![]() |
|
عندما يقِّيم القران الكريم هذه الجريمة ـ قتل بغير حق ـ, نجد أنه قد جعلها في أعلى المستويات وأعظمها, فهناك آيات كثيرة يمكن ان يفهم منها هذا المعنى وهذا المضمون, فقد يُفهم هذا المعنى من المقارنة بين القتل وبين الشرك بالله سبحانه وتعالى وبين الزنا, فهذه المقارنة تعطي القيمة الحقيقية لها. وذلك بعد فرض الجزاء الحقيقي للإنسان, أي بعد أن يعمد إلى القتل عن قصد وعن اختيار (القتل المتعمد)(1) فجزاء العمدية جهنم والخلد فيها, الأمر الذي يدلل على قيمة جريمة القتل ويجعلها ذات أهمية خاصة: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(2) فهذا من قبيل ان يرتكب الإنسان جريمة قتل كل الناس من أولهم إلى أخرهم, والعكس بالعكس أي أن قضية إحياء شخص كإحياء الناس جميعاً من أولهم إلى أخرهم. (3) 1) وما يعبر عنه في علم القانون القتل عن سبق إصرار وترصد. 3) سوف نتحدث عن معنى الأحياء وفَهم القران الكريم وذلك على ضوء النصوص والروايات ـ المؤلف. أما إشكالية إن الأحياء لله فهو الذي يحي الأنفس وهو الذي يميته, (1) فيمكن حلها ببساطة, حيث توجد هناك ضمن الروايات تفسيراً للإحياء(2) وكذا القران الكريم فيه إشارات إلى مضمون هذا الإحياء(من أحيا نفساً) (كأنما أحيا الناس جميعا) فالقران يقيم القضية بهذا التقييم: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(3). ويتجلى حل الإشكالية من خلال ما ورد في الذكر الحكيم في أن من قتل فرداً من الناس كأنما قتل نوع من الناس, لكن المفسرين لهم رأيٌ آخر, بل ولهم اتجاهات متعددة في تفسير هذا المعنى, فبعضهم يتجه إلى ان المقصود من ذلك هو تعظيم الجريمة وتكبيرها لا المقصود من ذلك التشبيه بكل معاني التشبيه مع إعطاء هذا الحجم لهذه الجريمة, فكما هو موجود في بعض الروايات في ان العقوبة التي تنـزل بقاتل شخص واحد هي بمستوى العقوبة التي تنـزل بقاتل الناس من أولهم إلى أخرهم وكيفما كانت العقوبة, ولعل المفهوم من الآية الكريمة ـ خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار الآيات التي قبلها(4) ـ يجعل عملية قتل فرد من الناس بمثابة قتل الناس جميعاً, باعتبار ان الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من أجل أن يقوم بمهمة وهذه المهمة لا يقوم بها سوى هذا الإنسان وحده وانما يقوم هذا الاعتبار من خلال طبيعة التوالد في الإنسان و من خلال طبيعة الاستخلاف جيلاً بعد جيل, فنحن وجدنا في تاريخ البشرية من أولها إلى آخرها بأنها تنتمي إلى واحد من أولاد آدم, فأصل هذه البشرية من أولها إلى آخرها يعود إلى شيث كما يذكر (5). فوجود كل هذا النسل وكل هؤلاء الأولاد الذين يمثلون البشرية في عالمنا اليوم يعود لقابيل, أما الذي قُتل بيد قابيل كان يمكن أن يكوّن لهذه البشرية عالمٌ آخر يعني بأولاده.. فبتناسل وتوالد هذا الإنسان كان يمكن أن يتكون بمقدار هذهِ البشرية عدد آخر من أفراد الإنسان, وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ان في هؤلاء البشرـ يعني في هؤلاء الأولاد ـ أشخاصاً ورجالاً واناساً من قبيل النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار ومن قبيل الأنبياء الذين كان لهم الدور العظيم في حياة البشرية حينئذ يمكن أن نفهم ان الجريمة التي ترتكب بقتل إنسان واحد لا ينبغي على أنه إنسان له فترة معينة من الزمن أو دور معين, فشيث (عليه السلام) أبو البشر كان له دور معين وفترة معينة من الزمن وتكامل هذا الدور مع استمرار نسله بأولاده. طبيعي هذا المفهوم يُعمم على كل أفراد البشرية فعندما يَقتُلُ شخصُ شخصاً آخر أو يقتل إنسانا آخر يمكن أن يُفهم إن هذا القتل في الواقع ليس قتلاً لهذا الإنسان ذي العمر المحدود وذي الدور المحدد بل هو قتل له ولمن يمكن ان يتوالد بعده, ففي الواقع نحن لا نعلم الغيب ولا يمكن أن نفهم الغيب في هؤلاء الأولاد وفي هؤلاء الذرية. وهنا لو لم يرتكب الأمويون المجرمون الملعونون جريمة قتل الحسين (عليه السلام) وأولاده في كربلاء, أو لو أردنا ان نحسب التاريخ نجد ان ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت من البقية التي بقيت بعد مذبحة كربلاء, هي من الحسن المثنى الذي كان جريحاً وتوالد منه الحسنيون ومن الإمام زين العابدين علي بن الحسين(6) والذي انحصرت ذرية الحسين (عليه السلام) فيه, ومن بعض الأطفال الذين بقوا, فقد كان هذا الميراث العظيم لذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي كان لهم دور عظيم جدا في تاريخ البشرية وهدايتها(7) فلو كان كل اولئك الذين كانوا في كربلاء باقين على وجه الأرض وتوالدوا وكانت لهم ذرية وكان لهم نشاط وعمل وهداية, لكان من الممكن ان نفترض ان هؤلاء سيحولون الدنيا كلها إلى دنيا هداية ودنيا تقوى ودنيا استقامة وعدالة, باعتبار ان من بقي من تلك المعركة كان لهم هذا الدور العظيم في تاريخ الإنسانية وفي تاريخ البشرية فكيف بالآخرين الذين هم أضعاف مضاعفة إذا ما قسناهم مع العدو وإمكاناتهم العظيمة و الهائلة.(8) ولهذا المفهوم أخذٌ ورد, وقد يكون هو المنظور إليه في الآية الكريمة, والله سبحانه وتعالى اعلم بذلك, لكنه ومن خلال المقارنة بين ذكر المثل المتمثلة بأبنَّـي آدم, وهذا القتل الذي أدى إلى حرمان البشرية من هذا العمود في سلسلة الذرية لهابيل (عليه السلام) بما فيها قتل الإنسان بهذا المنظار, لا أن ننظر لهذا الإنسان بأنه إنسان له دور محدود في الحياة ومع مقتله ينتهي هذا العمر وهذا الدور وعليه لابد من ان نأخذ بنظر الاعتبار ما يمكن ان يؤديه هذا الإنسان في الحياة الإنسانية باستخلافه للذرية واصل تكونه وذلك عندما حمله الله سبحانه وتعالى مهمة الخلافة في الأرض: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(9) فمن أجل ان يقوم بهذا الدور العظيم في حياته مع عمره المحدود وبدوره المحدد, فآدم (عليه السلام) لم يتمكن من أن يقوم بهذا الدور بمقدار أيامه التي عاشها بل تمكن من القيام بهذا الدور بأولاده وببنيه وبذريته: (جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْض)(10) فهي نظرية استخلاف وتوارث وتوالد, وهي حالة طبيعية في شخصية الإنسان, وبهذا نصل لفداحة الجريمة وارتفاع قيمتها المادية والمعنوية والتاريخية والإنسانية. 1) هذا بالمعنى الحقيقي, ولا يعني ألبته بالمعنى المجازي أو بالواسطة ( الله يتوفى الأنفس, وهو يحيي ويميت)... الخ من المعاني التكوينية كالرزق والقيومية... 2 ) عن ابن مسلم (( سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل من قتل نفسا بغير نفس الآية فقال: له مقعد لو قتل الناس جميعا لم يرد إلا ذلك المقعد)).. وفي حديث آخر عنه أيضاً (عليه السلام) أيضا قلت له: (كيف كأنما قتل الناس جميعا وإنما قتل واحدا ؟ فقال : يوضع في موضع من جهنم إليه ينتهي شدة عذاب أهلها، لو قتل الناس جميعا لكان إنما يدخل ذلك المكان، قلت: فانه قتل آخر، قال: يضاعف عليه)). ونحوه خبر حنان بن سدير عن الصادق (عليه السلام) في تفسيرها أيضا قال: (( هو وادٍ في جهنم لو قتل الناس جميعا كان فيه، ولو قتل نفسا واحدة كان فيه)). 4) ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ * إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة:32 ـ 33. 5) من المعلوم أن آدم (عليه السلام) قد أوصى إلى شيث (هبة الله) (عليه السلام) كتاب الانتصار ص 131 كما وأن عمره قد ناهز الـ 912 عام وهذا العمر كفيل لان يتوالد له سلالة من النسل خصوصاً إذا ما عرفنا أن آدم (عليه السلام) كان له أبناء معدودين, كما وأنزل على سيدنا شيث صحفاً ـ فروي أنه كان له 60 أو 50 صحيفة ـ وقيل أربع كتب وهذا دليل على أنه كان رسول لأولاده, وفي رواية عن أنس أنه قال: فقلت: يا رسول الله ، علي أخوك؟ قال: نعم، علي أخي، فقلت يا رسول الله، صف لي كيف علي أخوك؟ قال: إن الله سبحانه وتعالى خلق ماء تحت العرش قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام، وأسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه إلى أن خلق آدم، فلما أن خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه في صلب آدم إلى أن قبضه الله، ثم نقله إلى صلب شيث، فلم يزل ذلك الماء ينتقل من ظهر إلى ظهر حتى صار في صلب عبد المطلب، ثم شقه الله ( عز وجل بنصفين، فصار نصفه في أبي عبد الله بن عبد المطلب، ونصف في أبي طالب، فأنا من نصف الماء وعلي بن النصف الآخر... الخ الحديث) الأمالي- الشيخ الطوسي ص 313 ومن الواضح من هذه الرواية التي وردت بألسنة عدة وأماكن متعددة أن فيها من الدلالة على أن نسل آدم (عليه السلام) أنحصر في شيث (عليه السلام) إذ أن قابيل قد حرم من النسل بعد أن أرتكب خطيئة قتل أخيه هابيل, وفي رواية أخرى هي أكثر وضوحاً من الأولى إذ جاء في كتاب- مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب ج3 ص 332: وسأله (عليه السلام) طاووس اليماني: متى هلك ثلث الناس؟ فقال: يا أبا عبد الرحمن لم يمت ثلث الناس قط يا شيخ أردت أن تقول: متى هلك ربع الناس؟ وذلك يوم قتل قابيل هابيل كانوا أربعة آدم وحواء وهابيل وقابيل فهلك ربعهم. قال: فأيهما كان أبا للناس القاتل أو المقتول؟ قال لا واحد منهما أبوهم شيث. 6) نظرية أصالة الفطرة الخيرة أو بعبارة عصرية (التوارث الجيني التأريخي للسلف السابق).. أما إقرار القتل لا يكون إلا لحالة المرضية شاذة لا علاج لها إلا باجتثاثها, وهذا ما فعله الإسلام. وفي هذا الصدد يمكن أن نذكر خلاصة بحوث أجريت في علم (الجينوم) وبالذات في شبكة الجينات البشرية وبنحو أخص في سلالة ألـ DNA & RMA والتي تتلخص في إمكانية نقل الصفات الوراثية على المستوى الخَلقي والخُلقي وعليه تشتد وطأة وفجاعة الجريمة فيما لو أُنتهكت حياة شخص, وهكذا تشتد الحاجة والضرورة لمكافحة وإجتثاث العناصر المريضة والسقيمة. 7) أي هؤلاء الثلاثة أو الأربعة الذين بقوا من مقتلة كربلاء . 8) هذا ولا ننسى فجاعة جريمة طاغية العصور في عراق المقدسات والعلم وما قام به من قتل ودمار لعلماء وقدّيسين ومفكرين بل وعلى مستوى إبادة عائلية, كما حصل مع أسر عراقية عريقة كأسرة آل الحكيم (رحمهم الله جميعاً) وعليه يمكن أن نتصور تلك الجريمة التي ستأخذ مجراها على مدى العصور. 10 ) الأنعام:165 وفي هذا الصدد ورد في قوله تعالى أيضاًَ: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) يونس :14 (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إلاَّ خَسَاراً) فاطر:39.
قد يقال ان القتل هو عبارة عن إنهاء حياة هذا الإنسان في هذه الدنيا. بيد انه للإنسان حياته الأبدية والمتمثلة في الحياة الآخرة فالحياة الحقيقية للإنسان هي الحياة الآخرة لا الحياة الدنيا, وهنا ترد إشكالية تدعو لأهمية القتل مع ان القتل هو عبارة: عن إنهاء حياة الغير,والتي يعبر عنها القرآن الكريم بأنها: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (1) فإنهاء حياة الإنسان على محدوديتها, سينقل هذا الإنسان إلى حياة أخرى حياة أبدية, ومثل هذا العمل قد يعني عندما ينظر إليه بهذا الشكل انه قد يصبح عملا مجيدا لأن هذا إنهاء للعب وللهو, فإخراج الإنسان من هذه الحياة القصيرة بلعبها ولهوها إنما هو سير نحو المجد, وعليه ستكون هذه العملية عملية صحيحة ومناسبة.. فلماذا إذاً يُعطى للقتل عنوان الجريمة؟! من الواضح في كل المفاهيم والمثل التي عرفتها البشرية سواء أكانت من خلال الأديان أم من غيرها, ان القتل يعتبر جريمة وعدوان على وجود هذا الإنسان, فإذا أردنا أن نجمع بين هذين المفهومين, ان هذه الحياة هي حياة لعب ولهو ويكون القتل فيها تخليصا لهذا الإنسان من حياة اللهو واللعب والآلام, ومفهوم( ان هذا القتل جريمة كبيرة من الجرائم في نظر الإسلام وفي نظر كل الأديان وفي نظر الوجدان البشري, أي في فطرة الإنسان). فلا بد لنا من ان ننظر إلى ان مهمة الإنسان على وجه الأرض ليست عبثاً وإنما كانت هناك مهمة وغاية وهدف من وراء خلقه(2) فلا بد من الحفاظ على هذه المهمة وعلى هذا الهدف وعلى هذه الغاية, التي خلق من أجلها الإنسان. فهو خليفة الله في الأرض: أي هو المجسد للفعل الإلهي, والقدرة الإلهية, والرحمة الإلهية, والعطف الإلهي, في الوجود, ومن خلال وجود الإنسان تتجسد تلك الإرادة, وتتجسد معه المعارف الإلهية, وبالتالي خلافة الله بما لها من صفات الكمال. فالباري عز وجل لابد له من ان يجسد كل هذه الصفات في سلوكه وفي مسيرته في هذه الأرض وهذا ما يقتضي وجود الإنسان: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(3) فهو المعبر عن خلافة الله وصفاته, فعندما نتصور شخصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو شخصية الأنبياء أو بشكل أوسع العباد الصالحين, الذين وجدوا على هذه الأرض, نجد في سلوكهم, وفي مسيرتهم, وفي أعمالهم, وفي أخلاقهم, و في نشاطاتهم؛ هدفاً لوجود الإنسان في هذه الأرض, وعليه سيكون القتل ناسفاً لهذه الأهداف ومناقضاً لها, وذلك لأن قتل الإنسان يلغي قدرته في هذه الحياة على تجسيد هذه المعاني, ومن هنا يصبح القتل جريمة, باعتبار ان القاتل يناقض الغاية والهدف الذي وجد من أجله, فيصبح القتل حينئذ جريمة بشعة, والحياة إنما هي وسيلة للوصول إلى ذلك الهدف السامي, ووجوده في عالم الآخرة يتعارض ووجوده في هذه الحياة وتلك الغاية القصوى ومع ذلك الهدف الأقصى. . لكنه أحياناً يكون إنهاء الإنسان أفضل وأهم, وعليه يصبح القتل ليس بجريمة, وربما يتحول هذا القتل في منظور الإسلام وفي منظور الدين إلى عمل صالح فيحث الدين الإنسان على الأقدام عليه.(4) هذا الشيء الذي نعبر عنه أحيانا بالشهادة أو ما يقوم به المؤمنون من قتل الآخرين في كثير من الأحيان, فالحياة الدنيا هي هدف وغاية ومبررات. هذا الفهم الكلي لخلفية القتل ينظر له أحيانا بانه جريمة وأخرى بأنه عمل صالح أما الأساس هو إن الإنسان خليفة الله في الأرض, وحينها يصبح قتله بأي درجة من الدرجات جريمة. 2) إن الله قد جعل خليفته على الأرض, ألا وهو الإنسان (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) الأحزاب:72. ومع غض النظر عن كون الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي أوجده الله ليعبده بكامل عقله وبقرارة نفسهِ وبمحض إرادته ـ بعكس الملائكة مثلاً والتي هي خُلقت بنحوٍ آلي لعبادة الله عز وجل ـ والإنسان هو المُجسد للصفات والأفعال للخُلق الإلهي, وهذا ما نجده واضحاً لدى الأولياء والصالحين والأنبياء والرسل والتي تتجسد عياناً وبشده في الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل بيت العصمة والطهارة. 4) في أنه يجسد ... الأخلاق الإلهية والصفات الإلهية (صفاة الله عز وجل) وفي ( كونه خليفة على الأرض).. ومن ناحية أخرى قد يصبح الإنسان مجرماً عابثاً بتلك القيم الإلهية ومقدراتها, طبعاً مع كونه قد أقترف جرماً لا يكون علاجه إلا بالقتل كما في( القاتل, والزاني, والمشرك بالله) وبقتله سترفع إحدى موانع هذه المسيرة الخلاقة.
من خلال ما مر علينا سابقاً, نجد إنه عندما يصبح وجود الفرد معرقلاً لوصول الإنسانية إلى درجات الكمال في الحياة الأخرى بوجوده الفردي أو بوجوده في المجتمع, فحينئذٍ يصبح القتل بالنسبة إليه عملاً صالحاً. وعليه ستكون للقتل صفتين أو طريقتين: * طريقة يستخدم بها القتل كتعبير عن الصفات الذميمة في الإنسان, كصفة الحسد والتسلط إذ أن القرآن الكريم يستعرض وجوه وأشكال من القتل الذي أستخدم في التاريخ البشري, إبتداءاً من أول حادثة, وهي التي وقعت بين أبني آدم والحسد الذي كان يعيش في قلب قابيل.. * وأخرى نجد فيها أن القتل أداة يتمسك بها الطغاة من أجل فرض الهيمنة والسيطرة على الناس. والحال أن الأنبياء يتعرضون إلى القتل, لأجل الهيمنة والسيطرة من قبل طغاة عصورهم, ففي القرآن الكريم نجد أن قصة فرعون تتكرر كثيراً, حيث أن فرعون كان يهدد الإسرائيليين والمؤمنين بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم.. كما ويعتب القرآن الكريم كثيراً على الإسرائيليين إذ أنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق كأسلوب لفرض هيمنة النمرود وأصنامه, فعندما قام إبراهيم (عليه السلام) في المواجهة أخذ بطرح قضية الوحدانية في وجه النمرود وأصنامه, إلا أن الجواب كان: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(1) يعني اقتلوا هذا الإنسان وأحرقوه. طبيعي أن هذا الاسلوب قد واكب كل البشرية وحتى يومنا الحاضر, فالطغاة يتجهون بهذا المنحى لفرض الهيمنة والسيطرة على الناس.(2) أما الخط الآخر ـ أي ـ خط الصلاح, وخط الإيمان؛ وخط العقيدة بالله سبحانه وتعالى وخط الإرتباط بالمثل والقيم يعتبر القتل كأداة وأسلوب في مواجهه الطغاة, فهو عامل لردع الفساد في المجتمع.(3) والمركب القرآني يصف القتل: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(4) فلمفهوم القتال جنبة خير للناس وللبشرية, ومن خلال الأخيرة تُسن شريعة الجهاد( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)(5) ليفسر هذه العملية بقوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(6). فلقضية الدفع بالقتل خلفية تُعنى بضرورة اتخاذ هذا الأسلوب, ولولا اتخاذ هذا الإجراء وسن هذه الشريعة لكان الحكم للطغاة ولما بقي ذكر الله بل وكل الأماكن والمراكز التي يمكن ان يذكر فيها أسمهُ عز وجل لتعرضت للتهديم ولما أمكن ان يبقى شئ منها.
2) باعتبار أن هذا الأسلوب يناقض الهدف الكلي الذي خلق من أجله الإنسان ـ المؤلف ـ وهو الوصول إلى الكمال الإلهي أو الإنساني لا فرق المهم أن الطغاة وصنميتهم تتعارض وتتناقض مع هذه الكمالات فيصبح الطبيعي في سلوكهم الدمار والقتل. 3) في الحقيقة أن هذا الفهم كان وما يزال عاملاً مهماً لمواجهة الانحراف مع وصوله للذروة, فباستنفاذ كل الوسائل والطرق للعمل السلمي من خلال العمل الهدايتي الإلهي ونطاق المعارف الدينية وصولاً للطرق المدنية الإنسانية.. نصل إلى قرار الكي, ولم يكن هذا حكراً على دين دون آخر فكل آليات العمل الديني والاجتماعي آلَةْ لهذه النظرية القرآنية وعلى امتداد الخط البشر على وجه الأرض (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) البقرة: 216. |
|
|
|||