المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف خلقه محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

منذ خلق الله تعالى الأرض وجعلها مأوى للإنسان ومسرحاً، وقف عليها متحيراً ومتذبذبا تجاه ما يحس ويدرك من مظاهر الحياة المادية أو الطبيعية، فأخذ يتعامل معها بطريقتين:

الأولى: تعامله مع عالم الوجود بتصورات أولية تحوي مشاعر مفرحة تارة ومحزنة أخرى، تنطوي تحتها كل ما يمتلكه من طاقات عاطفية أو نفسية سلباً أو إيجاباً.

الثانية: تعامله الحسي والمادي حسب قوانين العيش وسنّة الحياة.

ومن اللطف الالهي لم يترك الإنسان سدى تتناهبه عوامل التشتت والضياع، بل امتدت إليه يد الغيب لتبعث فيه ما يهديه إلى حيث بر الأمان، فبعث إليه النبيين مبشرين ومنذرين، ليصبح الإنسان تحت مظلة القيم النبيلة التي تكفل له السعادة والعيش الكريم. واخذ يتعامل مع هذه القيم بمشاعر الحب والعواطف السامية التي تتمثل بعامل الحب المتدفق من أعماق النفس لتبلغ علاقته مع الوجود غاية التكامل، ولعل هذا العامل (الحب) كفيل لتحقيق تلك المبادئ والقيم المقدسة لتوهج الدرب للسالكين به نحو الكمال، لأنهم فطروا منذ الأزل للبحث عما يشبع حاجاتهم وتطلعاتهم للحصول على تفسير لهذا الوجود الغامض.

واصل سعادة الإنسان في استقراره النفسي واطمأنانه تكون بقدر ما يمتلكه من ثروة في (الحب لله ورسوله والمؤمنين) حيث تقوده هذه الملكة نحو مرافئ العزة والكرامة والسمو. والمتأمل قليلا في موضوع الحب يجده يشكل الهاجس الأول عند الأنبياء بعد تبليغ الرسالة، فهم يهدفون جميعا لشد الإنسان نحو بارئه عن طريق هذا الرابط المقدس(الحب)، لأنه كفيل لإزاحة كل ما علق بروحه من رواسب الدنيا وهوى الشيطان، ليجعلها على بداية الطريق الصحيح لتكاملها لتحقق مصداق الحديث الشريف

(وهل الايمان إلا الحب). وعندما تتحقق غاية البناء الروحي للفرد تتحقق للجماعة، ويبنى المجتمع بناءا نفسيا قائما على العواطف النبيلة بين أفراده، فتصبح الأعمال داخل المجتمع في إطار الوفاء والحب لله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). فموضوع الحب الذي بحث فيه سيدنا الشهيد الحكيم (قدس سره) ــ من خلال مجموعة من المحاضرات القيمة، والتي ارتأى قسم الإصدارات في الدائرة الثقافية جمعها وتدوينها وإخراجها في كراس ــ ما هو إلا العصب الحساس في شبكة العلاقات الاجتماعية للتواصل مع الله سبحانه وصاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم)، رغم انه بمعناه العميق لا يتذوقه إلا أولئك الذين أضاء الله قلوبهم بنور الحقيقة في سفرهم الطويل نحو الكمال المطلق عبر بوابة الصبر الجميل.

مؤسسة

تراث الشهيد الحكيم

 

لموضوع الحب عدة أبعاد، منها: البعد الشرعي والفقهي، والبعد الكلامي والأخلاقي، وعادة تكثر في الأخيرين الانحرافات، لذا يجدر بنا الابتداء بهما، لتصحيح بعض الأفكار الانحرافية، ويتمحور بحث الحب من هذه الزاوية حول ارتباطه بالله تعالى ودوره في الإيمان به، ولذا غالبا ما يطرح السؤال التالي: هل الأيمان بالله تعالى ـ الذي هو أساس العلاقة بين الإنسان وخالقه ـ مرتبط بالحب

أم لا(1)؟


1) أم الحب هو مجرد الاعتقاد بوجود الله والالتزام بهذا الوجود، فيطيع الله لأنه يخاف العقاب مثلا.

الحب والإيمان صنوان

يبدو من القرآن الكريم والحديث الشريف: أن الأيمان هو الحب،ّ وبدونه لا يكتمل ويبقى ناقصاً، قال تعالى

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ )(1) وهناك تعبيرات كثيرة من هذا القبيل (… إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )(2)

(… اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )(3)(…اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )(4) (…وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )(5) وهكذا مجمل الصفات التي يتصف بها الإنسان المؤمن قد وردت في القرآن الكريم بعنوان إن الله تعالى يحب هؤلاء، وفي مقابل ذلك ورد (..اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ )(6) ( …وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )(7)

( …إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً )(8) (…اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ )(9) ( …اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )(10) ( …لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )(11)، ومنه نعلم إن علاقة الحب تمثل الأساس في الارتباط بين الله تعالى وعباده، ولا يخفى أن علاقة المحبة تقوم على طرفين ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين…َ)(12).

وفي الحديث الشريف تعرضت مجموعة من الروايات إلى هذه الحقيقة، فقد روى البرقي في المحاسن عن فضيل بن يسار(13)، قال:

((سألت أبا عبد الله عن الحب والبغض، أمن الإيمان

هو؟ قال : وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟ ثم تلا هذه الآية حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ))(14) ونلاحظ هنا أسلوب

الأئمة (عليهم السلام) في كيفية طرح الأفكار العقائدية، حيث كانوا يسندونها إلى القران الكريم كي تتضح هذه الأفكار بواسطة القرآن. وفي رواية أخرى عن أبي عبيدة زياد الحذا عن ((أبي جعفر الباقر(عليه السلام) انه قال له: يا زياد ويحك وهل الدين إلا الحب؟! ألا ترى قول الله ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )، أو لا ترى قول الله لمحمد

( حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ) وقال ( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) فقال: الدين هو الحب، والحب هو الدين))(15)


1) البقرة: 165.

2) البقرة: 222.

3) آل عمران: 76، التوبة: 4و7.

4) البقرة: 195- آل عمران: 133و148- المائدة: 135و93.

5) آل عمران: 146.

6) آل عمران: 32و57و140- الروم: 45.

7) الشورى: 40.

v8) النساء: 107.

9) الانفال: 58.

10) القصص: 77.

11) البقرة: 190- المائدة: 87- الاعراف: 55.

12) المائدة: 54.

13) وهذه الرواية صحيحة السند. (منه (قدس سرة))

14) المحاسن: ج1: ص262.

15) المحاسن: ج1: ص263.

 

الحب بين الايمان والعمل

وارتباط الحب بالإيمان والعمل من المسائل الكلامية التي كان لها صدى واسع، وصراع كبير في بعض العصور الإسلامية، خصوصا في القرن الثاني والثالث الهجري، وكانت تعنون بصيغة السؤال التالي: هل الحبّ - الذي هو الإيمان - يستتبع العمل، بحيث ينعكس على تصرفات الإنسان أم لا ؟ بمعنى هل المطلوب أن يكون هذا الحب جامدا لا علاقة له بالعمل، أم ينبغي أن يكون منعكسا على سلوك الإنسان ومتجسدا فيه؟

ترى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إن الأيمان يتأثّر بالعمل سلباً وإيجاباً، فإيمان المتقين أعلى درجة من إيمان الفاسقين، مع قطع النظر عن الثواب والعقاب، فنفس الأيمان يتكامل بالعمل ويتسافل بالعصيان، ومن هنا يشير القرآن إلى مبدأ النفاق الذي يحصل بالعصيان وارتكاب الآثام، وقد يصل إلى درجة الكفر إذا استمرّ الإنسان بالتمرد، بخلاف المطيع الذي تكون طاعته عنصراً مكملاً له ولإيمانه. بينما بعض المتكلمين(1) يرون: أن الأيمان هو مجرد الالتزام ـ بوجود الواجب تعالى ـ، والحب هو مجرد العشق والميل النفسي، أما مسألة العمل فهي قضية مستقلة يترتب عليها الثواب و العقاب، بل بعضهم أشتط وتطرّف في هذا الاتجاه فادعى عدم الفرق بين الأنبياء وإبليس من ناحية الإيمان! فكلاهما يعتقد بوجود الله ويلتزم بهذا الوجود، غاية الأمر أن الأنبياء يلتزمون بأوامر الله ونواهيه، أما إبليس وأتباعه فلا يلتزمون بذلك في مقام العمل(2) فوصل بهؤلاء الإجحاف إلى مساواة الوجود الطاهر الخيّر للأنبياء بالوجود الفاسد الشرير لإبليس. ووجدت في هذا المجال اتجاهات انحرافية، حيث ترى أن الحب هو عملية مجردة عن السلوك والعمل، منها – هذه الاتجاهات – : الصوفية(3) التي استقطبت الشارع الإسلامي من مختلف مناطق العالم الإسلامي(4)، فلذا كانوا يعقدون مجالس الذكر تعبيرا عن حبِّهم، حتى تصل بهم الحالة إلى الصرع وفقدان الشعور بإدّعاء الارتباط العشقي بالله تعالى، بينما في ممارساتهم الشخصية قد يشربون الخمر، ويتهاونون في العبادات، وحتى بعض شيوخ هذه الطرق يتحدثون عن موضوع الحب ويركزون عليه من خلال النظرية والفكرة فلذلك تجد بعض أتباعهم يعتبر شاذّاً في مختلف أنواع السلوك.


1) وهو قول بعض الصوفية كما سيأتي.

2) فالأنبياء يثابون على طاعتهم وغيرهم يعاقبون على معصيتهم، ولكن نفس الايمان في كليهما واحد.

3) التصوف حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري، كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة، ثم تطورت تلك النزعات حتى صارت طرقا مميزة معروفة باسم الصوفية، ولهم أفكارا ورؤى خاصة بهم، منها: أن العلم لا يحصل من التعلم والاستدلال بل من المجاهدة والرياضة، والقول بالحلول (بعض الصوفية القائلين بأنه تعالى حال في بدن العارفين) شرح التجريد :318، وقال القرطبي في تفسيره: 4 : 315 نقلا عن ابن عربي(اختلف الناس أي العملين أفضل: التفكر أم الصلاة، فذهب الصوفية إلى أن التفكر أفضل، فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل المقامات الشرعية)، وكذا جاء في البحار:91 :260(إن بعض الصوفية يطلقون المعبود ويقولون كل ما يعبد فهو الله في الحقيقة لان الموجد الحقيقي نور واحد ظهر بصورة العالم ونسبة الحق إلى العالم كنسبة البحر إلى الأمواج). ويذكر إن رئيس الصوفية هو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري، ولد في الكوفة سنة 97 للهجرة، وانخرط في شرطة هشام بن عبد الملك الأموي، وكان ممن شهد أو باشر أو أعان على قتل زيد بن علي بن الحسين(عليه السلام). أصحاب الإمام الصادق للشبستري: 2 :49. وموقف أهل البيت من هذه الفرقة واضح، فقد روي عن البزنطي في رواية صحيحة السند، عن الإمام الرضا(عليه السلام)، انه قال: قال رجل من أصحابنا للصادق جعفر بن محمد?:قد ظهر في هذا الزمان قوم يقال لهم: الصوفية، فما تقول فيهم؟ قال: أنهم أعداؤنا، فمن مال فيهم فهو منهم، ويحشر معهم ، وسيكون أقوام يدعون حبنا، ويميلون إليهم، ويتشبهون بهم، ويلقبون أنفسهم، ويأولون أقوالهم، إلا فمن مال إليهم فليس منا، وأنا منهم براء، ومن أنكرهم ورد عليهم،كان كمن جاهد الكافر بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مستدرك الوسائل للنوري: 12: 323

4) وهذه الفئة موجودة في أطراف العراق وتركيا وفي مناطق أخرى من البلاد العربية و إفريقيا، بل في بعض الفترات كان يمثل تيارا واسعا في العالم الإسلامي.

(منه(قدس سرة)).

التطرّف في الحب

في حاضرنا المعاصر انعكست هذه الحالة على قضية حب الأئمة (عليهم السلام)، بحيث أصبح بعض الناس يتصور أن حبهم (عليهم السلام) يكون نتيجة وثوابا لإعماله يوم القيامة مهما كان سلوكه منحرفا، فلو يشرب الخمر ويترك الصلاة ويقتل المؤمنين ويوالي الظالمين ويسير في ركب الطغاة ويصنع ما يصنع من أعمال منكرة، لكنّه ما دام يحبّ أهل البيت (عليهم السلام) فحبهم ينجيه من العذاب(1). هذا الفهم غير صحيح، بل لابد أن يكون حبّنا لأهل البيت منعكسا على سلوكنا،( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)(2) فعلينا الأتبّاع وليس الحبّ فقط(3)، وكما في قوله تعالى(لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(4) فقد حصر الباري عز وجل في هذه الآية حزب الله – بقوله أولئك – بهذا النوع من الإنسان.


1) ويروج لهذا الكلام ـ الذي هو بعيد كل البعد عن الدين، وعن الإسلام ومبادئه، ولا يصح بشكل من الأشكال ذكره بهذه الطريقة ـ من على بعض المنابر. (منه (قدس سرة))

2) آل عمران: 31.

3) توجد روايات كثيرة تحث على العمل، وانه رأس مال المؤمن، وأهل

البيت ?وصّوا شيعتهم بالعمل الصالح، فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام)، أنه قال

للمفضل: أي مفضل، قل لشيعتنا: كونوا دعاة الينا بالكف عن محارم الله، واجتناب معاصيه، وأتباع رضوانه، فإنهم إذا كانوا كذلك كان الناس الينا مسارعين. شرح الأخبار: 3 :506 وهناك عشرات الروايات إن لم تصل المئات بهذا المضمون.

4) المجادلة: 22.

حب الله ضرورة

حب الله سبحانه وتعالى ضرورة ملحة، وحقيقة أكدّ عليها القرآن الكريم، وتعرضت لها الروايات الشريفة، قال تعالى ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1) من الواضح في هذه الآية الإشارة إلى أن حب كل هذه الأمور - مهما كانت قريبة من الإنسان - يجب أن ترتبط بالله تعالى، وإلاّ على الانسان أن يتربّص في نفسه أمر الله تعالى وعذابه، خصوصا إذا لاحظنا ما ورد بعد هذه الآية الشريفة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )(2) مما يؤكد ضرورة ارتباط كل هذه الأمور في إطار حبّ الله تعالى.

وأما ما يتعلق بالحديث الشريف(3)، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال ((ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يُلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه))(4) وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما))(5) وفي حديث ثالث ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))(6) وفي رواية لطيفة ونافعة ((قال رجل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله، والله إني لأحبك،فقال له انظر ما تقول، قال:والله إني لأحبك ـ ثلاث مرات ـ قال: إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه))(7)، وهذا المضمون ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ((من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا))(8) وكذا ((من أحبنا أهل البيت غتهُ البلاء غتا)) وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): انه نظر إلى مصعب بن عمير(9) مقبلاً عليه أهاب كبش قد تمنطق به ـ أي قطعة من جلد الكبش ـ فقال: انظروا إلى الرجل الذي قد نوّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذونه بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون))(10).

كلُّ ما تقدّم كان في محور حبّ الله تعالى، أما ما ورد في الحب في الله والبغض فيه، فقد روى الكليني رواية بعدة أسانيد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ((من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله فهو ممن كمل إيمانه))(11) ورواية أخرى يرويها الصدوق رضوان الله عليه، عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال:((من أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله، وتعطي في الله، وتمنع في الله))(12) ويروي الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) (( أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى علي(عليه السلام) يا علي من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله))(13).


1) التوبة: 22.

2) التوبة: 23.

3) في هذا المجال وردت روايات قليلة في كتبنا بخلاف كتب العامة، وذلك لانه اما ان اهل البيت ?اعتبروا تلك الروايات صحيحة ـ وهذا من المطالب المهمة في تفسير بعض الظواهر الموجودة في الحديث الشريف ـ أو لأنهم اعتمدوا على ما ذكر في القران. (منه (قدس سرة)).

4) مشكاة الأنوار: 220.

5) مسكّن الفؤاد: 27.

6) صحيح مسلم:49:1: سنن النسائي:115:8.

7) سنن الترمذي: 4 : 7.

8) نهج البلاغة تحقيق محمد عبده: 4 :26. عن سعد بن ظريف عن الاصبغ بن نباته، قال: كنت مع أمير المؤمنين(عليه السلام)، فاتاه رجل، فسلم عليه، قال: يا أمير المؤمنين إني والله لأحبك في الله، واحبك في السر، كما احبك في العلانية، وأدين الله بولايتك في السر كما أدين بها في العلانية، وبيد أمير المؤمنين (عليه السلام) عود، فطأطأ به رأسه، ثم نكت بعوده في الأرض ساعة، ثم رفع رأسه إليه، فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حدثنى بألف حديث، لكل حديث الف باب، وان ارواح المؤمنين تلتقي في الهواء فتشام، فما تعارف منها ايتلف، وما تناكر منها اختلف، ويحك لقد كذبت فما اعرف وجهك في الوجوه، ولا اسمك في الأسماء، قال: ثم دخل عليه اخر، فقال: يا أمير المؤمنين انى احبك في الله ،واحبك في السر، كما احبك في العلانية، وادين الله بولايتك في السر، كما ادين الله بها في العلانية، قال: فنكت بعوده الثانية ثم رفع راسه إليه، فقال: له صدقت ان طينتنا طينة مخزونة اخذ الله ميثاقها من صلب آدم فلم يشذ منها شاذ، ولا يدخل منها داخل من غيرها، اذهب واتخذ للفقر جلبابا، فانى سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يا على بن ابى طالب والله الفقر أسرع إلى محبينا من السيل إلى بطن الوادي: بصائر

الدرجات: 411.

9) أن مصعب من أوائل المنتمين إلى الدعوة والرسالة الإسلامية، و نشر وعلّم الإسلام في المدينة المنورة حينما أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليها بعد بيعة العقبة الأولى، وكان مدللا وأبواه من الأثرياء وبالتالي كان مترفا في معيشته.

10) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: 10 : 156.

11) الكافي: 2 : 124.

12) الكافي: 2 : 125.

13) من لا يحضره الفقيه: 4 : 362.

حبُّ المؤمن

تقدم أن أصل الدين من وجهة نظر قرآنية، هو الحب لله وفي الله، وانه ينعكس على علاقة الإنسان بالأشياء، فيجب عليه أن يحبّ في الله ويبغض في الله، وحبّ المؤمن لأخيه المؤمن(1) أحد مفردات هذا الأمر.

ويبدو من الروايات الشريفة ومن خلال فلسفة هذا الحكم وجوب ذلك الحبّ ــ حب المؤمن لأخيه المؤمن ــ وبالتالي يكون شأن المؤمن بالنسبة لأخيه المؤمن شأن نفسه في مختلف القضايا، ويرتبط هذا الموضوع ــ في الواقع ــ بمسألة الحقوق، أي من حق المسلم على أخيه المسلم هذا الحب، بل الإسلام بنى العلاقة الاجتماعية على أساسه(2) وهذا الأمر موجود في الآيات القرآنية بشكل واضح، فمثلا يتحدث القرآن الكريم عن أصل بناء المجتمع الإسلامي، ووجوده بعد حالة الفرقة المتمثلة بالجاهلية ــ التي كان عليها الناس قبل الإسلام – إلى مجتمع متماسك اخوي يحكمه الإسلام، كما في قوله تعالى

( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً )(3) وقال تعالى( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ…)(4)، ولذا كلّ صورة المجتمع الإسلامي تتأثر بهذه العلاقة، فالإخوة في الإسلام إذاً تمثّل الرابطة بين المؤمنين. و كلمة (أخ) تستخدم في القرآن في موردين:

الأول: العلاقة الرحمية التي تنشأ من أنتساب الولدين للأب أو الأوسع من ذلك، بما يشمل العشيرة والقوم، قال تعالى ( وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ…)(5) فنسب الأخوة إلى العشيرة، مما يعني أن العلاقة الرحمية هي أقوى علاقة قائمة بين أفراد الإنسان.

الثاني: العلاقة الإيمانية، وهي: الرابط المشترك بين مجتمع المؤمنين القائم على أساس الايمان السليم بالله ورسوله.

وقدّم الإسلام في القضايا ذات الطابع الشخصي الرابطة الرحمية، أما في القضايا ذات الطابع السياسي والاجتماعي قدّم رابطة الإيمان على رابطة العشيرة و الرحم، فالنظرة الإسلامية للمجتمع كمجتمع تقوم على أساس الولاء، قال تعالى ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(6) ولكن عندما لا تكون هذه الرابطة بمستوى تتناسب مع الحالة الاجتماعية ينفيها الإسلام كما ورد في سورة الأنفال من قوله تعالى

( وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ …)(7) فالقران الكريم يرى أنما تكون هذه الرابطة قائمة، وفعّالة بين المؤمنين فيما إذا تطورت إلى الحالة السياسية والاجتماعية، بحيث ينضمّ المؤمن إلى عموم المؤمنين في مجمل حركتهم، كما في الاستجابة لقرار الهجرة(8) ولذلك عندما هاجر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) طلب من المسلمين أن يهاجروا، والذين لم يستجيبوا قطعت ولايتهم عن جماعة المسلمين، مع بقائهم على إيمانهم، ولكن مع المؤمنين لا ولاية لهم.


1) ان أئمة أهل البيت ? يؤكدون هذا الاتجاه في توجيه شيعتهم إلى الإكثار من الأصدقاء والأصحاب. فعن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال:((استكثروا من الإخوان فان لكل مؤمن دعوة مستجابة)) وقال: ((استكثروا من الأخوان فان لكل مؤمن شفاعة)) وقال: ((أكثروا من مؤاخاة المؤمنين فان لهم عند الله يداً يكافئهم بها يوم القيامة)) وسائل الشيعة/ 8 : 408 : ب7: ح6 كما نجد تأكيد هذا الاتجاه في تحذيرهم من الانقباض عن الناس او الشحناء معهم والمراء والخصومة، حيث فسروا هذا المحذور بأنه يوجد الاختلال في العلاقات الاجتماعية، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال: ((قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان القلوب على الأخوان وينبت عليهما النفاق)) الكافي: 2 : 300: باب المراء والخصومة ومعاداة الرجال:2 (منه (قدس سرة)).

2) يمثل نظام العلاقات الاجتماعية العامة والواجبات والحقوق المترتبة عليها أحد الأركان الأساسية والدعائم المهمة التي يقوم عليها المجتمع الإنساني في النظرية الإسلامية. (منه (قدس سرة)).

ونريد بنظام العلاقات الاجتماعية مجموعة الواجبات والسنن والآداب والحقوق والالتزامات التي تنظم العلاقات العامة بين الناس والجماعة باعتبارهم أفراداً واعضاء في الجماعة الإنسانية،وكذلك شكل الارتباط والسلوك الانساني للجماعة بعضها مع البعض الآخر .

فنظام العلاقات الاجتماعية هو عبارة عن الحدود والموازين والضوابط التي يعبّر الانسان من خلالها عن فهمه للحياة الاجتماعية الانسانية ومسؤوليته التضامنية تجاه الجماعة وتكاملها. (منه(قدس سرة)).

3) آل عمران 103.

4) الحجرات10.

5) الأحقاف21.

6) التوبة: 71.

7) الأنفال: 72.

8) لان الهجرة آنذاك كانت تمثل مجمل الحركة السياسية والاجتماعية للدين الإسلامي (منه (قدس سرة)).

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية