التطور في الأوضاع الاقليمية

الخامس: انّ العالم الاسلامي قبل سقوط الدولة الإسلامية كان محكوماً بقوانين النظام الاسلامي بصورة عامة - رغم انه نظام لم يكن في قوانينه يمثل الحق الاسلامي الكامـل، إذ كانت الدولة تشكو الكثير من الانحرافات والأخطاء والتخلف في جوانب عديدة - وباسم الخلافة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وتطبيق الحكم الاسلامي، وعندما واجه هذا الحكم تهديداً حقيقياً، وتعرضت بيضة الاسلام فيه إلى الخطر أفتى جميع علمائنا ومراجـعنا - وعلى اختـلاف مشاربهم ومواقفـهم السياسية والاجتمـاعية - بالجهاد لمواجهة هذا الخطر، باعتبار انّ النظام الاسلامي يشكل الاطـار والحصن والسور للمحافظة على أصل الدين والشعائر الدينية والثقافة الإسلامية.

وبعد سقوط النظام الاسلامي، وقيام الانظمة الوضعية بصورها المختلفة التي شهدها عالمنا الاسلامي بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، برز العداء جلياً لـلاسلام وشعائره المقدسة، ولعلَّ أوضح صورة من صور العداء للاسلام هي: محاولة فصل الدين الاسلامي عن مسرح الحياة السياسية، ومن ثمّ محاصرته والدين في زاوية، وحاولوا حصر الاسلام في شؤون الأحوال الشخصية، والممارسات الرسمية كـالاعياد والشعائر العامة للمسلمين، بل أشد مـن ذلك محاصرة الحكام الاسلام في المسجد وأماكن العبادة، ثم تطور ذلك في بعض بـلادنا الإسلامية الى عملية واسعة لقمع الاسلام والدين والمتدينين، بعد أن وجدوا الاسلام والمسلمين لا يمكن أن يقبلوا محاولة العزل والحصار هذه.

هذا الواقع المزري شاهدناه في حياتنا، ووجدنا كيف قامـت هذه الانظمة الوضعية بعمليات قمع تجاه الحوزة العلمية والمرجعية الدينية نفسها، باعتبارها المؤسسة المهمة المسؤولة عن الحفـاظ على بيضة الاسلام ومبادئ الـدين والتصدي لمقاومة الـظلم والطغيان، وإلى العمل السياسي والاجتماعي، بالرغم من مواقفها المشرفة والعظيمة في الدفاع عن استقلال البلاد وتحريرها من هيمنة الإستكبار والأجانب، وجهودها في المحافظة على المجتمع والأمة.

لقد ورثنا اوضاعاً عاصرها آباؤنا في هذا القرن الذي نشرف على نهايته، حيث كان المستعمر البريطاني هو المسيطر على العراق بعد سقوط الدولة الإسلامية، فنهض علماء الاسلام يدعون إلى النهضة والتحرر مـن سيطرة الاستعمار البريطاني بعد ثلاث سنوات من سقوط بغداد بيده، وذلك في الثورة المعروفة بثورة العشرين التي قادها المراجع، فتصدى المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (قدّس سرّه) ومن بعده المرحوم شيخ الشريعة الاصفهاني(120)، ونتيجة لهذه المواجهة الجهادية يضطر المستعمر الانجليزي أن يستجيب - ولأول مرة بعد الحـرب العـالمية الاولى - ويـوافق على قيـام حكومـة وطنيـة - حسب المصطلح السياسي المعروف - وحين قيام هذه الحكومة في العراق، كان رأي العلماء ان تكون حكومة اسلامية، لكن الاستعمار البريطاني فرضها حكومة وضعية غير اسلامية، وكان أول موقف لها - الحكومة - هو الموقف ضد المرجعية الدينية التي قادت الشعب إلى الاستقلال، فقام بنفيها واخراج العلماء الايرانيين من النجف الأشرف إلى إيران، أما العلماء غير الايرانيين، فنفوا إلى مناطق أخرى بعضهم إلى الجزر المستعمرة من قبـل بريطانيا في المحيط الهندي، وبعضهم إلى مناطق اُخرى وهو عمل لم يجرأ الاستعمار البريطاني نفسه على القيام به، ولـكن قام به هؤلاء الوطنيون الذين حكموا العراق برعاية بريطانية.

والشيء نفسه نراه في إيران، فقد قامت حركة واسعة في إيران باسم الحركة المشروطة بقيادة العلماء، التي أرادت أن يكون الحاكم فيها مقيداً بالقوانين الإسلامية، وان لا يعمل بحسب رغباته وميوله ومصالحه الخاصة، بل يكون مقيداً ومشروطاً بقوانين الاسلام ومصالح الشعب والمؤسسات الدستورية، وهي حركة واسعة جداً قادها العلماء أيضاً وفي مقدمتهم آية الله الشيخ محمد كاظم الخراساني وآية الله الشيخ فضل الله النوري(121).

ثم لما انتصرت هذه الحركة والتزم الشاه في البداية بها صورياً، ثم اطيح به بانقلاب عسكري كان شعاره تنفيذ الدستور، تحولت الحكومة الى حكومة وضعية وجاء إلى السلطة رضا خان بهلوي(122)، وكان باكورة اعماله القيام بعملية قمع واسعة للاسلام وعلمائه، في عملية أشد واقسى مما جرى في العراق نفسه، ففي العراق تركزت القضية في فصل الدين عن السياسة والحكم، بينما في إيران - مضافاً إلى ذلك - تـدخل الحاكم في تفاصيل حياة الناس، ومنع اقامة الشعائر الدينية والمجالس الحسينية وحارب الحوزة العلمية، وتدخل في السلوك الاجتماعي العام للافراد وفرض اللـباس الموحد الغربي على الرجال والسفور على النساء، مستخدماً أساليب القمع الواسعة لتنفيذ هذه العملية.

وشهدت تركيا بقيادة الضابط مصطفى كمال(123) أوضاعاً مماثلة قاسية، أعلن فيها الحاكم سقوط الدولة الإسلامية والتنكر للهوية الإسلامية، ومعاداتها بصورة رسمية، مضافاً إلى ذلك المناطق الاخرى التي بقيت تحت السيطرة الغربية.

وبصورة اجمالية: وجدت انظمة وضعية في عالمنا الاسلامي قامت بعملين رئيسيين:

الأول: محاصرة الاسلام وابعاده عن الحياة.

الثاني: استخدام القمع لتنفيذ هذه السياسة على خلاف رغبة الأمة.

ومن الطبيعي أن تفرض هذه التحولات وتلقي بظلالها الثقيلة والمعقدة على المرجعية وأوضاعها، الأمر الذي يقتضي إعادة النظر والتجـديد في صياغتها ومنهجها وأساليبها وطريقة أدائها، كما سوف نشير إلى ذلك.





الفصل السادس


المرجعية الدينية
والخيارات


لقد وضعت التطورات والتحولات، ولاسيما في العالم الإسلامي - التـي أشـرنا إليها في الفصل السابق - المرجعية بين خيارين رئيسين كل منهما صعب مستصعب - كما سوف نعرف - هُما:

الخيار الاول: ان تقوم المرجعية الدينية بممارسة دورها بالطريقة السابقة نفسها، بأن تجمع بين مهمات ومسؤوليات المرجعية الثلاث، وتمارس العمـل السياسي والاجتماعي من خلال المرجع وحاشيته من مساعديه ومستشاريه، الأمر الذي أدى - ويؤدي - إلى النتائج التالية:

أ ـ الدخول في مواجهة طبيعية مع حكام الجور والأنظمة المستبدة، وهو ما يعرضها بصورة طبيعية الى عمليات قمع واسعة، وكما حدث ذلك فعلاً، فقد تقدم ما وقع في العراق، عندما قام النظام الوطني العراقي بابعاد العلماء الى إيران، حيث واجهوا فيها أيضاً وضعاً سياسياً اشد واقسى بكثير مـن الذي واجهوه في العراق، مما أدى الى أن يفضل العلماء - بعد ذلك - العودة الى العراق والتنازل عن بعض مستويات ودرجات التصدي ليحافظوا على البقية الباقية للاسلام.

وقد سبق لي ان ذكرت ان التصدي للعمل السياسي والاجتمـاعي - ولاسيما تجاه الظلم والعدوان - هـو أحد الواجبات الرئيسية للمرجعية، ومن الشروط المهمة التي يشترطها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المرجعية، وبذلك تكون النتيجة أن يصبح التصدي للعمل السياسي على حساب العمل الثقافي العام.

ب ـ السكوت المؤقت والمداراة وظهور المرجعية بمظهر العجز عن أداء دورها والقيام بمسؤولياتها والوفاء بالحاجات العامة التي تتطلبها المواجهة السياسية والثقافية الواسعة، الأمـر الذي يؤدي إلى تصـورات خاطئة؛ ولكنها خطيرة وهي:

1) تصور عجز الإسلام نفسه وتخلفه عن الحياة؛ لأن المرجعية دينية إسلامية تمثل الاسلام في حركتها.

2) تصور انّ الاسلام نظام مرحلي يحتاج إلى التجديد والتطور والتغيير بما يناسب الحياة الفعلية لملئ هذا الفراغ المهم.

3) تصور أن مؤسسة المرجعية هي مؤسسة متخلفة لا تصلح لهذا العصر، ولا تفي بمتطلبات العمـل الإسلامي - كما تشير إلى ذلك أدبيات بعض التنظيمات الإسلامية فـي تبرير العمل الحزبي أو أدبيات بعض الخارجين عن الحوزة العلمية - وأن عملها فردي يذهب بموت المرجع، ولا يكون قادراً على إدارة كل هذه الأنشطة والأعمال.

ج ـ الأنفصال التدريجي بين المرجعية الدينية وقواعدها الشعبية المـؤمنة، بسبب الشعور بالحيرة والقلق وعدم الإستقرار وعدم وضـوح الرؤية في الحركة السياسية والثقافية، لتأرجحها بين هاتين المسؤوليتين وعدم الوفاء بهما معاً بصورة كاملة والإحساس بالضرر والإحباط.

الخيـار الثاني: أن تتخلى المرجعية عن العمل السياسي بصورة مطلـقة؛ لتحافظ على الاوضاع الثقافية، كما أختار ذلك بعض المراجع في بعض الظروف التي اشرت اليها في إيران، ومنهم: آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس حوزة قم في العصر الحديث، أو ما تعهـد به بعض العلماء والمراجع عند عودتهم الى العراق بعد النفي إلى إيران.

وهذا الأمر يسبّب بطبيعة الحال حدوث ووجود الفراغ في القضيتين السياسية والاجتماعية؛ لعدم وجـود المتصدي فيهما، ويؤدي ذلــك - طبيعياً - إلى ركود فعاليات المرجعية وترسخ تدريجياً فكرة فصل الدين عن السياسة التي يؤكد عليها الفكر الغربي والعلمانيون. وبمرور الأيام وتقادم الزمن ستنشئ الأمة وتتربى على صورة محاصرة المرجعية وعزلتها، ومن ثَمَّ عزل الدين عن الحياة ووجود التصور الخاطيء عن الاسلام، وان الاسلام هو اسلام الشعائر والقضايا الروحية والاخلاقية فقط، ولا دخل له بالوضع الاجتماعي والسياسي، وهذا الأمر هو ما وقع بالفعل في بعض الأدوار، وله مصاديق كثيرة في العالم الاسلامي وليس في العراق فقط(124).

فقـد شهد العراق هذه الحالة ما بين فترة رجوع العلماء الذين نفـوا الى إيران مثل: آية الله العظمى السيد أبو الحسن الاصفهاني (قدّس سرّه)(125) والمرحوم ميرزا حسين النائيني (قدّس سرّه) - الذي كان أستاذ المجتهدين والعلماء ومتقدماً من حيث الطبقة العلمية على المرحوم آية الله العظمى السيد ابي الحسن الاصفهاني - وكذلك آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي المعروف بالمحقق العراقي(126)، وغيرهم من العلماء الكبار الذين تعرضـوا للنفي والأبعاد، واضطروا عندما رجعوا للعراق إلى الكف عن الأعمال السياسية بعد تعهدهم بعدم التدخل فيها.

ومن خلال طول - المدة التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن تقريباً - برز جيل من الناس يتصور بأنَّ الاسلام ليس له علاقة بالسياسة، وذلك لأن الأمة انّما تأخذ الاسلام من المراجع وسلوكهم ومواقفهم، فعندما ترى الاُمة انّ العلماء لا يتدخلون في الأعمال السياسية والاجتماعية العامة تتصور ان الاسلام لا يرتضي التدخل في العمل السياسي، بل يأبى الدخول في الاعمال السياسية وله شأن آخر، ولولا بعض مواقف المراجع السابقة والفرصة الضيقة للتصدي من قبلهم ووجود بعض العلماء الذين لم يكونوا مراجع عامين وإن كان مستواهم العلمي والاجتماعي بمستوى المراجع العامين، أمثال آية الله الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء وآية الله الشيخ عبد الكريم الجزائري وغيرهما ممن كانت تسمح لهم ظروفهم الاجتماعية والسياسية التدخل في الشؤون السياسية، بحيث تحولوا إلى مراجع سياسيين، وكانوا في الوقت نفسه يحظون باحترام المراجع وتقديرهم والاعتراف بهم وبحركتهم، ولو لا ذلك لترسخت هذه الفكرة بصورة مروعة وخطيرة، ولواجهنا فراغاً خطيراً في الحياة الإسلامية.


النتائج الخطيرة للخيارات الصعبة

وبهذا الفهم للخيارات ونتائجها، تكون المحصلة هي: انّ المرجعية الدينية في ضمن هذه الأوضاع السياسية الشاذة التي يعيشها عالمنا الاسلامي من ناحية، والضغوط التي تمارسها قوى الاستكبار العالمي الثقافية والسياسية من ناحية أخرى، أما أن تختار التصدي للعمل السياسي فتتعرض إلى القمع، وتتعرض الأوضاع الثقافية والاسلام ومؤسسة المرجعية إلى الخطر والتشويه في رؤية الأمة والإنفصال عنها نسبياً بسبب ذلك - وهذا ماحدث بالفعل في بعض الأدوار- أو تختار التخلي عن العمل السياسي للمحافظة على العمل الثقافي الذي يراه المراجع العظام - عادة - أهم من العمل السياسي؛ لأنه يمثل القاعدة الإسلامية وبيضة الدين.

وتترتب على ذلك النتائج التالية:

الأولى: إصابة العمل الاسلامي - كما ذكرنا - بالركود والانكماش والمحاصرة لاقتصاره على الأعمال الثقافية المحدودة، بل سوف تتقلص هذه الأعمال الثقافية تدريجياً حتى تنحصر في المسجد والسلوك الفردي الخاص، وتضعف بذلك مقاومة الأمة الإسلامية، وتفقد قدرتها على الاستقلال، وتتعرض إلى التمزّق والاختلاف.

الثانية: حصـول تصور خاطيء في فهم الاسلام ومدى ارتباطه بالحياة الانسانية والاجتماعية، وهو تصور انفصال الدين عن السياسة أو تخّلف الاسلام عن الحياة الاجتماعية، ومن ثَمَّ الشك في فكرة الرسالة الخاتمة والخالدة، وهذا ما يؤكده الفكر الغربي، وتصبح بذلك العقيدة الإسلامية موضع الشك والريب.

الثالثة: وجود فراغ في العمل السياسي في أوساط الجماعة الصالحة، الأمـر الذي يفتح الطريق أمام ملئ هذا الفراغ بصورة غير صحيحة، لأن العمل السياسي عمل مهم ويومي، ويمسّ حياة الناس بكل أبعادها ولا يمكن حدوث الفراغ دون أن يملئ من جهة أخرى(127).

ولكل واحد من هذه النتائج الثلاث آثار خطيرة على أوضاع الأمة الإسلامية، والجماعة الصالحة، لا تتسع هذه المقالة إلى تفصيلها، وحتى الإلمام بها بصورة عامة.

ولكن في حدود هذا الكتاب، ولتوضيح الهدف منه أشير إلى بعض الآثار الخطيرة التي تنشئ من وجود الفراغ في العمل السياسي، ومحاولات ملئه بعد فرض ضرورة ملئ هذا الفراغ:


البديل غير الإسلامي

الأول: قيام قوى الاستكبار والهيمنة والتسلط والطغيان والاستبداد بملئ هذا الفراغ السياسي في العالم الإسلامي، بـإقامة الحكومات والتنظيمات التابعة الذليلة أو العميلة، وذلك بسبب تخلي المرجعية الدينية والعلماء المسلمين عن القيام بهذا الدور.

وهذا ماوقع بالفعل بعـد الحرب العالمية الأولى، وتخلي العلماء لسبب وآخر - كما أشـرت - عن العمل السياسي، وقد ترتب على ذلك آثار مروعة، في اهلاك الحرث والنسل والقتل والدمار والذل والهوان والفساد والضلال والانحراف.

الثاني: قيام القوى السياسية غير الإسلامية الديمقراطية أو الماركسية أو القومية أو الوطنية، بملئ هذا الفراغ حيث شهد عالمنا الاسلامي حركات سياسية ذات أهداف تحررية أو إصلاحية تتحرك في المجتمع الاسلامي، وتدعو إلى إقامة أنظمة ومجتمعات على أساس متبنياتها الفكرية والسياسية المستوردة من الفكر الغربي أو المتأثرة به.

وقد شغلت - واقعياً - هذه الحركات مساحات واسعة من الأوساط الاجتماعية ومن مختلف الاصناف والفئات المثقفة وغيرها - الجماعات المنتجة والفاعلة والشباب والنساء والمدن والأرياف - بل امتدت هذه الحركات إلى أقرب الأوساط الاجتماعية للمرجعية الدينية والعلماء وتمكنت ان تكسب بعض أولادهم وطلابهم والمصلين معهم في المساجد، والمقيمين للشعائر الدينية، والمستمعين الى الخطباء الدينيين والمشاركين في المجالس الحسينية.

كـل ذلك بسبب الفـراغ الذي تركته المرجعية في المجال السياسي - كلياً أو جزئياً - تحت تأثير القمع السياسي للأنظمة الكافرة، وبلغ الحال أن نجد تأثيرات هذه الحركة السياسية، حتى في الوسط الشيعي لأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، الذين كانوا يتميزون على طـول التاريخ بالتزامهم بمبادئ أهل البيت (عليهم السلام)، ويقدمون التضحيات الكبيرة، لأجـل مبادئ الاسـلام، إلى الدرجة التي نلاحظ فيها انّ هذا الوسط أصبح مجالاً يتحرك وينمو فيه الحزب الشيوعي في العراق(128)، الذي استغل ركود المرجعية ووجود الفراغ، فأتى هذا الحزب بشعاراته التي كانت تتجاوب مع مشاعر وعواطف المظلومين والمحرومين من أبناء هذا الوسط، مثل نصرة المظلومين، ورعاية الفقراء وذوي الحاجة وتحسين أوضاعهم المعاشية، ومقاومة الظلم والإستبداد والهيمنة الخارجية وتسلّط الطغاة والمستبدين والمترفين، وما أشبه ذلك مما ينسجم مع بعض المبادئ والثقافة العامة لهذه الجماعة، وخاصة انها جماعة محرومة ومطاردة ويمارس ضدها القمع والاضطهاد.

والشيء نفسه نراه في نفوذ التيار القومي، في بعض الأوساط الاُخرى على اختلاف بين المناطق التي كانت الغلبة فيها لهذا التيار أو ذاك، اذ كانت هناك مناطق الغلبة فيها لتيارات اخرى غير الماركسية كالديمقراطية والليبرالية والوطنية وغيرها.


البديل الإسلامي

الثالث: من الآثار التي شاهدناها في ملئ هذا الفراغ هو نشوء الحركات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية، والتي حاولت أن تكون بديلاً عن تصدي المرجعية للعمل السياسي في ملئ الفراغ مقابل محاولة الأحزاب العلمانية، وهو ما حصل في حركة الاخوان المسلمين(129) في مصر، إذ كانت بديلاً عن حركة علماء الأزهر الشريف.

وفي عالمنا الشيعي ووسط أتباع أهل البيت (عليهم السلام) شاهدنا هذا الأمر أيضاً، فمثلاً في زمن آية الله العظمى السيد البروجردي (قدّس سرّه)(130) - الذي كان من أكابر مراجع الاسلام في هذا العصر وكـان مقره في مدينة قم المقدسة(131) - برزت الحركة الإسلامية - الأحزاب الإسلامية ـ كحزب فدائيان اسلام(132)، وغيره بديلاً عن تصدي المرجعية، ونشط هذا الحزب في أوساط الحوزة العلمية، مما أدى إلى وقـوع صدام بصورة مباشرة بينه وبين المرجعية في مدينة قم، لإحساس السيد البروجردي (قدّس سرّه) أن الحزب بدأ يطرح بديلاً عن المرجعية.

أما في العراق، فقد ولدت بعض الأحزاب الإسلامية، ولكن بصورة محدودة في البداية، لان الفراغ السياسي لم يكن عميقاً، بسبب ما أشرت اليه، من تصدي بعض العلماء الكبار للعمل السياسي، ثم تطور هذا الامر من خلال التجربة الواعية لمرجعية الامام الحكيم (قدّس سرّه) الذي حاول فيها ان يجعل هذه الاحزاب ذراعاً وسنداً للمرجعية وحركتها، لا بديلاً عنها.

كما أنّ تحوّل الظروف السياسية التي أطاحت بالحكم الملكي ومجيء الحكم الجمهوري فتحت أمام الامام السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) آفاقاً واسعة للتحرك السياسي، قبل أن تواجه بالقمع العفلقي الواسع.

وهنا أود أن أركّز على نقطة هامة، وهي انّ الفراغ الذي تتركه المرجعية لا يمكن أن يبقى منتظراً عودة الفرصة المواتية للظروف السياسية، لتعود المرجعية مـجدداً إلى الساحة فتملئ هذا الفراغ، وانّما هذا الفراغ - بطبيعة الحال - يجب ان يُملئ، لان العمل السياسي عمل يومي لا يقبل الانتظار، ولذا فلابد أن يملئ هذا الفراغ، أما بالبديل الصالح أو بغيره من البدائل الأخرى.

ولذا حاول الامام الحكيم (قدّس سرّه) في العراق، أن يملئ هذا الفراغ في البداية، عن طريق التوفيق بين عمل المرجعية، وايجاد المؤسسات الخاصة السياسية، كجماعة العلماء، ورعاية الحركة الإسلامية المنظمة، ثم التصدي بصورة مباشرة الى العمل السياسي، ومحاولة ضم كل المفردات الأخرى في اطار المرجعية الدينية(133)، كما ان الشهيد الصـدر (قدّس سرّه) عندما كتب حول المرجعية الموضوعية، الذي أكدّ فيه أهمية تحول المرجعية إلى مؤسسة، كان ينظر الى هذه العملية التوفيقية بين موقع المرجعية القيادي من ناحية، وبين مـوقع الحـركات الإسلامية التي أعتبرها احدى المؤسسات التي يجب أن تخضـع لقيمومة ورعاية المرجعية الدينية من ناحية أخرى، وذلك لملئ هذا الفراغ.

ولعل نشوء الحركات الإسلامية لملئ هذا الفراغ هو أهون البدائل عند تخلي المرجعية عن العمل السياسي بالقياس إلى البديلين السابقين، ولاسيما إذا كانت الحركة الإسلامية بقيادة علماء الدين.


الآثار الخطيرة للبديل الإسلامي

ولكن نرى لهذا البديل آثاراً خطيرة - أيضاً - على الاسلام والعمل الإسلامي، إذا كان خارج اطار المرجعية الدينية، وذلك لانه سوف يؤدي إلى:

أولاً: إيجاد التنازع والاختلاف واقعياً في داخل الساحة الإسلامية وتضاد الارادة والقرار بين المرجعية الدينية والحزب الإسلامي، مهما بذلت محاولات للتنسيق.

ثانياً: إضعاف روح التقديس والاحترام إلى موقع المرجعية الدينية، بعد ان يصبح دورها ثانوياً في الحياة الاجتماعية، وتأكيد نظرة التخلف والضعف إليها من داخل الوسط الاسلامي.

ثالثاً: فقدان العمل السياسي الاسلامي الحزبي للضمانات الروحية والمعنـوية والاخلاقية التي يوفرها اطار المرجعية الدينية المقدس بجذوره المعنوية والروحية الخاصة، حيث قد يؤدي به ذلك إلى الانحراف.

رابعاً: فقدان العمل السياسي الحزبي للكثير من له القدرة على التعبئة والاعداد الجماهيري العام، لإرتباط جمهور المؤمنين بفكرة النيابة عن الامام المعصوم، ورسوخها في الأوساط الدينية عبر التاريخ والتجارب.


البديل المزيف

الرابع: تصدي أدعياء المرجعية لملئ هذا الفراغ، بأن يتصدى بأسم المرجعية - ادعاء وزوراً - أشخاص غير مؤهلين لهذه المهمة، كما حدث ذلك في زمن الأئمة (عليهم السلام) عندما تعرضوا إلى القمع وحوصروا وانحسر تصديهم (عليهم السلام) للحالة الاجتماعية والسياسية، فقد برزت عناوين مختلفة واشخاص كمحور لادارة الحالة السياسية، وفي بعض الأحيان كان يرتبط هذا المحور ارتباطاً كاملاً بنظام الحكم، ممن يسمّون بوعّاظ السلاطين.

لقد برز هذا الخطر في العراق - ايضاً - وشاهدناه في العصر الحاضر عند قيام الحكم الوطني في العراق، ففرض شخصيات حينما نرجع إلى تاريخها وجذورها، نجدها شخصيات كانت موجودة بالاصل في الحـوزة العلمية، ولكنها حاولت أن تملئ الفراغ السياسي بالانسجام والتعايش مـع الأوضـاع الحاكمة الشاذّة القائمة حينذاك، أو الدخول في تشكيلات وأجهزة النظام بشكل وآخر ممن سُمّي في العصر الحديث بعلماء السراي أو الأوفيز(134).

إذاً، فالآثار الخطيرة لملئ هذا الفراغ هو:

أما تسلط قوى الكفر والاستكبار والاستبداد، أو نفوذ التيارات والاحزاب غير الإسلامية، أو وجود الحركات الإسلامية المنفصلة عن أطار المرجعية، أو وجود ادعياء المـرجعية الدينية السياسية الذين يتعايشون مع الأنظمة المستبدة، أو يدعون للتعايش معها تعبيراً عن خط سياسي يدعو للفصل بصورة نسبية بين الدين والسياسة، أو مهادنة الظلم والطغيان، تحت مبررات فكرية، أو سياسية واهية.