8 ـ الاهتمام العالي بالعلم، وتدوينه وتطويره وتقديسه وإيجاد المؤسسات العلمية كالمدارس والمكتبات العامة والخاصة، والمحافظة على التراث وتنوع الثقافات والانفتاح على الحضارات والحوار الحضاري والتأليف في مختلف العلوم والنشر والبحث العلمي.

فقد كان التدوين للسنة الشريفة والتأليف في العلوم الإسلامية وايجاد الحـوزات والمدارس العلمية مما سبق إليه أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وكان لهم دور التأسيس فيه(53).

ثم نجد انّ الكتابة والتأليف في العلوم المتنوعة، والانفتاح فيها على الآخـرين من داخل الاطار الاسلامي أو خارجه، مما أمتاز به أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك لا تكاد تجد مكتبة خاصة أو عامة لديهم لا تضم مختلف الكتب ذات الانتماءات المتعددة مذهبياً وثقافياً، كما لا تكاد تجد مثقفاً واحداً منهم لا يملك مكتبة خاصة، بل نجد بعض هذه المكتبات الخاصة تفوق في حجمها وتنوعها وأهميتها الكثير من المكتبات العامة.

كما انّ نسبة التأليف في العلـوم الاسلامـية - بالرغم مـن قلّة العدد وظروف المحنة والمحاصرة التي مرت بها جماعة أهل البيت (عليهم السلام) وقلّة الإمكانات - نسبة عالية تقارب الربع أو الخمس من مجموع المؤلفات الإسلامية العامة.

9 ـ تقديم المصلحة الإسلامية العليا للاسلام والأمة الإسلامية وجماعة المسلمين عموماً على المصالح الطائفية الخاصة وجماعتهم المخصوصة.

وهناك شواهد كثيرة في هذا المجال عامة وخاصة، منها: الموقف الاسـلامي في الدفاع عن الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية العثمانية في النصـف الأول مـن القرن الماضي الهجري، بالرغم من انّ هـذه الـدولة كانت حنفية المذهب وكانت تضطهد أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، بصـورة عامة وفي صراع مع الدولـة الشيعية في إيران، حيث أفتى جميع علماء الشيعة في النجف الأشرف: بوجوب الجهاد دفـاعاً عن هذه الدولة في مقابل الغزو الإنجليزي وشاركوا مع أتباعهم فعلياً في القتال.

ومنها: موقفهم تجاه قضية فلسطين، وبـذل التضحيات الغالية واتخاذ المواقف الصـلبة والقـوية في الدفاع عنها، ومـا جرى ويجري في لبنان الآن أفضل شاهد على ذلك.

ومنها: الموقف العظيم للامام الحكيم (قدّس سرّه) في الدفاع عـن الاسلام وجماعة المؤمنين، عندما تعرّض العراق إلى خطر هيمنة التيار الماركسي، وتعرض العلماء وأكثرهم من أهل السنة إلى الاضطهاد على يد هذا التيار وكان موقف الامام الحكيم بفتواه (الانتماء إلى الحزب الشيوعي كفر وإلحاد أو ترويج للكفر والالحاد)(54) أعظم الأثر في درء هذا الخطر الماحق.

وكل هذه المواقف وغيرها تستلهم هذه الثقافة من مـوقف الامام علي (عليه السلام) في صدر الاسلام بعد وفـاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي يعبّر فيه عن هذا المبدأ السياسي الثقافي، حيث كان يؤمن أن الخلافـة هي حقه الطبيعي والشرعي، ولكن عندما وجد انّ المطالبة بهـا والصراع مـن أجلها يؤدي إلى تعرّض الاسلام والأمة الإسلامية إلى خطر الضعف أو الانهيار، سلّم الأمر لغيره، دون مقاومة، واكتفى بتسجيل موقفه برفض البيعة في البداية، حرصاً على تثبيت الحق، وهو يعبّر عن ذلك بقوله: (.. فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محـمد (صلى الله عليه وآله)، فخشيت أن لم أنصر الاسلام وأهله إن أرى فيه ثلماً أو هدماً...)(55).

10 ـ الوحـدة من خلال التعايش والتقارب بين المسلمين في العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى في الشعائر الدينية، والاتحاد مع جماعتهم في المواقف السياسية العامة تجاه أعدائهم، وفي التعاون علـى البرّ والتقوى وبناء المجتمع الاسلامي الصالح، وفي تسديد الحكام والسلاطين بالرأي والنصيحة والمشورة.

والشواهد على هذه الحقيقة - عملياً - كثيرة لا يسعها هذا الكتاب، وقد تناولناها بالبحث في كتابنا الخاص بموضوع الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين.

انّ هذه الخطوط الثقافية العامة كانت توجّه وتشخّص حركة المرجعية الصالحة في مختلف الأدوار من ناحية، كما كان للمرجعية الصالحة الدور الأساس في تثبيتها وترسيخها في أوساط أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم من ناحية أخرى، بحيث كانت تمثّل أحد الانجازات الكبرى لهذه المرجعية.





الفصل الثاني


العلاقـــة
بين الامـــة و المرجعيــة


تمثل العلاقة بين الامة والمرجع الرابطة التنظيمية الاساسية التي تنظّم أمور الجماعة الصالحة، حيث يمثل المرجع المحور المركزي لهذا النظام، والامة تمثل القاعدة التي يرتكز عليها هذا النظام.

ويمكن تلخيص أبعاد هذه العلاقة بين الامة والمرجع الديني بالنقاط التالية:

أ ـ إن طرف الولاء الديني والسياسي الذي يمثّل مضمون العلاقة في نظام الجماعة الصالحة هو: الانسان الصالح بخصوصياته الكمالية التي تتمثّل - مضافاً إلى الخصائص الاساسية كالعقل وغيره - بالعدالة والاجتهاد والخبرة، والصفات الشخصية كالشجاعة وغيرها، كما عرفنا في الفصل الاول.

وهذا الولاء يتخذ أبعاداً ومضامين متعددة على مستوى العواطف والمشاعر كالحبّ والودّ والتقديس، أو على مستوى السلوك والادب الاجتماعي العام كالاحترام والتعظيم، أو على مستوى الالتزام والتعهّد كالبيعة والميثاق، أو على مستوى الاداء والتنفيذ والسيرة العملية كالطاعة والامتثال والنصرة وأخذ الشريعة منه أو القبول والتسليم لحكمه.

وبهذا الصدد لابدّ أن نشير إلى أن المرجع قد يكون مرجعاً في الفتيا وأخذ معالم الدين منه، وقد يكون مرجعاً في القضاء وقبول فصل الخصام والخلاف بحكمه، وقد يكون مرجعاً في الولاية والامور السياسية والاجتماعية والطاعة له في أوامره والالتزام بإدارته لهذه الامور.

وقد تجتمع في المرجع كل هذه الامور والمسؤوليات عندما يكون مؤهلاً لها ومتصدياً للقيام بها، وقد يتعدد المرجع؛ لتعدد الكفاءات والاختلاف في مستوياتها، أو لعدم تصديه لها جميعاً بشكل عام أو في منطقة معينة، ولابدّ من الرجوع - عندئذ - فيها إلى الاعلم في المجال الخاص، [الفتيا أو القضاء أو الولاية] أو في المنطقة الخاصة عند التعدد والاختلاف ووجود الحاجة إلى الفصل وتشخيص الموقف السياسي أو العملي أو الحقوقي.

ب ـ المقاييس في درجة العلاقة مع المرجع والقيادة ومستواها، وتحقق الامتيازات والتفاضل بين أبناء الجماعة تجاه المرجع يكون من خلال الضوابط والخصائص الاصيلة في الاسلام التي وضعها للتفاضل والامتياز، حيث تكون هذه الخصائص هي الدرجة التنظيمية للجماعة، وذلك مثل: الايمان بالله والرسالة والامامة، والتقوى والجهاد والعلم، والسبق للتضحية والفداء.

ج ـ طبيعة هذه العلاقة بين المرجع وابناء الجماعة الصالحة هي علاقة إلزامية تتّصف بالوجوب - بشكل عام - وذات مسؤولية وحقوق وواجبات ترتبط بالتكاليف الشرعية لكل من المرجع والانسان المؤمن من أبناء الجماعة الصالحة(56)، ولا يوجد فيها خيار لاحدهما تجاه الاخر.

د ـ وتتحقق وتوجد هذه الرابطة من خلال حركتين متلاقيتين:

إحداهما: يقوم بها المرجع، حيث يتحمل مسؤولية التصدّي للقيام بالمسؤوليات والواجبات الالهية من البلاغ والتزكية والتعليم.

وثانيتهما: يقوم بها الانسان المؤمن، حيث يتحمل مسؤولية الفحص للوصول إلى الحقيقة، والارتباط بالمحور الصالح - المجتهد العادل - وبعد الوصول إلى هذه الحقيقة يجب الالتزام بمضمون هذا الارتباط أخلاقياً ودينياً، كما أشرنا في الفصل الاول.

قال الامام علي (عليه السلام): «أيها الناس إن لي عليكم حقاً، ولكم عليَّ حق: فأما حقكم عليَّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم: فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والاجابة حين أدعوكم، والطاعة حين أمركم»(57).

فالمرجع يتصدّى لدوره الديني السياسي والاجتماعي والحقوقي، والانسان المؤمن لابدّ له أن يفحص عن هذا المرجع، وعن توفر الشروط والمواصفات المطلوبة؛ ليعرف الحقيقة انطلاقاً من الحديث المتضافر: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(58).

ونرى - من الجانب الأخر - أن أبناء الجماعة الصالحة، على مستوى هذه العلاقة يعرفون المرجع والقيادة الإسلامية لهم دائماً، بحيث اصبح ذلك من الثقافة العامة التي يختص بها اتباع أهل البيت (عليهم السلام) - والمعروفة بينهم بـ (التقليد) - ويلتزمون بواجباتهم تجاهها، حتى لو لم تكن علنية تجاه الاخرين. ولكن - من الجانب الأخر - ليس من الضروري أن يعرف المرجعُ والقيادة جميعَ أبناء الجماعة، بل يمكن أن تقوم القيادة بواجباتها العامة تجاه أبناء الجماعة بدون معرفتها بجميع الافراد.

وبهذه الابعاد يمكن أن نميّز تمييزاً واضحاً الفروق الاساسية بين نظام الجماعة الصالحة والتنظيمات الحزبية المعروفة، حيث يكون الولاء في التنظيمات الحزبية عادة للتنظيم لا للشخص الصالح، وتكون مقاييس التفاضل فيها هي: النشاط التنظيمي لا المقاييس الواقعية، ويكون التحرّك لايجاد العلاقة بالاصل من خلال حركة القيادة الحزبية لكسب الافراد لا حركة الافراد المؤمنين من اجل معرفة القيادة، وكذلك يجب في التنظيمات الحزبية أن تعرف القيادة الافراد جميعاً، وقد تكون القيادة سرية تجاههم. اما في الجماعة الصالحة فلابدّ ان تكون القيادة معروفة لافراد الجماعة. وبهذا نعرف ان الصورة التنظيمية في الاحزاب هي على عكس صورة التنظيم في الجماعة الصالحة التي وضعها أهل البيت (عليهم السلام).


الاتصال المباشر ونظام الوكلاء

ان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) - بعد أن شخّصوا حدود ومضمون العلاقة بين القيادة والامة، وأكدوا على دورهم القيادي والديني في اوساط الجماعة وأهمية ولايتهم وإمامتهم، وأصبح هذا الموضوع واضحاً في الاوساط العامة لاتباعهم - بدأوا ينظّمون هؤلاء الاتباع عن طريق توضيح وتشخيص شكل هذه العلاقة بينهم وبين اتباعهم.

فقد طرح أهل البيت (عليهم السلام) شكلين من العلاقة، تمّ تأكيدهما بشكل مواز ومتوازن؛ باعتبار انهما مطلوبان معاً ويتكامل احدهما مع الأخر:


الاتصال المباشر

الاتصال المباشر مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والقيادة الدينية، من خلال لقائهم وزيارتهم والاخذ المباشر عنهم والاستماع إلى توجيهاتهم وارشاداتهم، وتحمل اعباء السفر أو المراسلة لهم، أو استثمار الفرص المواتية للاجتماع بهم كالحج.

كما ان أهل البيت (عليهم السلام) كانوا من جانبهم يحرصون في الوقت ذاته على هذا الاتصال، فيبعثون الرسائل والاشخاص والوصايا التوجيهية العامة لشيعتهم وأتباعهم.

ونجد عدداً كبيراً من النصوص والروايات التي تنصُّ على هذا المنهج وهذا الشكل والاسلوب في تجسيد العلاقة، كما نجد في مطاوي روايات اخرى ما ينبئ ويشير إلى ممارسة أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم لهذا الشكل والاسلوب للعلاقة والحرص عليه.

فقد وردت نصوص عديدة تفيد: أن كمال الحج هو لقاء الائمة (عليهم السلام) وزيارتهم.

روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الاحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم»(59).

كما روي أيضاً عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تمام الحج لقاء الإمام»(60).

وعن يحيى بن يسار قال: «حججنا فمررنا بأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: حاجّ بيت الله وزوار قبر نبيه (صلى الله عليه وآله) وشيعة آل محمد! هنيئاً لكم»(61).

وعن ذريح المحاربي قال: «قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إن الله أمرني في كتابه بأمر فاُحب ان أعمله، قال: وما ذاك؟ قلت: قول الله (عز وجل): {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} لقاء الامام {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} تلك المناسك، قال عبد الله بن سنان: فأتيت ابا عبد الله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك قول الله (عز وجل): {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال: أخذ الشارب وقص الاظفار وما أشبه ذلك، قال: قلت: جعلت فداك إن ذريح المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} لقاء الامام {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} تلك المناسك، فقال: صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهراً وباطناً، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح؟!»(62).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا حج احدكم فليختم حجه بزيارتنا، لان ذلك من تمام الحج»(63).

ومضافاً إلى ذلك نلاحظ روايات متظافرة تحثُّ على زيارة الائمة (عليهم السلام) في حياتهم وكذلك بعد مماتهم.

عن محمد بن سنان، عن محمد بن علي رفعه قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي من زارني في حياتي أو بعد موتي أو زارك في حياتك أو بعد موتك أو زار ابنيك في حياتهما أو بعد موتهما ضمنت له يوم القيامة ان اخلصه من أهوالها وشدائدها حتى اصيرّه معي في درجتي»(64).

وكذلك ما ورد من حديث عنهم يؤكد انتظارهم وترقبهم لزيارة شيعتهم.

عن علي بن عبد العزيز قال: «سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: والله إني لاُحب ريحكم وأرواحكم ورؤيتكم وزيارتكم، واني لعلى دين الله ودين ملائكته، فأعينوا على ذلك بورع، أنا في المدينة بمنزلة الشعرة، أتقلقل حتى أرى الرجل منكم، فأستريح إليه»(65).

وكذلك يؤكد هذا المنهج ما ورد عنهم من الامر بالانتظار والرجوع اليهم عندما يقع الشك لدى شيعتهم فيما ينقل عنهم أو ينسب اليهم إذا اختلف الحديث في ذلك، فقد ورد في آخر الرواية المعروفة - مقبولة عمر بن حنظلة -: «إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»(66).

وهذا الشكل والمنهج مما يتميز به النظام الذي وضعه أهل البيت (عليهم السلام) الجماعة الصالحة عن النظام الحزبي أو العسكري أو الانظمة الباطنية، الذي يعتمد على سلسلة المراتب أو تختفي فيه القيادة السياسية والمرجعية الدينية وراء الواجهات أو الستار أو الابواب، بل لابدّ فيه من اللقاء والاتصال المباشر بدرجة مناسبة ومفتوحة بالقدر الذي تسمح به الظروف الامنية أو الامكانات الفعلية.


نظام الوكلاء

الثاني: تعيين الوكلاء والمعتمدين لهم في المناطق المختلفة التي يتواجد فيها أتباعهم وإرجاع اتباعهم اليهم، خصوصاً بعد أن توسعت رقعة المساحة التي كان يتواجد فيها هؤلاء الاتباع.

وقد كان هؤلاء الوكلاء يقومون بأدوار مختلفة مثل: بيان الاحكام الشرعية، والمواقف السياسية والاجتماعية، والتوجيهات والنصائح الاخلاقية، أو استلام الاموال والحقوق الشرعية، أو فصل الخلافات والنزاعات، أو القيام ببعض الاعمال والوظائف المرتبطة بالامامة: كتولي الاوقاف، والقاصرين الذين لا ولي لهم، حيث كان بعضهم يقوم بمجمل هذه الاعمال، كما أن بعضهم الاخر كان يختص ببعض هذه الاعمال.

ويبدو أن هذا النظام كان موجوداً بشكل محدود في مختلف أزمنة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ولكنه بدا واضحاً في زمن الامام الصادق (عليه السلام)، من خلال الرجال المعروفين الذين كان يرشحهم الامام الصادق (عليه السلام) للقيام بمختلف الفعاليات الفقهية وغيرها، كما اشرنا إلى ذلك في الفصل الاول في فقرة (الافتاء). وتوسّع في زمن الامام الكاظم (عليه السلام)، كما يدل على ذلك تطورات وضع جماعة الواقفة(67) من وكلائه الذين استأثروا بالاموال.

وأصبح نظام الوكلاء نظاماً ثابتاً في زمن الائمة من بعده حتى أخذ صيغته الكاملة في الغيبة الصغرى، حيث تحمّل النواب الاربعة(68) لدور أكبر من الوكالة وهو: دور النيابة العامة عن الامام الحجة المنتظر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) في غيبته الصغرى.

ويلاحظ من خلال دراسة شخصية النواب الأربعة: أن العنصر الاساس في الوكالة كان هو الوثاقة العالية، والقدرة على تحمّل المسؤولية والصبر عليها، مع قطع النظر عن المستوى العلمي والاجتماعي، حيث كان بعض الاشخاص في زمانهم معروفين بالعلم والفضل بلا منازع، كما دلَّ على ذلك ما أثر عنهم من معارف مثل: الشيخ محمد بن يعقوب الكليني - الذي كان يعدّ من المجددين على رأس المائة الثالثة - وبعض الاشخاص الاخرين كان لهم موقع خاص من النواب، بحيث كان يتوقع أن تكون لهم الوكالة، ومع ذلك كله يتمّ اختيار شخص آخر لها، لوجود هذه المواصفات فيه بشكل أكمل.

ويشير إلى ذلك ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن علي بن بلال بن معاوية المهلبي قال: «قال مشايخنا: كنا لا نشك أنه إن كانت كائنة من أبي جعفر محمد بن عثمان العمري لا يقوم مقامه إلاّ جعفر بن أحمد بن متيل، أو أبوه، لما رأينا من الخصوصية به، وكثرة كينونته في منزله، حتى بلغ أنه كان في آخر عمره لا يأكل طعاما إلاّ ما اصلح في منزل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه، لسبب وقع له، وكان طعامه الذي يأكله في منزل جعفر وأبيه، وكان أصحابنا لا يشكّون إن كانت حادثة لم تكن الوصية إلاّ إليه من الخصوصية به، فلما كان عند ذلك، ووقع الاختيار على أبي القاسم الحسين ابن روح سلّموا ولم ينكروا، وكانوا معه وبين يديه، كما كانوا مع أبي جعفر، ولم يزل جعفر بن أحمد بن متيل في جملة أبي القاسم وبين يديه كتصرفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى أن مات»(69).


كيفية انتخاب المرجع

يمثّل انتخاب المرجع عملية معقدة، حيث يقوم كل فرد من أبناء الجماعة بالفحص عن الشخص الذي تتوفر فيه هذه الشروط؛ لتقليده والارتباط به، وتكون هذه الشروط هي الأساس في شرعية هذا الانتخاب، ولابد أن يكون هذا المرجع هو الأفضل والأعلم بين الجميع، فهي: عملية يمارسها الأشخاص بصورة ذاتية، ويمثّل هذا الفحص بهذه الصورة والارتباط به واجباً شرعياً حيث لا تصحّ عباداته ومعاملاته بدون ذلك، وانّ أي فساد في العبادة والمعاملة دون هذا الارتباط يتحّمل المكلّف مسؤوليته الشرعية ولا يكون معذوراً فيه.

صحيح انّه يمكنه أن يستعين في عملية الفحص بأهل الخبـرة - الذين يثـق بهم ويعرفهم بصورة شخصية بعلمهم وبتقواهم - ولكنّه في كل الأحوال يتحّمل مسؤولية ذلك بصورة ذاتية، وقد يقع هذا الشخص أو ذاك تحت تأثير عوامل أخرى شخصية أو اقليمية أو ذاتية، ولكن جـميع الفقهاء والعلماء يؤكّدون بصورة واضحة انّ هذه العوامل لا تجيـز ولا تبـرر التقليد.

وهذه الطريقة في الاختيار أدّت إلى وجود عدة ظواهر:

إحداها: ظاهرة تعدد المرجعية في العالم الشيعي لطبيعة اختلاف القناعات في الوصول إلى تحقق هذه الشروط أو الوقوع تحت تأثير العوامل الأخرى، ولكنها في الوقت نفسه ومن خلال التجارب أثبتت هذه الثقافة العامة في اختيار المرجع انها أفضل ضمانة لعدم الانحراف، كما كانت أفضل طريقة لتطور المرجعية وتكاملها من خلال التنافس الشريف الواجب في الوصول إلى أعلى درجات الكمال في توفير هذه الشروط، حيث يجب الرجوع إلى الأفضل والأعلم من المراجع.

ثانيهما: وجود ظاهرة مراجع عامين، ترتبط بهم الجماعة من مختلف أقطارها الجغرافية، عندما تثبت التجارب وطول المدة الأفضلية لأحدهم على الآخرين، ومراجع خاصين أو محليين ترتبط بهم جماعة محدودة من الناس في هذا المكان أو ذاك؛ لأسباب موضوعية بسبب الاختلاف في القناعات أو لأسباب ذاتية بسبب الوقوع تحت تأثير العوامل الأخرى.

ثالثهما: ظاهرة تجدد المرجعية وتطورها وتحولها من مكان إلى آخر بحسب تطور المرجع أو الحوزة العلمية - التي يعيش فيها - أو تطور الظروف الاجتماعية والسياسية التي تسمح للمرجع أن يعبـّر عن وجوده وتطوره وحركته ويكشف عن مواصفاته المطلوبة، فلا تتقيّد المرجعية ببلد أو قطر.

رابعهما: ظاهرة وجود التنوع في المرجعية بين المرجعية الدينية الفقهية والمرجعية الدينية الاجتماعية السياسية، حيث يظهر على بعض المراجع الكفاءة العالية، لأسباب شخصية أو موضوعية، في الجانب العلمي فيرجع إليه المقلدون في معرفة الأحكام الشرعية.

ويظهر على بعض المراجع الآخرين الكفاءة العالية في الجانب الاجتماعي السياسي لأسباب شخصية أو موضوعية فينقاد إليهم المقلدون وأبناء الأمة.