حقوق المرجعيـة

إلى جانب هذه الوظائف، لابد من تشخيص الحقوق لكل من هاتين المرجعيتين المتخصصتين.

أما المرجعية الدينية الشرعية، فيمكن أن نتصور الحقوق فيها بصورة اجمالية في النقاط التالية:

أ) الرجوع اليها في أخذ الحكم الشرعي والفكر الاسلامي الصحيح، وهو ما يصطلح عليه بـ (التقليد).

ب) الالتزام بارشاداتها وهديها في مهمة التعليم والتثقيف والتزكية، أي: الرجوع إليها في قضية ما يسمى بـ (التبليغ).

ج) مساعدتها على أداء واجباتها، برفدها بالأموال والحقوق الشرعية وبأفراد المدرسين والدارسين والمتعلمين في الحوزات العلمية - طلبة العلوم الدينية والأساتذة-.

د) المحافظة على استقلالها ومؤسساتها الدينية عن التأثير عليها من خارج اطارها واسنادها في ذلك.

أما المرجعية الدينية السياسية، فيمكن أن نتصور الحقوق فيها بصورة إجمالية في النقاط التالية:

أ) الالتزام بالمواقف والطاعة للقرارات الالزامية التي تتخذها في شؤون الحركة السياسية، التي يمكن أن نسميها: بالمتابعة السياسية للقيادة، وهي توازي التقليد في المرجعية الدينية الشرعية.

ب) المشاركـة والمساهمة في التعبئة الروحية والمعنوية والسياسية التي تقوم بها، وفي تنظيم الحركة ومؤسساتها ونشاطاتها.

ج) تقديم الدعم بالامكانات المالية لهذه الحركة بتخصيص جانب من الحقوق الشرعية والهبات وتوفير الموارد الاقتصادية لها، ولو على شكل مؤسسات اقتصادية.

د) إدامة الارتباط والعلاقة بها عن طريق الاتصال المباشر بـالمرجعية السياسية، وكذلك عن طريق الاتصال بالوكلاء والمكاتب والمراكز المعتمدة لهذه المرجعية.

ومن الواضح أنه قد تتداخل بعض هذه الواجبات والحقوق في بعض الساحـات أو النتائج، ولكن هذا التشخيص يشكل ضمانة جيدة للتكامل بينهما، ويحول دون وقوع الإختلاف(159).


العلاقة بين المرجعيتين

لاشك انّ الولاية العامة للمسلمين إذا توفرت شروطها، كبسط اليـد في دولة إسلامية وانتخاب الأمة فيها - بصورة عامة - للولي لهذه الولاية العامة، والتصدي من قبله لأمور المسلمين العامة وأهليته الشرعية لها، فانها تكون حاكمة ومقدمة على المرجعية السياسية المحلية، كما هو الحال في الولايات التابعة لها، وتكون المرجعية السياسية في طول الولاية العامة.

وكذلك إذا كانت المرجعية الدينية المتصدية للعمل السياسي أصبحت مرجعية عامة ومنتخبة من الأمة بصورة طبيعية، فأنه يجري الحكم السابق عليها كذلك، حيث تكون المخالفة لها خروجاً على جماعة المسلمين.

ويكون نفوذ المرجعية السياسية المحلية بأحد الصور التالية:

1. قيام الولاية العامة بتوكيلها وتكليفها للقيام بهذه المسؤولية المحلية.

2. أن تقوم المرجعية السياسية المحلية بالعمل السياسي بمبادرتها، ولكن بأمضاء الولاية العامة لها من خلال الاعتراف بها وقبولها.

3. أن تقوم الولاية العامة باصدار الاذن العام بالتصدي السياسي للمجتهدين السياسيين، بعد تشخيصها انّ المصلحة تكون بهذا التصدي، ويمكن أن يكون هذا الاذن ضمن المتبنيات العامة للولاية أو سياساتها العامة.

4. أن تمتنع الولاية العامة أو تحجم عن التصدي كلياً أو جزئياً في الساحة المحلية، اما لعدم وجود المقتضي والاكتفاء بالمتصدين المحليين، أو لوجود الموانع السياسية بسبب المعاهدات والمواثيق الدولية، أو الحساسيات المحلية، أو مزاحمة المفاسد، أو وجود أولويات أخرى تقدمها الولاية في تصديها على التصدي الشخصي لها في هذه الساحة أو غير ذلك من الأسباب، وعندئذ يكون تصدي المرجعية المحلية نافذاً في حدود عدم التصدي والأحجام.

نعم لو رأت الولاية انّ المصلحة العامة هي عدم تصدي هذه المرجعية السياسية المحلية فيمكن اشعارها بذلك فلا يكون عندئذ نفوذ للمرجعية المحلية.

وأما إذا لم تتوفر احدى الفرضيتين السابقتين في الولاية: بسط اليد في الدولة الإسلامية أو المرجعية الدينية المتصدية العامة تكون المرجعية السياسية المحلية حرة في ممارسة دورها بصورة عامة.

وعلى جميع تقادير هذه الصور، وفي الظروف السياسية القائمة، سوف نجد مساحة كبيرة وواسعة لتصدي المرجعية السياسية المحلية.





الفصل الثامن


المرجعيـة الموضوعية
الدينية السياسية الاجتماعية
والحركة
السياسيـة والمؤسســات


تقدم(160) انّ النظرية التي نؤمن بها في العمل السياسي بصورة عامة هي نظرية الإمامة، والولاية والمرجعية الدينية، والتي تمثل امتداداً لحركة الأنبياء، وخاتمهم محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام)، حيث تقوم هذه النظرية على أساس مرجعية الفقيه الجامع للشرائط في الفتيا والقضاء، وكذلك في الأمور الاجتماعية والسياسية، عند عدم قيام الدولة الإسلامية نيابة عن خاتم الأوصياء الامام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) في عصر الغيبة الكبرى، أو ولاية الفقيه الجامع للشرائط للأمور العامة في فرض قيام الدولة، وذلك عند عدم تصدي الامام المنصوب من قبل الله تعالى بالتعيين.

وهذه المرجعية الدينية والمسؤولية الاجتماعية هي غير مسؤولية الفقيه عن الفتوى في الأمور الدينية ذات العلاقة بتشخيص الحكم الشرعي وابلاغه للمكلف، وقد تجتمع هذه المسؤوليات في شخص واحد، وقد تتوزع على أكثر من شخص.

وهذا المبدأ النظري - الولاية - يكاد يتفق عليه جميع علماء الامامية وأكثر علماء المسلمين، وإن اختلفوا في حدود هذه الولاية وسعة دائرتها، أو الاستدلال عليه.

وقد تناوله الفقهاء بالبحث والتمحيص في أبعاده المختلفة، واستعرضه الامام الخميني (قدّس سرّه) في كتابه (الحكومة الإسلامية)، والامام الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في الكراس المعروف بـ (خلافة الانسان وشهادة الأنبياء) وتناولناه بشيء من البسط والتنظير في كتابنا (الحكم الاسلامي بين النظرية والتطبيق).

وقد مارس الفقهاء والعلماء هذا المبدأ، في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والفردية، وعلى مدى العصور الماضية حتى زمن الأئمة (عليهم السلام)، ولكن ظهرت أهمية هذا المبدأ الفكري الاجتماعي والسياسي في العقود الأخيرة عندما تعرضت الدولة الإسلامية إلى خطر الانهيار، وكذلك بعد انهيارها، حيث وقعت الأمة الإسلامية تحت حكم الأجنبي، أو النظم غير الإسلامية، فبرزت الحاجة إلى تحمل مسؤوليات جديدة تجاه قضايا الأمة، في مقدمتها مسؤولية الدعوة للعودة إلى الحياة الإسلامية، ووجدنا حينئذ علماء الاسلام والمراجع العظام يتصدون لهذه المسؤولية بالأساليب المتعددة، ولاسيما في العراق وايـران، أمثال الميرزا محمد حسن الشيرازي الكبير، وآية الله المحقق الخراساني - صاحب الكفاية - وآية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي، وآية الله شيخ الشريعة الاصفهاني، وفي العقود الأخيرة، الامام الحكيم، والامام الشهيد الصدر، والامام الخوئي والامام الخميني (قدّس سرّهم)، الذي وفّقه الله تعالى أخيراً لأحياء هذا المبدأ عملياً من خلال اقامة الحكومة الإسلامية في إيران على أساسه، وبذلك أصبح هذا المبدأ الفقهي أهم المبادئ الإسلامية في العصر الحديث، الذي ارتبط به وجود الأمة وحركتها وطبيعة صراعها مع قوى الاستكبار العالمي ومنهجها في عودة الاسلام إلى الحياة وبناء المجتمع الاسلامي.

وانطلاقاً من ذلك أخذت المناهج الإسلامية في التحرك السياسي، وكذلك القوى والكيانات السياسية الإسلامية تتميز بهذا المبدأ الفقهي السياسي، ليس على المستوى النظري والفكري فحسب، بل على مستوى مناهج العمل السياسي العام، والخطوط الثابتة للحركة السياسية والاجتماعية، والأهداف الكبرى للأمة، والقرارات، والمواقف، والتحالفات السياسية العامة أيضاً، بل وحتى على مستوى الحركة السياسية اليومية أحياناً، ولاسيما في مرحلة ما قبل قيام الدولة الإسلامية، والعمل من أجل العودة إلى الاسلام، وايجاد التغيير الاجتماعي الصالح.

ونحن في هذا الفصل لا نريد أن ننظَّر لهذا المبدأ الفقهي، أو نؤرخ للحركة السياسية التي التزمت به، أو نقارن بينها وبين الحركات الأخرى، للتمييز والترجيح، لأننا قد فعلنا ذلك سابقاً في مناسبات عديدة(161)، بل نريد أن نتجاوز ذلك إلى تأكيد حقيقة خارجية وهي وجود حركة سياسية في الساحة الإسلامية تتبنى هذا المبدأ الفقهي، وتعتقد به، وتضحي من أجله، ولهذه الحركة عقيدتها السياسية الخاصة(162)، وتاريخها الطويل، وخصائصها المنهجية الثابتة، والمتحركة، وأخلاقيتها في العمل، ومواقفها السياسية، والتزاماتها العملية العامة، وحركتها اليومية(163).

وهنا تثار أمامنا مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى معالجة واقعية ودقيقة، وتتسم بالوضوح، نحاول أن نعالجها في هذا الفصل، وهي تدور حول المحاور التالية:

تشخيص عنوان الهوية السياسية لمثل هذه الحركة، وتوضيح خصائصها (النظام والمنهج العام الذي يحكم هذه الحركة) (الصيغة التنظيمية العامة والادارية لهذه الحركة) (والمؤسسات التي تدير أعمال ونشاطات هذه الحركة السياسية) مواصفاتها ومسؤولياتها ووظائفها.

ولابد أن نشير في البداية إلى عدة أمور:

أولاً: إلى انّ هذه المعالجة لا تمثل تطوراً جديداً في الفهم النظري، بقدر ماهي تصور للحركة السياسية للهيكل التنظيمي، ومعالجة عملية للأوضاع التي يعيشها التحرك في هذه المرحلة، ولابد من النظر إليها من هذه الزاوية، وهي قابلة للتقييم والتجديد؛ لأن الفهم النظري يقوم على أساس نظرية المرجعية الصالحة التي استعرضناها في الفصول السابقة.

ثانياً: انّ هذه المعالجة أصبحت ضرورية، بعد التطور الكبير الايجابي الذي تحقق للحركة السياسية الإسلامية، من حيث حجم تيار الولاية وحركته ومسؤولياته ودوره الأساس فيها.

ثالثاً: انّ هذا العمل يمثل خطوة ضرورية أيضاً لأي تطور مستقبلي نسعى إلى تحقيقه في مجال تعبئة الأمة وتوعيتها، وتنظيم حركتها، وتطوير مساهمتها في التغييـر بصورة عامة، وعلى أساس هذه النظرية أيضاً.


أولاً: الهويـة والاطار العام


(أ) الهـوية

يمكن أن نجد عنوان هويتنا في الولاية وفكرة الامامة الالهية التي تمثل امتداداً لحركة الأنبياء.

كما يمكن أن نجد هويتنا أيضاً في المرجعية الدينية في عصر الغيبة، والتي مرّت بمراحل في تطورها، والتي يتولى فيها الفقيه الجامع للشرائط اجمالاً مسؤوليات الافتاء والولاية والقضاء.

كما يمكن أن نجد جذور هويتنا في حركة العلماء الصالحين في الأمة التي كانت، ولايزال يمثل فيها الصالح العام محور الولاء لله تعالى وللاسلام والتقديس والاحتـرام من ناحية، ورأس النشاط والمبادرة والتوجيه في الحركة من ناحية أخرى.

وفي الأخير يمكن أن نجد هويتنا في حركة الانسان المؤمن بالله والذي ينحاز لكل ماهو إلهي وشرعي، ويلتزم به ويدافع عنه ويضحي من أجله، هذه الحركة التي سماها القرآن الكريم: حزب الله.

ولذلك يمكن أن نطلق على حركتنا السياسية اسم: الولاية و المرجعية الدينية و العلماء وحزب الله.

ولكن مع كل ذلك يبقى السؤال مفتوحاً، عن انّ هذه الحركة ماذا تمثل في منهج العمل؟ هل تمثل حزباً سياسياً منظماً يلتزم هذه المبادئ والأخلاق؟ فهو مؤسسة سياسية تخضع للنظام والمنهج الحزبي مثل: حزب الله في لبنان، أو تمثل مرجعية دينية تمارس العمل السياسي والاجتماعي، مثل: المراجع الدينيين في الفتيا، الذين مارسوا العمل السياسي وعرفناهم في تاريخنا، أو لا هذا ولا ذاك؟.

ويمكن الاجابة بالتالي:

أ ـ انّ هذه الحركة لا تمثل حزباً سياسياً؛ وذلك لأنّ الحزب السياسي لديه نظام داخلي، يحدد الواجبات والمسؤوليات والحقوق والعلاقات، التي تنظم جميع الأشخاص الذين يرتبطون بهذا الحزب والمستويات القيادية فيه، والعهد والميثاق في الحزب يتم على أساس هذا النظام، بل قد يكون الحزب - في بعض حالاته الصحيحة - مؤسسة من مؤسسات هذه الحركة؛ لأنّ الولاء السياسي في الحزب بدون هذا الانتماء انّما هو للتنظيم، وقد يحصل الزعيم السياسي للحزب - أحياناً - على ولاء خاص وقد يكون هذا الولاء أحياناً أكبر من الولاء للحزب، ولكن ذلك يتم خارج طبيعة العلاقات الحزبية، والنظام الداخلي وخارج الثقافة الحزبية العامة(164)، وأما في المرجعية الدينية فالولاء فيها بعد الله والمعصومين للمرجع.

ب ـ كما انه لا يوجد في هذه الحركة السياسية مرجعية دينية، بالمعنى التقليدي المعروف - الذي يمارس فيها المرجع مهام الفتيا والقضاء كأحد الواجبات الأساسية - ويحظى فيها المرجع بقدسية خاصة، وعلاقة متميزة عالية، من خلال الالتزام بتقليده في الفتيا بالأصل، وتراكم التربية الدينية لدى الأمة على تقديس هذا الموقع الخاص، وبالتالي الطاعة له - ولو نظرياً - والايمان بأنه الحاكم الشرعي؛ وذلك لأن الارتباط السياسي بالمرجع - عند ممارسته للعمل السياسي - عادة يكون متفرعاً على الارتباط الديني به في الفتيا والتقليد، ومن خلال كفائته السياسية العملية، وأما هنا فانّ الارتباط بالمرجع يكون على أساس تصديه للعمل السياسي الاجتماعي وانه الأكفئ في هذا الجانب من المسؤوليات الأساسية للمرجعية وتبقى قضية التقليد في الفتيا على حالها من التعدد؛ لأنّ أبناء الحركة الإسلامية الولائية، كانوا ولا يزالون يقلِّدون في الفتيا مراجع متعددين ولايرون في ذلك محذوراً في وحدة التيار السياسي والولائي.

ج ـ إنّ الواقع الفعلي لهذه الحركة السياسية الإسلامية هو وجود:

1. تيار سياسي واسع في الأمة، له خصائصه، ومميزاته، ومشتركاته، الفكرية والأخلاقية والسياسية، التي يرتبط أفراده من خلالها بعضهم مع الآخر، ويشكلون حركة سياسية قوية أحياناً، ومتـرددة أو ضعيفة أحياناً أخرى حسب ظروفها.

2. كما انّ الأشخاص المرتبطين بهذا التيار تتفاوت درجة اتصافهم بهذه الميزات والخصائص وفهمهم التصوري لها وتفاعلهم معها.

3. عدم وضوح صيغة تنظيمية - نظرية أو عملية - تعبّر عن الهوية والاطار، والقاسم المشترك لعملهم، أو لارتباطهم السياسي بعضهم مع بعض، إلاّ في حدود افتراض وجود شخصية علمية - مجتهد - سياسية متصدية، تصبح كالعنوان والرمز لهذا التيار.

وهذه النقطة الأخيرة - وهي عدم الوضوح - احدى النقاط السلبية المهمة، التي تشكل ضعفاً في حركة اطروحة المرجعية الدينية، تؤثر سلبياً في تماسك الجماعة المرتبطة بها وانسجامها في العمل؛ لأن الوضوح في، الصيغة والهوية السياسية، واستنادها إلى مبدأ عقائدي شرعي، له جذور تاريخية، من أهم معالم القوة في العمل السياسي، ولكن هذه الهوية والصيغة الواضحة لها لا يمكن أن تفرض - بطبيعة الحال - على الواقع السياسي للحركة دون أن يكون لها قاعدة نظرية، وواقع موضوعي، ودون أن تمر بالمراحل الطبيعية في فهم الأمة ووعيها، وفي تجارب التصدي والمتصدين والأساليب.

وأعتقد انّ هذه النقطة من أهم - إن لم تكن أهم - النقاط ذات العلاقـة بتشخيص الهوية.

أما القاعدة النظرية فيمكن أن نجدها في نظرية المرجعية الصالحة، القائمة على أساس التخصص.

وأما الواقع الموضوعي، فهو يحتاج إلى تصدٍ حقيقي للعمل السياسي، والاجتماعي، من قبل أشخاص واجدين للشروط المطلوبة، وأكفاء في العمل السياسي، وإلى ثقافة اسلامية عامة على معالم هذه النظرية.

ولذلك لابد من القيام بعمل ثقافي، وتربوي، واسع إلى جانب ممارسة واقعية موضوعية للمرجعية الدينية السياسية؛ من أجل تحقيق هذا الوضوح نظرياً وعملياً.


(ب) المرتكزات الثـقافيـة للمرجعية السياسية

ويمكن أن يتم هذا التثقيف على أساس عدة مرتكزات:

1. الايمان العقائدي بنظرية: المرجعية الدينية الصالحة، وفكرة التخصص والتمييز عملياً بين المرجعية الدينية في الفتيا، والمرجعية الدينية السياسية، والتي تعني الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط، في خصوص الأمور السياسية والاجتماعية، ويكون الأساس في هذا التمييز هو ما ذكرناه في الفصول السابقة من أبحاث المرجعية الصالحة، ومن ذلك رؤية الامام الراحل (قدّس سرّه)، ومجلس الخبراء، في التغييرات الجديدة الدستورية، في القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية، فيما يتعلق بالولاية ومواصفاتها المطلوبة، حيث تم التمييز في المرجعية، بين دور المرجعية في الولاية السياسية ودور المرجعية في الفتوى والأحكام الشرعية، وانّ القيادة السياسية لا يجب أن تكون هي المرجع في الفتيا، كما انّ المرجعية في الفتيا لا يجب أن تكون هي المرجعية في الأمور السياسية، وانّ الدور الأساس في مجمل الحركة السياسية والاجتماعية انّما هو للمرجعية السياسية والقيادة السياسية، حيث يكتفى فيها، باشتراط الاجتهاد والعدالة، مع الخبرة السياسية والادارية، مع قطع النظر عن الأعلمية في الاستنباط أو الرجوع إليه في الفتوى.

ويتفرّع عن ذلك، انّ الرجوع في معالجة قضايا الأمة العامة، وفي بعض الأموال الشرعية، وفي تحديد الموقف السياسي و الجهادي، وبقية الأمور السياسية العامة انّما هو إلى المرجعية السياسية - الولاية - لا إلى المقلَّد والمرجع في الفتوى، إلاّ إذا اجتمعت القيادة السياسية مع المرجعية في الفتوى في شخص واحد، كما حصل ذلك بالنسبة للامام الخميني (قدّس سرّه) عند قيام الدولة الإسلامية، أو في أشخاص متميزين تمكنوا أن يجمعوا بمواهبهم الخاصة بين هذين الجانبين، كما حدث ذلك في مثل الميرزا الشيرازي الكبير، وفي الامام الحكيم، أو الشهيد الصدر، أو غيرهم.

وتصبح حينئذ الأفضلية والأعلمية في الشؤون السياسية والاجتماعية هي المرجح في الولاية والمرجعية السياسية.

هذا كلّه في حال قيام الدولة الإسلامية.

وأما في حال وظروف ماقبل قيام الدولة الإسلامية، والتي كانت المرجعية في الفتيا هي التي تـقوم - عادة - بهذه المهمة السياسية والاجتماعية، إلى جانب مسؤولية الفتيا والقضاء، فلابد من تطبيق فكرة التمييز بين المرجعيتين في هذا الظرف - أيضاً - ولاسيما مع التطورات الحياتية والمدنية والسياسية في عالمنا المعاصر، التي جعلت امكانية تصدي المرجع الواحد لكل هذه المهمات، محدودة وتواجه مشكلات عديدة، ومعقدة إلاّ في الحالات النادرة(165).

2. ارتباط تاريخ الحركة الإسلامية الولائية وجذورها الفكرية والسياسية بحركة المرجعية الدينية المتصدية للعمل السياسي وأدوارها في التاريخ بشكل عام، وفي مرحلتها التاريخية المتأخرة - المعاصرة -، ولاسيما الحركة السياسية لمرجعية الامام الحكيم والشهيد الصدر والامام الخميني (قدّس سرّهم).

والمقصود من الحركة السياسية لهذه المرجعيات الثلاث، هو عموم المواقف الثابتة المشتركة لها، في الدعوة لإقامة الحكم الإسلامي، ومقاومة الاستعمار، والدعوة لوحدة المسلمين، ونصرة قضية فلسطين، واستقلال المرجعية والحوزة واصالتهما، وكذلك المواقف المتحركة ذات البعد المحدود زمنياً، وكذلك النشاطات والأعمال العامة والعلاقات والذكريات والأحداث والتطورات السياسية والارتباطات العملية والشرعية، وكذلك تفسير الأحداث السياسية في الساحة الإسلامية، على أساس فهم انّ الدور الرئيس المؤثر فيها انّما كان لهذا التحرك الاسلامي المرجعي.

3. الايمان بأنّ ولاية الأمر - للجمهورية الإسلامية - تمثل الولاية العامة للمسلمين، في العصر الحاضر نظرياً، انطلاقاً من فكرة انّ الشعب المسلم في إيران هو الشعب الذي تمكن من تحرير نفسه، ومن امتلاك ارادته السياسية حتى الآن، ومن اقامة الحكم الاسلامي الأصيل، ولذلك فانّ الأمة في إيران هي القاعدة الإسلامية الأساس لجميع المسلمين، والجمهورية الإسلامية هي أم القرى للبلاد الإسلامية في العصر الحاضر.

كما انّها المؤسسة التي يمثل الدفاع عنها والحفاظ عليها القضية الأولى في عموم الاهتمامات الإسلامية.

ولكن من الناحية الواقعية - كما سوف نشير إلى ذلك - لا يمكن لهذه الولاية أن تمارس هذا الدور النظري، فعلياً وخارجياً بصورة كاملة، لذا يترتب على ذلك الاكتفاء بضرورة الانسجام مع المواقف العامة المركزية لهذه الولاية الإسلامية، في الشؤون الإسلامية لعامة المسلمين، أو الشؤون ذات الطبيعة المصيرية؛ للمحافظة على وجود النظام الاسلامي في إيران، والتي يشخصها ولي أمر المسلمين، مع وجود المرجعية السياسية في الساحات الإسلامية المختلفة.

ويترتب على ذلك أيضاً ضرورة وجود الصلة المباشرة لهذه المرجعية بهذه الولاية مع ولي الأمر بصورة أو أخرى، ومعرفة نظرها في القضايا الاستراتيجية والسياسات والمواقف العامة المهمة لتحقيق هذا الانسجام.

4. انّ القضية الإسلامية في أي بلد لابد أن ينظر إليها من قبل المرجعية السياسية لذلك البلد، انها القضية الأكبر والأهم من حيث الأولويات، وكذلك في حجم الاهتمامات الإسلامية العامة، التي يجب أن يبذلها المؤمنون من أبناء ذلك البلد، ولاسيما أبناء تيار الولاية في تلك الساحة، وكذلك من حيث الشعور بالمسؤولية المباشرة، التي يجب أن يتحملها أبناء التيار، ومن حيث الطابع السياسي العام لنشاطهم وحركتهم.

ويترتب على ذلك انّ التصدي للأعمال الأخرى في الساحات الإسلامية خارج ساحة ذلك البلد أو هذا الاطار- سواء كانت سياسية أم غيرها - تكون استثناءً يحتاج إلى مبررات شرعية أو واقعية(166).

5. الايمان بوجوب التصدي الواسع للاستبداد، والطغيان، والظلم المحلي والعالمي، من قبل العلماء المجتهدين، على أساس التخصص وتوزيع الأدوار بهدف رفع الظلم، وتحقيق العدل، وتحصيل الحقوق العامة لأبناء الأمة، واقامة حكم الاسلام، وكذلك ضرورة المساهمة مع العلماء الآخرين المتصدين في الدفاع عن الاسلام والمسلمين ضد قوى الطغيان والعدوان والاستكبار العالمي.

وقد كان هذا - بصورة إجمالية - هو فهم الامام الحكيم، والشهيد الصدر، والامام الخميني، والمراجع والعلماء لهذا المرتكز الثقافي، وهو ماعبّر عنه الشهيد الصدر بنداءاته المعروفة في خطابه، لأبناء الشعب العراقي ومنها كلمته (على كل عراقي في داخل العراق وخارجه أن يبذل كل مابوسعه لازاحة هذا الكابوس الجاثم على صدر العراق)(167).

6. الالتزام بمبدأ الجهاد في سبيل الله بمعناه الشامل، كطريق لتحقيق الأهداف المقدسة النبيلة، ونقصد بالشمول جميع ألوان التضحية والبذل والعطاء في الميادين الثقافية، والسياسية، والاعلامية، والقتالية، كل ذلك حسب الموازين والضوابط الشرعية والأخلاقية(168).