المصالح السياسية، والموقف والرؤية السياسية، ومطابقة هذه المصالح والرؤية مع الشريعة، فهذا التشكيك ليس في محله، ومن ادعى شيئاً من ذلك لابد أن يأتي بدليل.
وبعكس ذلك، فإن الشخص الذي يشتغل بالأُمور السياسية سوف يكون أعلم بها، والذي يشتغل بالعلوم الدينية يكون أعلم، وهذا الدليل عكس المطلوب.
وعلى هذا الأساس لابد أن نلتفت إلى انّ الأعلمية، التي نشترطها في المرجعية الدينية في الفتيا، وإن كانت تشترط في المرجعية الاجتماعية السياسية أيضاً، ولكنها تختلف في المرجعية الفقهية عن المرجعية السياسية، فانها في المرجعية الفقهية هي الأعلمية في القدرة على استنباط الأحكام الشرعية، والكشف عنها ومعرفة أولويات الأهم والمهم فيها، وأما في المرجعية السياسية فهي الأعلمية في معرفة المصالح والمفاسد الاجتماعية، وأولويات الأهم والمهم فيها، من حيث الكم والكيف والطرق والأساليب، التي لابد من الالتزام بها، لاقامة الحق والعدل والمعروف بين الناس ومقاومة الظلم والطغيان، ومعرفة الموقف السياسي والتصدي لبيانه ومقاومة الانحراف والمنكر.
وبذلك يصبح التصدي للعمل السياسي، ولبيان المواقف العملية، والعمل الجاد من أجل تجسيدها خارجياً، من الشروط المهمة في المرجعية الدينية السياسية.
وشأن التصدي للعمل السياسي هنا شأن التصدي للفتوى، فكما إذا لم يصدر المرجع الفقهي للفتوى لا يمكن الرجوع إليه، بل يتم الرجوع إلى غيره حتى لو كان المتصدي غير الأعلم، كذلك إذا لم يتصد المرجع السياسي للعمل السياسي بأبعاده الثلاثة المذكورة أعلاه، فلا يصح الرجوع إليه، بل لابد من الرجوع إلى المتصدي، حتى لو كان غير الأعلم فقهياً أو غير الأعلم سياسياً.
كما انّ الأعلمية المذكورة، لما كانت تعتمد على المعلومات والمصادر ودقتها، وأجهزة المشورة السياسية والتمحيص والتحليل، يصبح توفر هذا الشرط من الشروط المهمة في تشخيص الأعلمية، فانّ من يملك من المراجع الدينيين السياسيين مثل هذه المصادر والأجهزة يكون ذلك سبباً للترجيح في الأعلمية.
ولكن قد يثار هذا السؤال وهو: ما ضرورة أن يكون المرجع في الأمور السياسية مجتهداً؟ ألا يكفي فيه أن يكون مقلداً للمرجع في الفتيا في الأمور الفكرية والشرعية؟.
انّ الضرورة في تستند إلى عدة أمور:
1. انّ المرجعية الدينية السياسية هي: - في حقيقتها ومضمونها - قيادة وولاية في العمل السياسي، من دون فرق بين مرحلة قيام الدولة الإسلامية، أو قبل قيامها، ولابد في الولاية من توفر شروط الاجتهاد؛ أما لوجود الدليل الخاص الذي يدل على ذلك، كما يستفاد ذلك من بعض النصوص الشرعية؛ أو لأنَّ المجتهد يمثل الفرد المتيقِّن من الأفراد الذين تم نصبهم للولاية، أو الذين يحق لهم تولّيها بعد ضرورة وجودها، كما هو رأي جماعة من الفقهاء(175).
2. انّ تطبيق الأحكـام الشرعيـة المهمة - في كثير مـن الموارد - على مصاديقها وموضوعاتها يحتاج إلى اجتهاد شرعي، وهذا يشبه ما يذكره الفقهاء من اشتراط الاجتهاد فـي مسؤولية القضاء، الذي ينحصر عمله عادة في تطبيق الأحكام الشرعية، بعد تشخيص موضوعاتها من قبله، ويوجد بحث وكلام حول هذه المسألة في الفقه الإستدلالي.
3. انّ معـرفة الاهم والمهم، والتمييز بينهما في المصالح الاجتماعية، عند التزاحم بين المصالح المتعددة، أو المفاسـد كذلك، أو بين المصلحة والمفسدة، يحتاج إلى اجتهاد؛ وذلك لأنّ المطلوب هو تشخيص الأهم والمهم في نظر الشارع المقدس، وتوجد في مجال العمل السياسي نقاط دقيقة، لا يمكن تصويرها من قبل القيادة لتطرح كسؤال على المجتهدين لمعرفة حكمها منهـم، بل تحتاج معرفتها الى درجة من الممارسة للواقع العملي، الذي يمارسه القائد السياسي عادة، وفهمه له في ضوء الشريعة التي لابد أن يستنبط حكمها، أو نظرتها إليه من مصادرها الصحيحة.
4. انّ العمل السياسي ليس مجرد تشخيص موقف للناس، بل هو - مضافاً إلى ذلك - عمل تعبوي للناس؛ من أجل تجسيد الموقف نفسه خارجاً، وهذا يحتاج إلى درجة عالية من الوثوق، والاطمئنان بالحكم الشرعي، حتى يمكن للقائد أن ينقل ثقته واطمئنانه إلى الناس، في حركته السياسية التعبوية، وهذا انّما يتحقق من المجتهد، الذي تحصل له عادة الوثوق بمطابقة قراره للحكم الشرعي، من خلال اجتهاده في الحكم وتشخيص موضوع الحكم خارجاً، وبـذلك يتحمل مسؤولية قرارته الشرعية، والسياسية معاً، ولعل هذا - الأمر الرابع - هو الذي يعبر عن الحكمة في قرار الشارع، بأن يكون القائد السياسي مجتهداً، أو مايراه العقلاء من انّه يمثل القدر المتيقن لمصداق القائد الديني، وهو ما ذكرناه في الأمر الأول.
ولهذه الاسباب قلنا بأنّ العمل السياسي العام، لابد أن يكون تحت الاشراف المباشر للمجتهد، وبدون ذلك لا يكون عملاً مشروعاً، إلاّ في موارد استثنائية، أو واضحة، أو يأذن بها المجتهد الجامع للشرائط.
ثانيا: العدالة
وأما العدالة، فلابد من وجودها بمستوى عال، إن لم نقل بضرورة وجـودها بمستوى أعلى من المرجع في الأمور الفكرية والفقهية؛ وذلك لأن الظروف التي يواجهها المرجع في المجال الاجتماعي، والضغوط التي توجه إليه في هذا المجال، والمغريات التي يتعرض لها، وكـذلك المزالق التي يمكن أن يقع فيها، وطبيعة الظروف، والمحيط الذي يتحرك فيه المرجع في مجاله الاجتماعي، كلها ظروف تشكل نوعاً من الابتلاءات تكون أشد - عادة - من تلك التي يتعرض لها المرجع ذاته في المجال الديني، وللمتأمـل في هذا الموضوع يجد الفرق في طبيعة الابتلاء الذي تتعرض له المرجعية في الحالتين(176).
فشرط العدالة في امام الجماعة - مثلاً - يختلف في مستواه عن شرط العدالة في المرجع، الذي لابد أن يكون أعلى؛ لأن طبيعة المسؤوليات والابتلاءات التي يتعرض لها المرجع أشد وأقوى، ولذا فانّ مستوى العدالة لابد أن يتناسب دائماً مع طبيعة ذلك الامتحان وتلك الابتلاءات.
فالضغوط التي يتعرض لها امام الجماعة، ذات علاقة بحسن الظاهر من التقيد بالواجبات والمحرمات العامة: كالصلاة، والزكـاة، أو الإمتناع عن شرب الخمر، أو الزنا أو الكذب، والغش في المعاملة مثلاً، أما تلك التي يتعرض لها المرجع فهي اغراءات المقام والمنصب والجاه.
وعلى سبيل الفرض - مثلاً - في مسألة الفتوى والحكم عندما يتحرك المجتهد في دراسة الدليل وفهمه يواجهه نوعان من الأحاسيس:
أحدهما: الذاتية مثل: الاستحسانات والميول والرغبات ذات العلاقـة بطبيعة الحكم الشرعي، إذ ربما تميل بـه لفهم الدليل باتجاه معين في مقابل الفهم الآخر.
فلابد للمرجع في الفتيا أن يكون على مستوى عال من العدالة تمكنه من السيطرة على النوازع، والميول، والرغبات، والاستحسانات الداخلية الذاتية، ويضبطها ضبطاً محكماً، بحيث لا تؤثر على فهمه، وطريقة استخدامه للقواعد، والضوابـط في عملية الإستنباط. وهذا النوع من الضغوط، يكاد لا يواجهها إمام الجماعة أو الشاهد الذي يشهد على أمر حسي لا يدخل فيه جانب الذوق والاستحسان والميول.
وثانيها: الضغوط الاجتماعية التي تؤثر فـي فهم الدليل، من قبيل: رغبته أن يكون الحكم ميسراً ومرغوباً من الناس، أو ميسّراً له في سلوكه العام معهم، وهذا مما لا يواجهه امام الجماعة - مثلاً -.
وأما في المرجعية السياسية الدينية فهناك نوع آخر من الضغوط الاجتماعية والسياسية والامتحانات والتحديات والاثارات وتشابك المصالح والمفاسد، تحتاج إلى درجة عالية من التقوى والعدالة والارادة القوية.
ثالثاً: الخبرة في العمل الاجتماعي
ومضافاً إلى هذين الشرطين، نجد انّ المرجعية في العمل السياسي والاجتماعي، تحتاج إلى الاختصاص بنوع من الشروط هو: الخبرة في الأمور الاجتماعية، بحيث تؤهل المرجع إلى أن يدير العمل الاجتماعي بصورة جيدة، وهو ما يسمى بحسن التدبير، ولابد أن يكون مؤهلاً، ليرجع إليه الناس في مواقفهم وحركتهم اليومية، وبذلك تصبـح الخبرة شرطاً من شروط هذه المرجعية بالذات؛ لأن المرجع في الفتيا، قد يحتاج إلى نوع مـن المعرفة في الأمور الاجتماعية بما يتناسب وضرورة فهمه للموضوعات الاجتماعية، وتطبيقه للحكم الشرعي على ذلك الموضوع، لكن مع قطع النظر عن هذا المستوى من الفهم الاجتماعي، لا يحتاج المرجع في مجال الفتيا إلى مثل هذه الخبرة الاجتماعية، التي تمكنه من معرفة وتشخيص المصالح والمفاسد، ومعرفة وتشخيص الأولويات في هذه المصالح والمفاسد، بخلاف المرجع في الأمور السياسية، فانه يحتاج إلى ذلك؛ لأن المرجع في العمل الاجتماعي والسياسي يواجه دائماً قضية اتخاذ الموقف، واتخاذ الموقف يرتبط بتشخيص المصلحة الخارجية، وتشخيص المفسدة الخارجية، ليتطابق الموقف مع جلب المصلحة، أو دفع المفسدة، وهذا هو الدور الرئيس للمرجع في العمل الاجتماعي، فهو يشخص الموضوع بكل أبعـاده، ثم يشخص الأهداف العامة، ويقول للامة: ان هذا الطريق هو الذي يوصل للأهداف، ويحقق المصالح الإسلامية، وانّ ذلك السبيل الآخر فيه الضرر والمفسدة.
وكذلك الحال في إدارة الأمور الاجتماعية وتوجيهها، وتعبئة الاُمة، فأن هذه الأمور لا يحتاجها المرجع في الفتيا، لنشترط المعرفة والخبرة فيها.
رابعاً: تصدي المرجعية السياسية
وهناك شرط آخر مهم جداً، وهو التصدي للعمل الاجتماعي، والتصدي لتحديد الموقف تجاهـه، والتصدي شرط مـن شروط المرجع في القضايا الاجتماعية، وعليه أن يمارس هذا العمل الاجتماعي، ويحدد المواقف اللازمة له، وبـدون ذلك لا يصح الرجوع إليه، وشأنه في ذلك شأن المرجع في الفتيا، الذي لابد له ان يتصدى للفتيا، ويقدمها للامة على شكل رسالة عملية؛ للرجوع اليها من قبـل أبناء الامة، وبدون ذلك لا يتم الرجوع اليه، كما أنه لـو توقف عن اصدار الفتوى، فأنه لا يمكن الرجوع إليه، بل يرجع إلى المجتهد الآخر، كما هو في موارد ما يسمى بالاحتياط، كـذلك الحال بالنسبة للمرجعية السياسية الاجتماعية، فما دام هو المرجع في الامور الاجتماعية، فعليه ان يتصدى لذلك، ويبين ويتخذ المواقف المطلوبة للامة، ويعمل على تجسيدها عملياً.
|