![]() |
|
عندما يثني القران الكريم على مجتمع المسلمين المتطور، نجده يضع الحب ـ الذي هو محتوى عنصر الولاء والنصرة السياسية ـ كعنصر أساسي فيه، فيقسم المجتمع إلى ثلاثة أقسام(1): القسم الأول: المهاجرون الذين أُخرجوا من ديارهم، كما عبرّ القرآن ( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )(2) القسم الثاني: جماعة الأنصار الذين تبوؤا الدار ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون )(3) حيث يتحدث القران عن العلاقة بينهم ـ وهذا محل الشاهد ــ فذكر أنهم يحبّون من هاجر إليهم، وهذا هو حال المجتمع الراقي الذي يتوسطه الحب والإيثار(4) . القسم الثالث: التابعون، قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا )(5). فهنا تحدث القرآن الكريم أيضا عن قضية الحب والمودة القائمة في النفس، سواء بتعبير الدعاء لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان أم برفع الغِل والبغض تجاههم. فإذاً علاقة المجتمع المثالي تتمحور في مسألة حبّ المؤمن للمؤمن . ولهذا نجد الروايات الشريفة ـ التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) ـ تضع الحب كحق من الحقوق الأساسية التي يجب أن يلتزم بها الإنسان المؤمن تجاه أخيه المؤمن، فأحيانا الأئمة يعبرّون عنه بأنه أول الحقوق، وأخرى أنه أعظم الحقوق، بل في بعض الأحيان يتوقفون عن بيان حقوق المؤمنين لخوفهم عليهم من شدّة ثقل الالتزامات الموجودة بها، لكن مع إصرار أصحابهم يبينونها لهم. فقد روى الكليني رضوان الله تعالى عليه، عن أبى عبد الله الصادق? قال: ((قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ست خصال من كن فيه كان بين يدي الله عز وجل وعن يمين الله. فقال ابن أبي يعفور: وما هنّ جعلت فداك ؟ قال: يحب المرء المسلم لأخيه ما يحب لأعز أهله ويكره المرء المسلم لأخيه ما يكره لأعز أهله))(6). وفي رواية أخرى عن المعلى عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال:(( قلت له ما حق المسلم على المسلم ؟ قال: له سبعة حقوق واجبات، ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب . قلت له: جعلت فداك وما هي؟ قال: يا معلى أني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل قلت: قلت له لا قوة إلا بالله قال: أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك))(7) . ويروي الصدوق رضوان الله عليه في المجالس، عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) انه قال: ((أحب أخاك المسلم وأحب له ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لنفسك ...))(8)، وهذا الحديث يشبه في بعض خصوصياته الحديث السابق، وفي رواية محمد بن مسلم قال((أتاني رجل من أهل الجبل، فدخلت معه على أبي عبد الله(عليه السلام). فقال له عند الوداع : أوصني. فقال (عليه السلام) : أوصيك بتقوى الله، وبرّ أخيك المسلم وأحب له ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لنفسك)) (9)، ويروي البرقي رضوان الله عليه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: ((ست خصال من كن فيه كان بين يدي الله وعن يمينه: أن الله يحب المرء المسلم الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه))(10) . أما اجر هذه المحبة فهي الجنة، فقد روى الكليني رضوان الله تعالى عليه، قال: ((جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يريد بعض غزواته فأخذ بغرز راحلته، فقال: يا رسول الله علمني عملا ادخل به الجنة. فقال : ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم وما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم))(11)، وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال:((أوحى الله عزوجل إلى آدم (عليه السلام) إني سأجمع لك الكلام في أربع كلمات. قال: يا رب وما هنَّ؟ قال: واحدة لي وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين الناس. قال: يا رب بينهن لي حتى أعلمهن . قال: أما التي لي فتعبدني، لا تشرك بي شيئا، و أما التي لك فأجزيك بعملك أحوج ما تكون إليه، و أما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعليّ الإجابة، و أما التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك))(12)، فالرواية تقول كما أن أساس علاقة الإنسان مع الله تعالى مبنية على التوحيد، فان أساس العلاقة بين المؤمنين مبنية على أن يحبّ المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه. 1) القرآن الكريم عندما يتحدث عن عناصر المجتمع الإسلامي الثلاثة والعلاقة الموجودة بينها نجده يضع الحب كأمر أساسي فيها. (منه (قدس سرة)). 4) أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة الحميدة عندما تحدث عن جماعات المسلمين، وصنفهم إلى الأصناف الثلاثة، فوصف الأنصار الذين تبوأوا الدار ـ وهي المدينة ـ قبل المهاجرين بهذه الصفة الحميدة، وهي الإيثار، وهذه الصفة وان كانت من صفات الكمال الإنساني، إلا أن لها تأثيراً خاصاً بالعمل التغييري، حيث يُشعر ذكر القرآن لها في صراط الحركة التغييرية الاجتماعية التي كان يشهدها المجتمع الإسلامي بأهميتها وخصوصيتها، فان هذا الإيثار له تأثير كبير في الآخرين، واستجابتهم للعملية التغييرية. (منه (قدس سرة)). 6 ونظراً لأهمية مضامين الرواية الشريفة نورد نصها: عن عيسى بن أبي منصور قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وابن أبي يعفور، وعبد الله بن طلحة فقال: ابتداء منه يا ابن أبي يعفور، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ست خصال من كن فيه كان بين يدي الله عز وجل وعن يمين الله فقال ابن أبي يعفور: وما هن جعلت فداك؟ قال: يحب المرء المسلم لاخيه ما يحب لاعز أهله ، ويكره المرء المسلم لاخيه ما يكره لاعز أهله، ويناصحه الولاية، فبكى ابن أبي يعفور، وقال: كيف يناصحه الولاية؟ قال: يا ابن أبي يعفور إذا كان منه بتلك المنزلة بثه همه ففرح لفرحه إن هو فرح وحزن لحزنه إن هو حزن وإن كان عنده ما يفرج عنه فرج عنه وإلا دعا الله له، قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ثلاث لكم وثلاث لنا أن تعرفوا فضلنا وأن تطؤوا عقبنا وأن تنتظروا عاقبتنا، فمن كان هكذا كان بين يدي الله عز وجل فيستضيئ بنورهم من هو أسفل منهم وأما الذين عن يمين الله فلو أنهم يراهم من دونهم لم يهنئهم العيش مما يرون من فضلهم، فقال ابن أبي يعفور: وما لهم لا يرون وهم عن يمين الله؟ فقال: يا ابن أبي يعفور إنهم محجوبون بنور الله، أما بلغك الحديث أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: إن لله خلقا عن يمين العرش بين يدي الله وعن يمين الله وجوههم أبيض من الثلج وأضوء من الشمس الضاحية، يسأل السائل ما هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء الذين تحابوا في جلال الله. أصول الكافي: 2 :172. 7) ونظراً لأهمية الرواية نورد نصها لتعم الفائدة: عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما حق المسلم على المسلم؟ قال له؟ سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب. قلت له: جعلت فداك وماهي؟ قال: يا معلى إني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل. قال: قلت له: لا قوة إلا بالله. قال: أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك وتكرة له ما تكره لنفسك، والحق الثاني أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره، والحق الثالث أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك، والحق الرابع أن تكون عينه ودليله ومرآته، والحق الخامس (أن) لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى، والحق السادس أن يكون لك خادم وليس لاخيك خادم فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه ويصنع طعامه ويمهد فراشه، والحق السابق أن تبر قسمه وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته، وإذا علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه أن يسألكها ولكن تبادره مبادرة، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك.الكافي: 2: 169. 8) يرويه صاحب الوسائل عن المجالس في باب وجوب أداء حق المؤمن وجملة من الحقوق :8 : 548 :ح19.
تمثل النفس الإنسانية المحور الأساس في مجمل النظرية الإسلامية، سواء في ما يتعلق بمسيرة التكامل الفردي أم الجماعي للإنسان، بل هي الأساس فيما يرتبط بمجمل الخيرات والبركات التي يمكن أن تنزل من السماء، وتخرج من الأرض، قال تعالى ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ…)(1)، كما أنها محور التغيير الاجتماعي(…إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(2)، ومن هنا تناول القران الكريم هذا الموضوع بشكل واسع، وهناك آيات قرآنية كثيرة أشارت إلى النفس، وما يعتريها من قضايا، ولهذا الموضوع ارتباط بموضوع اجتماعي آخر، وهو (حبّ الذات)، حيث انه تعالى أودع في الإنسان غريزة حبّه لذاته، كما أودعه غريزة الأكل والشرب وحبّ المال والجاه، ولكن غريزة حبّ الذات تعتبر الغريزة الأصلية والأساسية لهذه الغرائز، ولذا عندما حاول الإسلام علاج مختلف القضايا اخذ بنظر الاعتبار وجودها واعتبارها حقيقة قائمة في الإنسان ــ لان الإسلام دين الفطرة، فلا يمكن أن يتجاوز ما فطر الله تعالى عليه الإنسان(3) - فجعل القرآن الكريم تكامل الإنسان متعلقا في حركته بهذه الغريزة، وربط كل أوامره ونواهيه بها، من قبيل قوله تعالى ( مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ… )(4) فالهداية عندما تكون مطلوبة من الإنسان يفترض القران أنها ترجع لنفسه ولصالحه، وكذا العكس (…وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا…)(5) فالضلال الذي هو شيء سيئ ومكروه ينعكس على النفس، والقرآن في موارد كثيرة يطرح النظرية بهذه الصورة، قال تعالى (…وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ...)(6) وقوله (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِه…)(7) وقوله (…وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ...) (8) وقوله (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا…)(9) وقوله (وَمَن يَكْسِبْ إِثْم فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ… )(10) وقوله ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا… ) (11) وهكذا ( …وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء )(12) و(… فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِه... )(13) و(…وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(14)، وهناك العشرات من الآيات جاءت بهذه الصياغة، وبصياغات أخرى تؤكد هذه الحقيقة(15). 3) هذا الموضوع من المواضيع التي تناولها الشهيد الصدر(قدس سرة) في كتابه(فلسفتنا)، وذلك في البحث الأول من التمهيد، حيث بين دور هذه الغريزة في مجمل حياة الإنسان، (منه(قدس سرة)). 15) وهي أن مجمل الحركة التكاملية للإنسان، والأوامر والنواهي التي أمر بها أو نهى عنها الإسلام إنما تصب في مسألة حب الذات، (منه (قدس سرة)).
وحينما نأتي إلى مسالة أنصاف الناس من النفس ــ و الذي يعود نفعها إلى النفس ذاتها ــ نراها ترتبط بحب الانسان لذاته، لان الإنسان عندما ينصف الناس من نفسه يعبِّر بطريقة عقلائية ــ أي قضية ترتبط بمدركات العقل وبالمدركات الحقيقية للمصالح والمفاسد ــ عن حبّه لذاته، صحيح قد يشعر المرء ــ في بادئ الأمرــ انه قد تضرر من هذا الإنصاف، لأنه أعطى شيئاً للناس على حساب نفسه، لكن مع الرجوع إلى المفاهيم القرآنية نجد أن الأمر منعكس تماما، وفي القران الكريم أُشير إلى مبدأ الإنصاف من النفس، قال تعالى ( …كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُم...ْ )(1) فعلى الإنسان أن يتعامل تعاملاً صحيحاً عادلاً مع الأشياء، وحتى مع نفسه لأنه - أحيانا - يزكي نفسه، و يراها أكثر من واقعها فيعطيها شيئا من صفات الطهارة، وصفات النمو، والزكاة ــ على ما هو معنى الزكاة ــ مع أنها ليست بهذا المستوى من الكمال(2). وقد حث أهل البيت (عليهم السلام) في أحاديث كثيرة على الإنصاف، بحيث لو أردنا قراءتها قراءة فقهية لاستنتجنا منها الاستحباب، وان كان صاحب الوسائل(رضوان الله تعالى عليه) عنونها بعنوان باب وجوب إنصاف الناس ولو من النفس ــ ومنه نفهم أن للإنصاف من النفس مستويان(3): المستوى الأول: يرتبط بالأمور الإلزامية، سواء كانت واجبة أم محرمة، فهنا يجب الإنصاف من النفس، ويحرم على المسلم أن يكون ظالما مع الآخرين. المستوى الثاني: لا يكون فيه ظلم للآخرين، وإنما يمثل درجة من درجات الفضل . فهنا يأتي عنوان الإنصاف المستحب الذي تشير إليه الروايات(4)، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال: ((قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ في الله، وذكر الله عزوجل على كل حال))(5)، ومن الملاحظ في هذه الرواية و أمثالها: أن إنصاف الناس من النفس يقُرن - في كثير من الأحيان - مع حقوق الإخوان، الذي هو من الحقوق المهملة بشكل عام في حياتنا الاجتماعية. وروى الكليني (رضوان الله تعالى عليه) عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) (( قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: ألا انه من ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلا عزا))(6). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((من واسى الفقير من ماله، وأنصف الناس من نفسه، فذلك المؤمن حقا))(7)، أي حق الأيمان إنما يكمل بإنصاف الناس من النفس. وفي رواية أخرى عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال:((كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في آخر خطبته: طوبى لمن طاب خلقه، وطهرت سجيته، وصلحت سريرته، وحسنت علانيته، وانفق الفضل من ماله ،وامسك الفضل من قوله(8)، وأنصف الناس من نفسه))(9). وفي رواية يرويها الشيخ الطوسي(رضوان الله تعالى عليه ) في مجالسه، عن أبي عبيدة الحذّا، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال:(( ألا أخبرك بأشد ما أفترض الله على خلقه؟ إنصاف الناس من أنفسهم، ومواساة الأخوان في الله عزوجل، وذكر الله عزوجل على كل حال، فان عرضت له طاعة عمل بها، وان عرضت له معصية تركها))(10)، و في رواية أخرى يرويها علي بن ميمون الصائغ يقول: سمعت أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: ((من أراد أن يسكنه الله جنته، فليحسِّن خلقه، وليعط النصفة من نفسه، وليرحم اليتيم، وليعن الضعيف، وليتواضع لله الذي خلقه))(11). ورواية يرويها البرقي عن الصادق(عليه السلام) قال: ((ما ناصح الله عبد في نفسه فأعطى الحق منها، واخذ الحق لها إلا أعطي خصلتين: رزقا من الله يسعه، ورضا عن الله ينجيه))(12) من هذه الرواية يبدو أن الإنصاف من النفس، له آثار اجتماعية، بالإضافة إلى آثاره الروحية، فالرزق الذي يسع الإنسان من الآثار الاجتماعية، و أما الروحية فهي أن يكون في موقع الرضا من الله تعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المنصفين للناس من أنفسنا، وهذا عمل على ما يبدو من بعض الروايات انه من اشد الواجبات على الإنسان. 2) أن نظرية الالتزام في العلاقات الاجتماعية بمنهج العدل والانصاف للناس ـ حتى لو كان طرف هذه الموازنة هو الانسان نفسه، فضلا عما اذا كان طرفها الافراد الاخرين من ابناء المجتمع ـ تعبر عن الخلفية الأخلاقية والعقائدية في النظرية الاسلامية، التي يجب ان تقوم عليها العلاقات الاجتماعية، باعتبارها احد الجوانب المهمة في النظام الاجتماعي، اذ ان الإسلام اقام جميع نظامه على أساس عقيدة العدل في نظر اهل البيت ?، سواء في رؤيته لقيمة الانسان، او في علاقة الانسان مع الله تعالى، حيث يكون العدل الركن الثاني في هذه العلاقة بعد الرحمة الالهية. (منه (قدس سرة)) 3) وهذا ما يعبّر عنه بالجمع بين النصوص في علم أصول الفقه. 4) الحث على إنصاف المرء للناس من نفسه باعتباره أساسا لقضية العدل في العلاقات الاجتماعية، وانه لا يتصف الانسان المؤمن بصفة الايمان الاّ من خلال التعامل على أساس هذا الإنصاف. وتبدو أهمية هذا الاتجاه باعتبار أن بداية الظلم في العلاقات الاجتماعية تبدأ من حالة ان يؤثر الانسان حق نفسه ويقدمه على حقوق الاخرين، ثم يتطور ذلك بتقديم حقوق بعض الناس على حقوق اخرين منهم، ومن هنا فان إنصاف الناس من النفس يعني تحقيق العدل بين الناس جميعا. (منه (قدس سرة)). 8) وهنا نلاحظ كم هو الفرق بين المال والقول، حيث قال انفق الفضل من ماله وامسك، الفضل من قوله .(منه (قدس سرة)). 10) وسائل الشيعة: 15: 285: ح10، والامالي للمفيد: 317. 11) وسائل الشيعة: 15: 285:ح11، والامالي للصدوق:473. 12) المحاسن: 1 : 28. وهذه الرواية مروية بطريق أخر وكلاهما صحيح السند. (منه (قدس سرة)). |
|
|
|||