الأولى: الخبرة وحسن التدبير والأدارة في القضايا التي يمارسها الانسان في عمله، بمعنى: أن يكون خبيراً وأن يكون مديراً ومدبّراً، فقد ورد في تعريف العقل عندما سئل الإمام الرضا (عليه السلام): «ما العقل؟ فقـال: التجرع للغصّة، ومداهنة الاعداء، ومداراة الاصدقاء»(95)، أي ان يكون هذا الانسان لديه من حسن التدبير وإدارة الأمور مع الناس بحيث يكون قادراً على أن يسيطر على عواطفه ومشاعره فيتحمل الضغوط والآلام والمحن وأن يداري الأصدقاء فيكسبهم ويجعلهم يسيرون في الخط الصحيح المطلوب، وأن يداهن هـؤلاء الاعداء بطريقة يتجنب شرهم وضررهم، ويـحاول - أيضاً - أن يصل الى هدفه من خلال هذا التجرع للغصة وهذه المداراة و المداهنة.

كما جاء في بعض النصوص الأخرى عن الامام علي (عليه السلام):

«لا مال أعود من العقل، ولا وحـدة أوحش من العُجب ولا عقل كالتدبير..»(96)، يعني: انّ الانسان إذا أراد أن يتصف بالعقل، فانّ أفضل صور هذا العقل وأفضل مصاديقه وتجسيداته هو أن يكون الانسان انساناً مدبراً في عمله وفي سلوكه ومنهجه.

وهناك مجموعة أخرى من النصوص تعبر بطريقة ما عن هذا المضمون، وهو انّ العقل يتجسد في كون هذا الانسان انساناً لديه خبرة في الممارسة والعمل الاجتماعي ولديه أيضاً حسن ادارة لهذا العمل الاجتماعي.

وهذا الأمر يتناسب كما قلت مع الموقع الذي تحتله المرجعية باعتبارها قيادة للأمة، وباعتبار انّ لها القيمومة على مؤسسات عمل الأمة وحركتها، لأنّها مرجعية للأمة في حوادثها المستجدة، كما ورد ذلك في التوقيع المروي عن الإمام المنتظر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف): «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله على الناس».

الثانية: أن يكون لدى الانسان الفهم الصحيح للواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيش فيه الأمة وتعيش فيه الجماعة، بحيث يعرف هذا الواقع والعوامل المؤثرة فيه ويكون لديه التحليل السياسي والاجتماعي الصحيح لـلأوضاع السياسية والاجتمـاعية، وهـذا الأمر - أيضـاً - من الأمور المهمة في موضوع العقل، وقد نفهم هذا الأمر من خلال بُعد العلم أيضاً، ويكون مرتبطاً بمفهوم العلم إذا أردنا أن نوسع دائرة مفهوم العلم فيكون عالماً بالواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه الأمة.

لكن نلاحظ في نصوص العقل - عندما يكون الحديث عن العقل - إنّ هذه النصوص تشير إلى هذا الموضوع في بُعد العقل، وكأنه يراد لهذا الانسان أن يكون متصفاً بدرجة من الادراك والتمييز للأشياء بمستوى يكون عارفاً بما يجري حوله من أمور ويميز في هذه الأمـور بين الصالح والطالح، وبين الخير والشر، وما ينفع الناس وما يضرهم، إلى غير ذلك من الشؤون ذات العـلاقة بحركة هذه الأمة وأوضاعها الخاصة، وفهم خطط الأعداء ومواقفهم، تلك المواقف الثابتـة التي يعبر عنها بالاستراتيجية، والمواقف المتحركة التي يعبّر عنها بالتكتيكية، يعني ان معرفة مثـل هذه الأمور في الواقع الاجتماعي من الخصائص العقـلية التي يحتاجها، وهو ما يمكن أن يعبـّر عنـه بحسن المعرفة بالأمور العامة، أما أن يكون هذا المرجع إنساناً لا تكون لديه تلك القدرة على معرفة ما يجري حوله فيتعامل مع القضايا بظواهرها الأولية والبدوية ويتفاعل مع هذه الظواهر الأولية والبدوية في مواقفه، إنطلاقاً من فطرته وأحاسيسه وعواطفه النبيلة، بعيداً عن معرفة المصالح والمفاسد والأولويات، فهذا لا يكون متصفاً بالعقل المطلوب في هذه المرجعية.

ومن أجل توضيح وتقريب هذه الفكرة نذكر هذا المثال من علم الأصول، حيث نبحث في علم الأصول عن الظهور وحجيته ويذكر العلماء بأن الظهور الذي يكون حجة هو: الظهور الثابت المستقر، يعني: الظهور الذي ينتهي إليه الانسان في فهـم الكلام بعد دراسة النص بكل ملابساته وبقرائنه اللفظية المتصلة به أو المنفصلة عنه والقرائن والظروف الحالية التي تحيط بذلك النص وظروف صدوره.

وعندما يستقر الظهور بالنسبة إلى النص يصبح هذا الظهور حجةً أما لو كان الظهور ظهوراً بدوياً، ظهوراً لأول وهلة بدون الفحص عن القرائن بحيث يتغير بالتأمل والمقارنة، فهذا الظهور البدوي لا يكون حجة ولا يصح الاستناد إليه.

وهذا الأمر ينطبق على الفهم السياسي والاجتماعي للأحداث والقضايا ولذلك الفهم الأولي البدوي لها لا يكون حجة، ولا يصح ترتيب المواقف عليه، ولا يمكن أن يكون الموقف مرجعاً للناس، بل لابد لهذا الانسان الذي يريد أن يقود الأمة ويريد أن يوصلها إلى أهدافها ومصالحها ومنافعها ويجنبها الأخطار التي تحيط بها أن يكون لديه فهم وإدراك عقلي مستقر محيط بكل جوانبها المختلفة.

وهذا الموضوع - هو أيضاً - من الموضوعات المهمة التي لابد أن نشترطها في العقل، ولذلك لابد أن نشترط في المرجع العام الذكاء والخبرة والفهم والادراك العميق للأشياء وحسن التدبير من أجل أن نوفّر، شرط العقل، الذي يقصد منه الحكمة في مقابل حالة الاسترسال للأشياء دون تأمل وتفكير وفهم لها.

من هذا المنطلق نلاحظ مثلاً في الدستور والقانون الأساسي للجمهورية الإسلامية في ايران، انها عندما وضعت شروطاً للقائد العام - الذي طرح في البداية بعنوان المرجع الديني العام للأمة - وضعت هذا الشرط كأحد الشروط الرئيسية والأساسية في هذا القائد وهذا المرجع، باعتبار انّ هذا الشرط من الشروط الشرعية التي تستفاد من النصوص والروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)(97).

ففي بعض هذه النصوص التي وردت عن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيها الناس انّ أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه»(98)، والأقوائية يراد منها: هذا المعنى من العقل والادراك والتمييز للأشياء.

وكذلك ما ورد في قوله (عليه السلام): «والثاني أن يكون أعلم الناس بحلال الله وحرامه وضروب أحكامه وأمره ونهيه وجميع ما يحتاج إليه الناس، فيحتاج الناس إليه ويستغني عنهم»(99).

وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة العيص بن القاسم: «عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم، فوالله انّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فاذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجئ بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرّب بها ثم كانت الأخرى باقية فعمل على ماقد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة، فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم»(100).

الثالثة: أن يكون هذا المرجع ممن يمتلك منهجاً واضحاً في التعامل مع سير القضايا والأحداث، هذا المنهج الواضح فيه مفردات عديدة وكثيرة، منها: ما نعبّر عنه بالعقيدة السياسية، مثل فهم الولاية وموقع هذه الولاية في حركة الأمة، وانّ هذه المرجعية هي إمتداد للامامة وامتداد للولاية الالهية، إلى غير ذلك من القضايا الأخرى ذات العلاقة بعقيدة منهاج الحركة والعمل السياسي والاجتماعي الذي يسير عليه هذا المرجع.

وهناك مجموعة من العناوين أشير إلى بعضها فيما يتعلق بموضوع المنهج، الذي هو من القضايا المهمة جــداً(101):

1ـ من جملة العناوين التي يمكن أن نذكرها في مفردات هذا المنهج قضية الحوزة العلمية، وموقعها ودورها في حركة الأمة، ومن جملة هذه العناوين- أيضا - النظـرية الإسلامية في الحركة السياسية، وكذلك موضوع الدولة الإسلامية وموقع الدولة الإسلامية والكيان السياسي الاسلامي في فهم هذا المنهج.

أما أن يكون المرجع في يوم من الأيام مع وجود الكيان السياسي للاسلام، وفي يوم آخر لا يكون مع وجود الكيان السياسي الاسلامي، أو يكون المرجع في يوم مع فهم الولاية ودورها، وفي يوم آخر يفهم الولاية بمعنى خاص محدود وفي يوم آخر لا يفهمها، كما نشاهد أحياناً بعض الناس من يفهم الولاية العامة للمسلمين كما يفهم الولاية على يتيم أو على وقف، أو يفهمها ولاية على مدرسة أو على مؤسسة، مع انّ هناك فرقاً بين هذه الولاية العامة وبين تلك الولايات.

2ـ وكذلك مـن جملة المفردات في هذا المنهج، قضية المصالح الإسلامية العليا، وترتيب الاولويات بين المصالح في الاهتمام، أو عندما تتزاحم هذه المصالح في مرحلة التنفيذ، إذ لا شك انّ المصالح العامة أمام حـركة الانسان تبدو كثيرة جداً و متعددة، ولكن بعضها أهم من بعض وبعضها أولى من بعض، فلابد للمرجع أن يشخّص الأهم والأولى منها؛ ليوليها الاهتمام الأكبر، وكذلك عندما تتزاحم المصالح الواجبة، ولا يتمكن الانسان أن يجمع بين تحقيق كل هذه المصالح في آن واحد، فلابد له أن يقدّم بعضها على بعض، وحينئذ إذا لم تكن لدى المرجع خبرة اجتماعية وعقل اجتماعي كامل فقد ينتهي به الأمر إلى أن يقدّم المهم على الأهم(102).

وعندما تكون أمامنا مجموعة من المصالح والمفاسد فهنا نحتاج إلى المنهج، وأن تكون لـدى المرجع رؤية كاملة للاولويات في هذه المصالح حتى يمكن أن يكون المنهج منهجاً صحيحاً يرتبط بموضوع العقل، ولعل هذا الشيء هو أحد أبعاد الحكمة، التي يشير إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(103).

كمـا انّ الحكمة قد تكون أمراً مرتبطاً بموضوع معرفة السنن والقوانين التي تتحكـم في مسيرة المجتمع الانساني والتي تكون معرفتها مـن مفردات المنهج الذي لابد للمرجعية الصالحة من الالتزام به، أو تكون الحكمة معرفة معالم السلوك الانساني التي توصل إلى الكمال الأخلاقي.

3ـ ومن جملة مفردات هذا المنهج: التمييز بين دور الأمة ومسؤوليتها ودور القيادة ومسؤوليتها.

فنحن نلاحظ وقوع الكثير من الأحداث وأختلاف مواقف الناس تجاهها، فبعض الناس نجده يقول انه لو صنع الناس كذا لكانت النتائج كذا، وتجد - في نفس الوقت أحياناً - آخرين يقولون تجاه الحدث نفسه لو صنعت القيادة كذا لكانت النتائج كذا، يعني: انّ بعضهم يرمي بالمسؤولية في النتائج على عاتق القيادة وبعضهم يرمي بالمسؤولية على عاتق الأمة، وبعضهم أيضاً يخلط في المسؤولية، ولابد في هذا المنهج من تمييز مسؤولية القيادة ودورها ومسؤولية الأمة ودورها.

3ـ من جملة مفردات هذا المنهج تمييز وتشخيص الواجبات والوظائف والظروف المحيطة بحركة الأمة والمجتمع والشروط المطلوبة والعوامل المؤثرة، فانّ لذلك تأثيراً بالغاً على طبيعة المواقف والقرارات، ولهذا السبب نجد الاختلاف في الادوار والمواقف لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) مع انّ الأئمة هدفهم واحد ومعرفتهم بالأشياء على مستوى واحد وارادتهم وقرارهـم ينطلق من قاعدة واحدة، ومع ذلك نرى انّ إماماً من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) - أحياناً - يقف موقفاً يختلف عن الموقف الذي وقفه الامام الآخر، بل نجد في بعض الأحيان الامام الواحد - كما في الامام علي (عليه السلام) والامام الحسن (عليه السلام) والامام الحسين (عليه السلام) - يتخذ موقفين مختلفين، وهذه المواقف إنّما اختلفت باعتبار وجود هذا التمييز لديهم في دور الأمة وموقع الأمة وحركتها، والظروف المحيطة بهذا الدور.

فهذا المرجع الديني الذي يتعامل مع قضايا المسلمين، ومع مصالح المسلمين، ويتعامل مع الأمة الإسلامية في حركتها، ومع الجماعة الصالحة، مهما كانت قدرته محدودة على بسط يده وفاعليته، ولكن تبقى مساحة حركته واسعة وكبيرة، وحينئذ فلابد أن يكون قادراً على التمييز بين هـذه المصـالح والمواقف والأدوار التي يجب أن يقوم بها، حتى يتمكن أن يصل بهذه الأمة في حركتها إلى أهدافها وإلى مصالحها.

إذاً، فلابد في العقل الذي نشترطه في المرجع، أن يكون المرجع وافر الخبرة وحسن الادارة والتدبير أولاً(104)، وأن يكون لديه فهم صحيح للـواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه هذا المرجع وتعيشه الأمة التي يكون مسؤولاً عنها ثانياً، وأن يكون لديه منهج واضح في هذه الحركة الواسعة ثالثاً.


ثالثاً: شرط العلم

المرجع الصالح لابد أن يكون عالماً، وفي هذا الصدد تبرز عدة أبعاد:

البعد الأول: ما هوالعلم المطلوب في المرجع الصالح؟

البعد الثاني: ما هو مستوى العلم المطلوب؟

البعد الثالث: كيف يمكن أن نحصل على توفر هذا الشرط؟ وكيف يمكننا معرفته في المرجع الصالح؟


العلم المطلوب

أما مايتعلق بالبعد الأول فالعلماء يذكـرون عادة في رسائلهم العملية، بان المطلوب في المرجع: أن يكون مجتهداً(105) في الفقه، وفي حال تعدد المجتهدين، والاختلاف بينهم في الفتوى، يتحتم الرجوع - عندئذ - إلى الأعلـم منهم في موارد الاختلاف، أو إلتزام طريق الاحتياط في أخذ آراء هؤلاء العلماء.

أما في حال عدم اختلافهم في الفتوى فيكفي الرجوع إلى العالم المجتهد، هكذا يذكر الفقهاء في رسائلهم العملية.

ولكن لابـد لنا - في هذا الموضوع - أن نرجع إلى البحث السابق في خصوص موقع المرجعية ومسؤوليتها في الفتيا، فانّ القدرة على الفتيا تحتاج الى درجة علمية يعبر عنها بالاجتهاد أو ملكة الاستنباط للحكم الشرعي، ولاشك انّ من يرجع إليه في معرفة الأحكام والفتاوى المستنبطة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، لابد أن تتوفر لديه القدرة على معرفة الحكم الشرعي واستنباطه بالأدلة التفصيلية، هذا مع غض النظر عن البحث في حركة الاجتهاد ومفهومه، التي مرت بأدوار مختلفة ومتعددة في التاريخ الإسلامي.

أمـا إذا كانت المرجعية عامة وليست مرجعية في الفتيا فقط، وانّما كانت مرجعية في الفتيا وفي الأمور الاجتماعية وفي تشخيص مصالح المسلمين وشؤونهم الحياتية، كما هو الحال في المراجع الدينيين الذين عـرفناهم - بصورة عامة - طوال تأريخنا الاسلامي منذ الغيبة الكبرى للامام الحجة المنتظر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، ولاسيما في عصرنا الحاضر.

فإنّ هؤلاء المراجع الكرام، كانوا قد مارسوا دورين رئيسيين:

أحدهما: الفتيا، والآخر القضاء.

ولكن كان إلى جانب ذلك أيضاً دور ثالث يمارسه المرجع هو: دور الولاية في إدارة بعض شؤون المسلمين من قبيل: الولاية للأوقاف التي لا ولي لها، وكذلك ولاية الأيتام والقاصرين الذين لا ولي لهم، وولاية الشؤون العامة، كولاية التبليغ إلى الله والاسلام والهدي والارشاد ‎إلى الله تعالى، وولاية الجهاد والمقاومة للطغاة والاستبداد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ذلك مارسه العلماء والمراجع في أدوار مختلفة ولم يقتصر دورهم على الفتيا وبيان الحكم الشرعي فقط.

هـذا الدور الآخر للمرجعية الذي ذكرته يحتاج إلى علم آخر ولا يكفي فيه مجرد الاجتهاد في الفقه بمعنى القدرة على ممارسة عملية استنباط الحكم الشرعي من خلال الادلة التفصيلية، وإنّما يحتاج أن تكون لدى المرجـع الخبرة بالواقع الموضوعي الخارجي القائم بين المسلمين.

فمثلاً موقف الجهاد في سبيل الله تعالى يحتاج الى المعرفة بقـدرة المسلمين وبامكاناتهم المادية والمعنوية من ناحية، والمعرفة بقدرة الكافرين والمنافقين والمهاجمين وغيرهم من الأعداء الذين يقومون بأعمال عدوانية ضد الاسلام من ناحية أخرى، وكذلك المصالح العامة التي تترتب على الجهاد.

فالجهاد فقهياً يشترط فيه شـروط من جملتها: القدرة على القيام بهذا العمل، ولكن القرار بالجهاد وتقدير الموقف الذي هو شأن الولاية يحتاج إلى معرفة بهذه الامكانات، وامكانات الآخرين حتى يعطي المرجع القرار بالجهاد مثلاً، كما انّ القدرة قد تكون موجودة ولكن المصلحة العامة لا تقتضي الجهاد كما كان ذلك في قضية صلح الحديبية.

فاذا كانت ولاية الوقف أو ولاية القاصر تحتاج إلى معرفة شؤون الوقف نفسه ومعرفة وضع القاصر ومصالح هذا القاصر، بل ومعرفة المفاسد والمصالح الموجودة و التي تترتب على تلك الأوضاع، ثم معرفة القدرة على المقارنة بين المصالح والمفاسد، وتقديم الأهم على المهم، إلى غير ذلك من الشؤون المهمة ذات العلاقة بالوقف أو القاصر، فكذلك لابد أن نفترض انّ ولي إدارة الحوزة العلمية مثلاً يحتاج إلى المعرفة بشؤونها وبمصالحها وبأهدافها وبطرق تطويرها وسبل كمالها وإيصالها إلى المراحل العالية للنهوض بمسؤولياتها وواجباتها، وهكذا الحال في جميع الأمور العامة الأخرى، وكذلك ولي الجهاد، لابد أن نفترض فيـه المعرفة بقوة المسلمين وقوة الأعداء والظروف المحيطة بهذا العمل الجهادي والمصالح المترتبة عليه، كما أشرنا إلى ذلك في شرط العقل.

وإذا كان يشترط في المرجع العلم بهذه الأمور كلّها وبجميع تفاصيلها فهنا قد يثار هذا الاعتراض: كيف يراد لهذا المرجع أن يكون عالماً بتفاصيل الأمور العسكرية مثلاً؟! فانّ إدارة عمليات الجهاد والمقاومة تحتاج إلى العلم بالشؤون العسكرية، وكذلك الحال في علمه بالشؤون المالية فانّ إدارة بعض القضايا تحتاج إلى علم بالشؤون المالية، وهكذا الحال في الأمور الأخرى التي تدفع الحاجة إليها إلى وجود العلم بها.

هنا لابد أن نلتفت إلى انّ المقصود من العلم بهذه الأمور ليس في أن يكون الشخص المتصدي للمرجعية عالماً بكل هذه التفاصيل ودقائق أمـورها من أولها إلى آخرها، لأن المرجع لا يدير هذه الأمور بنفسه وإنّما من خلال الأجهزة والمساعدين والمستشارين، ولذا يكون المقصود من العلم هو: أن يكون المرجع هو الذي يقود العملية ومن ثم فلابد له من القدرة على الاستفادة من المختصين وخبرتهم في تلك المجالات، وأن يكون قادراً على اعطاء رأيه وموقفه القيادي وقراره الحاسم بكل قضية من تلك القضايا بعد أن ينظر فيها.

ومـع عدم وجود مثل هذه القدرة لديه في الاستفادة من المختصين وتمييز هذه الأمور، ولو من خلال خبرات الآخـرين واستشارتهم، فانّ القرار سـوف لا يكون قراره، بل يكون قرار غيره، فلابد إذاً من وجود مثل هذا العلم والخبرة والمعرفة وحسن الادارة، ليتمكن مـن إعطاء قراره الحاسم في القضية الاقتصادية، والقضية المالية والقضية العسكرية.

فمثلاً في القضية الـمالية، حين يريد القاضي أن يحكم بأنّ هذا المال هو مال فلان من الناس، لابد له من أن يجري اختبارات وفحوصاً للوثائـق والمستندات التي يرجع فيها - عادة - إلى أهل الخبرة والاختصاص، وكـذا في القتل وتشخيص القاتل فربما يحتاج إلى مختبرات لفحص الدم وبصمات الأصابع حتى يكتشف الحقيقة، وهكذا الحال في بقية الموارد.

ولكن يبقى القرار النهائي بيد القاضي الذي تكون لديه خبرة الاستفادة من هذه الاختصاصات.

وعليه فلابد من أن يكون العلم من حيث المضمون والسعة بصورة تتناسب مع هذه الولاية وتتناسب مع هذا القضاء ومع الدور الذي يضطلع به المرجع في العمل الاجتماعي والسياسي.


المستوى المطلوب من العلم

أما البعد الثاني فيما يتعلق بموضوع مستوى هذا العلم، فقد ذكرنا انّ المستوى لابد أن يكون هو الاجتهاد في فرض عدم الاختلاف بين المجتهدين في الفتوى، وأما في موارد الاختلاف بينهم فيتطلب أن يكون مستوى العالم المجتهد هو الأعلم - أعلم المجتهدين -.

ولكن يبقى السؤال عن المستوى المطلوب من الاجتهاد.

حيث ان الاجتهاد له مستويات ثلاثة، كلها مطلوبة في هذا المرجع(106):

المستوى الأول: ما يعبّر عنه بالاجتهاد المتجزئ وتعريفه قد يحتاج إلى بحث طويل يتناول إمكانه أو عدم إمكانه، ولكن - بناء على ما هو المعروف من إمكان وجود هذا الاجتهاد - الفكرة العامة الموجودة عنه لدى فقهائنا هو أن تكون للعالم القدرة في أن يبحث بعض الأبواب الفقهية، باب أو بابين أو ثلاثة أو أكثر، وبذلك يمكن أن يعطي هذا المجتهد رأيه في العبادات دون المعاملات مثلاً، أو بالعكس في المعاملات دون العبادات، فمثل هذا الشخص يطلق عليه: مجتهد متجزئ وليس مجتهداً مطلقاً؛ إذ انه لا يمكنه أن يرد في كل الأبواب الفقهية فضلاً عن استنباطه لكل الأحكام فعلاً.

وهذا المستوى من العلم والاجتهاد لا يُسمح للمقلدين بالرجوع إليه، ولا أن يصـبح المتصف به مرجعاً دينياً، بل لابد أن يكون مستواه العلمي أعلى من ذلك.

نعم يمكن لهذا المجتهد أن يعتمد على رأيه في المسائل الخاصة التي استنبطها أو أن يطرح أفكاراً اسلامية وفقهية ناجزة من خلال عمله العلمي.

المستوى الثاني: أن يكون مجتهداً مطلقاً، لا بالفعل وانّما بالقوة بمعنى: انّ لديه الملكة والقدرة على أن يرد في كل مسألة من المسائل الفقهية ويصـل إلى استنباط حكمها الشرعي، ويمتلك معلومات في علـم الأصول والحديث والـرجال كافية لتحقيق ذلك، لكن نفترض فيه انه لم يدخل فعلاً في بعض أبواب الفقه، مثلاً: باب القضاء، ولم يستنبط شيئاً منه، غير انّ لديه القدرة في أن يدخل في بحث هذا الباب أيضاً، وهكذا باب الديات والحدود وغيرها، ولكنه يستطيع استنباط الأحـكام الشرعية فيها، فمثل هذا الاجتهاد يسمى بالاجتهاد المطلق لوجود القدرة على ممارسة هذه العملية بصورة مطلقة وفي كل الأبواب الفقهية واستنباط الأحكام الشرعية لكل منها وهذه هي الدرجة الثانية.

المستوى الثالث: الاجتهاد المطلق الفعلي فالاجتهاد المطلق كما عرفنا هو: أن يكون الانسان قادراً على أن يرد في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي مختلف الكتب الفقهيـة - كتاب الطهارة، الصلاة، الزكاة، الحج، الخمس إلى كتاب المعاملات، والأطعمة والأشربة، وكتاب الديّات وغيرها - مما تناولته الكتب الفقهية، ولكنه لم يرد فعلاً في بعضها، أما الاجتهاد المطلق الفعلي فهو: أن يكون لدى هذا الانسان - مضافاً إلى ما ذكرنا من هذه القدرة - الممارسة الفعلية لـبحث كل هذه المسائل، وأن يتوصل إلى الاستنباط فيها وبيان حكمها وهو ما يعبر عنه - عادة -: بالرسالة العملية أي: أن تكون لديه رسالة عملية شاملة لكل هذه الأبواب الفقهية، وهذا المستوى هو المستوى المطلوب في مرجع التقليد في الفتيا.

إذاً فمرجع التقليد هو: شخص اجتهد بالفعل وتوصّل إلى هذه المسائل وأعطى رأياً فيها، وهذه هي الدرجة العليا للاجتهاد.

إذا العلم المطلوب في المرجع الديني علم واسع يتناول جميع أبواب الفقه والأصول ويشمل في الوقت نفسه - كـما عرفـنا سابقاً - المعرفة ذات العلاقة بالمسؤوليات الكبيرة التي تتحملها المرجعية.


إحراز العلم المطلوب في المرجع

بعد أن افترضنا انّ هذا العلم لابد أن يكون بهذا المستـوى، يبرز السؤال التالي: كيف نصل إلى التحقق من وجود هذا الشرط في المرجع الصالح الذي لابد من الرجوع اليه في الحوادث، كما أمرنا بذلك سيدنا ومولانا الامام الحجة المنتظر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) في ما روي عنه من التوقيع المعروف؟.

في هذا الموضوع يذكر الفقهاء في رسائلهم العملية - عادة -: انّ الطريق لمعرفة هذا العلم، أما أن يكون الشياع الذي يبلغ حد التواتر والعلم بوجود هذا العلم، أو أن تقوم البيّنة الشرعية على وجود هذا العلم في هذا المرجع الصالح، والبيّنة عادة يحددها الفقهاء بشهادة عدلين خبيرين بوجود هذا العلم في هذا المرجع الصالح.

ويكتفي بعض العلماء بالوثوق الذي هو: درجة أقل من درجة العلم، بحيث تتحقق حالة من الركون والوثوق والاطمئنان النفسي بوجود هذا المستوى من العلم لدى هذا العالم المرجع، وبناءً على هذا الرأي يكون الاطمئنان والوثوق حجة شرعية فيكتفي هؤلاء بهذا المستوى من المعرفة أيضاً.

هذا هو مايذكره الفقهاء في رسائلهم العملية - عادة - ولكن نواجه مشكلة فيما يتعلق بهذين الطريقين - الذين يحددهما العلماء في رسائلهم العملية في ظروف أوضاعنا العملية وأوضاع الحوزات العلمية - هذه المشكلة ليست دائمة، وإنّما تحدث في كثير من الأحيان، وهي: مشكلة تعدد المراجع الذين يطرحون انفسهم لهذا الموقع الهام مع وجـود شهادات متعددة بحد البينّة في الأوساط العلمية لهؤلاء المراجع، بحيث يمكن أن نقول: انّ التواتر الذي يؤدي إلى حصول العلم الشخصي واليقين والاطمئنان لا يتحقق بخصوص هذا المرجع أو ذلك الـمرجع لوجود شهادات متعددة من قبيل وجود اثنين أو ثلاثة أو أربعة يشهدون لمرجع في مكان، وفي مكان آخر يشهد ثلاثة أو أربعة أو أكثر لمرجع آخر وهكذا.

صحيح ان كل واحدة من هذه الشهادات لو أردنا أن نقوّمها في نفسها بدقة تكون - أحياناً - شهادة كاملة، ويمكن أن تكون بينة شرعية - أيضاً - يعتمد عليها في مقام الرجوع إليها والاستناد إليها في معرفة هذا العلم، ولكن مع وجود البينة الأخرى التي تشهد في الجانب الآخـر أي لمرجع آخر، هنا تحصل عندنا ظاهرة يعبر عنها علم الأصول: بظاهرة التعارض بين البينّات، ومع وجود التعارض بين البينات لا يمكن عندئذ الاستناد إلى هذه البينّة ولا إلى تلك البينّة، إذ لو كانت هذه البينة وحدها دون غيرها، كان يكفي وجودها في إحراز العلم المطلوب، ولكن مع وجود ظاهرة تعدد المراجع والشهادات المتعددة لهم - التي هي من الظواهر المعروفة في كثير من ظروفنا الاجتماعية والحوزوية- فما هو الموقف تجاه هذا الموضوع؟

وهذا الأمر يحتاج إلى المزيد من التوضيح، لأجل أن تصبح هذه القضية المهمة واضحة وهي معرفة وجود هذه الصفة وهذا الشرط الهام في المرجع، بحيث يمكن أن يصل الانسان المؤمن المتدين إلى الحقيقة في هذا الموضوع.

العلماء والسلف الصالح والمحققون(107) كانوا ينظرون إلى عدة أمور وقضايا مهمة تعبر عن مؤشر لهذه الحقيقة بحيث تؤدي إلى تلك النتائج التي أشار لها الفقهاء في رسائلهم العملية بصيغ محددة.

الأمر الأول: وهو يرتبط بأصل وجود هذا المستوى من العلم وهو الاجتهاد المطلق الفعلي بالنسبة لهذا المرجع، حيث نلاحظ انّ هذا المرجع لابد أن يكون مرجعاً معترفاً به في المؤسسة العلمية المختصـة، وهي الحوزة العلمية، بأن يكون في هذه المؤسسة بعلمائها ومدرسيها وفضلائها وطلابها اجماع أو رأي عام بقبول اجتهـاده المطلق الفعلي، وهذا الرأي العام يحقق الأمر الذي ذكرناه في موضوع الشياع والتواتر، إذ يتحقق العلم أو الإطمئنان بأنّ هذا الانسان هو بمستوى من العلم يصل إلى هذه الدرجة العلمية والفضيلة الفقهية وهي درجة الاجتهاد المطلق الفعلي الذي يتمكن من خلاله أن يكون إنساناً صالحاً للمرجعية.

إذاً، فلابد من الاهتمام بهذه القرينة العلمية في استكشاف هذه الحقيقة، كما هو الحال في كل الشؤون المماثلة التي نشاهدها في عصرنا الحاضر والعصور السابقة، أي: انّ أية درجة علمية عالية لا يمكن القبول بها ما لم نرجع إلى المؤسسة التي تربي مثل هؤلاء العلماء، فالأطباء مثلاً لا يمكن القبول بادعائهم لمستوى عالٍ من الطب ما لم يكن هناك اعتراف من قبل المؤسسات الطبية والجامعات العلمية التي تخرج منها الأطباء، وبدون الاعتراف لا يمكن قبول مثل هذا الطبيب بهذا المستوى العالي، وهكذا الحال في المهندس وكل المجالات الأخرى ذات البعد العلمي المناسب وحتى في القضايا الحرفية والمهنية نلاحظ ضرورة ذلك.

فعلى سبيل الفرض صفة الدقة في مهنة صياغة الذهب والمجوهرات ذات الطبيعة الفنية الدقيقة، فأننا نجد أنّ أول مدخل لمعرفة اتصاف الانسان بهـذه الصفة الفنية، هو الرجوع إلى المؤسسة التي يتخرج منها مثل هؤلاء الأشخاص.

وفي المرجع أحياناً يكون الموقف إجماعي للمؤسسة والحوزة العلمية تجاهه، وأخرى يكون على شكل رأي عام في هذه المؤسسة بحيث يحصل الاطمئنان بوجود هذه الدرجة من العلم عند هذا المرجع.

وهذا في الواقع يمثل احدى الضمانات المهمة التي وضعها أهل البيت (عليهم السلام) في تخطيطهم لمؤسسة الحوزة العلمية، وهذه الضمانة تشبه ضمانة المعجزة التي وضعت من قبل الله، لمعرفة صحة دعوى النبي وسد الطريق أمام أدعياء النبوة.

اعتراف هذه المؤسسة بهذا المرجع هو الضمان الذي يمكن أن نحرز من خلاله في المرجع هذه الدرجة العلمية ونسد الطريق بذلك على ادعياء المرجعية.

الأمر الثاني: الذي يمكن أن نأخذه بنظر الاعتبار - هو وجود الكتب والمؤلفات العلمية التي تصدر عن هذا العالم، وهذه المؤلفات لا يمكن للشخص العادي أن يشخّصها ويقيَّم محتواها، بل تبقى المؤسسة العلمية هي المصدر الذي يمكن أن يمحَّص هذا التأليف وهي التي تميِّز وتقيِّم محتواه من خلال ذلك، ويمكن معرفة هذا العالم والمستوى العلمي الـذي يتميز به.

والكثير من علمائنا الاعلام ومراجعنا الكرام عُرفوا في الأوساط العلمية من خلال مؤلفاتهم قبل ان يُعرفوا من طـريق آخر، فبعض هؤلاء المراجع لم تكن لديه فرصة للاحتكاك الواسع بالأوساط العلمية أو بالحوزة - مثلاً - أو أن يتحرك عليها، بل كان منصرفاً إلى حد كبير إلى العلم وطلبه والتدريس، ومـن خلال التأليف عرفت الحوزة العلمية مستواه في علمه وفهمه، وهي التي يمكنها أن تميز انّ هذا المؤلف هو مجرد ناقل للعلم أو انه مجتهد حقاً في علمه.

قضية المؤلفات العلمية تعتبر من المؤشرات المهمة في الأوساط العلمية، لمـعرفة مستوى العلم الذي يمتاز به هذا المرجع أو ذاك(108).