الأمر الثالث: الذي يمكن أن يوصل الانسان إلى هذه الحقيقة والتحقق من وجود هذا المستوى - من العلم هو وجـود التلاميذ والطلاب، فالحوزات العلمية بحسب طبيعة عملها حوزات ولودة، والولادة فيها ذات طبيعة ذاتية أي ديناميكية - حسبما يعبرون -، يعني: تمتلك صفـة التوالد الذاتي، فالانسان فيها يدرس وفي الوقت نفسـه يدّرس أيضاً ويعتبر هذا العمل جزءاً مهماً مـن ممارساته العلميـة، أما أن يكون معزولاً عن المجتمع وليس له طلاب أو أفراد يربيهم فهذه قضية نادرة جداً في أوضاع الحوزات العلمية، ولا أقول ليس لها وجود مطلقاً، ولذلك نجد انّ العلماء المتميزين يكونوا - عادة - لديهم طلاب يتصفون أيضاً بالعلم والفضل، وكما هو معروف في الحوزات العلمية فانّ قضية العلم تأتي بالدرجة الأولى في الإهتمام، وانتاج هذا العالم لطلابه وتميزهم بالعلم هو بنفسه مؤشر على المستوى العلمي العالي الذي يتصف به هذا العالم.

إذاً فهناك عدة مؤشرات:

أولها: اعتراف الحوزة العلمية ووجود الرأي العام بقبول هذا العالم المجتهد فيها.

وثانيها: موضوع المؤلفات العلمية المتميزة المعروفة في هذه الأوساط.

وثالثها: الطلاب المعروفون بالفضل ومستواهم العلمي.

هذه المؤشرات الثلاثة يمكن أن تخدم قضية الشياع وحصول درجة الاطمئنان والوثوق إن لم تكن درجة اليقين في بعض الأحيان.

ومع كل ذلك فقد توجد حالة رابعة ليس لها قاعدة مضبوطـة، بل هي قضية ذات طبيعة انسانية ذاتية ترتبط بالانسان وثقته من خلال المعاشرة والممارسة الميدانية لهذا المرجع أو ذاك المرجع، فقد تتحقق لدى الإنسان - من خلال معاشرته الميدانية لهذا المرجع - قناعة ذاتية فيرى فيه شخصاً فاضلاً عالماً يتميز بالدقة والشمول والاحتياط والتورع والانتباه إلى الخصوصيات، وذلك من خلال ممارسة شخصية عالية جداً بحيث تكون الممارسة من قبل هذا الشخص محققة لدرجة الاطمئنان والوثوق والتسليم بالحقيقة.

ولكن هذه القضية لا يمكن أن نضعها ضمن ضابطة عامة أو ضمن قانون عام، وانّما هي قضية ذاتية - كما تقدّم تبرز من خلال ممارسة شخصية وعـلاقات خاصة تؤدي إلى هذا النوع من الاطمئنان والوثوق، ولكن لابد من الحذر فيها من تأثير الميول النفسية أو الهوى والرغبة الخاصة في ذلك.

ولكن هذا الاطمئنان - الناشئ من الدقة والورع والفحص في الوصول إلى النتائج - يكون حجة شرعية لدى بعض المجتهدين، لكنها حجة شرعية ذات طبيعة ذاتية خاصة، وليست كضابطة عامة أو قانون عام يمكن طرحه كمؤشر للوصول إلى هذه الحقيقة.

أما الأمور الثلاثة الأولى - التي ذكرتها - فهي تشكل ضابطة وقانوناً يعتمد عليها في الوصول إلى الحقيقة.

وأؤكد وأنبّه في هذا المجال على أن لا يكون لعامل الهوى - الميول الخاصة بمعناه الواسع - تأثيره على النتيجة، فربما يرغب انسان في عالم بسبب قربه منه، أو صداقته له، أو لأنه من أهل بلده، أو لكونه جاره، أو لأنـه يتحدث بطريقة جيدة مفيدة، أو انه على مستوى عالٍ من المجاملات الاجتماعية.. وهكذا، ولأسباب عديدة ذاتيـة تنمي فيه حالة الركون والوثوق بهذا المرجع، فانه يجب الانتباه إلى ضرورة تحري الدقة في الوصول إلى الحق وأن لا نقع تحت تأثير هذه العوامل الذاتية وهذه الميول والرغبات.





الفصل الرابع


الوجود الواقعي
للمرجعية الصالحة


بعد هذا الحديث عن شروط المرجعية الصالحة وخصائصها قد يثار سؤال عن مدى واقعية هذه الشروط، وهل هناك وجود واقعي لمثل هذه المرجعية؟! أم انّ المرجعية بمثل هذه المواصفات تصبح قضية مثالية ذات طابـع نظـري وتصـوري، دون أن يكون لها مصداق خارجي في الواقع الفعلي للمسلمين؟!

للاجابة على هذا السؤال أشير إلى نقطتين ذات قيمة هامة في توضيح الإجابة:


نظرة عامة لتاريخ المرجعية

النقطة الأولى: لقد ذكر الشهيد الصدر (قدّس سرّه)(109): انّ المرجعية الدينية لجماعة أهـل البيت (عليهم السلام) مرّت بعدة أدوار، يمكن تلخيصها بأربع مراحل متطورة، كانت المرحلة الأخيرة منها وصول المرجعية إلى موقع قيادة الأمة، وانّ هذه المرحلة تمثل مرحلة التكامل في حركة المرجعية، حيث أصبحت القاعدة والاطار العام للتحرك الاسلامي، وعلى هذا الاساس لابد للمرجعية أن تكون بمواصفات خاصة تتناسب مع هذا الموقع وهذه المرحلة.

وفي حديثه هذا يشير الشهيد الصدر (قدّس سرّه): إلى انّ المرجعية في بدايتها كانت مرجعية في الرواية والفتيا، كما يذكر ذلك التوقيع المعروف عن الامام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف): «وأما الحوادث الواقـعة، فارجعوا فيها الى رواة حديثنا»(110) وكانت متوزعة متفرقة على مختلف مناطق العـالم الاسلامي التي يتواجـد فيها أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ثم تحولت بعد ذلك إلى التمركز في مرحلة متأخرة من مسيرتها، وعليه فانّ معرفة مجريات الأمور حـول هذه المرجعية وتطورها من الناحية التاريخة يحتاج إلى حديث واسع جداً يستند إلى الأرقام والشواهد والوثائق التاريخية، وندعو ذوي الاهتمام والاختصاص إلى بذل جهودهم لتناول مثل هذه البحوث، ولعلنا نوفق إلى بحث ذلك إن شاء الله تعالى.

ولكن إذا انطلقنا في رؤيتنا للمرجعية من هذا الفهم عندئذ يمكن أن نتصور انّ المرجعية في المرحلة القيادية تمكنت من الاتصاف بهذه المواصفات، وانّ هذه الشروط هي شروط واقعية.

والشهيد الصدر (قدّس سرّه) تناول هذا الموضوع بصورة إجمالية دون أن يخوض في التفاصيل وفي ذكر الشواهد والأدلة، لكنه (قدّس سرّه) حدّد بداية المرحلة الرابعة للمرجعية بمرجعية المرحوم الميرزا حسن الشيرازي الكبير(111)، المعروف بموقفه السياسي العظيم في موضوع تحريم التنباك أي: التبغ، إذ وقعّت الدولة القاجارية - المعاصرة للسيد الشيرازي الكبير - معاهدة تسلم فيها استثمار التنباك في إيران إلى الحكومات الأجنبية الكافرة، وكان السيد الشيرازي يـرى: انّ هذه المعاهدة فيها ضرر كبير على المسلمين في إيران وتفسح المجال للهيمنة الاستعمارية على البلاد - إذ كان هذا هو الاسلوب المتبع للدول الاستعمارية في فرض الهيمنة على البلاد الإسلامية - فطالب بابطال هذه المعاهدة وأصدر حكماً ولائياً وأصدر فتيا بحرمة تناول التنباك من أجل الضغط على حكومة الشاه لإبطال هذه المعاهدة ومحاصرتها، ونجح الميرزا حسن الشيرازي (قدّس سرّه) في احباط هذه المعاهدة التي كانت بمثابة مؤامرة تحاك ضد الشعب الايراني المسلم.

مـن هنا كان يرى الشهيد الصدر (قدّس سرّه): هذا الموقف بداية المرحلة الرابعة للمرجعية والتي استمرت إلى يومنا الحاضر، كما كان (قدّس سرّه) يراها - أيضاً من خلال حديثه هذا - متمثلة في مرجعية الامام الحكيم (قدّس سرّه) في عصره.

وإنطلاقاً من هذه الرؤية في هـذا الحديث - وهي رؤية واقعية - نجد أمامنا مصاديق حقيقية وخارجية قائمة في تاريخنا الاسلامي المعاصر متمثلة بهؤلاء العظماء الذين قادوا التحرك الاسلامي في هذه الفترة العسيرة والحرجة التي مرت بها الامة الإسلامية، وهي فترة مقدمات وقوع الحرب العالمية الاولى التي قام فيها الغرب المستعمر بغزو العالم الاسلامي اقتصادياً و ثقافياً وسياسياً وذلك تمهيداً للغزو العسكري الواسع الذي شنّه على البلاد الإسلامية.

وقد تمكّن الغرب - بعد فترة عقدين من الزمن - تقريباً - على رحيل المرحوم السيد الشيرازي الكبير - من الهيمنة العسكرية على البلاد الإسلامية، حيث شنّت الحرب العالمية الأولى والتي كان يجري التمهيد لها من خـلال المعاهدات الأمنية، والاتفاقات الاقتصادية التي جرت مع الدول المستعمرة في العالم الاسلامي.

ففي شبه القارة الهندية أحكم الغرب غزوه الاقتصادي والعسكري لها في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، وتمكن البريطانيون من خلال شركة الهند الشرقية، أن يسيطروا سيطرة كاملة على شبه القارة الهندية.

وهكذا الحال في الجزائر في الفترة الزمنية نفسها حيث تمكن الفرنسيون من السيطرة عليها سيطرة كاملة، ثم أخذوا بالزحف على البلدان الإسلامية الأخرى وهكذا حتى أسقطوا الدولة الإسلامية.

ثم استمرت سيطرة الغربيين عسكرياً على العالم الاسلامي الى الحرب العالمية الثانية، وبدأت حركة ما يسمى بـ (الاستقلال والتحرر) في العالم الاسلامي من هذه السيطرة العسكرية منذ بداية الأمر، فبدأت الحركة في العراق قبل غيره من البلاد الإسلامية بقيادة المرجعية الدينية، وبعد ذلك في سورية ومصر واندونسيا وماليزيا وشمال أفريقيا وفي مناطق المغرب العربي وغيرها.

ولذلك كانت هذه الفترة من أهم الأزمنة التي عاشتها الأمة الإسلامية في تاريخها وكان للمرجعية الدينية فيها هذا الدور القيادي وهذا التأثير الكبير في حركة الأمة.


نماذج للمرجعية الصالحة

النقطة الثانية: من خلال أحداث تاريخية نشاهد مجموعة مـن المرجعيات - من بعد الشيرازي الكبير (قدّس سرّه) - تمكنت أن تقوم بالدور القيادي بكل المواصفات - التي شرحناها سابقاً من قبيل مرجعية الامام الحكيم (قدّس سرّه) - وقد ذكرت مواصفاته واعماله وحركته العامة في محاضرات ومقابلات كثيرة، وأبحاث فيها الكثير من الشواهد والوثائق والارقام المحددة بخطوط ثابتة في العمل والتخطيط الى جانب مواصفات العلم والمعرفة والعدالة والتقوى والورع(112).

ثم نجد هذا الأمر واضحاً - كذلك - في مرجعية الامام الخميني (قدّس سرّه) وهي من المرجعيات الفريدة، بما حققت من انجازات في هذا العصر، وتمكنت ان تعيد الاسلام إلى الحياة السياسية، من خلال اقامته الدولة الإسلامية المباركة التي كانت المنطلق للنهضة الإسلامية التي يشهدها العـالم الاسلامي حالياً، وهذه المرجعية شاهد آخر واضح على هذه الحقيقة - مستوى الثبوت والاثبات معاً، وليس على مستوى الثبوت والواقع وحده(113) لأن الامام الخميني (قدّس سرّه) وبشهادة الجميع - الحوزة وجماعة أهل البيت (عليهم السلام) والمسلمين عامة بل والعالم كله - كان له هذا الموقع المرجعي القيادي.

وكذلك يمكن أن نجد هذا الأمر جلياً في مرجعية الشهيد الصدر (قدّس سرّه)، فأنه وإن لم يصل إلى مستوى المرجعية العامة للمسلمين؛ لأن الله تبارك وتعالى اختار له دار الآخرة والشهادة، قبل بلوغه هذا الموقع الفعلي الخارجي {... حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ..}(114)، ويهيئ له الفرص في الواقع الخارجي، ولكنه كان متصفاً بالمواصفات المطلوبـة في المرجعية الصالحة الكاملة، وعلى مستوى مشروع المرجعية سواء في الآفاق، أم الخطوات، أم الحركة، أم الهموم، أم الرؤيا، أم غيرها من المواصفات، وكانت متواجدة فيه، وحقيقة قائمة في شخص الشهيد الصدر (قدّس سرّه).

كما يمكن أن نجدها في مراجع آخرين سابقين أمثال آية الله الشيخ محمد كاظم الخراساني(115): قائد حركة المشروطة في إيران، وآية الله الميرزامحمد تقي الشيرازي(116): قائد حركة الاستقلال في العراق، والميرزا حسين النائيني(117) وغيرهم كذلك.

فهذا الأمر، نجد له مصاديق ونماذج وشواهد قائمة منذ بداية المرحلة الرابعة لتاريخ المرجعية وحتى الآن، ولكن بالرغم من كل ذلك، وبالنظر إلى التحولات الكبيرة التي نشهدها في عالمنا اليوم بصورة عامة، وفي العالم الاسلامي بصورة خاصة، ربما تصبح قدرة المرجع - لا مواصفاته التي ذكرناها من علم وعدل وعقل - على أداء المهمة بكل أبعادها - بصورة منفردة -، أمراً عسيراً، ولا أقول أمراً غير ممكن أو مستحيلاً وهو أمر يحتاج إلى شرح وتوضيح.

ولكن على هذا الفرض لابد من التفكير الجدي في معالجة هذا العسر وفي تشخيص الموقف تجاه هذه التطـورات في عالمنا الاسلامي والتي تلقي بثقلها وبظلالها وعسرها على الأوضاع السياسية والاجتماعية والعلمية ذات العلاقة بالشروط الثلاثة التي ذكرتها بحيث نحتاج إلى فرضية (التخصص) في المرجعية الدينية لمعالجة هذا العسر وحل هذا الاشكال، وسوف يتضح جانب من هذا العسر وضرورة حل هذا الاشكال في الفصل الآتي إن شاء الله.





الفصل الخامس


المرجعـية
والتحـولات المـعاصـرة


إنّ أبرز التطورات التي يمكن أن نلاحظها في عالمنا المعاصر والتي تلقي بظلالها الثقيلة على المرجعية الدينية الأمور التالية:


الحوادث الجديدة

الأول: التطورات على مستوى الحوادث الجديدة، والتي تحتاج إلى معـالجة فقهية ومتابعة وتحليل من الناحية الفقهية والشرعية، والرجوع فيها إلى المصادر الدينية - القرآن والسنة - لمعـرفة الحكم الشرعي تجاهها.

ففي كل يوم نواجه قضية جديدة ترتبط باوضاعنا الحياتية التي نحتاج فيها إلى رأي جديد، وهو ما يعبر عنه بـ (المسائل المستحدثة) وهذا يفرض وجود عمل تخصصي علمي لابد من القيام به في المحافل الفقهية لأجل دراستها.

وكما هو معروف فانّ انتشار المسلمين في مختلف أنحاء الأرض، وتطورات العلم والحياة المدنية أدى إلى تطور حالة الانسان الاجتماعية وكذلك كثرة العناوين الثانوية التي أدّت الى نشوء الحرج والعسر المتكاثر يومياً.

كما نجد في كل يوم مسالة وقضية تطرح ذات عـلاقة بالمعاملات التي كـانت في السابق محدودة بعناوين معينة، فالبيع مثلاً كان له في السابق أقسام معينة ومحدودة، وكذلك الاجارة والمضاربة والشركة وغيرها من العناوين الفقهية الأخرى، أما اليوم فنجد عشرات العناوين الجديدة للعقود والمعاملات التي تحتاج إلى بحث فقهي دقيق لأجل معرفة حكمها الشرعي.

وكذلك في العلاقات الاجتماعية، أيضاً تتواجد بشكل واسع تطورات كبيرة جداً تحتاج إلى متابعات في غاية الدقة من الناحية الفقهية والشرعية لاعطاء الموقف فيها. وعلى سبيل المثال يمكن لذوي الاهتمام والمتابعة ان يدركوا هذه الحقيقة من خلال مراجعة قائمة هذا العام، التي اعدّها المجمع الفقهي الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي الذي ينعقد في مدينة جدّة او غيرها كل عام، لأجل بحث القضايا المستجدة، والذي يحضره علماء من مختلف المذاهب الإسلامية، بما فيهم علماء من الجمهورية الإسلامية.. فعند مراجعة هذه القائمة نجد عشرات العناوين المعقدة الجديدة، التي تحتاج إلى معالجة فقهية في مختلف تفاصيلها.

ومضافاً إلى ذلك كله نواجه القضايا والاثارات والشبهات الجديدة حول الفكر والعقيدة والثقافة الإسلامية والحياة الاجتماعية وكيفية صياغتها ومعالجة مشاكلها، الأمر الذي يحتاج إلى مواكبة دائمة ومستمرة لتقديم الحلّ والتصور الاسلامي ومعالجة الشبهات والاثارات حول الاسلام وأحكامه ومنهجه في الحياة.


مسؤوليات المرجعية والعصر الحاضر

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار - كـما تقدم سابقاً - انّ المرجعية الدينية تتحمل بالأساس مسؤوليات ثلاث:

المسؤولية الأولى: تشخيص معالم العقيدة الإسلامية بكل تفاصيلها، ومنها: الثقافة الإسلامية ومفاهيمها الأخلاقية والاجتماعية التي ينبغي أن تطرح كنتاج للعقيدة الإسلامية والفكر الاسلامي وتستنبط - أيضاً - من القرآن والسنة، مضافاً إلى الفتيا وبيان تفاصيل الأحكام الالهية والمواقف الشرعية تجاه الحوادث المختلفة، اذ لا تخلو واقعة من حكم شرعي.

ومضافاً إلى العقيدة والفتيا، هناك عملية الهـداية - هداية الناس وارشادهم - وهي عملية معقدة تحتاج - غالباً - إلى تخطيط وعمل متواصل للقيام بهذا الدور ويعتمد بصورة أساسية على تشخيص العقيدة بتفاصيلها وتشخيص الثقافة الإسلامية للأمة ومن ثم بيان الأحكام الشرعية لأبناء الأمة.

المسؤولية الثانية: إدارة شؤون المسلمين وقيادة الحالة الاجتماعية والتي يمكن أن نعبّر عنها بـ (الولاية) أي: ولاية أمور المسلمين في اقامة الدولة الإسلامية وإقامة الحكم الاسلامي، وقيادة عملية التغيير في المجتمع الاسلامي، وهي عملية تغيير وبناء وتزكية وتطهير، واقامة لأركان العدل والقسط بين الناس على أساس الحق والمصالح الحقيقية.

ففي مرحلة ما قبل قيام الدولة توجد ولاية ومرجعية سياسية يكمن دورها في إدارة عملية التغيير في المجتمع باتجاه الهدف الرئيس وهو: إقامة الحق والعدل بين الناس والمتمثل باقامة الدولة والحكم الاسلامي، وفيها الكثير من التفاصيل مثـل: المعرفة وتحليل الأوضاع السياسية القائمة في الواقع الاجتماعي، ومعرفة مواقف الأعداء والاصدقاء، ومعرفة الامكانات والقدرات التي تتمتع بها الأمة، ثم بعد ذلك ياتي تشخيص الموقف السياسي بناء على هذا التحليل وهذه المعرفة، ثم العمل على تفعيل وتنفيذ الموقف، واجراء العملية التغييرية وهي عملية معقدة جداً - أيضاً - وتحتاج الى تفرغ واهتمام خاص، ولاسيما في العصر الحاضر الذي تحولت فيه الدنيا كلّها إلى بلد واحد وتشابكت فيها المصالح والنتائج وكثرت فيها مؤامرات الأعداء وأساليبهم في الهيمنة والتسلط ووسائلهم في النفوذ والتأثير.

المسؤولية الثالثة: مسؤولية القضاء وفصل الخصومات والحكم بين الناس، ومن الواضح انّ مشاكل الناس ومواضع الاختلاف بينهم، قد توسعت بسبب تعقيد الحياة الاجتماعية وتوسع القضاء يوماً بعد آخر، إلى جانب ذلك توسعت القوانين والتعليمات حتى أصبحت لدائرة القضاء مؤسسات كثيرة مستقلة في مقابل دائرة الفتيا، ودائرة الولاية، بحيث يقال: انّ السلطة التشريعية تمثل المسؤولية الاولى، والسلطة التنفذية تمثل المسؤولية الثانية، وانّ السلطة القضائية تمثل المسؤولية الثالثة.

وقد كان المجتهد الواحد - في الماضي - هو الذي يعطي الفتوى ويقدم الفكر والعقيدة وفي الوقت نفسه كان يشخص الموقف السياسي والتغييري في الامة، ويفصل الموقف في نزاعات الناس، فمثلاً الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمارس كـل ذلك شخصياً، باعتبار انّ القضية لم تكن معقدة بهذا الشكل وهذه السعة الموجودة الآن، ولتوسع مجال القضاء وتعقيداته، فُصِلَ - القضاء - عن الولاية بعد ذلك، بحيث أصبح القاضي غير الوالي في الدولة الإسلامية، كما فصل أيضاً مقام الفتيا عن الولايـة، ولكنهما يعملان تحت إشرافه ومؤسسة من مؤسساته، بحيث أصبـح الوالي يدير العملية الاجتماعية والسياسية في الوقت الذي يكون هناك شخص آخر يتولى الفتيا واعطاء المحصل الفكري، وشخص ثالث يتولى القضاء.

وفي زمن الصفويين - على سبـيل المثال - كان المحقق الكركي(118) هو الولي الفقيه في الدولة، لكن دوره كان ينحصر بتشخيص القضايا الشرعية - الفكر والعقيدة واعطاء الفتيا - والادارة كانت بيد السلطان الحاكم لكن بتفويض منه للقيام بهذه المهمة.

ثم توسع الأمر إلى درجة كبيرة حتى أصبحت هذه القضايا مؤسسات ثلاث يستقل بعضها عن الآخر، هي:

المؤسسة التنفيذية: التي يديرها رئيس الجمهورية وجهازه الوزراء.

والمؤسسة التشريعية: التي يديرها مجـلس الشورى الإسلامي.

والمؤسسة القضائية: التي يديرها رئيس القوة القضائية وجهازه الخاص.

ومن أجل إعطاء الشرعية الإسلامية لهذه المؤسسات، أصبح الولي الفقيه هو المشرف على هذه المؤسسات، ويمنح الشرعية لها بالتفويض والإمضاء أو الإشراف المباشر.

والآن نجد هذا التنظيم للحكم والتقسيم للواجبات في الجمهورية الإسلامية، باعتبار انّ المرجع الولي لا يمكنه حالياً ممارسة جميع العمليات الاجرائية والقضائية والادارية وغيرها إلى جانب الفتيا.


القضية السياسية

الثاني: تطورات القضية السياسية في عالم اليوم، إذ كانت المسألة السياسية محدودة لانقسام العالم الى عدة دوائر ومجتمعات منفصلة بعضها عن بعض، وكانت العلاقات بينها محدودة جداً والمداخلات كذلك، والارتباط بينها اما بالحرب أو الهدنة الموقتة. أما اليوم فقد تحول المجتمع الانساني الى عالم جديد متداخل في شؤونه السياسية والاقتصادية والثقافية يعتمد بعضه على بعض ولا يستغني بعضه عن بعض، عالم الأمم المتحدة والتعاون الـدولي في مختلف المجالات، والعهود والمواثيق والقوانين الدولية الثنائية أو الجماعية، والتكتلات الإقليمية والدولية، والمداخلات والمؤامرات والنفوذ الدولي الواسع بسبب وجود هذا التشابك في العلاقات.


ثورة الاتصالات

الثالث: تطور العلاقات والصلات الذي حوّل العالم إلى عالم جديد، وهوعالم الاتصالات والمعلومات من خلال القنوات الفضائية وشبكات الاتصال الدولية، السلكية واللاسلكية والحاسوب والانترنيت، وسهولة التنّقل والسفر، وملكية الأسهم، والشركات المتعددة الجنسيات، والتجارة الدولية، ونقل الأموال والبنوك العالمية، وتبادل الثقافات عن طريق الدراسة أو الكتب والمجلات والصحافة، والمـوسوعات والمعاجم، والترجمة وتعدد اللغات وما شابه ذلك، حتى صـار العالم باكمله يشبه المدينة الواحدة المكتظة بالسكان، والمشكلات والمداخلات والتأثيرات المتبادلة من خلال هذه الارتباطات وتطوراتها الواسعة التي القت بظلالها الثقيلة على القضية السياسية والاقتصادية -أيضا- وتشعباتها.

فمثلاً في السابق لم يكن هناك تدخل من القوى الكبرى في شؤون بلادنا إلاّ بشكل محدود، مثل: الهيمنة على الثروات الرئيسية، أو الممرات الإستراتيجية، أو المناطق الحساسة، وعن طريق الحرب والقوة العسكرية المتوازنة نسبياً.

أما الآن فانّ التدخل يحصل بصورة يومية وبجميع تفاصيل حياتنا الاجتماعية وبمختلف الأساليب، حتى بلغ الحال الى أن تـدخل هذه القوى إلى بيوتنا وغرف نومنا وتتحدث إلى أولادنا ونسائنا وأوساطنا السياسية والاجتماعية والثقافية في كل وقت وساعة وذلك لايجاد تحولات ثقافية وحضارية وسياسية واقتصادية.

ولذلك أصبحت القضية السياسية لها وضع جديد؛ لتمكن الحضارة الغربية من غزو الانسان في عقر داره، بل حتى تنوعت في خطابها لبني الانسان، فلو كان في البيت أسرة من خمسة أفراد فهناك خمسة خطابات في آن واحد، للطفل خطاب تتحدث معه الحضارة الغربية، وللمرأة خطاب، ولرب البيت خطاب، وللشاب خطاب، وللفتاة خطـاب، وربما تتحدث مـع جميع هؤلاء في كل يوم بخطابات متعددة، وهذه العملية هي ما يعبّر عنها: بالغزو الثقافي في محاولة للهيمنة على عقائدنا وثقافتنا وسلوكنا واقتصادنا وجميع شؤوننا من خلال معركة حضارية يديرها الغرب المادي ضـد حضارتنا الالهية المعنوية.

إذاً، فنحتاج إلى قيادة مرجعية متفرغة وإلى مراجع متخصصين في إدارة هذه المعركة ومواجهة هذا الغزو، وإلى مراجع متخصصين في فهم العقيدة والفكر الاسلامي، وتقديم الحلول والأجوبة لكل المشاكل والأسئلة، وإلى مراجع متخصصين في إدارة عملية المواجهة التي هي أكثر تعقيداً من المواجهة العسكرية التي تشتمل على الهجوم والانسحاب والمناورة والالتفاف، وإلى متخصصين في فهم المجتمعات وظروفها وكل هذه المفردات.

في الهجوم الثقافي نحتاج الى مثل هذه الادارة، بل قد نحتاج أحياناً إلى مراجع متخصصين في هذا البلد أو ذاك، للمسك بشؤون هذا البلد أو ذاك، وادارته لاختلاف خصوصيات ذلك البلدان.

ولعظم وأهمية المسؤولية السياسية المناطة بالمرجع أعطى أهل البيت (عليهم السلام) كل هذا الزخم والاهمية القصوى للولاية حتى ربطوا (عليهم السلام) نتائج كل الأمور العقائدية والعبادية وقبولها بالولاية لأنها الحصن الواقي والسور الحصين لها والحافظ لهن(119).


التطور في الاداء

الرابع: التطور في أداء وتنفيذ الأعمال، فأن هذا التطور في القضية السياسية وتداعيتها وفي عالم الأتصالات والمعلومات، لازمه تطور آخر وهو حلول المـؤسسة والتخطيط العام السنوي والمرحلي، محل العـمل الفردي والممارسة اليومية، فأصبح الفرد في كثير من الأحيان غير قادر على تحقيق الأهداف وحل المشكلات بدون الأستعانـة بالأجهزة والعاملين عليها، وبدون الأرتباط بصورة مباشرة بالآخرين.

كمـا أصبح التخطيط للعمل القائم على حساب الإمكانات الفعلية والفرص المتاحة والأهداف المستقبلية وتقدير وتخمين النشاطات والبرامج التي يمكن القيام بها، ضرورة من ضرورات العمل والوصول به إلى غاياته وأهدافه، ومواجهة النشاطات الاُخرى المضادة أو المنافسة، ولـذا نشاهد في عالمنا المعاصر هذا التطور الكبير في وجود المؤسسات والشركات ومراكز البحث والتخطيط والتخصص والرجوع إليها أو الأعتماد عليها في مختلف النشاطات الكبيرة والصغيرة، حتى لا نكاد نجد نشاطاً مهما كان صغيراً أو موضوعاً مهما كان جزئياً إلاّ ووراءه خطة عمل وجماعة متخصصين.