2) القضاء
يمثل القضاء قضية من أهم القضايا في التنظيم العام للمجتمع الإسلامي، عموماً وللجماعة الصالحة بشكل خاص؛ ذلك أن موضوع القضاء من الموضوعات الأساسية التي نزلت من أجلها الكتب السماوية، وجاءت بها الرسالات الإلهية؛ لان موضوع القضاء يرتبط بموضوع النزاع والاختلاف بين الناس، الذي بدأ منذ بداية تكوّن المجتمع الإنساني، وبقي هذا الموضوع يكتسب أهمية خاصة في جميع الأدوار، حتى يكاد يتصور الإنسان أن موضوع الحكم والدولة إنما هو أمر مرتبط بهذا الموضوع بالاصل، ثم تطور بعد ذلك إلى النظام الاجتماعي.
ثم إن موضوع القضاء يبدو معقّداً بعض الشيء، لانه يرتبط - كما قلنا - بالنزاع والاختلاف، وهو- في بعض الاحيان - يرى فيه كل من الطرفين أو الاطراف المتخاصمة أن الحق إلى جانبه، بل قد تكون نتيجة القضاء أحياناً على خلاف الحق الواقعي، فتزداد الأمور تعقيداً، حيث يراد من صاحب الحق أن يتخلّى عن حقّه ويسكت، بسبب الحكم الذي توصل إليه القاضي.
ومن هنا نجد القرآن الكريم يربط بين الإيمان والقبول والتسليم للقضاء الذي يصدر من الرسول (صلى الله عليه وآله)، كما ورد في قوله تعالى: {فَلا وَربّكَ لا يُؤمِنُونَ حتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْليماً}(33).
كما نجد الرسول (صلى الله عليه وآله) - وهو المعصوم المرتبط بالوحي الإلهي - يحتاط لنفسه ولمنصبه بين المسلمين عندما يقول: «إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً، فإنما قطعت له به قطعة من النار»(34). وليس بعلم الغيب الإلهي؛ لان القضاء قد لا يكون متطابقاً مع الحق الواقعي، حيث لا يجد المدّعي البيّنة، فيحلف المنكر كذباً ويقضى له، أو يردّ اليمين على المدّعي فيمتنع عن أدائها تعظيماً لله سبحانه وتعالى وتنازلاً عن حقّه فيقضى للمنكر أيضاً، أو يأتي المدّعي بالشهود الزور ويكون ظاهرهم الصلاح، فيرتب عليهم القاضي الاثر فيقضي له بغير حقه الواقعي.
ومن هنا نجد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد واجهوا مشكلة حقيقية في أوساط الجماعة الصالحة، عندما أرادوا ملئ هذا الفراغ المهم في النظام العام للجماعة، واحتاجت هذه المشكلة إلى حلٍّ واقعي وعملي من قِبلهم.
وهذه المشكلة لها أبعاد عديدة: بعضها يرتبط بالسلطة الحاكمة؛ حيث كان القضاء من المناصب الحكومية التي يحتاج التصدّي لها إلى قرار من جهاز السلطة والخلافة وإذن منها، [وبذلك يختلف القضاء عن الإفتاء الذي كان يمارسه عامة العلماء والمحدثين والمتفقهين].
وبعض هذه الابعاد يرتبط بالقوة الإجرائية التنفيذية؛ حيث إن القاضي يفصل الخصومة بحكمه، ولكن المنفّذ للحكم إنما هو الاجهزة التنفيذية، كالشرطة وغيرهم الذين ينفّذون الحكم بالقوّة عند امتناع أحد الطرفين، ولم تكن لدى أئمة أهل البيت هذه القوّة الاجرائية.
وبعضها يرتبط بالامة، سواء من ناحية وجود العناصر المؤهلة للقيام بهذا العمل الدقيق والحساس، أم من ناحية استجابة الامة للالتزام بهذا القرار الصادر من الائمة (عليهم السلام).
ومع كل هذا التعقيد في المشكلة تمكّن الائمة (عليهم السلام) أن يوجدوا نظاماً للقضاء فعّالاً ومؤثّراً في زمان حضورهم، واستمرّ بعد ذلك في الازمنة الاخرى، وقدّموا من أجل تحقيق ذلك صيغة تتّسم بالدقّة والمرونة والوضوح، يمكن أن نلاحظها فيما ورد عنهم في هذا الموضوع.
القضاء الصحيح
ويمكن أن نشير الى بعض الابعاد والخطوات لايجاد هذه الصيغة في النقاط التالية:
أ ـ الانكار الشديد على أولئك الافراد الذين يتحاكمون إلى قضاة الجور المنصوبين من قبل أئمة الجور والظلم. وهذا الانكار لا ينطلق من مسألة احتمال الاستناد في القضاء إلى حكم غير شرعي فحسب، بل ينطلق من مسألتين أساسيتين:
إحداهما: أن القضاء منصب إلهي لا يحق للانسان أن يتولاّه إلاّ إذا كان مؤهّلاً لذلك، وبدون هذا التأهيل - الذي هو روحي وعلمي- يكون القضاء باطلاً حتى لو كان قد أصاب الواقع، وأن هؤلاء القضاة غير مؤهلين لهذا المنصب الالهي.
عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «اتّقوا الحكومة، فإن الحكومة إنّما هي للامام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبيّ أو وصي نبي»(35).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة»(36).
وعن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنّته، فننظر فيها؟ فقال: لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله (عز وجل)»(37).
ثانيتهما: أن الرجوع إلى هؤلاء القضاة [قضاة أئمة الجور] إنما هو اعتراف وقبول بإمامتهم، مع أنهم طواغيت، والرجوع إليهم إنما هو تحاكم للطاغوت، فيكون مصداقاً للاية الشريفة: {ألَمْ تَرَ إلى الّذينَ يَزْعمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِما أنْزِلَ إلَيْكَ وَما أنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغوتِ وَقَدْ أمِرُوا أنْ يَكْفُروا بِهِ وَيُريدُ الشّيطانُ أنْ يُضِلَّهُم ضلالاً بَعيداً}(38).
عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينهما فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الّذين قال الله عزوجل: {ألَمْ تَرَ إلى الّذينَ يَزْعمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِما أنْزِلَ إلَيْكَ وَما أنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغوتِ وَقَدْ أمِرُوا أنْ يَكْفُروا بِهِ}»(39).
وعن عمر بن حنظلة قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ فقال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً، وإن كان حقه ثابتاً، لانه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يُكفر به، قال اللهسبحانه وتعالى: {يريدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغوتِ وَقَدْ أمِرُوا أنْ يَكْفُروا بِهِ}»(40).
ب ـ وقد شدّد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الموضوع بدرجة عالية، وفي مناسبات مختلفة، من أجل أن يحققوا هدفاً عملياً، وهو: إيجاد الوازع الذاتي القوي الذي يعوّض عن القوة التنفيذية التي يملكها القضاة، حيث استفاد أئمة أهل البيت من عوامل الرفض للفساد والانحراف والاعتداء على الحقوق في أجهزة الدولة عامة، وفي جهاز القضاء خاصة.
ج ـ اتّباع أسلوب يتّسم بالمرونة من ناحية، وقوة التنفيذ نسبياً من ناحية أخرى في تشخيص القاضي، حيث كانوا يطلبون من المتنازعين والمتخاصمين أن يختاروا بأنفسهم ويتراضوا على تشخيص القاضي، كما ورد ذلك في مقبولة عمر بن حنظلة وموثقة أبي بصير، حتى إن بعض الفقهاء قد ذهب إلى أن هذه الروايات لا تعيّن القاضي بالمعنى المعروف، وإنما هي تبيّن قاضي الحكم والصلح، لانّها تشترط رضا الطرفين فيه(41)، مع أن ذيل الرواية ظاهر في التعيين للقاضي.
د ـ إعطاء خصائص عامة وميسّرة وواضحة للمؤهّلات التي يجب أن يتمتّع بها هذا القاضي، وكذلك الصفات التي تشخص القاضي الذي يكون لقوله الفصل عندما يختلف القضاة فيما بينهم.
عن عمر بن حنظلة قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له؛ لانه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يُكفر به، قال الله تعالى: {يريدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغوتِ وَقَدْ أمِرُوا أنْ يَكْفُروا بِهِ} قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حد الشرك بالله»(42).
3) الولاية
لا شكّ أن الولاية والامامة هي: أهم منصب إلهي في النظام الاسلامي كما صرّح القرآن الكريم بذلك، وكذلك النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) حسب ما أشرنا إليه في بعض المواضع السابقة.
ويمكن ان تدخل المهمة الاولى [البلاغ وبيان معالم الدين] والمهمة الثانية [القضاء] في ضمن هذا المنصب الالهي الخطير أيضاً.
ولعلّ جلالة هذا المنصب وقدسيته من ناحية، وكثرة المدّعين لهذا المنصب من الطغاة والظالمين وأئمة الجور من ناحية أخرى، هي التي جعلت أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ينكرون على الاخرين ادّعاءهم له من ناحية، وتأكيدهم لاختصاص هذا المنصب بهم وحدهم من ناحية أخرى.
وهذا يفسّر لنا -أيضاً- قلّة أو غموض النصوص التي وردت في بيان: أن المجتهد العادل والعالم بالاحكام الشرعية له حق الولاية العامة بعد أهل البيت (عليهم السلام)؛ لان أهل البيت (عليهم السلام) كانوا بصدد تأكيد اختصاص الولاية بهم بالاصل، لئلاّ تنفتح ثغرة نفسية أو ذهنية تفسح المجال لتصوّر آخر، وهو: أن للاخرين الادعياء مثل هذا الحق، أو تصور أن هذا الحق انما هو في موازاة حقهم في الولاية.
كما أن الملاحظ -أيضاً- في نصوص القضاء عموماً هذا الاتجاه وهو: حصر القضاء بهم، عدا بعض النصوص التي حاول بعض الفقهاء -كما أشرنا- تفسيرها بتعيين قاضي الصلح وحكم التراضي.
ومن هنا نجد -أيضاً- أن جماعة من الفقهاء يذهبون إلى عدم وجود النص على تعيين المجتهد - خصوصاً - لهذا المنصب الالهي، لكنهم أقرّوا بأن هذا المنصب الآلهي لا يمكن أن يترك خالياً من المسؤولية، وأن الفرد الذي يمثل القدر المتيقن من المسلمين الذي يتحمل هذه المسؤولية هو: المجتهد الجامع للشرائط، وبذلك ينتهون إلى نفس النتيجة الكلية في تشخيص ان المجتهد هو: الذي يتولى هذا المنصب، ولكن بطريق آخر وهو: دليل الحسبة(43).
وعلى أي حال فهناك مجموعة من النصوص تشير أو يفهم منها - ظاهراً أو صريحاً - هذه الولاية، ومع قطع النظر عن المناقشات التفصيلية لكل واحد من هذه النصوص، إلاّ أنه يمكن أن يفهم منها إجمالاً هذا الاتجاه النظري في رؤية أهل البيت (عليهم السلام) لنظام الجماعة الصالحة، وهي: أن يتولّى الفقيه المجتهد هذه الشؤون.
بل يمكن أن نقول: إن هذه الولاية هي: حقيقة قائمة في وسط أتباع أهل البيت (عليهم السلام) كان يمارسها المجتهدون، ويفتي بها العلماء، مع قطع النظر عن طريقة الاستدلال عليها.
ولعلّ من أفضل النصوص التي يمكن الاستدلال بها على هذا الحكم هو: الاية الكريمة الرابعة والاربعون من سورة المائدة السابقة، وكذلك التوقيع المعتبر المروي عن الامام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) في قوله: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله»(44)، حيث يفهم من الحديث أن المراد من الحوادث هو: الموضوعات الخارجية التي يواجهها الانسان في حركته اليومية، والتي تحتاج إلى موقف شرعي، مضافاً إلى اقتران حجيّة الرواة مع حجيّة الامام على الناس في الحديث، وهي شاملة وعامة، كما يمكن أن يُفهم هذا المعنى أيضاً من أحاديث القضاء الذي يعتبر من أهم مناصب الولاية وأخطرها، كما أشرنا إلى ذلك.
وبهذه المفردة تكتمل صورة النظرية في نظام الجماعة، وهي: نظرية الامامة ويصبح المجتهد هو المرجع للمؤمنين من أبناء الجماعة الصالحة الذي يقوم بدور الامام.
يتعيّن هذا الامام ويتشخّص بين المجتهدين المتعددين، أما باختيار الامّة له اختياراً طبيعياً وتدريجياً، من خلال وجوب الفحص عن خصائصه الذاتية المطلوبة من العلم والعدالة والخبرة والكفاءة وغيرها، والتي يشهد بها أهل الخبرة، حيث يجب تقليده عندئذٍ والارتباط به، أو باختيار الامة له بانتخابها عن طريق الاقتراع المباشر، أو غير المباشر: بأن يقوم الخبراء وأهل الحلّ والعقد بانتخابه، وذلك عندما تملك الامّة إرادتها وحرّيتها في هذا الانتخاب، ويمكنها أن تعبّر عنه تعبيراً واضحاً، كما اختار ذلك بعض الفقهاء، والتزم به دستور الجمهورية الإسلامية(45).
4) التزكية والتطهير
والتربية لهؤلاء الناس - أفراداً وجماعات - في نفوسهم وسلوكهم وحياتهم الاجتماعية، من خلال الإشراف والرقابة والشهادة على ممارسة الإنسان لدوره في الخلافة، ومواكبة مسيرته باعطائه التوجيه بالتبشير والإنذار ووعظ الناس في السلوك والعمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحكم بين الناس بالقسط والعدل، وتحقيق العزة والكرامة لهم، وكـذلك التدخل لمقاومة الإنحراف، واتخاذ كل التدابير الممكنة من أجل ذلك.
5) تعليم الناس الكتاب والحكمة
وتعليم شرائع الإسلام وأحكامه والأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة، والسنن الالهية التي تحكم حركة المجتمع الانساني.
وهذه المهمات الأساسية وان كانت قد تتغير بعض مصاديقها وصورها من زمان ومكان إلى زمان ومكان آخر ولكنها مهمات ثابتة.
وعلى مستوى المصاديق والمفردات في هذا العصر قد نجد أمامنا مجموعة من المصاديق والمهمات، سوف نشير إلى أهمها في استعراض قضايا الأمة ومصالحها في هذا العصر في الفصل الآتي (شروط المرجعية) - إن شاء الله - في نهاية الكتاب عند الحديث عن واجبات المرجعية الى مجموعة أخرى من المصاديق والمفردات(46).
إنجازات المرجعية
وفي بعد آخر نجدها - المرجعية الدينية كمؤسسة - من الناحية الواقعية العملية أفضل مؤسسة تمكنت أن تقدّم خدمات كبرى إلى الاسلام والمسلمين بصورة عامة وإلى جماعة أهل البيت (عليهم السلام) بصورة خاصة، فلقد تمكّنت على مرِّ الدهور من:
1 ـ أن تحافظ على الاسلام الأصيل النقي في عقائده وقيمه ومفاهيمه ومنابعه الأصيلة، وذلك من خلال الاعتماد والأخذ من القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام).
2 ـ وفي الوقت نفسه استمرت في إبقائها باب الاجتهاد المضبوط(47) مفتوحاً؛ لتواصل هذه الحركة العلمية العظيمة وهذا الانجاز الكبير في المعرفة على قدرتها في معالجة المستجدات في الحياة الانسانية في ضوء الحكم الشرعي والنصوص القرآنية والسنة النبوية.
3 ـ استطاعت المرجعية أن تحافظ على وجود الجماعة الصالحة وحيويتها التي كانت ولازالت تتحمل المسؤوليات العظمى في التاريخ الإسلامي، بل قامت المرجعية الدينية بتنمية وتطوير هذه الجماعة والوصول بها إلى هذا المستوى الراقي في الكم والكيف حتى أصبحت الجماعة الأولى في العالم الاسلامي والمتميزة بين الجماعات التي تتحمل المسؤوليات العظام في هذا العصر.
4 ـ وإلى جانب ذلك كلّه تمكنت هذه المرجعية ومؤسساتها من المحافظة على معالم الثقافة الإسلامية الأصيلة، ليس على المستوى النظري وفهم هذه الثقافة فحسب، بـل على المستوى التطبيقي والعملي، وبقاء هذه الثقافة حيّة وفاعلة في أوساط الأمة، ولاسيما جماعة أهل البيت (عليهم السلام)، هذه الثقافة المعروفة بثقافة أهل البيت أو الثقافة الشيعية، وكانت المحافظة على هذه الثقافة - نظرياً وعملياً- من أهم الإنجازات العظيمة للمرجعية، حيث يتبين ذلك من ملاحظاتنا لمعالم هذه الثقافة.
5 ـ مضافاً إلى ذلك كله، الإنجاز الذي قامت به المرجعية الدينية الصالحة في المحافظة على مجموع ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) بتفاصيلها العقائـدية والأخلاقية والشرعية والتأريخية، والتي تمثّل انجازاً عظيماً آخر يمكن أن نضيفه إلى الانـجازات الكبرى للمرجعية، وتفاصيل ذلك لا يسعه هذا الكتاب، ويمكن الرجوع فيه أجمالاً إلى كتابنا (دور اهل البيت في بناء الجماعة الصالحة) حيث استعرضنا فيه الكثير من معالم هذه الثقافة وكانت المرجعية الدينية الصالحة هي التي حفظت لنا هذا التراث.
الثقـافة الشيعية
وهنا يطرح هذا السؤال وهو: ما هي معالم الثقافة الشيعية؟
منذ البداية وفي مقام الجواب عن هذا السؤال يحسن بنا أن نؤكد:
أولاً: انّ هـذه الثقافة وإن كانت ثقافة موروثة عن أهـل البيت (عليهم السلام) ولكنهم قدموها للمسلمين بصورة عامة ولشيعتهم بصورة خاصة، وهي ليست ثقافة مغلقة وطائفية تتعصب لجماعة مـن الناس دون أخرى، وانّما هي ثقافة إسلامية عامة كما أرادها أهل البيت (عليهم السلام) وهي مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة.
وثانياً: انّ الهدف العام لهذه الثقافة هو: إرساء بناء المجتمع الاسلامي على قواعد قوية محكمة مـن الأسس الروحية والمعنوية التي تحافظ على قوة المجتمع وحيويته والعناصر الداخلية المحرّكة له، ومن ذلك وحدة صفوف المسلمين وكلمتهم ومواقفهم تجاه أعدائهم وقضاياهم المصيرية على أساس التعايش بينهم والتعاون على البرّ والتقوى.
أما المعالم العامة لهذه الثقافة فهي:
1 ـ حـب أهل البيت (عليهم السلام) فهو: الاطار العام الذي يجمع المسلمين على الولاء لله والرسالة والنبي من خلال هذا الحب، فلم يطرح أهل البيت (عليهم السلام) - مثلاً- لجمع كلمة الناس الالتزام بفقههم، بالرغم من انه يمثل المعرفة الإسلامية الأصيلة، وقد أرشد إليهم النبي (صلى الله عليه وآله) بـذلك في نصوص عديدة: منها حديث الثقلين المتواتر(48). وانّما طرحوا موضوع حبّهم وولائهم كاطار يجمع المسلمين عمـوماً وشيعتهم بصورة خاصة، وذلك انطلاقاً مـن القرآن الكريم الذي أكد هذا الاطار بقوله تعالى {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(49)، كما وردت نصوص وأحاديث كثيرة صحيحة ومتواترة رواها علماء المسلمين في مختلف الأدوار تؤكد هذا الاطار من الحب والولاء.
ولذلك نلاحظ انّ هذا الاطار مما يشترك فيه جميع المسلمين - فعلاً وواقعاً - وليس مجرد اطار نظري مشترك للمسلمين، بل هو واقع روحي، وإلتزام عملي يشترك فيه المسلمون جميعاً على إختلاف مذاهبهم وفرقهم بصورة عامة.
وهذا الحب ليس مجرد عاطفة انسانية وشعورية، بل الاعتقاد بالموقع الخاص المتمّيز لهم، في الرسالة الإسلامية المحفوف بالود والولاء والاحـترام والتقديس والاتباع لـهم، في السلوك العام والرجوع إليهم، في معرفة معالم الدين والشريعة.
وأهل البيت (عليهم السلام) هم: النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والزهراء البتول وعلي (عليه السلام) والسبطان المنتجبان الحسن والحسين'والأئمة التسعة المعصومون من ولد الامام الحسين (عليه السلام).
2 ـ الايـمان بالحرية الفكرية والبحث العلمي، وفتح باب الاجتهاد بالنظر في النصوص الدينية واستنباط الحكم الشرعي للحوادث المستجدة وتجديد النظر في القضايا السابقة، وذلك طبقاً للضـوابط والأصول العامة الشرعية التي حددّها الشارع للوصول إلى الحقيقة أو طبقاً للتجارب الانسانية في الوصول إليها، وهذه الضوابط والأصول هي التي يحددّها علم الأصول.
وكذلك الايمان بالحرية السياسية في اتّخاذ المواقف تجاه الأحداث ضمن المصالح العليا للاسلام والمحافظة على أمن النظام(50)، وحق الأمة في انتخاب وتشخيص الحاكم الشرعي، الذي لابد أن يكون متصفاً بمواصفات خاصة، حيث تتحمل الأمة تشخيصه وتعيينـه.
وكذلك حق الأمة في اختيار النهج الصالح لادارة الحكم ومعالجة القضايا الاجتماعية وفي التعبير عن الرأي والمواقف، وحق الأمة في الوعي السياسي ومعرفة الأحداث ومتابعتها والمشاركة فيها والرقابة عليها وعلى ادارة الحكم.
وهذا الخط الثقافي يلتزم به أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في مختلف أدوار تأريخهم وشؤون حياتهم.
3 ـ الايمان بالعزّة والكرامة الانسانية والحرية الشخصية في إطار الحكم الشرعي، وتعتبر الكـرامة الانسانية من المحاور الرئيسية في ثقافة أهل البيت (عليهم السلام)، وهي: مضمون اسلامي مأخوذ من القرآن الكريم والرسالة الإسلامية، فقد قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(51)، وهي: صفة انسانية لا يمكن أن تسلخ من الانسان.
ولذا كان أحد وجوه الاهتمام البالغ بقضية الامام الحسين (عليه السلام) - لدى جماعة أهل البيت - هو وجود هذا المدلول الأخلاقي الخاص فيها، مدلول العّزة والكرامة والاباء الذي تحدث عنه الامام الحسين وأطلق فيه الشعار المعروف [هيهات منّـا الذلة].
وهذا المدلول الأخلاقي نراه يتحرك فعلياً وواقعياً في مختلف الفعاليات الثقافية لجماعة أهل البيت (عليهم السلام) في الزيارة والخـطابة والشعر والمجالس ومواكب العزاء والمواقف السياسية والمشاعر والعواطف الانسانية.
4 ـ الايمـان والشعور بالمسؤولية، تجاه قضايا المجتمع الانساني من إقامة الحق والعدل بين الناس ومقاومة الظلم والطغيان والجور والاستبداد وتحمل الآلام والمحن والمصائب في سبيل ذلك، وتقديم التضحيات الكبيرة لتحقيق هذا الهدف.
وقد أصبحت قضية الامام الحسين (عليه السلام) الرمز الكبير والواضح لأبعاد هذه الثقافة الاجتماعية في هذا المجال وكانت ولازالت تمد جمهور أتباع أهل البيت (عليهم السلام) والمسلمين عموماً بهذا الزخم الروحي والمعنوي.
5 ـ الايمان بـواجب الدفاع عن المظلومين والمستضعفين ونصرتهم ومسؤولية رفع الظلم عنهم، انطلاقاً من القرآن الكريم الذي يدعو المسلمين إلى ذلك {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}(52).
وقد مـارس أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم هذا الدور، والتزموا بهذه الثقافة في مختلف الأزمنة، ونذكر شاهداً معاصراً على هذه الحقيقة: الموقف الرائد المعروف للمرجعية الدينية في النجف الأشرف تجاه الشعب الكردي في العراق عندما تعرض في عقد الثمانينات الهجرية، للاضطهاد والظلم، حيث وقفت المرجعية الدينية أيام الإمام الحكيم (قدّس سرّه) تدافع عنهم وتحرّم سفك دمائهم وتطالب بمنحهم حقوقهم الشرعية في وقت وقف فيه النظام العراقي وعلماء السلطة إلى جانب الظلم والعدوان.
وكذلك موقف المرجعية الدينية في الدفاع عن الشعب الفلسطيني المضطهد والمظلوم واسنادها للعمل الفدائي بالمواقف والفتاوى.
كما انّ الروح العامة التي طبعت المواقف السياسية للجمهورية الإسلامية في قضايا الشعب الفلسطيني والـبوسنة والهرسك والعراق وكشمير وغيرها تنطلق من هذه الرؤية الثقافية.
6 ـ الرفض لجميع ألوان الهيمنة الاجنبية والتسلّط الخارجي أو العنصري أو التعصّب الطائفي أو الغزو الثقافي والاقتصادي والتبعية السياسية، والحرص على إستقلال البلاد وإدارة القرار ومقاومة الاستعمار بكلّ ألوانه.
وقـد ظهر ذلك واضحاً في السلوك العام لأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ولاسيما الحوزات العلمية في إستقلالها واعتمادها على الله تعالى والذات، وإمكانات المـؤمنين، وفي المحافظة على أصالتها الفكرية والثقافية وعدم السماح باي لون من ألوان الاندساس والتغلغل الثقافي الأجنبي، والالتزام بالمناهج العلمية الأصيلة والمضمون الثقافي النقي، مـما جعـلها تمـتاز - بصـورة بيّنـة - عن جميع المؤسسات المماثلة الأخرى.
وكذلك في تصدّيها لعمليات الغزو الأجنبي لبلاد المسلمين، واسنادها لحركات التحرر والأستقلال، حتى أصبح شعار (لا شرقية ولا غربية) خطاً ثقافياً سياسياً يتحكم في المسار الثقافي السياسي لهم.
7 ـ الايمان العملي بالمساواة بين الأقوام والشعوب والطبقات الاجتماعية في القيمة الانسانية، وفي الحقوق العامة، وفي الانفتاح العلمي والثقافي عليها، وتكافؤ الفرص الممنوحة، ولاسيما الأقليات الدينية والعرقية غير العربية.
ولعلّ من أفضل الشواهد على هذه الحقيقة، الأثر الذي تركته هذه الثقافة في أوساط هذه الشعوب، من علاقتهم الخاصة بأهل البيت (عليهم السلام) وارتباطهم بمذهبهم والشعور بعدم وجود هذه الامتيازات الخاصة للعرب من الناحية العرقية والقومية، وعمق الشعور بفكرة الاستبدال لهم - التي ذكرها القرآن الكريم - عند التخلف عـن القيام بأداء الرسالة، وضعف التعصّب القومي لدى أوساط أتباع أهل البيت (عليهم السلام).
كما انّ من الشواهد على ذلك طبيعة تركيبة الحوزات العلمية المتعددة الجنسيات وطبيعة العلاقات التي تربط بين أبناء الجماعة في قضايا التقليد والدرس والزواج وغيرها، حيث لا توجد مشاعر التعصب والتمييز، فهم يقلدون المراجع مهما اختلفت انتماءاتهم الجغرافية والعرقية على أساس الموازين العلمية والروحية، كما يحضرون دروس العلماء والفقهاء بدون تمييز ويستفيدون من كتبهم وعلومهم ويرتبطون اجتماعياً بالزواج وغيره كذلك.
|