![]() |
|
بسم الله الرحمن الرحيم شذرات من اقوال الشهيد الحكيم (قدس سره) نحن مسؤولون أمام الله في أن ندافع عن حقوق الآخرين، فقد دافعنا عن حقوق الأكراد وأكثريتهم الساحقة من أهل السنة... دافعنا عنهم لأنهم ظلموا، والإمام الحكيم في هذا الصحن ومن هذا الموقع ألقى خطاباً يدافع فيه عن الأكراد، وفي صحن الحسين (عليه السلام) عقد مؤتمراً دافع فيه عن الأكراد وهم من أهل السنة، لأنهم تعرضوا الى الظلم. أن الكثير من العناصر ـ أزلام النظام السابق ـ لا زالت موجودة في مواقع حساسة في الدولة ... فلابد أن يتم التعامل بحزم مع هذه العناصر، لأن هذا هو في الحقيقة يمثل الجهة التي تقف وراء هذه التفجيرات ووراء كل العمليات التخريبية التي شهدها العراق. علينا جميعاً أن تتكاتف أيدينا لنبني عراقاًً واحداً نشترك فيه جميعاً, وتتحقق فيه حقوق الجميع ولا يكون عراقاً دكتاتورياً أو طائفياً أو عنصرياً. نحن لا نؤمن بالنظام الطائفي ونعتقد بأن الوزارات يجب أن تُمَثِل كل أطيافنا, ونأخذ في هذه المرحلة على أقل تقدير المصالح العامة للشعب العراقي والقضايا العامة. حركة الإمام الحسين تمثل حالة تغييرية تجاه الصلاح وباتجاه إحقاق الحق.
بين نظريتين, إحداهما اكتنفت واقع سلفي قبلي راديكالي, يلتقط أنفاسه بأريحية عالية وهو يجالس الدماء, وينتشي فرحاً بملاعبة الأشلاء, ويزداد فخراً بانتشار الدمار.. الغريب في هذا, إن صيحاتهُ تكبير لله, وموائدهُ مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم), وبغض النظر عن خلفياته اليهودية وكابوناته( الدفترية), ننتقل بطرفنا لآخر أختصر الدنيا بزهرة, ولم تعجبهُ رؤية الدماء, وجعل أُسس قانونه منح الحياة (… ليزيد, والحجاج, وهتلر, وموسوليني, وشارون, وصدام..) كُل ذلك تحت إطار الحضارة الجديدة ومع حقوق الإنسان لكنه نسيَ ان لتلك الزهرة الجميلة أشواكاً ونسيَ أيضاً أنها قد تكون سامة, بل ومدمرة للنظام البيئي, فبدلاً من أن يقلعها لكي توازن النظام البيئي لتدوم الحياة للآخرين, أخذ يسقيها لتنمو أكثر. من هنا آلت الحاجة لنظام يتفهم الحياة بأدق صورها ويعالج الأمور بأسوء لحظاتها. محاضرات آية الله العظمى السيد المفكر محمد باقر الحكيم (قدس سره) شهيد الإنسانية أعطت البعد الحقيقي لخطورة هذهِ المسألة ووضعت كل شيء في محله وأثبتت أن الفكر الإسلامي الأصيل هو الحل الأمثل لعالم ضاع عليه الحابل بالنابل. من هنا كان من اللازم أن تُنار العتمة وتعبد السُبل أمام ذلك الشاب المتخبط ولتزداد معه يقينية المتشكك, وما نضعهُ بين يدي القارئ العزيز ليس هو إلا خطوة تجاه: طريق, ورحلة, ومشروع, ليأخذ مشربهُ من هذا النبع الصافي. فهنا رحلة القرآن والتاريخ فللتأريخ حقه وعِبرته وحجيّته, كما ولجدلية التشكيك واليقين محلها للارتقاء بسلم العلم الواقعي والتكليف الموضعي تجاه أي حالة من حالات الحوادث الإنسانية, ولفلسفة الواقع الحي لهكذا مسألة حيوية ترتبط بسير هرمي يبدأ بالفرد والمجتمع وصولاً إلى الحضارة. نعم إنها رحلة الكمال. هذا وقد أوكلت دائرة الثقافة في مؤسسة تراث الشهيد الحكيم (قدس سره) الأخ الفاضل نصير سامي الحسناوي مشكوراً, بتقويم وإخراج وتحقيق المحاضرات.
مؤسسة تراث الشهيد الحكيم (قدس سره)
(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (1) يمكن أن نعرف أهمية النظرية الإسلامية تجاه قتل النفس ـ التي حرم الله ـ من خلال المقارنة بين صفات: (القتل, الشرك, الزنا) وذلك على غرار هذه الآية الشريفة, فهي تجعل تلك الصفات على حدٍ وفي مستوىً واحد.. فجمعت الآية الكريمة هذه الصفات بعنوان ان عباد الرحمن يبتعدون عن هذه الصفات ولا يتصفون بها. أما القتل وما يحملهُ من معاني ذميمة سيتخذ منحاً آخر في المركب القرآني, ومن اجل أن نتبين الفهم العام له, ولهذه العملية أو هذا العمل, سنجد أن القتل بما هو قتل ليس بعمل مشين ولا جريمة ولا جريرة.(2) الأمر الذي يعبر عن القتل بأنهُ عملٌ لا يحكم بمذموميتهِ بل بلحاظ خلفياته ودوافعه, أي بلحاظ تلك الصفات الذميمة التي يتصف بها الإنسان, والتي يصبح القتل فيها مجسدا ومعبرا لها, فالحسد, قد يكون أحيانا أحد الدوافع المهمة للقتل ولعله هو أول الدوافع التي عرفتها البشرية في قضية القتل, كما أن للطغيان وحب التسلط والهيمنة دافعاً مهماً وكبيراً لحصول القتل وتحققه. بيد أنه قد يُعبر عن القتل بأنه صفة حميدة, طبعاً هذا مع لحاظ دوافعه, فقد يعبر عن القتل بأنه صفة حميدة وذلك باعتبار صحة دوافعه, وهنا يشير القرآن الكريم في هذه الآية وفي آيات أخرى(3) إلى هذه النكتة إذ يقول: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ) فيفترض أن يكون هذا القتل منصباً على نفس قد حرمها الله, فإن لم يكن قد حرمها الله, فلا يكون مشمولا لهذا النوع من الاستنكار, كما وليست هناك ضرورة للتجنب منه, الأمر الذي يصنف عملية القتل إلى صنفين: قتل بالحق, وقتل بغير حق أي القتل الذي يعبر عن الظلم والانحراف في سلوك الإنسان وتصرفه. في الحقيقة إن القتل بشكل مطلق ليس هو ـ دائماًـ بأمر مستنكر في الإسلام, بل قد يكون فرضاً, فأحيانا نجد أن الإسلام يدعو إلى عملية القتل وإلى عملية القتال ويمجد أولئك الذين يَقتلون أو يُقتلون, ويبشرهم بالجنان وبالمراتب العالية.(4) 2) (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة:179وقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)البقرة:178 3) لاحظ المصدر السابق من الآيات الشريفة. 4) وذلك من خلال ضرورة التأكيد على حرمة قتل( النفس التي حرم الله), وعليه سيتضح لنا الأسلوب العملي والوجيه لمكافحة هكذا جرائم خطيرة فليست هناك ازدواجية أو طوبائية في التشريع الإسلامي, فهكذا جرائم تشخص في المعيار الفطري الإنساني بأنها خطيرة جداً, وبتركها أو التهاون معها سيخلق انحرافاً يصعب علاجه, ناهيك عن ما سيأتي لاحقاً من أضرار بتكوين المجتمع بل وبكل السلالة التتابعية فيه, وعليه سنجد أن البحث المستقبلي سيصبح ممهداً في إطارين: أحدهما يُعنى بضرورة حصانة الفرد والنفس الإنسانية واعتبار الإضرار بها من أبشع الجرائم فهي ـ أي جريمة القتل ـ بغرار الشرك بالله وبغرار الزنا, أما الإطار الثاني هي تبيان الحدود الحمراء لمنتهكي تلك الحصانة وضرورة علاجها بالمثل واعتبار هذا العلاج هو جزء أساس لإعادة حزام الأمان لهذه الحصانة وبالتالي حصانة المجتمع عامة.
جريمة كبرى لو أردنا أن نرجع إلى القتل من الناحية التاريخية سنجد أن الإنسان في أول وجودهِ على وجه الأرض قد واجه هذه الجريمة وهذه العملية ـ عملية القتل، والقتل الذي يكون جريمة: هو الذي يكون بدوافع غير صحيحة(ذميمة, وخسيسة), كالحسد مثلا أو الطغيان أوالظلم. وهذا النوع من القتل وجدَ تقريبا مع أول وجود للإنسان على هذه الأرض, وعليه يمكن أن نعرف الأهمية التي يعطيها القرآن الكريم لهذه الجريمة ولهذا العمل لا باعتبار أنه عمل استثنائي أو قضية استثنائية تعيش في هامش وجود الإنسان أو حياته, وإنما هي قضية وجدت مع وجوده وبالتالي فهي قضية مركزية تعيش مع حياة الإنسان ومع وجوده. فمع قراءة الفهم العام للقتل الذي تحدثُّنا فيه الآيات الشريفة لقصة ابْنَيْ آدم (عليه السلام) في ان محور القتل كان بدافع الحسد (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)(1) إذ مع عدم القبول من أحدهما قد أرسى بقابيل في التفكير بقتل أخيه. فيذكر ان القاتل كان قابيل والمقتول هابيل, بمعنى إن الصالح منهما كان هابيل والطالح الذي لم يتقبل منه كان قابيل, كما ورد في الروايات(2) فهابيل هذا الإنسان الصالح, يقول: إن قضية القبول وعدم القبول ليس هو بأمر اختياري لي: أنا لم أعتدِ لم يصدر مني ظلم لك, فلو كان عدم قبول القربان بسببـي, أو باختياري, أو بفعل مني؛ لكان هذا تعبيراً عن نوع من أنواع العدوان مني, ليكون هذا القتل في الواقع رداً للعدوان, لكنه لم يكن بسببـي, فالله يتقبل من المتقين, وأنا كنت إنسانا متقياً وأنت لم تكن متقياً( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ ِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)(3). 2) - الكافي: للشيخ الكليني ج 8 ص 113: إن آدم ِ(عليه السلام) أمر هابيل وقابيل أن يقربا قربانا وكان هابيل صاحب غنم وكان قابيل صاحب زرع فقرب هابيل كبشا من أفاضل غنمه وقرب قابيل من زرعه ما لم ينق فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل وهو قول الله سبحانه وتعالى :(( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) المائدة:27 وكان القربان تأكله النار فعمد قابيل إلى النار فبنى لها بيتا وهو أول من بنى بيوت النار فقال: لأعبدَّن هذه النار حتى تتقبل مني قرباني، ثم إن إبليس لعنه الله أتاه - وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق – فقال له: يا قابيل قد تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانك وإنك إن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك ويقولون نحن أبناء الذي تقبل قربانه فاقتله كيلا يكون له عقب يفتخرون على عقبك فقتله.. وهكذا وردت الكثير من الروايات المستفيضة حول قتل قابيل لهابيل وهنا نورد مجموعة لتلك المصادر التي أوردت هذا الخبر: كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص 213،- شرح أصول الكافي ج11 - مولي محمد صالح المازندراني ص 354، - شرح أصول الكافي ج12 - مولي محمد صالح المازندراني ص 52، ص 57، - مستدرك الوسائل ج17 - الميرزا النوري ص 82، - الهداية الكبرى - الحسين بن حمدان الخصيبي ص 382، - سعد السعود - السيد ابن طاووس الحسني ص 37، - الصراط المستقيم ج2 - علي بن يونس العاملي ص 43، - مدينة المعاجز ج7 - السيد هاشم البحراني ص 664، - مدينة المعاجز ج8 - السيد هاشم البحراني ص 134، - بحار الأنوار ج6 ص 291، ج11 ص 43، ج108 ص 141... - مستدرك سفينة البحار ج8 - الشيخ علي النمازي ص 496، ... الخ من المصادر الإسلامية والتي تناهز الـ 88 مورداً حسب إحصائيات المعجم الفقهي الإصدار الثالث 1421هـ.
وللمفسرين حديث آخر في هذه الآيات الكريمة, فبعضهم يفسر هذه الآية بفرض أن موقف هابيل كان هو موقف الاستسلام للعدوان الذي أراد أن يمارسه قابيل تجاه هابيل عندما قال, قابيل: (أقتلك) يعني هدده بالقتل وكأن هابيل ـ حسب تفسير بعض المفسرين لهذه الآية ـ استسلم لهذا القتل وقال:( أنا اقف بين يديك مكتوف اليدين, لا ابسط يدي, لا أحرك يدي, فكأنه سلم نفسه للقتل, من أجل أن يحظى بالثواب والأجر. هؤلاء المفسرون القاصرون وبعض أولئك الذين كانوا يؤلون القرآن لأغراضهم السياسية الخاصة(1), لمحاولة إقعاد الناس وتثبيطهم في الوقوف إلى جانب الحق. فهذه التفسيرات تنص على إن التسليم للظالم والتسليم للقتل وللعدوان ـ الذي جسده هابيل في موقفه عندما سلم نفسه لقابيل حال تهديده بالقتل, وقال أنا أقف بين يديك مكتوف اليدين لا ابسط يدي في الدفاع عن نفسي, ولا في اتخاذ أي موقف ـ إنما هي تريد أن تخلق واقع زائف في تأريخ البشرية, وذلك من خلال هذا الموقف المكبل. طبيعي أن هذا التفسير هو تفسير قاصر, والصحيح هو أن هابيل قال لقابيل:( أنا لا أُبادر إلى قتلك, أنا لا ابسط يدي لقتلك) لا أنه كان مُسلِّمَاً له, بل كان بحالة دفاع عن نفسه وتوجد بعض الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) : إن قابيل اخذ يتحين الفرص بهابيل مدة طويلة من الزمن حتى تمكن من قتله في غفلة, وقتله غيلةً(2), الأمر الذي يدلل على ان هابيل لم يكن مستسلما بهذا المعنى من الاستسلام, ولكنه لم يكن مبادراً للظلم والقيام بعملية القتل( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ )(3) فهذا التفسير منسجم تماماً مع ما ورد في بعض الروايات من أن القَاتِل يذهب بذنبه وذنب المقَتُوْل(4), أي (ما ترك القاتل على المقتول من ذنب) كما وورد في بعض النصوص(5). وعليه يمكن أن يستقيم معنى الآية الشريفة ـ حسب الظاهر ـ من قوله تعالى: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (6) على ضرورة أن يتحمل القاتل أثمه كقاتل وأثم المقتول(7), فإذا كان لهابيل (عليه السلام) ذنب يُسَاْق به لان يكون من أصحاب النار لصار هذا الإثم من نصيب قابيل( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) (8). هذا وقد أكد جمهور المفسرين على أن الآية تتحدث عن قضية وقعت لأبني آدم... (هابيل وقابيل). كما وفي بعض الروايات ولدى بعض المفسرين اتجاه آخر, يفترض بأن هذه القضية لم تقع لأبني آدم وإنما وقعت في تاريخ متأخر من العصر البشري, على أي حال الشيء الذي يفهم بشكل واضح من هذه الآيات الكريمة إن هذه الحادثة سواء وقعت لأبني آدم, كما يقول جمهور المفسرين أم وقعت لغيرهما, لابد من أنها ـ حادثة القتل ـ وقعت في العصر الأول للإنسان, أو لمقطع من تاريخ الإنسانية باعتبار ان الإنسان كما يفهم من هذه الآية: لم يكن يعرف كيفية الدفن, فهذا يعني انها وقعت في ذاك العصر ـ العصر البدائي ـ الذي كان يعيش فيه الإنسان على البديهة, فلم تكن لديه أي تجارب, حتى على هذا المستوى, بحيث يتعلم من الغراب كيف يدفن أخاه(9) وهذا معناه: ان هذه القضية ـ قضية القتل ـ في الواقع عاصرها الإنسان منذ ذلك العهد, يعني منذ بداية وجوده على وجه الأرض. وإذا قلنا بما قاله جمهور المفسرين, ففي أول وجوده على وجه الأرض نجده؛ قد عاصر قضية القتل, مع الإيمان بضرورة مكافحة هذه الجريمة وإجتثاثها. 1) خصوصاً في العصر الأموي الأول ـ المؤلف 2) عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) وهو محمد بن على بن الحسين أنه قتله بحديدة في يده وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن عبد الله وعن ناس من أصحاب النبي َ(صلى الله عليه وآله وسلم) فطوعت له نفسه قتل أخيه فطلبه لقتله فراغ الغلام منه في رءوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات. من الملاحظ أن قابيل مر بمرحلة صراع مع النفس حتى أنه كان مرتبك في أجراء جريمته وذلك لأنه قد تفاجأ في سنوح هذه الفرصة وهي أن هابيل كان نائماً. وهنا نجد العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان في تفسير القران يورد هذا الرأي والأشكال بنوع من التسفيه على نظرية التسليم والانقياد للمجرم بقوله: وظاهرها أن قابيل إنما قتل هابيل غيلة من غير أن يمكنه من نفسه، كما هو المناسب للاعتبار، وقد تقدم في البيان المتقدم . واعلم: إن الذي ضبطته الروايات من اسم الابنين: هابيل وقابيل، والذي في التوراة الدائرة: هابيل وقابيل . ولا حجة في ذلك لانتهاء سند التوراة إلى واحد مجهول الحال مع ما هي عليه من التحريف الظاهر .. ـ حتى يصل إلى قوله:( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ...). وجه الاندفاع أنه، لم يقل: إني لا أدافع عن نفسي وأدعك وما تريد منى وإنما قال: لست أريد قتلك، ولم يُذكر في الآية أنه قتل ولم يدافع عن نفسه على علم منه بالأمر فلعله قتله غيلة أو قتله وهو يدافع أو يحترز. 3) المائدة:28 من خلال حوارية القرآن, نجد أن جواب هابيل لم يكن ذلك الشخص الضعيف ( غايته أنه مهذب ذو طابع روحاني عالي) إذ ليس كما يصور البعض أنه ضعيف, فهو يصور قابيل بأنه ظالم وآخرى بأنه من أصحاب النار... وكأن الأفق قد حوى من الكر والفر( المفهومي والخارجي).. 4) بل ولهذا التفسير انسجام تام مع هذا الكم الهائل من الإرث الإسلامي في كون الإقرار بالتحصن من الجريمة والمجرم ضرورة لابد منها ناهيك عن حكم العقلاء بذلك. 5) أدعى ابن كثير في كتابه - تفسير ابن كثير - ج 2 ص 46 : أن هذا الحديث لا أصل له(( ما ترك القاتل على المقتول من ذنب)) بيد أنه قد روى الحافظ أبو بكر البزار حديث يشبه هذا المضمون فقال: حدثنا عمرو بن علي حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني حدثنا يعقوب بن عبد الله حدثنا عتبة بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(( قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه)) وهكذا ورد الاتفاق على بعض الأحاديث كـ:( المقتول يطالب القاتل في العرصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته..) إذ أن هناك من الروايات الصحاح على هذا المضمون, ومع كل هذا لا نجد من يختلف مع المصنف (قدس سره) في هذا المضمون بإجماع عام. 7) وذلك لأنه ضيع عليه فرصة التوبة من ذنوبه فيما إذا استمر بالحياة, فباب التوبة كما هو معلوم مفتوح حتى اللحظات الأخيرة من حياة الإنسان, أما حيثية هذه الفرصة جاءت من أصالة كون الإنسان صالح السريرة مُحب للخير وما يكتنفهُ من ذنوب ليس هو إلا عارض قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) وهذا الحديث فيه من الأخبار المتواترة, كما ورد عن أبي الحسن (عليه السلام)، في قول الله تعالى:( فتحرير رقبة مؤمنة ) كيف تعرف المؤمنة؟ قال:(على الفطرة) تفسير العياشي ج1: ص263/ 220. 9) لابد من أن نستكشف من هذا المضمار؛ إن ثمة أخلاقيات تُلزم الإنسان, في الالتزام بعدم هتك حرمة المقتول, وإن كان قتله جاء عن حق, اما ما يحصل في العراق, من بشاعة التخريب وحال الجرائم التي يندى لها الجبين أمثال: الاختطاف وقطع الرؤوس وتفجير مقدرات وثروات العراق, وقتل الناس بالجملة؛ ليس هو إلا تعبير عن وصول هؤلاء المجرمين لقاع الانحطاط وقمة السقم الروحي والنفسي, فهؤلاء عجزوا عن حمل أخلاقية غراب, وارى نوعه التراب لكي لا يُفسد على الطبيعة منظرها.
ثمة نزوات موجودة في أعماق الإنسان وبانفلاتها وترك السيطرة عليها وتجاهل كبح جماحها سيوقع هذا المخلوق في مثل هذا المنحدر أو المُنـزلق, إذ في مثل هذه الجريمة وهذه التوجهات يمكن أن تُحصر بخلفيتين أو بدافعين: أولاً: خلفية الحسد(1) والتي هي في الواقع من الصفات التي تعتري الإنسان في وجدانه وضميره. ثانياً: خلفية حب الهيمنة والتسلط على الآخرين.. ولهذه النـزوة أو تلك عواقب تُرسل بالإنسان إلى مراحل خطيرة نهايتها القتل.. وهو الذي يدعو الإنسان من أجل فرض هذه الهيمنة وهذا التسلط وصولاً إلى القتل. وكلتا الصفتين في الواقع من الصفات التي تعيش مع الإنسان منذ بداية وجوده, كما ويحتاج إلى مواجهتها والسيطرة عليها.(2)
1) والتي مرت علينا في البحث السابق, جريمة رقم (1). 2) لم تكن صفة القتل بسبب الحسد إلا تعبيراً عن خلجات سقيمة, وحاجة الثأر بالنفس كما يعبر علماء النفس عن ذلك إذ إنها منتهى كل تلك الخلجات المريضة, أما النوع الآخر, ألا وهو حب التسلط والهيمنة ليس هو إلا تعبيراً عن صنمية النفس؛ وذلك من خلال جدليتها للحفاظ على السلطة والتسلط على الآخرين, طبيعي أنها توجهات تُسِيرها أسقام وأهواء نفسية ـ وبعبارة علمية يحركها العقل الباطن ـ لوجود حقارة أو دونية تجاه الآخرين, وخير مثال في عصرنا الحاضر: طاغية العراق البائد؛ صدام وزبانيته من حزب البعث الفاشي إذ نجد في حركتهم الإجرامية قاع الانحطاط وقمة الإجرام والتفنن في قتل الأبرياء وكل من يعارض أو يحاول أن يمس كيانهم ولو اقتضى ذلك محاربة كل المبادئ والقيم التي تنمي في الإنسان رفض الدكتاتورية, وبالفعل أنهم قاموا بمحاربة كل حالة تدين سواء على صعيد الدين الإسلامي أم بقية الديانات, بل ووصل الأمر لبرنامج منظم ومدروس لهدم الشخصية العراقية وكسر القيم والنبل التي ورثها من سلسة حضارية رائعة التتابع وبإشراف الهي؛ من خلال سلسلة الرسالات الالهية التي طالما نمت وانتشرت في مهد العراق... أما الغريب في كل ذلك هو عدم إقرار رأس النظام البائد على خطأ سيرته العفنة, وهذا ما يؤكد على تشبعه بكل الرذائل ومسخ إنسانيته حتى وصل الأمر به لانقلاب في مفاهيمه ومدركاته العقلية. |
|
|
|||