الفصل الثالث


مواصـفات
المـرجعية الفاعـلة



دور المواصفات في المرجعية

الانجازات الكبيرة التي قدمتها المرجعية للأمة، انّما حصلت بادئ بدء بفضل وعناية الله تعالى، وجهاد وتضحيات المخلصين من أبناء الأمة والجماعة الصالحة، ولكن لاشك انّ للمواصفات والكمالات - التي اتصفت بها المرجعية، والتي مثلّت هذه الصفات امتداداً في حقيقتها ومضمونها لمواصفات الرسل والأئمة المعصومين (عليهم السلام) - الأثر البالغ في ذلك، وقد شاء الله تعالى - بموجب حكمته والسنن التي أودعها في حركة هذا الكون والمجتمع الانساني - أن تكون مثل هذه الانجازات معلولة لوجـود المواصفات المعينة التي أتّصف بها المخلصون من عباده ومنهم المراجع العظام، وبذلك يكونون قادرين على مواصلة المسيرة وبلـوغ الهدف والتأثير في هداية الناس؛ ولذلك وجد قانون الاصطفاء والاجتباء كما ذكر تعالى ذلك: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(70)، وقال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}(71).

ومن هذا المنطلق نعرف بأنّ مواصفات وشروط المرجعية تمثّل المحور الاسـاس في هذا الموقع و الدور الذي يقوم به؛ لأن المرجع قد تمَّ تعيينه مـن الله تعالى بـالمواصفات، لا بالشخص، على خلاف التعيين في الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، فأن التعيين فيهم بالشخص بعد إحراز الصفات فيهم من قبله تعالى، كمـا أن الصفات في الوقت نفسه تمثّل احدى الضمانات المهمة لتحقيق الاهداف وسلامة المسيرة.

فاذاً ما هي هذه الشروط والمواصفات؟

نقرأ في الرسائل العملية لمراجع الدين الشروط والصفات العامة التي يذكرها الفقهاء بخصوص مواصفات المرجع، وهي: مواصفات صحيحة وواقعية، ولكن من خلال إطلاعي على الأوضاع الموجودة في الحوزات العلمية، ومن خلال معرفتي السابقة والفعلية بهذا الأمر.

أقول: انّ هذه الشروط - مع الأسف - لا تشرح في الدروس التعليمية ولا توضح في الأبحاث والثقافة العامة الحوزوية بطريقة تتناسب فيها المواصفات مع أهمية وخصائص موقع المرجعية.

فعلى سبيل المثال، تـذكر مواصفات من قبيل: أن يكون المرجع بالغاً، وذكراً وعاقلاً، وعالماً، وعادلاً، لكن لا يتمّ شرح هذه المواصفات والشروط بالطريقة التي تتناسب وأهميتها أو أهمية موقع المرجعية، فعندما نأتي إلى شرط (العقل) مثلا وهو: صفة يشترطها الفقهاء حتى في ولي الطفل الصغير، وكذلك في الإنسان الذي يحق له التصرف في ماله، إذ يشترط في صحة تصرّف الانسان بالمال (العقل) ولا تصح تصرفات المجنون والسفيه، وكذلك في الشخص الذي يريد أن يتزوج وفي معاملات البيع والشراء وغيرها من الأمور الكثيرة.

ولكن هنا يبدر هذا السؤال المهم: هل العقل الذي نشترطه في المرجع هو العقل نفسه الذي نشترطه في مثل هذه الموارد الأخرى؟ أم انه لابد من مستوى عال من العقل نشترطه في المرجع بحيث يتناسب ومهمات هذه المرجعية؟

وهكذا في صفة العدالة التي يذكرها الفقهاء كشرط في كثير من الأمور، كما في إمام الجماعة وفي الشهود- شاهدي الطلاق مثلاً أو شاهدي البينة لدى القاضي- فهل مستوى العدالة المشترطة في المرجع هي عينها المشترطة في إمام الجماعة وفي الشاهد؟

لقد كان هذا الأمر - وهو الفرق بينهما في المستوى - واضحاً في السابق لدى الأوساط العامة - السالفة - باعتبارها أوساط متفقهة وقريبة من العلماء والمراجع تتعايش معهم يومياً وتدركه من خلال الممارسة والتطبيق، فيتناولون هذا الموضوع عن هؤلاء الحواريين والمتفقهين يداً عن يد، وفماً عن فم، وصدراً عن صدر.

أما الآن وبعد هذه التحولات الكبيرة التي سوف أشير إليها في عالم اليوم، فنحتاج إلى أن نقف طويلاً عند هذه الشروط لأجل أن تصبح المواصفات واضحة في رؤانا، متناسبة وهـذا الموقع من ناحية، ومع قدرة هذه المرجعية على تحقيق الانجازات الكبيرة والأهداف المقدسة والاستمرار بالمسيرة من ناحية أخرى.

هناك بعض العناوين البارزة في هذه الشروط والمواصفات تحتاج إلى هـذه الوقفة والشرح، بخلاف بعض المواصفات الأخرى التي قد لا تحتاج إلى كثير من الدقة والشرح كما هو الحال مع صفة الذكورية والبلوغ الواضحتين، وهنا أشير إلى ثلاثة عناوين مهمة:


أولاً: العدالة

من المواصفات التي تستحق النظر طويلاً صفة العدالة، وهي كما يعرفها بعض الفقهاء بالمَلكة وبالصفة النفسية الروحية الثابتة في نفس الانسان من خلال الممارسة المستمرة والتربية الطويلة، بحيث تمنع صاحبها من الوقوع في المحرمات أو ترك الواجبات، وهي: - حسب تعريف بعض الفقهاء الآخرين - الالتزام بجادّة الصواب والاستقامة فيه والتمسّك بالواجبات وترك المحرمات (عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة وعدم الانحراف عنها يميناً أو شمالاً، بأن لا يرتكب معصية بترك واجب أو فعل حرام من دون عذر شرعي، ولا فرق في المعاصي من هذه الجهة بين الصغيرة أو الكبيرة)(72) أو (الاستقامة على خط الاسلام بنحو لا يرتكب كبيرة أو صغيرة، على شرط ان تكون هذه الاستقامة طبعاً له وعادة)(73)، (عبارة عن الملكة المانعة غالباً عن الوقوع في المعاصي الكبيرة التي وعد الله سبحانه عليها النار، فلا يقدح في وجودها حصول الندم بمجرد سكون الشهوة أو الغضب مع الالتفات الى وقوع المعصية)(74) ويبدو من الامام الحكيم (قدّس سرّه) انه يرى ان المرتكز في اذهان المتشرعة - وهم المؤمنون المتدينون - بأن العدالة التي يجب توفّرها في المرجع هي: مرتبة عالية لا تزاحم ولا تُغلب بالشهوات أو الغضب على نحو لا يجدي عندهم التوبة فيها والندم، ثم قال: «والانصاف انه يصعب جداً بقاء العدالة للمرجع العام في الفتوى - كما يتفق ذلك في كل عصر لواحد أو جماعة - إذا لم تكن بمرتبة قوية عالية ذات مراقبة ومحاسبة فان ذلك مزلة الاقدام ومخطرة الرجال العظام ومنه سبحانه نستمد الاعتصام»(75).

وقد جاء التأكيد على العدالة في الشهود، وفي امام الجماعة، وفي الامام الذي يتولى الجهاد في سبيل الله، وفي الامامة وغيرها من الموارد بحيث ان العلماء فهموا من ذلك انها شرط في المرجع العام، فاجمعوا على هذا الشرط فيه.

وان السيرة العقلائية التي أمضاها الشارع المقدس تقر هذا الشرط أيضاً، وهو مما اكده علماء الفريقين السنة والشيعة(76).

فقد ورد في الحديث عن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تصلح الامامة إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال ورع يحزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم»(77).

كما روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم قال: «سمعت ابا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول:... والله يا محمد من اصبح من هذه الامّة لا امام له من الله (عز وجل) ظاهر عادل اصبح ضالاً تائهاً، وان مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق. واعلم يا محمد ان أئمة الجور واتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلوا وأضلوا....»(78)..

وقريب من هذا الرأي ما ذكره الامام الخميني في تحرير الوسيلة(79). ولـكن في المرجع لابد أن نشترط درجة عالية من العدالة تتناسب مع هذا الموقع الهام، وهي عدالة تمثل بمستواها امـتداداً وانعكاساً لشرط العصمة الذي نلتزم به في الأئـمة الأطهار (عليهم السلام)، حيث اننا كما نشترط عـقلاً وشـرعاً في الامام العصمة، فلابد في المرجع الذي يمثل وينوب عن الامام في المسؤويات أن يكون بمستوى من العدالة يتناسب مع هذا التمثيل للمعصوم وموقع النيابة عنه.

وسأتناول في توضيح هذا الموضوع مجموعة من الاختبارات وتجسيدات السلوك تتميز مـن خلالها عدالة المرجع بمستواها المطلوب عن العدالة العامة في الموارد الأخرى.. فان العدالة - بمعنى حسن الظاهر - المطلوبة في إمام الجماعة والشاهد تعني: الالتزام والاستقامة الظاهرية، بأن يصلي الشاهد ويصوم ويحج عند الاستطاعة ويخمّس ويزّكي ماله المتعلق به الخمس والزكاة، وغير ذلك من الواجبات أو ترك المحرمات.

إنّ هذا الإلتزام هـو من الأمور الواضحة مصداقاً عند المراجع، فلا يمكن أن يكون ذلك أساساً في اختبارات السلوك والاستقامة، إذ لا نتوقع أن نرى أحد المراجع لا يصلّي أو لا يصوم وهـو صحيح البدن، ولا نتوقع أن يشك بذلك أحد من الناس، بل لا نجد هذا النوع من الانحراف حتى عند المدعين - زوراً - للمرجعية أو غير المؤهلين لها في العدالة المطلوبة في المرجعية، بل لابد من إختبارها في عدة قضايا اخلاقية وسلوكية اُخرى ترتبط بطبيعة المرجعية ومهماتها.

وهنا أشير إلى بعضها:


أ ـ العدالة وحب الرئاسة

أحد الاختبارات الذي يجب أن يفحص عنها المؤمنون والخبراء والمتفقهون لمعرفة تحقق شرط العدالة في المرجع والذي يمكن أن نستلهمها من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) هو الفحص عن مقدار حب هذا المرجع للدنيا وزهده فيها.

فعن الامام الصادق (عليه السلام): «إذا رأيتم العالم محبّاً للدنيا فاتهموه على دينكم فان كل محبّ يحوط ما أحبّ»(80)، من خلال حبّه للرئاسة والشهرة وزهده فيهما، وما هو مقدار حبّه للفعاليات التي يبذلها في الدعوة والدعاية الى نفسه أو الاعراض عن ذلك؟.

لقد ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تأكيدهم الشديد على حرمة حبّ الرئاسة، ولعنهم لها أو الاهتمام بالمناصب وبالشهرة.

عن عبد الله بن مسكان، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إيّاكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون فوالله ما خفقت النعال خَلْفَ رجُلٍ إلاّ هلك وأهْلَكَ»(81).

وعن أبي حمزة الثمالي، قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): «إيـّاك والرئاسة وإيّاك أن تطأ أعقاب الرجال، قال: قلت جُعلت فداك أما الرّئاسة فقد عرفتُها، وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلاّ ممّا وطئتُ في أعقاب الرجال؟ فقال لي: ليس حيثُ تذهب؛ إيـّاك أن تنصبَ رجلاً دون الحجة، فتُصدّقه في كل ما قال»(82).

وعن محمد بن مسلم، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

«أترى لا أعرف خياركم من شراركم؟ بلى والله وإنّ شراركم من أحبَّ أن يوطأ عقبه، إنه لابد من كذّاب أو عاجز الرأي»(83).

فأمير المؤمنين (عليه السلام) - الذي هو أحق الناس بالولاية والمنصب والحكم من بعد الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) - كان يؤكّد هذا المفهوم، كما جاء في نهج البلاغة تأكيده (عليه السلام) لأعراضه وبُعده عن طلب الرئاسة و المنصب ورفضه للتصدي لذلك، إن لم يكن فيه المصلحة العامة ومصلحة المسلمين بالذات.. فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كضة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز(84)، يريد (عليه السلام) أن ينبهنا إلى هذا الأمر الهام في اختيار السلوك والعدالة.

ولذلك نرى - في الأوساط الدينية - انّ احدى الانتقادات المهمة التي سجّلت على بعض الاشخاص - الذين ادعوا المرجعية بعد وفاة الامام الحكيم (قدّس سرّه) - هو ملاحظة الاندفاع الكبير في بذل الأموال لطبع الصور ونشر (الروبرتاجات) حسبما يعبّرون في المجلات وفي الدعاية لهذه المرجعية أو تلك، وهي مسألة غير سليمة، إذ لا ينبغي أن يكون الترويج للمرجعية بهذه الطرق التي تشبه إلى حدٍّ بعيد طرق الدعايات التي تستخدمها الشركات التجارية لترويج بضائعها والابتعاد عن معرفة الشروط الواقعية الإسلامية المطلوبة في المرجعية.

المرجعية لها قدسية كبيرة ولها موقع معيّن، وأنا لا أريد هنا أن أنكر على أحد طبع صور هذا العالم أو ذاك، فذلك امر طبيعي في أن يحتفظ المرء المؤمن بصورة المرجع أو العالم الذي يرتبط به في بيته تعبيراً عـن حبه وتقديره له، كما انّ من الطبيعي أيضاً أن يعبـّر المؤمن عن حبه وولائه السياسي للمرجعية عندما يرفع صورة المرجع في المناسبات واحيـاء الشعائر والتظاهرات، ولكن من غير الطبيعي أن يكون الترويج للمرجعية بهذا الاسلوب، والتعريف بها من خلال الاعلام العام بعيداً عن الموازين الواقعية وبعيداً عن ضوابط هذه الموازين التي لابد من تثقيف الناس عليها، فهذا الشيء مرفوض لأنه يعبرّ عن حب الزعامة والمنصب والرئاسة والشهرة بأي طريق جاءت.

هذا الحبّ للدنيا والرئاسة هو من الابتلاءات الكبيرة التي يبتلى ويمتحن بها العلماء المتصدون، لأن غيرهم من الاصناف قد يمتحن ولكن بشيء آخر، التاجر مثلاً عنـدما يبتلى ويمتحن بدينه لا يبتلى بالصلاة والصوم وإنّما بمعاملاته في السوق ومدى اهتمامه بمطابقة عقوده التجارية التي يجريها مع الأحكام الشرعية، والشاب عندما يمتحن في دينه يبتلى في السيطرة على شهواته الجنسية والعاطفية وسلوكه العام، وهكذا الحال بالنسبة للمزارع والعامل والمرأة والطالب، بل وجميع الناس، فـان قانون الامتحان عام، ولكن يختبر الانسان فيه بما يتناسب مع طبيعة مواصفاته الذاتية أو طبيعة اعماله الاجتماعية.

أما المرجع فانّ من أهم ما يبتلى به من أمور خطيرة هو الامتحان بحب الرئاسة والزعامة والموقع.

وقانون الابتلاء والامتحان قانون عام، وشامل لا يفرق فيه زمان او مكان عن زمان ومكان آخر، بالنسبة لبني الانسان، وحتى الأنبياء (عليه السلام) تعرضوا للامتحان والابتلاء. والمرجع يتعرض - أيضاً - إلى أنواع خاصة من هذه الامتحانات والابتلاءات وإحداها هي: قضية حبّ الرئاسة وحبّ الشهرة، فلابد أن يراقب الانسان المتصدّي والمرجع العام من خلال موقعه وبشكل دقيق هذا الأمر في نفسه، ويرى مدى حبه لهذه الرئاسة ولهذه الشهرة ولهذا الموقع الخطير.

كما يجب على الأمة أن تراقب ذلك بدّقة - أيضاً - لتشخيص المرجع ذي المواصفات المطلوبة.

وقد عشنا فترة طويلة عاشرنا فيها علماء وأفاضل كرام ومراجع عظام، كانوا يراقبون في أنفسهم هذا الجانب مراقبة شديدة، ويتورعون عن كل ما يمتّ إلى هذا الحبّ بصلة.


ب ـ العدالة ومهادنة الظلم

لقد ابتلي مراجع الاسلام في مختلف العصور بظاهرة حكّام الجور والظلمة، وكانت هذه الظاهرة هي أحد الاختبارات الأخرى لعدالة المرجع، فما هو الموقف من حكّام الظلم والجور ومن ظاهرة الظلم والطغيان والإستبداد؟

وتفرض هذه الظاهرة موقفاً معيناً على المرجع باعتباره المتصدّي لأمور الأمة، وادارة شؤون المؤمنين، فلابد له من أن يقف الموقف المناسب من قضيتي الظلم والعدل، ومن خلال تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) وسيرة مراجعنا الصالحين العظام، نلاحظ أنهم كانوا يقفون دائماً في مواجهة الظالمين موقف الانكار لهذا الظلم بدرجة تتناسب والظروف المحيطة بهم والاوضاع السياسية والاجتماعية القائمة في المجتمع، إلاّ انّ أصل (الرفض) كان أصلاً ثابتاً في مواقف أهل البيت (عليهم السلام) والمراجع.

كما انّ مسألة التعاون مع الظالمين أو مهادنة الظالمين، تعدّ من القضايا المهمة المرفوضة والمحرّمة التي تقف حائلاً ضد ما يفرضه الواجب الالهي من السعي لتحقيق العدل والدفاع عنه واقامته بين الناس.

فقد ورد في الحديث عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليه السلام) في حديث قال: «إيـّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين»(85)، وعن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمالهم فقال لي: «يا أبا محمد لا ولا مدة قلم إن أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله»(86)، وعن ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: جعلت فداك أنه ربما أصاب الرجل منّا الضيق أو الشدّة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسنّاة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «ما أحب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، وانّ لي ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد»(87).

وعن يونس بن يعقوب قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): «لا تعنهم على بناء مسجد»(88). وفي (عقاب الأعمال) عن السكوني، عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة، أو ربط كيسا، أو مدّ لهم مدّة قلم، فاحشروهم معهم»(89).

ولذلك نجد انّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على اختلاف ظروفهم وأوضاعهم السياسية كانوا يشتركون جميعاً في موقف واحد، تجاه مقارعة الظلم وأقامة العدل بين الناس وكان أحد المصاديق الواضحة هو موقفهم من مقاومة الظالمين وعدم التعاون معهم.

فمـثلاً نلاحظ أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان له ظرف معين ويعيش في أوضاع سياسية خاصة، والامام الحسن (عليه السلام) كان له ظرف آخر، وهكذا الحال بالنسبة للأمام الحسين (عليه السلام) الـذي عاش ظرفاً ثالثاً، كذلك بالنسبة لبقية الأئمة الأطهار (عليهم السلام) حتى غيبة الامام الحجة المنتظر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، ولكن مع اختلاف ظـروف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) نجدهم جميعاً اشتركوا بموقف واحد ثابت ضد الظلم والظالمين والطغيان والاستبداد، وإن كـان يختلف في مستواه ودرجـته، وكان هذا الموقف واضحاً في أوساط الأمة مهما اختلفت درجة هذا الموقف تبعاً للظروف التي عاشها كل امام منهم.

فمن درجة موقف الامام الحسين (عليه السلام) وهي درجة المواجهة المطلقة والتضحية المطلقة، إلى درجة الامام الرضا (عليه السلام) الذي بلغ به الحال أن يكون ولي العهد للمـأمون العباسي، ولكن عند قبوله (عليه السلام) الظاهري بولاية العهد، نجد أنّ له نفس الموقف الرافض للظلم، وتمثل ذلك برفضه لهذه الولاية حتى ألجأه المأمون لـها بالتهديد بصورة واضحة عرفها الناس، ثم بوضعه (عليه السلام) شروطاً لقبول تلك الولاية توضح موقف الرفض، مثل: شرط عـدم التدخل في أي أمر من الأمور التنفيذية للخلافة، مما يوضّح للناس الموقف تجاه الظلم والطغيان.

وهذه المواقف هي التي تفسّر وتبّين لنا ردة الفعل التي وقفها الظالمون المستبدون تجاه موقف الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، فكانت تتمثل هذه الردة في العدوان والمطاردة والمحاصرة والقتل والاغتيال، التي تعرض لها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) منذ زمن الامام علي (عليه السلام) إلى زمن غيبة الامام الحجة المنتظر (عليه السلام).

ولابد أن يكون الموقف من الظالمين دائماً - موقف الرفض مسجلاً بدرجة ما- مهما كانت الضغوط التي يمارسها الظالمون ثقيلة وقاسية ضد المرجع الديني، ولنا فـي أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أسوة وقدوة، فقد مورست ضدّهم ضغوط كبيرة جداً باعتبار موقعهم الاجتماعي ودورهم في الأمة حتى بلغت هذه الضغوط حد التهديد والحصار ودرجة الخطورة والانذار بالقتل وتنفيذ ذلك فيهم (عليهم السلام).


ج ـ العدالة ومصالح الأمة الإسلامية

إنّ تقديم المرجع لمصالح الأمة على المصالح الخاصة له، وكذلك رعاية المرجع لمصالح الأمة، وحرصه عليها في حركته ونشاطه، من الأمور الهامة جداً في اختبارات العدالة، وشرط من شروط المرجعية الصالحة؛ وذلك لأن المرجع هو ولي أمر هذه الامة، وكما هو الحال في ولي اليتيم الـذي لابد له من رعاية مصالح اليتيم؛ ليكون ولياً شرعياً صالحاً، وكما هو الحال في ولي الوقف، الذي لابد له من رعاية مصالح الوقف ليكون ولياً صالحاً، فان قصّر أحد منهما في رعاية شؤون هذه المصالح يعتبر خارجاً عن العدالة وتسقط ولايته لأمور اليتيم والوقف، كذلك الأمر في ولي الأمة، بل الأمر فيه أولى، إذ لابد له من رعاية مصالحها ليكون ولياً صالحاً وعادلاً في ولايته.

ثم انّ موضع الاختبار الحقيقي في هذا المجال ليس مجرد الاهتمام بمصالح الامـة بصورة عامة فحسب، بل عندما يحدث التزاحم والتضاد بين مصالحه ومصالح الأمة، فهل يقدّم المرجع مصالح الأمة وقضاياها على مصالحه الخاصة وشؤونه الخاصة، أو يقدّم مصالحه الخاصة على مصالح الأمة، بحيث يرى المرجع نفسه أنه أصبح هو الأمة كلها بمصالحها وشخصيتها وشؤونها؟


المصالح العامة للأمة

وإذا تحدثنا عن مصالح الأمة، فلابد أن نقف قليلاً لمعرفتها وتشخيصها، فهناك مفردات كثيرة للمصالح العامة نشير إلى بعضها المهم:

الأولى: مفردة العقيدة الإسلامية السليمة ومقاومة الضلال والانحراف والابتداع، والمحافظة على القواعد والضوابط الأصيلة، في العلم والمعرفة والاستنباط للفكر الاسلامي والحكم الشرعي وخطّ الاجتهاد الصحيح في الدين لمواكبة تطور المجتمع الانساني.

الثانية: الدفاع عن بيضة الاسلام والمحافظة على الوجود والكيان الاسلامي الذي يحافظ على هذه البيضة، وعلوّ الكلمة الالهية في الأرض لتصبح كلمة الله هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى.

إنّ اختبار اهتمام المرجعية بمثل هذه المفردات والقضايا - في موازنة الاهتمامات العامة - مثل بارز في معرفة توفر هذا الشرط في المرجعية الصالحة.

الثالثة: مفردة ابلاغ الرسالة الإسلامية والدعوة الالهية لهداية الناس واخراجهم من الظلمات، إلى النور والتخطيط لإيصالها وتعميمها وبذل الجهود من أجلها وتحمل المصاعب والآلام والمحن في سبيل ذلك.

الرابعة: مفردة الشعائر الإسلامية العامة، والمحافظة على البنية الاجتماعية الإسلامية في الأمة مثل: اقامة الصلاة، والانفاق في سبيل الله، واحياء مواسم العبادة كشهر رمضان، والزيارة كحج بيت الله الحرام والعتبات والأماكن المقدسة، والشعائر والمجالس الحسينية، وغيرها من المصاديق التي لها دور الحصن والسور الذي يحمي المجتمع الاسلامي ويقوي فيه روح المناعة والمقاومة.

الخامسة: مفردة التزكية والتطهير في السلوك العام لأبناء الأمة، وتربيتهم تربية صالحة ولاسيما الأوساط المهمة التي تتعرض بشكل أكثر إلى الأضرار الروحية والمعنوية، كالقوى العاملة والشباب والفتيان والنساء.

السادسة: مفردة الحوزة العلمية، التي تعتبر من أهم المؤسسات الإسلامية والمصالح العامة التي عرفتها الأمة طوال تاريخها، فما هو مدى أهتمام المرجع بها وتطويرها في جانبها الكمي والعلمي، وفي مضمونها الروحي والمعنوي وفي أدائها وقيامها بمسؤولياتها الدينية والاسلامية، وفي الدفاع عنها والمحافظة على وجودها وقدسيتها واستقلاليتها؟.

السابعة: مفردة وحدة كلمة الامة والانسجام بين صفوفها، وعلاقة الولاء والحب والتعاون والتناصر بينها، واحترام مشاعرها وخياراتها المشروعة واعطائها حقها من الرقابة والنصيحة والمشورة والرعاية.

الثامنة: مفردة القضايا المصيرية التي تواجهها الأمة في حركتها ذات العلاقة بالعزّة والكرامة أو الاستقلال والحرية والعيش الكريم مثل: قضية فلسطين، وقضايا الاستبداد والطغيان، وقضية الهيمنة الاجنبية، أو قضية التبعية السياسية والثقافية، والغزو الفكري والثقافي، أو قضية الفساد الاخلاقي والاجتماعي، أو قضية الفقر والجهل والمرض.


د ـ العدالة واختيار الحاشية

لاشك انّ المرجع باعتباره يمثل هذا الموقع الممتاز في الأمة، ويتحمل المسؤوليات الكبيرة في العمل لا يمكن أن يدير أعماله ونشاطه بدون جهاز اداري واستشاري، ووجود حاشية من مستشارين ومساعدين، ولابد أن يتناسب ذلك مع حجم وطبيعة العمل الواسع الكبير الذي يؤديه المرجـع، لذا فانّ وجود الحاشية بهذا المعنى في أوساط المراجع أمر ضروري، وليس أمراً زائداً وفضـولاً، كمـا قد يتصوره بعض البسطاء أو الجهلاء أو يثيره بعض المغرضين، بل وجودها قضية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها لانجاز المهمات الملقاة على عاتق المرجع. ومـن هنا يصبح اختيار وتشكيل هذا الجهاز الاداري والاستشاري من موارد الاختبارات لعدالة المرجع المطلوبة، حيث يمتحـن المرجع في هذه الحاشية، في مواصفاتها وخصوصياتها وسلوكها، وفي أن تكون هذه الحاشية صالحة، ولديها الشعور العالي بالمسؤولية تجاه موقع المرجعية ومهماتها، وتتعامل باخلاص وموضوعية مع قضايا المرجعية وتحت رقابة المرجع، أو أن تكون مهمتها وظيفية تتعامل تعامل الموظفين إدارياً وتنظر للقضايا من خلال هذه المهنة والحرفة هذا من جانب.

ومن جانب آخر، يجب أن تتصف الحاشية بالعقل والتقوى، إذ لابد للمستشار ان يكون من أهل العقل والدين والتقوى والورع، لامجرد ان يكون ملتزماً بالاسلام فقط، بل لابد للحاشية - أيضاً - أن تكون من أهل المعرفة والخبرة في قضايا المجتمع، وحسن التدبير والادراك فيها، لتقوم بدورها المناسب لموقع المرجعية إلى غير ذلك من المواصفات الضرورية التي لابد أن تشترط في هذه الحاشية(90).

وبصورة إجمالية، فانّ احدى الابتلاءات والاختبارات التي يتعرض لها المرجع كامتحان قاسٍ هو موضوع اختيار الجـماعة، التي تحيط بالمرجع، والتي يعتمد عليها في حركته، ويدير من خلالها أعماله ونشاطاته في الأمة، ومدى انسجامها مع سلوك وأهداف المرجعية الصالحة، واختيار المرجع للمستشارين والمساعدين الجيدين ورقابته على أعمالهم وحركتهم من أهم معالم الإختبار.

وهنا ينفتح أمامنا باب للبحث عن المنهج الصحيح للادارة في المرجعية الصالحة، وهل هو المنهج الموضوعي أو الذاتي؟ كما ينفتح أمامنا بحث آخر عن أجهزة وتنظيم المرجعية الموضوعية أو الذاتية، وهو ما نحاول أن نتناوله في بقية فصول هذا البحث.


هـ ـ العدالة والحرص على بيت المال

قضية المال والأموال والتصرف فيها تبقى هي القضية المهمة والبارزة للإختبار في كل التأريخ الانساني، وقد أكد القرآن الكريم عليها باعتبارها من أكثر القضايا الاجتماعية والانسانية حساسية. فلقد جعل القرآن الكريم المال فتنة، ثم تعرض لدور الأموال في حركة المجتمع الانساني سلباً في إفساده وإيجاباً في اصلاحه وتطوره وتزكيته.

ثم في موضوع الانفـاق للمال، واخراج الحقوق الشرعية منه ودفع الصدقات، ودورها في الحياة الانسانية، سواء في تـحقيق التكامل الانساني أم في تحقيق العدالة الاجتماعية أم في تحقيق النمو والتطور والتطهير أم في تحقيق القوة والمنعة أم في تحقيق الانسجام، كما يفهم ذلك من الهدف من أخذ الزكاة وموارد الصرف فيها {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا...}(91).

وقال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(92).

ولـذلك تكون طريقة التعامل مع الأموال من القضايا المهمة جداً في امتحان العدالة بالنسبة للمرجعية الصالحة.

وفيما عاصرناه من المراجع وجدنا في كيفية التعامل مع هذه الأموال وانفاقها في مصالح الأمة بطريقة عادلة بعيدة عن القضايا الذاتية والمصالح الشخصية - إحدى المـواصـفـات المهـمة فـي التميـيز - ووجدنـا مثلاً بعض المراجع يوزع المال على جميع الطلبة سواءً كانوا يـنتمون إليه انتماءاً جـغرافياً - أي من بلده وقومه - أم لم يكن لهم هذا الانتماء، بل كانوا من بلدان اخرى كإيران وافغانستان وباكستان وغيرها، وبعض المـراجع الآخرين كانوا يعطون جماعة معينة فقط من الطلبة وان زاد شيء من المال انتقلوا في عطائه إلى الجماعة الثانية ثم الثالثة وهكذا.

ورأينا بعضهم الآخر يخصّص المال للطلبة وحدهم ويترك المجالات الدينية الأخرى والتي لا تقلّ أهمية في قضايا مصالح الأمة عن مجال الطلبة.

كما انّ بعض المراجع رأيناهم يدققون في الصرف ولاسيما على ذويهم وأصحابهم، وبعضهم كان يتسامح في ذلك.

وقد يكون لكل واحد منهم مبرراته الخاصة في هذا النوع من الانفاق أو ذاك، ولكن المهم انّ هذا الموضوع هو أحد الاختبارات المهمة للعدالة المطلوبة في المرجعية.


ثانياً: شرط العقل

الشرط الآخر الذي يذكره الفقهاء عادةً في المرجعية هو شرط العقل، ونحن نعرف بأنّ العقل في فقهنا الاسلامي هو: من شروط التكليف، والانسان لا يتوجه له تكليف بأمر أو نهي في الشريعة الإسلامية ما لم يكن متصفاً بالعقل، فلا تجب الصلاة ولا الصوم ولا الحج ولا الزكاة ولا أي تكليف آخر من التكاليف الشرعية إلاّ بتوفر هـذا الشرط - العقل - فهو شرط عام في كل التكاليف، لكن الســؤال: ما هذا العقل الذي يشترط في هذه التكاليف؟ وبعد ذلك: هل انّ العقل الذي نشترطه في المرجع هو نفس هذا المستوى من العقل الذي يشترط في التكاليف؟

العقل هو: عبارة عن القوة التي أودعها الله في الانسان، ليدرك بها الاشياء ويميّز بينها. وعندما يصل الانسان في رشده الادراكي وفهمه للقضايا والأشياء الى حدّ يكون قادراً على التمييز بينها ويعرف الأسود من الأبيض - كما يمثلون - أو يعرف الجمرة من التمرة - كما يصطلح عليه في اللغة العامية - يسمى مميزاً، وتترتب عليه أحكام خاصة كاحكام الطفل المميز، أما عندما يكون الانسان لديه هذه القدرة بدرجة أعلى يعرف بها الصالح من الفاسد أو الشر من الخير في حياته الشخصية، عندئذٍ يكون هذا الانسان انساناً رشيداً عاقلاً ويتوجه اليه التكليف العام من قبل الله سبحانه وتعالى، وهو ما نـراه في عامة الناس، فان عامة الناس يتصفون بالعقل عادة عند البلوغ باستثناء من يبتليهم الله سبحانه وتعالى ببعض الابتلاءات المرضية أو النفسية، بحيث يفقدون هذه القدرة والذين يعبر عنهم بالمجانين، وهذا الجنون تارةً يكون جنوناً ثابتاً وأخرى يـكون جنوناً إدوارياً، يصاب به الانسان في بعض الاوقات والحالات، بحيث يفقد هذه القدرة على التمييز العام المطلوب للأشياء في بعض الحالات ويرجع إلى هذه القدرة في بعض الحالات الأخرى.

هذا العقل الذي نعبر عنه بالشرط العام للتكليف يبدو انه من الأمور الواضحة ووضوحه - أيضاً - ناشئ من انه صفة عامة قائمة وموجودة في عامة الناس، ومن ثمَّ تصبح قضية يدركها الناس كبقية الصفات التي تكون موجودة في الناس بصورة عامة، كبعض الغرائز والأعراض، ومع ذلك فقد وضع الشارع المقدّس مقياساً في تشخيصه لترتيب الآثار الشرعية عليه وهو البلوغ.

يبقى السؤال الآخر المهم وهو: هل يشترط في المرجع هذا المستوى العام من العقل الذي يكون شرطاً في التكليف، ونكتفي في المرجع - بعد عدالته - بأن يكون قادراً على تمييز الصالح من الفاسد من الأشياء بصورة عامة، كما يميزها عموم الناس في إدراكاتهم ومعرفتهم؟ أو نشترط في المرجع مستوى أعلى من ذلك؟

يبدو من خلال النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) - وهي كثيرة جداً، وتحتاج الى بحث ومتابعة(93) - ضرورة وجود مستوى أعلى من العقل، واكتفي هنا بذكر هذا الموضوع على مستوى الاثارة، ويمكن للذين لديهم المستوى العلمي المناسب والاهتمام بهذا النوع من البحث أن يتابعوا الموضوع في النصوص التي وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) فيما يتعلق بموضوع العقل(94).

في هذا الموضوع نلاحظ انّه لابد في شرط العقل من أن تـتوفر فيه مجموعة من المواصفات تحدده وتشخصه، وبذلك يتحقق هذا الشرط في الانسان الذي يتحمل مثل هذه المسؤولية العظيمة ويحتل مثل هذا الموقع وهذه المواصفات هي: