لا للــقـتل

من خلال ما سبق وباستعراض الآيات الكريمة والأحاديث والروايات المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) نجد أن القتل الحق هو الذي يذكره الإسلام والذي يستثنيه تحت هاذين العنوانين  (بغير نفس أو فساد في الأرض)، نعم يمكن أن يعبر عن قتل الحق: أنه عبارة من عملية ردع للقتل نفسه.

بمعنى أن القتل جريمة تحتاج إلى مواجهة, وهذه الجريمة بحسب نظر الإسلام لا تواجه إلا بمستواها, من قبيل: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(1) فهذا المستوى من الجريمة لا يمكن أن يواجه في المجتمع كجريمة إلا بمثلها(2) فهذا الاجراء يمثل حياة للناس: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(3) إذا: المحصلة الكلية لهذه المواجهة هو المزيد من حياة الناس, أما عندما يترك القاتل ولا يقتص منه ولا يقتل حينئذ النتيجة أو المحصلة الكلية هو المزيد من القتل والمزيد من الموت والفناء.


1) لبقرة: 194.

2) لهكذا اعتلال نفسي لا يمكن قطع دابره بأي وسيلة كانت دون أن يواجه بنفس الوسيلة التي تناسب هذا الكم والكيف, ولا يعني من ذلك إلا قطع دابر الجريمة نهائياً, وبالتالي عدم تكرارها, وهذا ما لحظناه قطعاً في عصر سقوط النظام الفاشي في العراق, إذ تعالت الصيحات بضرورة أعادة الأحكام العرفية ـ بعد أن منعتها سلطة الائتلاف ـ إذ ارتفع آنذاك منسوب الجريمة( الجنائية) لمستوى لم يعرف له سابقة في التأريخ العراقي.

3 ) البقرة:179

 وعليه يمكن أن يكون للفساد ألوان ثلاثة:

أولاً: الفساد الشخصي

هو ما يكون على مستوى الأفراد والأشخاص باعتبارهم يعيشون في المجتمع.

ويواجه ويحد بالقتل, كالمرتد الفطري.

ولعل ما ورد في القرآن الكريم من أمر الإسرائيليين بقتل أنفسهم بعد عبادتهم للعجل: (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)(1) ففي الواقع كان هؤلاء من الإسرائيليين المؤمنين وبشكل عام كانوا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى ويؤمنون بإبراهيم وبأولاده إسحاق ويعقوب (عليه السلام) أي بالنبوات بشكل عام, ولكنهم ارتدّوا بعبادة العجل, وحينئذ صدر الأمر بقتلهم.

هذا طبعاً من ثوابت التشريع الإسلامية فالمرتد عن فطرة ـ أي ذلك الإنسان الذي يكون بحسب فطرته مسلماً ووالد مسلم ثم أرتد عن الإسلام ـ حكمه القتل وإن تاب.

ومما لا يخفى بأن للفقهاء خلافاً في تقبل توبة المرتد الفطري في عالم الآخرة بيد أن الاتفاق باقي على عدم مسامحتهُ في عالم الدنيا فأن حكمهُ القتل.

ومن أمثلة الفساد الشخصي الذي يستحق القتل: كوجوب قتل الزاني و الزانية المحصنة ـ حكمها القتل ـ ولو بالرجم, وهكذا دواليك تجاه اللواط.(2)

يتسنى من ذلك: أن بعض الأحكام في الشريعة اختصت بالقتل بالنسبة إلى بعض الجرائم الشخصية التي يرتكبها الإنسان, وذلك لافتراض أن إبقاء هذه الجرائم على حالها سوف يؤدي إلى فساد اجتماعي وان كانت هي جريمة شخصية, فرغم إن الزنا قد وقع بين هذا الشخص وهذه المرأة مثلا, وهكذا قضية اللواط قد يكون قضية شخصية أو قضية الارتداد قد يكون قضية شخصية, وليست القضية قضية اجتماعية عامة, لكن تقييم الإسلام, يفرض أن هذا الفساد هو من النوع الذي لو ترك على حاله وشأنه دون معالجة قاطعة بالقتل؛ لأستفحل وأدى إلى اضطراب في العلاقات أو في الأوضاع الاجتماعية, فيمكن ان نعبر عنه بالفساد الشخصي المرتبط بأفراد يؤلون به إلى الظواهر الاجتماعية لو ترك هذا الفساد وحالهم.( 3)

أما تقيم الإسلام؛ ان هذا من قبيل الوباء, بمعني أن هذا النوع من الفساد أو المرض لو لم يعالج بالقتل لكان أشبه بالسرطان الذي يحصل في الإنسان والذي يقتصر علاجهُ على الاجتثاث أو القتل أو القطع.


1) البقرة: 54.

2) ثمة تفصيل شرعي يرد على محور الزنا, فقد تُخفف العقوبة مع غير المحصن أو المحصن الذي لا يصل إلى زوجته وهذا الأمر متروك لمباحث فقهية مفصلة باعتبار أن لكل حالة وجنس ـ رجل أم امرأة ـ حكماً معيناً, ومحور الكلام هنا بالحالات التي سياق علاجها مرتبط( بقتل المجرم, أي الزاني).

3) الطبيعي في الإنسان أن لا يعيش ونفسه, وعليه توجب أن تكون هناك شبكة علاقات اجتماعية وحتى إنسانية بل وعلى مستوى الانتقال الحضاري أو العرقي, وعليه, نجد أن المنظار الإسلامي قد شخص هذه الضرورة بأنها محتاجة إلى مكافحة أي بؤرة قد تؤدي لتلويث المحيط وصولاً إلى مجتمع سليم خالي من الأسقام, وهذا ما لا يكون إلا باجتثاث أي بؤرة تلوث قد تأول بالمجتمع نحو كارثة لو لم تعالج, وهذا ما يلحظ بالفعل بالمقايسة بين المجتمعات الإباحية والمحافظة, ولا نجد ضرورة لأن نسرد تلك الفوارق والعوامل النفسية والبيئية التي خلقها هذا الانحلال وما تـنتجه من أوبئة وأسقام وبين الأخير الذي استطاع أن ينجو من الكثير من تلك الأوبئة لالتزامه الواضح في مكافحة هكذا تلوث اجتماعي.

هذا لا يعني أن ننفي بأن هناك من العينات المحافظة قد تأثرت سلباً جراء الانفتاح الإعلامي والمكاني على بقية المجتمعات التي لم تحصن نفسها من تلك الإعتلالات بل راحت تؤمن يقيناً بكون ما تفعله هو الأمر الصحيح تحت غطاء الحريات ومكافحة الكبت.

ثانياً: الفساد السياسي

هي تلك الأعمال والنشاطات التي يقوم بها بعض الأشخاص لمواجهة المجتمع ونظام الحكم الإسلامي, وهذا النشاط أو الفساد السياسي له درجات ومراتب, الشيء الذي يعبر عنه بشكل عام في القرآن الكريم ولدى الفقهاء بالفساد والبغي.

( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (1) هذا النوع من الفساد هو تطبيق لهذه الآية الكريمة, إذ نجد المفسرين والفقهاء يتفقون على أن أولئك الذين يقومون بنشاطات وأعمالاً سياسية في مواجهة النظام أو تهدد أمن الناس وأمن النظام, من قبيل الأشخاص الذين يحاربون النظام بمعنى أنهم ينشقون عن النظام ويبغون على النظام.. فأولئك الناس الذين يقومون بقطع الطرق ويقتلون الناس في الطرقات العامة يطبق عليهم هذا الحكم ـ القتل والاجتثاث؛ لبغيهم وتمردهم على النظام ـلا بسبب النظام وانما بسبب متبنيات خاصة لمواجهة جزء من المجتمع تشير الآية الشريفة( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(2) فلو حصل القتال بين المؤمنين أي بين جماعة من المسلمين فلا بد من الإصلاح بينهما ولكن إذا بغت إحدى هاتين الجماعتين ولم تقبل بالصلح الذي فرض حينئذ يكون حكمها القتال يعني حكم هذه الجماعة الباغية القتل.(3)


1 ) المائدة:33

2 ) الحجرات:9

3 ) لا شك ولا ريب إن لهذا الفساد مثالاً حياً في أيامنا هذه فهناك من يقطع الطرق ويدمر مقدرات الأمة ويقتل أفرادها, كما ويحاول أن يتلاعب بمستقبلهم ومقدراتهم, فلحملة الإرهاب تأريخ أسود في عراق الأنبياء والأولياء, وعليه سيكون ردهم ومواجهتهم بشتى الطرق والوسائل واجباً شرعياً قبل أن يكون وطنياً وإنسانياً, وكيف لا يكون ذلك وهم قد شرعوا بقتل علمائنا الأعلام وحاولوا بشتى الوسائل والطرق شق عصا الأمة.

ثالثاً: الفساد الديني

التمرد على الله سبحانه وتعالى هو تمرد على العلاقة الطبيعية الموجودة بين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى.

فالعلاقة بينهما ناشئة من كون الله سبحانه وتعالى رب هذا الإنسان وخالقه ومالكه والمتصرف بشؤونه كلها.

وعليه أن أي عمل مخالف للشريعة وللأحكام الإلهية سيمثل لوناً من ألوان التمرد على الله سبحانه وتعالى ولهذا التمرد

قوانين وأحكام تشريعية ـ لنعبر عنها بالقوانين والأحكام الجنائية ـ على شكل تعزيرات وحدود, وقمة هذه الإجراءات القتل.

وتشمل العلاقة الطبيعية كل هذه القوانين, كما وهناك حد يمكن أن نعبر عنه بالحد الأدنى من العلاقة وهو هذا الحد الذي يعترف فيه الإنسان بأن الله هو ربه وخالقه, وينسحب من هذا الحد( الأدنى) إلى علاقات تحول الإنسان إلى فرد مطيع متقي ملتزم بكل أوامر الشريعة وصولاً إلى الحد الأعلى لهذه العلاقة؛ وذلك عندما يجسد هذا الإنسان هذا الاعتراف بسلوكه وبالتزاماته.

أما عندما يتمرد الإنسان على الحد الأدنى لهذه العلاقة فهذا يعني إنكاراً للألوهية والربوبية ليصبح مفسداً في الأرض وبالتالي يكون حكمة القتل.

ولهذا الإنكار مداليل سياسية في قبال حكم الله في الأرض لا في قضية الاعتراف بأن الله موجود أو غير موجود حتى يترك وشأنه فهناك موقف متمرد ينص على أن لا يكون هناك حكم لله سبحانه وتعالى في الأرض, وحينها يكون حكم مثل هذا الإنسان القتل.(1)


1) قد نجد من الواجب أن نطوف في دائرة التأريخ الإسلامي وجدلية القتل التي اتخذت عدة وجوه... فتارة نجد الإرهاب ينطلق لمحاربة الإسلام وأخرى يتلبس به للنيل منه... ولابد من الإشارة إلى أن مجمل الحركات الضالة التي تفجرت هنا وهناك, ودخلت في عمق التأريخ الإسلامي كان لها مفكريها ومنظريها, فها هو عمر بن العاص يبتكر لعبة ( قميص عثمان, وحمل المصاحف) لتلتهب قلوب الناس وبالتالي يلعب بمشاعرهم وعواطفهم, كما هو الحال اليوم ـ في العراق ـ إذ تُرفع راية الجهاد ضد الاحتلال وبالتالي تنتشر حوادث القتل والدمار؛ طبيعي أن هذا نتاج التحرك العاطفي الخالي من التعقل الذي يؤدي إلى التخلي عن التصدي لهكذا شراذم مما يحيل بهؤلاء الإرهابين في أن يصلوا إلى الحكم ( أمثال معاوية ويزيد) وبالتالي ولادة سلطة الدكتاتوريات الفاشية.

ما وراء الفساد

الخلفية لكل هذه الأقسام الثلاثة وقضايا الفساد التي أشرنا إليها؛ تفرض أن قضية الفساد هي أهم من قضية وجود الإنسان بمعنى ـ نرجع إلى الشيء الذي أشرنا إليه سابقاً ـ ان هذا الإنسان إنما وجد في هذه الأرض من أجل تجسيد أخلاق الله, ومن أجل أن يصبح خليفته, أما عندما يتحول الإنسان إلى مفسد, سيخرج عن هذا الهدف وهذه الغاية ليصبح وجوده مضراً وغير مبرر.

أما علاجهُ الطبيعي فيكون في تجسد تلك الأخلاق والأحكام وبخروجه عن ذلك يصبح قتله شيئاً طبيعياً,( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)(1) فهناك قيمة معينة لقضية القتل, كما وهناك قيمة للفتنة والتي هي عبارة عن الظلال والانحراف عن الخط المستقيم للإسلام, فقضية الفتنة هي أكبر عند الله واشد من القتل؛ إذن فمن الطبيعي أن يقتل هذا الإنسان المفسد, الذي يفتن الناس عن دينهم.

ومن هنا نعرف المبرر لقضية الجهاد في سبيل الله, وذلك لتحقيق حكم الله وأقامته لمواجهة الفتنة والظلال والانحراف (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)(2) فهذا هو الخط الذي يمثله خط الإيمان, وخط الإسلام, وخط المرتبطين بالله.


1 ) البقرة191

2 ) النساء:76

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية