الفصل السابع
المرجعية والتخصص وتقسيم الوظائف
لقد ظهر لنا انّ تصدي المرجعية الدينية العامة للعمل السياسي قد يكون عسيراً أو غير ممكن؛ بسبب التحولات المدنية العالمية، أو بسبب التطورات الحاصلة في الأوضاع السياسية في العالم الاسلامي، أو بسبب القمع السياسي، وانّ ذلك سيؤدي إلى نتائج وآثار خطيرة في الحياة الإسلامية والمجتمع الاسلامي.
وهذا يستدعي طرح السؤال التالي:
ما هو العلاج والموقف مع وجود هذه التطورات والأخطار؟
يبدو واضحاً ان العلاج هو الالتزام بفكرة التخصص في المرجعية الدينية، ووجود المرجعية السياسية الدينية؛ لأن المرجعية الدينية بالأساس، تتحمل مسؤوليات ثلاث كما ذكرنا:
الأولى: الفتيا وتشخيص العقائد والمفاهيم والأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية، وتعليم الناس.
الثانية: مسؤولية الولاية وادارة شؤون المسلمين السياسية والاجتماعية والعمل التغييري، من أجل تحكيم الاسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العام، واقامة الحق والعدل بين الناس.
الثالثة: مسؤولية القضاء وحسم الخلافات، وحلّ النزاعات بين الناس، وتشخيص الموضوعات التي يقع الخلاف فيها بينهم.
وقد ذكرنا انّ الجمع بين هذه المسؤوليات وإن كان أمراً ممكناً، لكنّه صعب التحقق وذكرنا مجموعة مـن المصاديق المهمة والواضحة لذلك في تأريخنا، أمثال الميرزا الشيرازي الكبير، والآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني، والميرزا الشيخ النائيني، وكذلك في تاريخنا المعاصر الحديث، فقـد أشرت إلى مراجع عظام، أمثال الامام الحكيم، والشهيد الصدر، والامام الخميني، وغيرهم أعلى الله تعالى مقامهم الشريف.
هذه النماذج تتوفر فيهم المواصفات المطلوبة، وهي ليست مواصفات افتراضية او خيالية، وانما هي من صميم الواقع، ويمكن للانسان أن يلمسها في التاريخ المنظور والمشهود بالنسبة لنــا، كـما انهـم قـد تحملوا - فعلاً - بصورة عامة هذه المسؤوليات، ومن ثمَّ فان وجود مرجعية واحدة قادرة على أن تجمع بين كل هذه الخصائص من ناحية، وأن تواجه كل هذه التطورات من ناحية أخرى، ليست قضية مستحيلة.
نعم قد تكون هذه الوحدة في المرجعية قضية صعبة وعسيرة، إذ قد يتوفر المرجع الذي يجمع هذه الشروط وتتوفر له - أحياناً - الفرص والظروف السياسية المناسبة التي تجعله قادراً على القيام بواجباته ومسؤولياته، ولكن قد يواجه المرجع - أحياناً أخرى - صعوبات كبيرة من الناحية الواقعية في القيام بهذه المسؤوليات ولاسيما مع الأخذ بنظر الاعتبار التحولات المدنية والتطورات السياسية الخارجية والداخلية.
ويمكن مشاهدة هذا الأمر - الآن - فيما يجري في عراقنا الجريح، بخصوص المرجعية التي اضطرت بسبب وآخر، ان تتخلى عن التصدي للعمل السياسي وبسبب الظروف السياسية القائمة. وفي ظل هذه الظروف - التي شرحنا أسبابها وعواملها - يصبح من الضروري وجود تخصص على مستوى المسؤوليات، بحيث يختص بعض المراجع بجانب الفتيا ومـا يرتبط بها من عقائد وأفكار وثقافة عامة، كما سوف نشير إلى ذلك في مجموعة عناوين واضحة تتعلق بتشخيص الواجبات والحقوق.
ويختص بعضهم بجانب ادارة شؤون الناس الحياتية والصراع السياسي وما يرتبط به من قضايا اجتماعية، كما سوف نبين ذلك في النقاط ذات العلاقة بهذه المسؤولية.
وقسم آخر يختص بفصل الخصومات والنزاعات ذات الطابع الشخصي أو التي تهـدد امن الجماعة، وكل هذا التقسيم والتخصص؛ لأجل مواجهة هذه التطورات.
بل قد نفترض تطور فكرة التخصص، - مستقبلاً - بحيث يكون التخصص في بعض القضايا مسؤولية واحدة من هذه المسؤوليات الثلاث، ففي موضوع الفتيا قد نحتاج في عصرنا الحالي - مثلاً - الى تخصص مرجـع - على سبيل الفرض - في جانب العبادات، وتخصص مرجع آخر في جانب المعاملات، وثالث في فقه الدولة والمجتمع، وهكذا في مختلف القضايا التي نواجه فيها تطورات واسعة.
وكذلك إلى مرجع يختص بالقضايا الفكرية والعقائدية والاجتماعية، أي: مرجع يقدم للامة الفكر والمفهوم الاسلامي تجاه التطورات والعقائد والشبهات التي تطرح في عالمنا اليوم(135).
الجذر التأريخي لفكرة التخصص
وهذا التخصص الذي نطرحه ليس أمراً جديداً وبدعةً في تاريخ المرجعية، فإن العودة إلى تاريخ المرجعية كفيلة بأن تفتح أمامنا هذا الفهم والتصور في التخصص، فقد كان التخصص قائماً عملياً في بعض الأدوار، ولـكنه ليس بهذا القدر من الوضوح الذي نطرحه، وليس بهذا القـدر مـن الحجم الذي نحتاجه - أيضاً - في هذا العصر، وهذا التطور الكيفي والكمي في تصور التخصص؛ إنما هو باعتبار وجود التطورات الكبيرة في الأوضاع السياسية والاجتماعية التي أشرنا لها، ففيما مضى كان بعض المراجع من طبقة واحدة وفي مستوى واحد، نرى منهـم من تخصص في جانب التدريس، كما ينقـل ذلك عن المرحوم السيد بحر العلوم (قدّس سرّه)(136) وبعض معاصريه حيث اختص السيد بحر العلوم بالدرس، كما اختص بصلاة الجماعة والالتقاء بالناس لمعالجة الأمور الاجتماعية المرحوم الشيخ حسين نجف(137) في عصر السيد بحر العلوم، كما كان هناك من يختص بالقضاء وفصل الخلافات.
الأدوار التي مرت بها المرجعية
ان المرجعية الدينية هي: عنوان القيادة والولاية في زمن الغيبة الكبرى، وقد مرت المرجعية كما ذكر الشهيد الصدر(138) بأدوار عديدة هي:
الدور الأول: وهذا ما وردت الاشارة اليه في التوقيع الشريف عن الامام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) عندما طرح عنوان المرجعية من خلال قوله: «واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله»(139) وكانت هذه المرجعية تتمثل في ذلك الوقت - اواسط الغيبة الصغرى - بأشخاص من قبيل الشيخ الكليني(140)، وابن قولويه، وابن بابويه القمي، وبعد ذلك في الغيبة الكبرى تمثلت بالشيخ الصدوق(141)، وامثالهم من كبار العلماء الذين كانوا يهتمون بقضية الحديث والرواية.
وبعد ذلك وفي مرحلة متأخرة نسبياً تطورت المرجعية، الى مرجعية في الفتاوى وفي العقيدة، كانت بدايات هذا التطور عبر جهود مجموعة من العلماء من أبرزهم الشيخ المفيد، والسيد المرتضى (قدّس سرّه)، ولكنها في عهد السيد المرتضى اصبحت اكثر وضوحاً من الناحية الاجتماعية والعملية.
الدور الثاني: وفي وقت لاحق توضحت معالم المرجعية بصورة أكثر مع اضافة بعض الخصوصيات، مثل خصوصية الاستقلال، سواء في التشكيلات، او القاعدة، كما هو الحال في مرجعية الشيخ الطوسى (قدّس سرّه) وهذا هو السبب وراء وصفه بشيخ الطائفة، وفي عهده تأسست الحوزة العلمية في النجف الاشرف، التي تعد اقدم الحوزات العلمية في هذا المجال، وان كانت الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة قد سبقت حوزة النجف الاشرف كمعهد علمي، واذا كانت حوزة الكوفة سبقت حوزة قم، لكن من حيث المدينة فان حوزة قم اسبق من حوزة النجف على مستوى المرجعية، ولكنها أخذت شكلها الكامل أي: على صيغة تشكيلات وقاعدة مستقلة بكل خصائصها انما هي مرجعية الشيخ الطوسي ولذلك اعطي له هذا العنوان (شيخ الطائفة).
الدور الثالث: وبعد ذلك تطورت المرجعية ولم تعد مقتصرة على قضايا الفتوى والقضايا العقائدية، وانما مرجعية بالشؤون الاجتماعية والسياسية، وشهدنا مراجع امثال العلامة الحلي (قدّس سرّه)(142)، الذي كان يجمع بين هذين الجانبين، ومن بعده المحقق الكركي - المعروف بالمحقق الثاني- الذي هو من كبار علمائنا ومراجعنا الذي يجمع هذين الجانبين ايضاً وقد يذكر في هذا المجال اسماء اخرى(143).
وفي تلك المرحلة - مرحلة المرجعية للفتوى والقضايا العقائدية والشؤون السياسية والاجتماعية العامة - يلاحظ في بعض الاحيان اجتماع كل هذه المسؤوليات في شخص واحد، واحياناً كانت تفترق بحيث يكون هناك مرجع مختص بالفتوى والقضايا العقائدية، وآخر مختص بالشؤون الاجتماعية والسياسية، ومرجع آخر يرجع له الناس ويحظون باهتمامه.
ولعل من ابرز الظواهر في هذا الدور لذلك النوع من التعددية في المرجعية هو ما شهدته المرجعية في زمن المحقق الحلي(144)، حيث تزامنت مرجعيته - التي كانت مرجعية في الفتيا والعقائد - مع مرجعية اخرى في الامور السياسية والاجتماعية، هي مرجعية الخاجة نصير الدين الطوسي (قدّس سرّه)(145)، العالم الفلكي والفقيه المعروف، والذي كان على درجة عالية جداً من العلم والفقه والمعرفة، ولكنه اختص في الامور السياسية، وشهد حركة المغول في هجومهم على العالم الاسلامي، وقد اسر في هذه الحركة، ولكنه تمكن - من خلال عقله وحكمته وتدبيره - ان يحولها من حركة وثنية هاجمت العالم الاسلامي وكادت ان تدمر وجوده بالكامل، الى حركة تتبنى الاسلام وتلتزم وتؤمن بمبادئه، وبالتالي نجح في تغيير اتجاهها لصالح الاسلام.
وبعد ذلك وبسبب هذا التغيير الذي تمكن ان يدخله نصير الدين الطوسي اصبح من عظماء علمائنا الذين قدموا الخدمات الكبرى للاسلام، بالرغم من الاحقاد التي كان يحملها الكثير من الاعداء له، وعمليات التشويه من النواصب واتباعهم، أو من بعض الاشخاص الذين كانوا قريبين منه، لكنهم كانوا يحقدون عليه أو لم يكونوا يفهموا موقفه، باعتبار ان الدور الذى قام به كان دوراً جديداً وفريداً ومهماً جداً.
والقصة في علاقته مع المحقق الحلي معروفة، حيث حضر مجلس الدرس للمحقق الحلي صاحب كتاب (شرائع الاسلام) - الذي يعتبر المحقق الاول، واستاذ العلامة الحلي، والشخصية المعروفة وكان المرجع الاكبر في ذلك الوقت - وعند حضوره توقف المحقق عن الحديث احتراماً للخاجة نصير الدين الطوسي لعلمه، لكن الخاجة طلب منه بان يستمر وحضر لديه مثل اي تلميذ عادي احتراماً لمقامه وجلالة موقعه.
وتشير الروايات التاريخية الى ان المحقق الحلي كان يبحث حينذاك في الروايات التي وردت باستحباب التياسر بالقبلة لاهل العراق، وباعتبار ان الخاجة نصير الدين الطوسي كان من علماء الفلك، فقد طرح اشكالاً على المحقق الحلي مفاده (ان هذه الروايات لا يحسن الاخذ بها حيث ان الرواية ترد اذا كانت خلاف العقل والعلم والمنطق؛ لان التياسر اذا كان عن القبلة فهو غير جائز وحرام، واذا كان الى القبلة فهو واجب، وليس امراً مستحباً، فالاستحباب لا معنى له فالتياسر اما ان يكون واجباً او يكون حراماً).
وقد أجاب المحقق الحلي الشيخ الطوسي بجواب معروف، حيث قال له: (هذا التياسر من القبلة الى القبلة) ولكن الخاجة لم يستوعب هذا الكلام ولاذ بالصمت، وبعد ذلك كتب المحقق الحلي رسالة خاصة في تفسير هذا المعنى، ومع قطع النظر عن صحة الجواب وصحة الرأى الفقهي فيها - وهذا امر من الامور الفقهية - لكن هذه القصة لها مدلول سياسي ولغوي، فهي تدل على نوع ومستوى العلاقة الوطيدة والمودة الموجودة بين هذين المرجعين؛ لان كلاً منهما كان يمثل حالة تخصصية، فالمحقق الحلي يمثل حالة المرجعية الفقهية العقائدية العلمية، والخاجة نصير الدين الطوسي يمثل حالة المرجعية السياسية الاجتماعية، والعلاقة بينهما كانت بهذه الدرجة من الصلة والمودة والثقة المتبادلة فيما بينهما.
ولعل بدايات هذه الظاهرة اعمق من ذلك لكنها لم تبرز بصورة واضحة في ذلك الوقت، ويمكن تلمس بعض معالمها وملامحها في عهد السيد المرتضى (قدّس سرّه)، فان السيد الرضي(146) كان الاخ الاصغر للسيد المرتضى، وهذا الاخير كان معروفاً بالعلم والفضل على نطاق أوسع من السيد الرضي، مع ان السيد الرضي كان يعد من كبار علماء الطائفة والمحققين، لكنه كان معروفاً بالادب والشعر، والسيد المرتضى كان معروفاً بالعلم، رغم انه كان من الادباء والشعراء المتفوقين أيضاً حتى قيل: (لولا السيد الرضي لكان السيد المرتضى اشعر العلماء، ولولا السيد المرتضى لكان السيد الرضي اعلم الشعراء).
وهكذا فهما يشتركان في العلم والادب والشعر، ومع ان السيد المرتضى اكبر سناً من السيد الرضي، لكن السيد الرضي كان يتصدى للامور الاجتماعية والسياسية وادارتها في ذلك الوقت، فكان السيد الرضي هو نقيب الطالبيين والمتصدى للقضايا والشؤون السياسية مع الدولة، في حين كان السيد المرتضى مختصاً بالامور العلمية، وادارة الحوزة وشؤون الفقهاء والعلماء والتأليف والتبليغ، لكن هذا التخصص لم يأخذ شكله الكامل في ذلك الوقت رغم ان اسسه ومقوماته وجذوره كانت موجودة، بينما في عهد المحقق الحلي يمكن ان نشاهد هذا الامر بصورة واضحة.
وهكذا الحال في زمن المحقق الثاني المحقق الكركي الذي كان من كبار العلماء وتصدى الى ممارسة دور ولاية الفقيه في إيران، واصبح هو الذي يدير الشؤون الدينية الاجتماعية، واوكل له الشاه ادارة كل هذه الامور، وكتب رسالة عممها على جميع الولاة والمراكز في إيران مع انه كان يوجد في ذلك الوقت مراجع آخرين في النجف، يديرون الجانب الفقهي والعلمي.
الوقت الذي تجلى فيه هذا الامر بوضوح كان في زمن السيد
مهدي بحر العلوم (قدّس سرّه)(147) والشيخ جعفر كاشف
الغطاء(148) اللذين عاصر احدهما الاخر، فالسيد بحر العلوم كان اصغر سناً من الشيخ جعفر كاشف الغطاء، الشخصية العلمية المعروفة بفضلها ومكانتها حتى ان الشيخ الانصارى - الذي يعتبر المحقق الفريد في العصر الاخير - شهد له بذلك حين قال: (ان من يقرأ كتاب الشيخ كاشف الغطاء «كشف الغطاء» ويفهمه فهماً كاملاً بأصوله أشهد له بالاجتهاد).
وكان الشيخ جعفر كاشف الغطاء والسيد بحر العلوم قد عاصرا الشيخ حسين نجف الذي كان ايضاً من كبار العلماء، لكنه كان من الاخلاقيين وعلى درجة عالية من التقدس وكان يروى في حياته انه عندما كان يركع يقرأ في ركوعه سبعين مرة (سبحان ربي العظيم وبحمده) ومع ذلك لم يكن الناس يملوا الصلاة خلفه، وانما كان الامر على العكس من ذلك، حيث كانوا يتزاحمون للصلاة خلفه بسبب خصوصياته الاخلاقية والعبادية.
هؤلاء المراجع كانوا قد قسموا هذه المسؤوليات بينهم، فتولى الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قدّس سرّه) الفتيا، وتولى الشيخ حسين نجف امامة الناس في صلاة الجماعة والتصدي للامور الاجتماعية العامة، وتولى السيد بحر العلوم مهمة التدريس والبحث، وتولى الشيخ شريف محي الدين - وهو من كبار العلماء في ذلك العصر ايضاً - امور القضاء، ويذكر بان السيد بحر العلوم هو الذي تصدى لهذا التقسيم وكان المرجع الاول بنظر الناس، فقد ذكر الشيخ محمد حرز الدين عن هذه القضية، فقال: «تجد كلا منهم قد أفنى نفسـه بشيء من أمور المسلمين، فالمترجم له - الشيخ حسين نجف - للصلاة جماعة والسيد بحر العلوم للتدريس وكاشف الغطـاء للتقليد والفتيا، والشيخ ابن محي الدين للقضاء ورفع الخصومات...»(149).
كما ذكر السيد محسن الأمين العاملي في سيرة السيد بحر العلوم مـا لفظه: (وبلغ من شدة تقواه وورعه وسمو أخـلاقه وحبّه للاصلاح تقسيم الوظائف الدينيـة على علماء بلده، فكان يرشـد إلى تقليد الشيخ جعفر، ويأمر بالصلاة خلف الشيخ حسين نجف، وبالمرافعة إلى الشيخ شريف محي الدين، ويأمر صاحب مفتاح الكرامة بالتأليف وكان السيد بحر العلوم يدرس الوافي... إلخ)(150).
وقد فصل ذلك السيد محمد صادق بحر العلوم، فقال: «وحينما ألقيت مقاليد الامور إليه - السيد محمد مهدي بحر العلوم - شاء أن يسير الوضع الاجتماعي والزعامة الدينية بنظام اكمل وسلوك افضل وواقعية أنبل، فرصّ الصفوف العلمية في النجف الأشرف، ونظم القضايا والأحكام.
وعين المقـدّس الحجة الزاهد الشيخ حسين نجف للامامة والمحراب، فكان يقيـم الجماعة في (جامـع الهندي) ويؤمّـه النـاس - على اختـلاف طبقاتهم - بارشاد مـن السيد بحر العلـوم، وكان يحترمه السيد كثيراً لأنه على جانب عظيم من القدسية والإيمان.
وعيّن الحجة الثبت الشيخ شريف محي الدين للقضاء والخصومات، وحسـم الـدعاوي بين الناس، فكان يرشـد اليـه في ذلك، علماً منه بمهارته في القضاء، وتثبته في الدين، وسعة صدره لتلقى الدعاوي والمخاصمات.
أمـا هو (قدّس سرّه) فاضطلع بأعباء التدريس، والزعامة الكبرى وادارة شؤونها العامـة والخاصة، علماً منه بما تحتاجه المرجعية الواسعة من صلة تامة بواقع الحياة، وتوغل دقيق في شؤون المجتمع، وإلمام كبير بعامة الأمور الدينية والدنيوية.
وجرت الأمور على ذلك التنظيم بأحسن مايرام، وهكذا تكون نتيجة التنظيم الاجتماعي: الخصب، والثروة مزيداً من الانتاج، بفضل السقي الحكيم...»(151).
وتحظى هذه القضية في التنظيم بأهمية خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما كان يتمتع به السيد بحر العلوم من قدسية خاصة ترفع مقامه إلى مقام الأولياء الخاصين، ولاسيما ما ورد من تأكيد وجود الصلة بينه وبين الأمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، وكذلك ما كان يتصف بـه من اهتمام في تنظيم الأمور وكشف الحقائق والأصلاح في كثير من القضايا، مما يتحدث به المترجمون لسيرته واصلاحاته.
فمثل هذه الأمور التخصصية كانت موجودة بصورة وأخرى من الناحية العملية الواقعية في عصور سابقة، ولكنها ليست على درجة عالية من الوضوح.
وقد عاصرنا في زماننا هذا النوع من التخصص وسمعنا به، كما هو في حالتي المرحوم آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وآية الله الشيخ عبد الكريم الجزائري الذين اختصا واقعياً بالعمل السياسي والاجتماعـي، وهذا التخصص منهما وان لم يكن ضمن اتفاق وعهد بين المراجع، ولكنه كان أمراً واقعياً في أوضاع المرجعية الدينية.
وفي زمـن الامام الحكيم (قدّس سرّه) - في البداية - كان يتصدى بصورة عامة للقضايا الدينية، في حين ان المرحوم آية الله الشيخ عبد الكريم الجزائري كان يتصدى للامور السياسية والاجتماعية وبالتنسيق والتعاون مع الامام الحكيم (قدّس سرّه)، وكذلك تصدى الحجة السيد علي بحر العلوم للأمور الاجتماعية وبرعاية من مرجعية الامام الحكيم، فانه وإن لم يكن من المراجع ولكن كان وجهاً علمياً بارزاً ومن أسرة علمية معروفة تتصدى للقضايا السياسية والاجتماعية. فظاهرة تقسيم الاعمال كانت موجودة في بعض عصور المرجعية.
ولازلت أتذكر في الأدوار التي كنا نبحث فيها هـذا الموضوع - موضوع المرجعية الدينية - مـع شهيدنا الغالي آية الله السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) قبل تصـديه للمرجعية، حيث انطلقت من هذه البحوث فكرة المرجعية الموضـوعية، والتي دونها الشهيد الصدر (قدّس سرّه) آنذاك، أنه قد طرحت فكرة معالجة التصدي للجانب السياسي والاجتماعي في اطار المرجعية عن طريق تبني البرانيات أو الديوانيات الملتزمة والمتعهدة التي تقـوم بواجباتها على اساس تصديها لهذا الجانب السياسي والاجتماعي كجهاز ومؤسسة تساعد المرجعية في هذا المجال(152).
الدور الرابع: هو دور عبر عنه الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) في خطابه الذي القاه في موضوع المحنة التي مرت بها الحوزة العلمية بـ (الدور القيادي) الذي اصبحت المرجعية فيه تضطلع بدور قيادة الامة، ولا يقتصر دورها على الشؤون الدينية، باعتبار ان الامة في اخر ايام الدولة الإسلامية سواء الخلافة العثمانية التي كانت تحكم جزءاً من العالم الاسلامي، أم الدولة القاجارية التي كانت تحكم جزءً اخر من العالم الاسلامي ـ إيران وما حولها ـ اصبحت بلا قيادة حقيقية في الجانب السياسي، وبلا قائد في القضية السياسية بسبب ضعف هذه الدول وعدم قدرتها على ادارة شؤون الامة، هنا برزت مرحلة جديدة للمرجعية وهي مرحلة قيادة الامة في مواجهة الهجمة الاستكبارية التي واجهتها من قبل العالم الغربي.
الهجمة التي كانت لها واجهات وخطوط متعددة اخرها الغزو العسكري الذي قامت به الدول الغربية للعالم الاسلامي، والتي كانت في البداية تتبع اساليب من بينها اسلوب الهيمنة الاقتصادية، والتدخل في الشؤون العامة، عن طريق المعاهدات والاتفاقات والشركات الاقتصادية التي كانت تمسك بزمام الامور.
وفي هذه المرحلة برزت بوضوح مرجعية المجدد الميرزا حسن الشيرازي، الذي عرف بموقفه المشهور من قضية التنباك، حيث قامت الشركة البريطانية بأبرام معاهدة مع ناصر الدين الشاه القاجاري(153) للسيطرة على زراعة التبغ والتنباك في إيران، ومن خلالها شخّص السيد الشيرازي ان ذلك يمثل طريقاً للهيمنة على إيران، ولولا موقف السيد الشيرازي لشهدت إيران ظروفاً تشبه ظروف شبه القارة الهندية التي تحولت الى مستعمرة كاملة من مستعمرات بريطانيا العظمى، كما كان يعبر عنها في السابق، حيث دخلت بريطانيا الى شبه القارة الهندية في البداية عن طريق شركة الهند الشرقية، وكانت في شبه القارة الهندية حينذاك دول اسلامية قوية جداً ومنها دول شيعية، لكن هذه الدول وقفت عاجزة امام هذه الهيمنة الاقتصادية؛ لتتحول تلك الهيمنة فيما بعد الى هيمنة عسكرية كاملة، وكانت إيران المرشحة لذلك ايضاً، ولكن بسبب موقف السيد الشيرازي (قدّس سرّه) واحباطه لهذه المحاولة نجت إيران من الهيمنة العسكرية والغزو العسكري المباشر لها من قبل الاستكبار العالمي.
هذه المرحلة يعبر عنها الشهيد الصدر (قدّس سرّه) بانها مرحلة تحول المرجعية الى المرحلة القيادية أي: ان المرجعية أصبح لها دور قيادي، وهذه المرحلة هي المرحلة التي نعيشها منذ بداية الحرب العالمية الاولى وحتى الان.
التخصص ووحدة المرجعية
المرجعية الدينية في الفتيا والمرجعية الدينية في العمل السياسي مسؤوليتان، تتميـّز احداهما عن الأخرى بطبيعتهما، وكل منها يحتاج إلى الاجتهاد والعلم بالحكم الشرعي، ويمكن أن يقوم بهما معاً شخص واحد، وقد كان هذا شأن مراجعنا العظام في الأدوار المختلفة من التاريخ الاسلامي والاتحاد فيها أفضل وأقوى في التأثير بلا إشكال.
وفي مجال موضوعنا - وهو الفصل بينهما في الساحة التي لم يتم فيها قيام الدولة الإسلامية - يظهر صحة هذا الموضوع بصورة أوضح، لوجود المرونة في العمل السياسي قبل قيام الدولة بصورة أكبر منه في الدولة التي لا تتحمل التعدد في القرار والموقف، بخلاف العمل السياسي قبل الدولة فيمكن فيه التعدد، ولا يزيد التعدد فيه مشكلة أكثر من التعدد في أصل المرجعية الرئيسية نفسها، كما يمكن التكامل بينهما والتفاهم والتنسيق من خلال تشخيص مساحة العمل والواجبات والحقوق.
والنظرية في بنائها الفكري وان كانت تتمثل بجواز تعدد المرجعية، كما كان عليه أتباع أهل البيت طيلة المدة السابقة، ولكنها من الناحية العلمية فان وحدة المرجعية من حيث المبدأ - مهما أمكن لها ذلك - هو أفضل واقوى واجمع، ولكن قد تفرض الظروف الحياتية والسياسية والاجتماعية للامة احياناً هذاالنوع من التخصص، بحيث يكون لدينا مرجع في شؤون الفتيا والقضايا العقائدية، ومرجع في القضايا السياسية والاجتماعية.
الفرق بين المرجعيتين
فالمرجعية الدينية في الفتيا تمثل احدى مسؤوليات المرجعية الدينية الثلاث عند الامامية الاثني عشرية وهي الفتيا، والولاية، والقضاء، والمرجعية في الفتيا وهي: رجوع الأفراد الذين لا يمكنهم معرفة الحكم الشرعي بصورة مباشرة إلى أهل العلم و الخبرة، وهم: المجتهدون العدول، بأن يقلّدوهم في معرفة الحكم الشرعي فهي بالأساس محاولة معرفة واستكشاف الحكم الشرعي الالهي من المكلف، ولكن بواسطة الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط، لأن من الواجب على كل فرد تطبيق سلوكه على الأحكام الشرعية التي وضعها الله تعالى للناس، حيث انه سبحانه وضع لكل سلوك وحادثة حكماً شرعياً، ولما كان الفرد المكلف لا يتمكن - على الفرض - من معرفة الحكم الشرعي بصورة مباشرة عن طريق الاجتهاد، أو لا يمكنه احرازه عن طريق الاحتياط، أو لا يريد ذلك، فلابد له من الرجوع إلى المجتهد لمعرفة ذلك.
ويسمى هذا الرجوع بـ (التقليد) وقد دلّت الأدلة الشرعية على جوازه، ومن هذه الأدلة السيرة العقلائية التي أمضاها الشارع المقدس بالرجوع إلى أهل الخبرة والعلم في معرفة مايجهله الانسان، كما في رجوع المريض إلى الطبيب وصاحب البناء إلى المهندس، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(154).
وأما المرجعية السياسية فهي: وجود المجتهد الجامع للشرائط الذي يرجع إليه المؤمنون في تشخيص المواقف العملية والمصالح السياسية والاجتماعية، والأهم والمهم منها، ومعرفة القدرة على انجاز هذه الأعمال من عدمها كما في الجهاد والدفاع، ومدى تأثير هذه المواقف على تغيير المنكر أو المحافظة على المعروف في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعرفة الأولويات الشرعية عند تزاحمها في مجال التطبيق والحركة.
فالمرجعية السياسية، هي: عبارة عن قيادة مرجعية سياسية دينية للحركة الاجتماعية والسياسية الدينية التغييرية، وتشخيص المصالح والمواقف فيها، للقيام بواجب المحافظة على الاسلام، والدفاع عنه والدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واخراج الناس من الظلمات إلى النور باذن الله ومجاهدة أعداء الله سبحانه وتعالى، كل ذلك في حدود الأحكام الشرعية الالهية.
ولتقريب الفكرة يمكن أن نقول بأنّ المرجعية الدينية في الفتيا تكون من قبيل السلطة التشريعية، والمرجعية الدينية السياسية تكون من قبيل السلطة التنفيذية، مضافاً إلى مهمة القضاء التي يتحملها المجتهد الجامع للشرائط في اطار المرجعية الدينية العامة.
وهذا الامر من التخصص أخذ به دستورالجمهورية الإسلامية فى التعديلات التي اجريت عليه أخيراً(155)، ففي الصيغة الاولى للدستور وضعت الولاية والقيادة السياسية على اساس الفكرة الاولى، وهي فكرة الوحدة في المرجعية الفكرية والعقائدية والفتيا، وكذلك الرجوع اليها ايضاً في الامور السياسية والاجتماعية، ولذلك افترض في الصيغة الدستورية الاولى بأن القائد هوالمرجع، اي من يرجع اليه الناس في الفتيا، فاذا تعدد هؤلاء المراجع عندئذ يكون الاكثر رجوعاً هو الذي يقوم بدور القيادة، وعند التساوي تكون هناك شورى بين المراجع للقيادة، يجتمع فيها هؤلاء المراجع ويشكلون القيادة وبذلك اخذ عنوان المرجع في القيادة.
ولكن التعديلات الاخيرة التي جرت في زمن الامام وضعت تصوراً آخر، وهو انه من الممكن ان يكون الولي الفقيه الذي يدير الشؤون السياسية والاجتماعية في المجتمع انساناً جامعاً للشرائط، ولكن لا يكون مرجعاً للناس في الفتيا وفي الامور الفكرية والثقافية، نعم لا مانع ان يجتمع كلا الامرين في واحد، وبذلك يكون دستور الجمهورية الإسلامية قد أخذ بفكرة التعدد والتخصص وهي قضية قابلة للطرح والوجود العملي الخارجي.
المسألة ترتبط بالظروف الخارجية، فاذا كانت هذه الظروف تسمح بهذه الوحدة، فالوحدة حينئذ تصبح الصيغة الافضل، لكن اذا كانت الظروف الخارجية لا تسمح بذلك، او كان المرجع في الفتيا غير مؤهل للقيام بذلك الدور القيادي، او كان مؤهلاً للقيام بذلك الدور القيادي ولم تتوفر له الظروف الاجتماعية والسياسية، بحيث يكون مرجعاً للناس في الفتيا فلا مانع من التعدد، بحيث يكون عندنا مرجع للفتيا، ومرجع أخر في القضايا السياسية والاجتماعية، او ما نعبر عنه بالتخصص، أو ما يمكن ان نعبر عنه بالتعددية في المسؤولية، وهذه مصطلحات قد نستخدمها بطريقة أخرى، ولكن يبقى المهم هو اصل الفكرة ومضمونها.
وأشير بهذا الصدد الى بعض الافكار التي وردت في القانون الاساسي للجمهورية الإسلامية - في نصـه الاول قبل التغيير وفي نصه الثاني بعد التغيير - والتي لها علاقة بهذا الموضوع:
الأولى: فكرة فرض الاتحاد بين المرجعية في الفتيا والولاية بحيث يكون الولي القائد متحداً واقعياً مع المرجع العام في التقليد، ويكون المرجع العام في التقليد هو الولي القائد الفعلي للجمهورية الإسلامية، كما هو الحال في الامام الخميني (قدّس سرّه).
الثانية: فكرة فرض تعدد المراجع العامين، وذلك عندما لا تتعين المرجعية في الفتيا في واحد من المراجع، وعلى هذا الفرض، أقر الدستور إمكانية اختيار مرجع بعينه من هؤلاء المراجع، يقوم بشؤون الولاية، أو أن تشكل شورى للمراجع وتكون الولاية بمسؤولية شورى المراجع، وهذا يعني انّ الولاية لا ترتبط بالمرجع في الفتيا إلاّ بمقدار ما يكون المرجع مؤهلاً للولاية.
الثالثة: فكرة فصل الولاية عن المرجعية وجعلها تخصصية، بحيث يمكن للولي أن يكون شخصاً مختصاً بـالولاية ولا يكون مرجعاً في الفتيا، وقد أقرت هذه الفكرة في التعديلات الدستورية في أواخر أيام الامام الخميني (قدّس سرّه)، واستقر عليها نظام الجمهورية الإسلامية. وتم ذلك بعد التجربة العملية لمدة عشر سنوات تقريباً، حيث كانت نتيجة التجربة: انّ ربط الولاية بالمرجعية في الفتيا يواجه صعوبة حقيقية من الناحية الواقعية الخارجية والعملية، وقد لا تستجيب الظروف الواقعية للحاجات المطلوبة، فوضعت مسؤولية الولاية - القيادة - كمسؤولية مستقلة عن موضوع المرجعية في الفتيا والتقليد، وأخذ بفكرة التخصص، بحيث يمكن أن يكون الولي شخصاً لا يرجع إليه الناس في التقليد، ولكن لا مانع من أن يكون الولي - أيضاً - مرجعاً للناس في التقليد.
وبهذا التوضيح، يمكن أن نقول بأنّ العلاج لهذه المشكلة هو وجود التخصص في المرجعية السياسية الاجتماعية، وفي المرجعية في الفتيا، وتقسيم الوظائف والواجبات بصورة دقيقة ومناسبة بينهما، ومن ثمَّ مـواجهة التحولات والظروف السياسية بجانبها الايجابي والسلبي، دون تحمـل النتائج والآثار الخطيرة السابقة؛ لأن كلاً من المرجعيتين تكون مكملة للأخرى ومعيناً لها على أداء دورها، كما ان العمل الفكري والسياسي والاجتماعي والشرعي - الفتيا - كله سوف يتم في اطار المرجعية الدينية نفسها، وبدون حاجة إلى اطار جديد كالأحزاب والمنظمات، بل تكون هذه الاحزاب والمنظمات مؤسسات عاملة في اطار المرجعية لا إطاراً بديلاً عنها.
ومع ذلك كله، لابد أن نؤكد انّ الصيغة المطلوبة الأفضل هي وحدة المرجعية، اذا كانت الظروف السياسية والموضوعية الواقعية والمواصفات الذاتية مهيأة لذلك.
الوظائف والحقوق
وهنا يبرز السؤال التالي: ماهي حدود الوظائف والواجبات للمرجعية الدينية في الفتيا - الفكرية - والمرجعية الدينية الاجتماعية - السياسية - في فرض التعدد؟
إذ بعد فرض التخصص، لابد من تشخيص حدود هذه الواجبات والوظائف والخطوط العامة لها؛ لأن تشخيص الواجبات والوظائف يعتبر من أهم الضمانات التي تحقق التكامل بين هذه المرجعيات المتخصصة، وتمنع من حدوث الاختلاف بينها، مضافاً إلى الضمانات الأخرى ومنها: عنصر الضمان الذاتي الأهم الذي تمثله المواصفات المطلوبة التي يجب أن يتصف بها شخص المرجع.
وبهذا الصدد يمكن لنا أن نتصور عدة نقاط فيما يتعلق بهذه الواجبات لكل من هذين النوعين من المرجعية بحيث، لا يكون هناك تداخل بينها، بل يكون ذلك سبباً للتكامل بينها والتعاون على أداء المسؤولية والقيام بها.
وظائف المرجعية الفكرية
أولاً: تقديم التصور الاسلامي، أو الرؤية الدينية في القضايا العقـائدية والفكرية والثقافية، ذات العلاقة بتوضيح الفكـر الاسلامي والنظرية الإسلامية الاصيلة في قضايا العقائد: مثـل النظرة الى الكون، والحياة الانسانية في الدنيا وفي الدار الآخرة، والنظرة العامة إلى المجتمع وأسسه ونظامـه والعوامل العامة المؤثرة في تطوره، وكذلك النظرة إلى السلـوك الانساني والأخلاقي والمنهج في تقويمه، وكل ما يرتبط بالجانب العقائدي الذي يمثل الجانب الاساسي للدين والأخلاق والشريعة والفقه.
ثانياً: تقديم الحكم الشرعي الالهي في السلوك والأعمال الفردية والاجتماعية، وكـذلك تقديم هذا الحكم الشرعي فيما يتعلق بالجماعات وسلـوكها، حيث انّ للأفراد فقههم، وكذلك للجمـاعة فقهها، وهو ما يعبر عنه بالفقه السياسي وفقه الدولة وفقه المجتمع، وهو يشمل علاقة الحاكم مع المحكوم، وعلاقات المذاهـب بعضها مع البعض الآخر، علاقـات الناس بعضهم مع بعض، وأيضاً علاقة الجماعة مع الجماعـات في خارج الدائرة الإسلامية، الذي يعبر عنه في المصطلحات العصرية بالعلاقات الدولية فيما بين المسلمين وغيرهم.
ومن هنا يمكن ان نفترض التخصص في هذه الوظائف والواجبات ايضاً كما أشرنا، أي: أن يتخصص واحد من المراجع في الواجب الأول، وآخر من المراجع في الواجب الثاني.
ثالثاً: مهمة التعليم والتثقيف العام والتربية، وهي مهمة البلاغ ونشر الهدى والتطهير والتزكية ووضع المناهج العامة لكل هذه العملية.
رابعاً: ادارة الحوزات العلمية والمؤسسات الثقافية التابعة لها، كالمدارس ومراكز البحوث العلمية والمساجد والحسينيات والمكتبات وارسال المرشدين والمبلغين.
وهذه الواجبات من المهمات الرئيسية للمرجعية الدينية في الفتيا في الوقت الحاضر، ومن الواضح اننا عندما نقـول المرجعية الدينية لا نقصد شخص المرجع، بل المرجعية كمؤسسة لها اجهزتها كالحوزة العلمية والمؤسسات التابعة لها ولها ادارتها وتشكيلاتها الادارية(156).
وظائف المرجعية السياسية
أمـا الوظائف والواجبات العامة التي تتحملها المرجعية الدينية السياسية(157)، فيمكن تلخيصها في الامور المهمة التالية:
اولاً: تشخيص الواقع الاجتماعي والسياسي القائم بين المسلمين، من خلال جمع المعلومات والأخبار وتحليلها، وذلك في اطار التصور الاسلامي في فهم حركـة التاريخ وتفسير الاحداث، وكذلك تشخيص هذا الواقع في ساحة أعداء الاسلام والمسلمين، أو الدول والشعوب الصديقة أو الحليفة.
ثانياً: تشخيص المصالح والمفاسد السياسية للأمة، وتشخيص أولويات هذه المصالح والمفاسد السياسية، ومنها: تشخيص الأهم وتقديمه على المهم في ضوء التصور الاسلامي للمصالح والمفاسد وللأهم والمهم.
ثالثاً: اعطاء الموقف السياسي للامة في حركتها السياسية اليومية، وتنظيم المواقف في ضوء المصالح والمفاسد، وفي ضوء تشخيص القدرة والامكانات التي تمتلكها الامة والنتائج والأهداف التي تسعى إليها.
وتحقيق هذه الأمور في غاية الصعوبة والدقة، وتحتاج إلى اجتهاد ومصادر معلومات كثيرة للوصول الى القدرة على تشخيص هذه المواقف.
رابعاً: التعبئة الروحية والسياسية في حركة الأمة، بحيث تبقى هذه الأمة أمة حية تتحمل مسؤولياتها والاستفادة من فرص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الاسلام، ونشر المفاهيم الإسلامية وتوجيهها باتجاه هذه التعبئة.
خامساً: تهيئة الامكانات واسباب القدرة، وتنظيمها وايجاد المؤسسات المطلوبة لذلك؛ لتجسيد المواقف عملياً في أرض الواقع، وتحقيق هذه التعبئة العامة، وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ...}(158).
|