بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

وبعد..

فهذه مجموعة من الملاحظات كنت قد ألقيتها في المجلس الأسبوعي في قم حول المرجعية تناولت فيها بعض أطراف الحديث عنها مثل (موقع المرجعية ومهماتها وإنجازاتها، ومواصفات المرجعية الفاعلة، وكذلك الوجود الواقعي للمرجعية الصالحة الذي يتضمن نظرة عامة لتاريخ المرجعية ونماذج منها، كما تناولت الخيارات الصعبة التي تقف أمام المرجعية في مواجهة التحديات المعاصرة، وكذلك موضوع تخصص المرجعية وتقسيم وظائفها، والإشارة إلى شروط المرجعية السياسية الدينية في العدالة والتصدي والخبرة وغيرها). وحاولت الإشارة فيه إلى بعض الشواهد والتأكيد فيه لبعض المتبنيات لدى مراجعنا العظام، وتقديم تصور جديد لمعالجة المشكلات والتطورات التي واجهتها المرجعية وجماعة أهل البيت (عليهم السلام) إنطلاقاً من التجارب والسيرة الصالحة لعلمائنا الاعلام ومراجعنا العظام.

وقد راجعت هذه الملاحظات لإصلاحها في العرض وتوضيحها في الشرح وهذا القدر من العرض والبحث وإن كان لايزال ناقصاً لأنه بحاجة إلى مزيد من الاستدلال والتحقيق ولكني حاولت الإرجاع في ذلك إلى بعض المصادر، كما يحتاج إلى توضيح بعض الأبعاد الأخرى مثل تاريخ المرجعية والأدوار التي مرت بها وكذلك الحديث عن المرجعية الموضوعية والمرجعية الذاتية وشروطها، وأيضاً الحديث عن الأجهزة والتشكيلات المقترحة للمرجعية الدينية السياسية، ولكن وجدت إنّ نشره ولو بصورة محدودة مفيد أيضاً، ولعلي أوفق لإكماله ليصبح كتاباً في سلسلة موسوعة دور أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الإسلامية. وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجه الكريم وأن ينفع به اخواننا المؤمنين في هذه الحياة الدنيا وفي توضيح دور هذه المؤسسة الإسلامية وأهميتها والموقف الصحيح منها وأن ينفعنا جميعاً به {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} والله سبحانه ولي القبول والتوفيق والسداد وهو نعم المولى ونعم النصير.


محرم الحرام       
محمد باقر الحكيم   
1421هـ       



تمهيد

[المرجعية الدينية] عنوان مهم، طرح ويطرح للبحث والتداول في ساحتنا الاسلامية، بل أصبحت المرجعية الدينية - بعد انتصار الثورة الإسلامية، ولاسيما بعد تحقق هذا الأمل الكبير باقامة الحكم الاسلامي على يد المرجع العظيم العالم الرباني آية الله العظمى الامام الخميني (قدّس سرّه) - من القضايا العالمية التي توجهت لها أنظار جميع الأوساط الثقافية والسياسية العالمية، باعتبار انّ تفجير الثورة الإسلامية في ايران بما لها من آثار وانعكاسات، ووجود الصحوة الاسلامية العامة في العالم الإسلامي: كان على يد هذه المرجعية الدينية الاسلامية.

وازدادت أهمية هذا الموضوع بارتباطه بموضوع آخر مهم، وهو: موضوع [ولاية الفقيه] التي اعتبرت الأساس والقاعدة للحكم الإسلامي المعاصر، وأصبح البحث حول تـعدد المرجعية أو وحدتها واتحادها مع الولاية من جهة، والعلاقة النظرية بينهما في حالة التعدد من جهة أخرى، من الأبحاث الهامة المتداولة، مضافاً إلى البحث عن معالجة وتحديد العلاقة بينهما واقعياً وخارجياً.

ومن جانب آخر وفي الوقت نفسه نجد: انّ الأعداء يخططون لأجل ضرب هذه المرجعية، ومحاصرتها وإضعافها، أو السيطرة عليها، وتشويه سمعتها والنيل منها، بل تصفيتها تصفية جسدية ومعنوية، وهناك مخطط رهيب رسمه الأعداء في هذا السبيل.

فقد وجدنا في بداية انتصار الثورة الإسلامية في إيران، كيف صُفّيت مرجعية الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في العراق بقتله، ثم الوسائل الكثيرة التي استخدمها الاستكبار العالمي والقوى المضادة الحاقدة لتشويه صورة الامام الخميني (قدّس سرّه) ومرجعيته، وما صدر من كتب كثيرة ضد الثورة الإسلامية وقائدها الامام الراحل (قدّس سرّه)، ومنها الكتاب الحاقد: (وجاء دور المجوس) الذي يتحدث - بأسلوب الافتراء والبهتان والكذب الغارق في الحقد والنصب - عن عودة الإسلام في إيران على يد الشعب الإيراني، والهدف منه واضح من خلال اسمه وهو: رمي الثورة وقادتها بالمجوسية، وكأنّ عودة الإسلام في إيران قضية ذات بُعد يرتبط بسيطرة الكفار على المسلمين.

ونجد بعد ذلك الحرب العدوانية التي شنّها نظام الكفر والإلحاد، [نظام صدام المجرم] على الجمهورية الإسلامية الفتية تحت عنوان (الدفاع عن البوابة الشرقية للعالم العربي) لتصب في الاتجاه نفسه(1)، حيث جاءت لترفع شعار [حرب القادسية] وكأن هذه الحرب العدوانية - ضد الإسلام والثورة الإسلامية- هي: حرب بين الإسلام الذي يمثله صدام والمجوس التي تمثله إيران!! وكان يراد لشعار [القادسية] الذي سمّيت به هذه الحرب: أن يجعلها حرباً بين الفرس والعرب، إلى غير ذلك من الشعارات والعناوين التي طرحت لمواجهة هذه الحركة وهذه الصحوة التي كانت ولا زالت تقودها المرجعية الدينية.

ثم بعد وفاة الطبقة الأولى من المراجع في عصر الثورة، أمثال: الامام الخميني وآية الله العظمى السيد الخوئي وآية الله العظمى السيد الكلبايكاني، أصبـحت هـذه القضية - مـرة أخرى - من القضايا المطروحة في الأبحاث، وفي وسائل الاعلام، وفي المخططات الدولية والإقليمية والمحلية، بهدف التأثير على أوساط أتباع أهل البيت (عليهم السلام) من ناحية والتشويش عليهم وعلى المرجعية الدينية من ناحية أخرى.

ووجدنا في الأيام القريبة الماضية - أيضاً - كيف أقدم النظام الحاقد - الحاكم في بغداد - على الأعمال الوحشية في تصفية مراجع الإسلام في النجف الأشرف، ومحاصرة المراجع الآخرين، من خلال جريمة قتل وشهادة آية الله الشيخ مرتضى البروجردي(2) وآية الله العظمى الميرزا علي الغروي(3)، والعدوان على آية الله العظمى السيد السيستاني ثم محاصرته وبقية العلماء الذين لازالوا يعيشون حالة الحصار في النجف الأشرف(4).

إلى جانب ذلك كله، نجد في وسائل الاعلام العالمي بين الحين والآخر حديثاً عن المرجعية الشيعية ودورها، وكذلك شيوع أحاديث - مضللة ومغرضة - عن الصراع داخل هذه المرجعية بين النجف الأشرف وقم، وأحياناً بين هذا المرجع وذاك، ثم أحاديث أخرى تجري في بعض الأوساط الاجتماعية والثقافية حول بعض مدعي المرجعية. فهنا تدعى مرجعية وهناك تدعى مرجعية أُخرى وهكذا، مما يزيد الصورة تشويشاً وغموضاً وتصبح الحاجة ملحّة للحديث عن المرجعية بصورة موضوعية وعلمية تعتمد على الأصول والضوابط والمعلومات الصحيحة.


ردم الفراغ الثقافي

ثم إذا أخذنا بنظر الاعتبار التحولات والتطورات الكبيرة التي حصلت في عالمنا اليوم، وفي أوضاع جماعة أهل البيت (عليهم السلام)، نـلاحظ من ناحية التقارب الشديد والارتباط القوي القائم بين أطراف هذا العالم بسبب ثورة الاتصـالات، ومن ناحية أخرى الانتشار الواسـع لجماعة أهل البيت (عليهم السلام) في انحاء كثيرة من الأرض، ففي السابق كانت الجماعة الصالحة تتمـركز في مناطق معينة تضم الكثـير من العلماء والمثقفين والمتفقهين، الذين يمكنهم أن يوضّحوا للناس معالم وابعـاد المرجعية الدينية، وشـروطها، ومواصفاتها، وكل ما يتعلق بها، وأمّا في مثل هذه الحالة من الانتشار الواسع لجماعة أهل البيت (عليهم السلام) في العالم، شرقه وغربه، ووجود وسائل الاعلام المضللة العامة التي تنعكس آثارها على الجميع بسرعة، والمصالح الدولية والأغراض الفاسدة، فنحتاج إلى أن يكون هناك وضوح عام يتسم بالشفافية تجاه موضوع المرجـعية، وثقافة عامة في هذه الأوساط الكبيرة المنتشرة.

كمـا نلاحظ في الوقت نفسه - أيضاً - وجود عمليات قمع واسعة جرت لجماعة أهل البيت (عليهم السلام) في بعض المناطق المهمة التي تقطنها جماعة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، بحيث أوجدت فـراغاً في هذه المناطق، بما يتعلق بجانبي الوعي والثقافة الخاصّين بمعرفة المرجعية الدينية، وشروطها، ودورها، ومسؤولياتها، وواجباتها، ويتمثل ذلك جلياً في عراقنا الجريح بعد أن قام النظام المجرم الحاكم طيلة المدة السابقة، بعمليات مطاردة وقمع واسعة للحالة الإسلامية بصورة عامة، ولمؤسّسات ومواقع المرجعية الشيعية بصورة خاصة، مما أوجد فراغاً ثقافياً كبيراً في معرفة تفاصيل هذا الموضوع.

وإلى جانب هذا الفراغ الثقافي توجد الصحوة الإسلامية الواسعة، التي يشهدها عالمنا الإسلامي، الذي يتطلع إلى المستقبل الأفضل وعودة الاسلام إلى الحياة، ولاسيما في العراق، والمشاعر الفياضة، والاندفاع والشوق الشديد لدى شبابنا في العراق لمعرفة الإسلام، رغم وجود ذلك الفراغ في المجال الثقافي الشفّاف، ولذلك نحتاج إلى عمل وجهد كبير للتثقيف على هذا الموضوع الهام.

ونحاول في هذا البحث العام أن نلقي الضوء على مجـموعة من الأبعاد والمعالم ذات العلاقة بهذا الموضوع الـهام؛ لرسم التصّور النظري العام والمسار العلمي لـه، دون الدخول في البحث والاستدلال الفقهي، الذي يحتاج إلى متابعة علمية شخصية من المهتمين به خاصة، وفرصة أخرى أوسع، وإن كنت سوف أشير إلى بعض المصادر المختصة بهذا البحث - أحياناً - عند الحاجة لاكمال هذه الصورة.





الفصل الأول


المرجعيـة
موقعها.. مسؤولياتها.. إنجازاتها


ينطلق تصور الهيكل العام لنظام الجماعة من نظرية الإمامة، التي تؤمن بها الجماعة الصالحة، هذه النظرية التي تؤمن بأن ولاية أمر المسلمين، وإمامتهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، هي للائمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) وان هذه الامامة هي: امتداد لحركة الانبياء والمرسلين، سواء في تشخيص طبيعة هذا الحق والمنصب، من حيث انه منصب الهي يستحقه الانسان، من خلال التعيين المباشر له من قبل الله تعالى، كما هو الحال في الانبياء والمرسلين، أو بالواسطة، كما هو الحال في الائمة والاوصياء، حيث أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): أن يكون إماماً من بعده، وهكذا بالنسبة إلى بقية الائمة (عليهم السلام)، أم في خصائص الشخص ومميزاته، حيث يشترط في النبي والامام المنصوب الدرجة العالية من الكمالات الالهية التي يعبّر عنها بـ [بالعصمة].

أو في طبيعة المسؤوليات والواجبات والحقوق تجاه الأمة، أو الحقوق التي تجب على الامة، حيث تجب له الطاعة، وله حق ولاية الامر، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وعليه: أن يتحمل مسؤولية إبلاغ الرسالة، وتزكية المؤمنين وتربيتهم، وتعليمهم الكتاب والحكمة، ورعاية شؤونهم، والمواساة لهم في حياتهم، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}(5). إن النظام الذي وضعه أهل البيت (عليهم السلام) لتنظيم الجماعة يرتكز على هذه القاعدة النظرية، فإن الامام في زمن حضوره وشهوده، وإن لم تكن بيده السلطة، ولا يكون مبسوط اليد في القدرة، إلاّ أنه مع ذلك كله، لابدّ فيه من توفّر هذه الخصوصيات، ويتحمل -أيضاً- هذه المسؤوليات والواجبات وله هذه الحقوق، ولكن بالقدر الذي تسمح به الظروف المعاشة له، وللجماعة الصالحة التي يتولّى شؤونها، وتتناسب الواجبات والحقوق في السعة والضيق مع هذه الظروف المتاحة.

وأمّا في عصر الغيبة، فإن المجتهد الجامع للشرائط، هو الذي يقوم بهذا الدور باعتباره الوريث الطبيعي للانبياء والائمة (عليهم السلام)؛ لانهم لم يورثّوا ذهباً ولا فضة ولا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثّوا شيئاً من العلم والحكمة.

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «العلماء مصابيح الارض وخلفاء الانبياء، وورثتي وورثة الأنبياء»(6).

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن العلماء ورثة الانبياء، وذاك أن الانبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»(7).

وهذا التسلسل الطبيعي في الخلافة والمنصب الالهي الذي ذكرناه، هو الذي تشير إليه الاية الكريمة في قوله تعالى: {إنّا أنْزَلْنا التّوراةَ فيها هُدىً وَنورٌ يَحْكُمُ بِها النّبيُّونَ الّذينَ أسْلَمُوا لِلّذينَ هادُوا وَالرّبانِيّونَ وَالاحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاس وَاخْشَوْني وَلا تَشْتَرُوا بِآياتي ثَمَناً قَليلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللّهُ فَأولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}(8).

عن ابي عمرو الزبيري عن ابي عبد الله (عليه السلام): «ان مما استحقت به الامامة التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة التي توجب النار، ثم العلم المنور بجميع ما يحتاج إليه الامة من حلالها وحرامها، والعلم بكتابها خاصة وعامة، والمحكم والمتشابه ودقايق علمه وغرايب تأويله وناسخه ومنسوخه، قلت: وما الحجة بان الامام لا يكون إلاّ عالماً بهذه الاشياء التي ذكرت؟ قال: قول الله فيمن اذن الله لهم بالحكومة وجعلهم أهلها: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} فهذه الائمة دون الانبياء الذين يرثون الناس بعلمهم، واما الاحبار فهم العلماء دون الربانيين، ثم أخبر فقال: {مَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} ولم يقل بما حملوا منه»(9).

فالمجتهد الذي يمثل (الاحبار) في هذه الاية الكريمة، لابد أن يتصف بالخصائص المطلوبة في الائمة (الربانيين) - ولكن بالقدر الذي يتناسب معه ومع مسؤولياته وحقوقه - وهي: العلم بالشريعة، والعدالة العالية، والصفات الشخصية المناسبة من الخبرة، والشجاعة، والمواساة للمؤمنين، والقدوة في السلوك، وكذلك تثبت له الحقوق والواجبات نفسها، ولكن بالمقدار المناسب لهذا المستوى من الولاية.

إن هذا المنطلق في فهم ورؤية النظام العام للجماعة الصالحة هو أمر مهم فيما يتفرع عنه من مسؤوليات وعلاقات وسياسات وأنظمة ومناهج ومواقف تنسجم مع الفهم النظري لحركة الانبياء ودورها في التاريخ الإنساني والسنن المؤثرة في هذا التاريخ.


موقـع المـرجـعية

وعلى أساس هذه القاعدة النظرية وضع الأئمة (عليهم السلام) عظام المرجعية الدينية أو [ولاية الفقيه]، فإن هذا النظام يتلّخص في تنصيب المجتهد(10) من علماء مذهب أهل البيت (عليهم السلام) الجامع للشرائط - التي أشرنا إليها آنفاً - مرجعاً لاتباعهم، وذلك للقيام بالوظائف الأساسية للإمامة، وهي: (الولاية) لشؤون المسلمين و (الإفتاء) لبيان مفاهيم الرسالة الإلهية، بيان معالم الدين وإبلاغها والتبشير والإنذار بها، و (القضاء) في موارد النزاع والتداعي والفصل للخصومات.

يبدو من خلال مراجعة تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) أنهم - في الوقت الذي يمارسون فيه هذا الدور للإمامة ممارسة محدودة في أوساط الجماعة الصالحة - بدئوا بتأسيس هذا (النظام) عندما أخذت الجماعة الصالحة تنمو، وتكبر، وتتسع دائرة أعمالها ونشاطاتها، ووجودها، حتى أصبح هذا النظام هو: نظام الجماعة العام بعد الأئمة.

فقد قام أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بتأسيس هذا النظام للجماعة الصالحة، في زمان حضورهم وشهودهم ليكون له دوره النسبي في تكوين الجماعة الصالحة، وإدارة بعض شؤونها في عصرهم، وليصبح نظاماً متكاملاً وفاعلاً يمكن الاعتماد عليه والاكتفاء به بعد غيبة الامام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

ولعلّ الدور المهم والأساس لائمة أهل البيت (عليهم السلام) الثلاثة [الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام)] هو: إرساء وترسيخ دعائم هذا النظام، على ما سوف نعرف ذلك إن شاء الله عند دراستنا (استعراض الادوار الخاصة التي قام بها الائمة (عليهم السلام) في كل عصر).

إنّ المرجعية - وفي أحد أبعادها - تعتبر من حيث الموقع والأهمية المؤسسة الثانية في الرتبة - حسب تصور النظرية الإسلامية في تنظيم الجماعة والمجتمع الصالح - أي: تأتي بعد مؤسسة الدولة والكيان السياسي الإسلامي، والولاية بمعنى الحكومة الإسلامية. فالدولة تعتبر المؤسسة الأولى في النظرية الإسلامية تنظيمياً من حيث الأهمية، والمرجعية هي: المؤسسة الثانية، وعلى أساس هذا الفهم نجد في تراثنا الإسلامي - الذي ورثناه عن أئمتنا الأطهار (عليهم السلام) وعن علمائنا الكرام - هذه القداسة لهذا الموقع الإسلامي، فهي تتولى بصـورة إجمالية: موقع الدولة ومهماتها في حال غياب الدولة الإسلامية، أو الولاية العامة، وكذلك في حالة عدم الاعتراف بشرعية الدولة في بعض المجالات، أو في ظلّها، إذا كانت شرعية في الجملة ولكن لملئ الفراغات الخاصة بالجماعة.

ويمكن أن نتعرف على المستوى الخاص التنظيمي لهذا الموقع من خلال ما يشير إليه الحديث الشريف - المعروف بالتوقيع الذي ورد عن الامام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) في جواب السؤال عن الموقف في صورة غياب الولاية حيث ورد-: «وأما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم»(11).

ويتوضح ذلك بصورة خاصة في البحث الفقهي، المعروف ببحث ولاية الفقيه، حـيث يجمع علماء الإمامية ويوافقهم على ذلك الكثير من غيرهم على انّ الفقيه يتبوأ الموقع الأول في الهيكل العام لنظام الجماعة عند غياب الإمام المعصوم.

ولعل انتزاع عنوان (المـرجعية) لهذا الموقع، استفيد من هذا الحديث الشريف الذي استخدم مادة (ارجعوا)(12).

ثم أن المرجعية وإن كان لها هذا الموقع التنظيمي، ولكنها من ناحية أخرى لها بُعدٌ عقائدي وهو: أن المرجعية تمثّل نيـابة وامتداداً للإمامة التي هي: امتداد للنبوة، وتعبير عن مسؤوليتها فيها. ولذا جاءت هذه المقولة المعروفة وهي: (ولاية الفقيه امتداد لحركة الأنبياء)(13).


مسـؤوليات المرجـعية

يمكن تلخيص المسؤوليات لنظام المرجعية للجماعة الصالحة، بالمهمات الرسالية التي يتحملها الأنبياء والرسل -عادة- والتي أشار إليها القران الكريم وهي: الإفتاء والقضاء، والولاية. وهي مسؤوليات تتطابق مع مسؤوليات الإمامة، خصوصاً إذا أخذنا الإفتاء بمعناه الواسع وهو: بيان وإبلاغ الشريعة الإسلامية باحكامها ومفاهيمها وعقائدها ونظرتها إلى الكون والحياة والتاريخ والسنن والأخلاق، واستيعاب وإبلاغ الرسالات الإلهية، وتلاوة آيات الله والمحافظة عليها وهداية الناس إلى الحق والهدى والصلاح والعقيدة السليمة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

ويمكن فهم هذه المسؤوليات من قوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}(14).

ومن قوله تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}(15).


1) الإفتاء

في مجال الإفتاء وبيان معالم الدين والبلاغ، قام الأئمة (عليهم السلام) عدة خطوات لتنظيم هذه الحالة:

الأولى: تربية المجتهدين والعلماء والمحدّثين، من خلال رعاية خاصة كانوا يولونها لبعض الأشخاص الذين يتوسمون فيهم الاهتمام بطلب العلم، والقدرة الفعلية على التلقّي، والمواهب العلمية المناسبة، حتى أصبح هؤلاء من المتميزين في خصائصهم ومميزاتهم العلمية والاخلاقية. بالاضافة إلى عدد كبير من المتفقهين والمتعلمين والحفّاظ في مختلف المناطق - التي تعيش فيها الجماعة الصالحة - خصوصاً المناطق التي يتكاثف وجودهم فيها.

ونجد هذا واضحاً في أشخاص مثل: ابان بن تغلب، وزرارة بن أعين، وأبي بصير، ومحمد بن مسلم، وبريد العجلي، ويونس بن عبد الرحمن، وعثمان بن سعيد، وابنه محمد بن عثمان، وغيرهم.

عن أبي العباس الفضل بن عبد الملك قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أحبّ الناس إليّ أحياءً وأمواتاً أربعة: بريد بن معاوية العجلي، وزرارة، ومحمد بن مسلم، والأحول، وهم أحبّ الناس إليّ أحياءً وأمواتاً»(16).

وعن ابراهيم بن عبد الحميد وغيره قالوا: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي (عليه السلام)»(17).

وعن سليمان بن خالد قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي (عليه السلام) إلاّ زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا. هؤلاء حفّاظ الدين وأمناء أبي (عليه السلام) على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الآخرة»(18).

وعن أبي عبيدة الحذّاء قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: زرارة، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم، وبريد، من الذين قال الله تعالى: {وَالسّابِقُونَ السّابِقُون * أولئك المقرّبون}(19)».

وعن عبد الله بن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه ليس كل ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه، فقال: ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي؟ فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً»(20).

وعن يونس بن يعقوب قال: «كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: أما لكم من مفزع؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟ ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضري؟»(21).

وعن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، - في حديث - أنه ذم رجلاً فقال: «لا قدّس الله روحه، ولا قدّس مثله; إنه ذكر أقواماً كان أبي (عليه السلام) ائتمنهم على حلال الله وحرامه، وكانوا عيبة علمه، وكذلك اليوم هم عندي مستودع سرّي وأصحاب أبي حقاً إذا أراد الله بأهل الأرض سوءاً صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم شيعتي أحياءً وأمواتاً، هم الذين أحيوا ذكر أبي (عليه السلام)، بهم يكشف الله كل بدعة، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين، ثم بكى، فقلت: من هم؟ فقال: من عليهم صلوات الله وعليهم رحمته أحياءً وأمواتاً: بريد العجلي، وأبو بصير، وزرارة، ومحمد بن مسلم»(22).

وعن داود بن سرحان قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إني لاحدّث الرجل بالحديث، وأنهاه عن الجدال والمراء في دين الله، وأنهاه عن القياس، فيخرج من عندي فيتأول حديثي على غير تأويله، - إلى أن قال: - إن أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً، أعني زرارة، ومحمد بن مسلم، ومنهم ليث المرادي، وبريد العجلي، هؤلاء القائلون بالقسط، هؤلاء القوّامون بالقسط، هؤلاء السابقون السابقون، أولئك المقربون»(23).

الثانية: التصدي للإفتاء، وذلك بإصدار التوجيهات للخاصة من أصحابهم، والمتميّزين بالعلم والفضيلة بالتصدي للإفتاء، ونقل الحديث عنهم إلى أبناء الجماعة الصالحة. وكانوا أحياناً يطلبون منهم التصدّي للإفتاء بين المسلمين عامة - حسب مذاهبهم المختلفة - من أجل أن يأخذ هؤلاء الأشخاص دورهم الطبيعي في المجتمع الإسلامي، في الوقت نفسه، الذي يؤدّون فيه خدمة خاصة في المحافظة على الجماعة وخصوصياتها.

وفيه أنه سُأل العمري عن مسألة فقال: «محرّم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن أحلّل ولا أحرّم»(24).

«عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لمعاذ بن مسلم النحوي: بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن اسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم وحبّكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي: اصنع كذا فإني كذا أصنع»(25).

وعنه (عليه السلام): «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون محدّثاً، فقيل له: أو يكون المؤمن محدّثاً؟ قال: يكون مفهّماً، والمفهّم المحدّث»(26).

الثالثة: الارجاع إلى المجتهدين، وذلك بتوجيه عموم المؤمنين إلى الرجوع في الفتيا والدين إلى هؤلاء الأشخاص المتميّزين، بحيث تتكامل الصورة وتصبح منسجمة في أبعادها، فيرجع أبناء الجماعة الصالحة إلى هؤلاء العلماء، وينتظم بذلك هذا الامر الديني المهم في وسط الجماعة.

عن أحمد بن إسحاق قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) وقلت: من أعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون. قال: وسألت أبا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك فقال: العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان».

وعن اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة، فقال: «القَ عبد الملك بن جريح فسله عنها، فإن عنده منها علماً، فلقيته فأملى عليّ شيئاً كثيراً في استحلالها، وكان فيما روى فيها ابن جريح أنه ليس لها وقت ولا عدد إلى أن قال: فأتيت بالكتاب أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: صدق، وأقرّ به»(27).

وعن المفضل بن عمر أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال للفيض بن المختار في حديث: «فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس، وأومأ إلى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين»(28).

وعن علي بن المسيّب الهمداني قال: «قلت للرضا (عليه السلام): شقّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كل وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: من زكريا بن آدم القمّي، المأمون على الدين والدنيا. قال علي بن المسيّب: فلما انصرفت قدمنا على زكريا ابن آدم فسألته عما احتجت إليه»(29).

وعن عبد العزيز بن المهتدي والحسن بن علي بن يقطين جميعاً، عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت: «لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما احتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم»(30).

عن الفضل بن شاذان، عن عبد العزيز المهتدي- وكان خير قمّي رأيته، وكان وكيل الرضا (عليه السلام) وخاصّته - قال: «سألت الرضا (عليه السلام) فقلت: إني لا ألقاك في كل وقت، فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال: خذ عن يونس بن عبد الرحمن»(31).

وعن عبد العزيز بن المهتدي قال: «قلت للرضا (عليه السلام) إن شقّتي بعيدة، فلست أصل إليك في كل وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين؟ قال: نعم»(32).