ميزان الإنفاق

المقياس الأساسي الذي يمكن أن نتصوره للإنفاق هو: الجهد، فالشيء الذي يثيب الله سبحانه وتعالى عليه بمقدار ما يقدم الإنسان من جهد ومن عناء في سبيل الله سبحانه وتعالى، فإذا أردنا المقارنة بين المال الذي ينفقه الفقير والمال الذي ينفقه الغني، لا ينبغي أن يكون الأساس كمية المال، وهذا هو الفارق بالواقع بين المنهج الإسلامي، و المنهج المادي، فالأساس عنده ـ النهج المادي - في الإنفاق: أن يؤخذ المال ويقال مثلا أن هذا دفع عشرة آلاف ديناراً وهذا دفع ديناراً واحداً، والفرق بينهما كبير، وعليه يكون فضله أكثر من ذاك. أما في المنهج الإسلامي فالأساس عنده: الجهد الذي يختفي وراء هذا المال، فنأتي إلى هذه العشرة آلاف وإلى الدينار ونرى هل الجهد الذي بذل في تحصيلها واحد أو لا؟ فإذا كان متساوياً فأجرهما كذلك، وإذا كان جهد أحدهم أكثر من الآخر اختلف اجرهما وثوابهما،(1) مضافا إلى ذلك تدخل مسألة النية، فإذا كان توجه المنفق من الإنفاق ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، فحينئذٍ يحصل على الأجر، وهذا لا فرق فيه بين الفقير والغني، وأما إذا كان توجهه شيئا آخر، فحينئذٍ كما ورد في هذا المضمون أحاديث - يحوله الله سبحانه وتعالى لذلك الشيء الآخر، و يقول له اذهب إلى الذي أشركته معي، وخذ أجرك منه،لأن الله سبحانه وتعالى كما ورد في الحديث لا يقبل الشريك(2).


(1) فلو فرضنا أن الفقير كان تحصيله للدينار بعد بذل جهد أربعة أيام، فهذا يعني انه تصدق (عندما أعطى الدينار) بحسب الحقيقة بجهد أربعة أيام، وبعمل وعناء أربعة أيام، وإذا كانت تلك العشرة آلاف قد حصل عليها الغني في صفقة تجارية واحدة، كما يحصل لدى الكثير من الأغنياء في صفقات تجارية لا تأخذ منه جهدا إلا مقدار ساعة، حينئذ هذا الغني بحسب الواقع قد تصدق بجهد ساعة من الزمن، ويكون أجره على أساس هذا الجهد. نعم لو كان الغني قد بذل في تحصيله للعشرة آلاف أيضا أربعة أيام، أو عشرة أيام، أو سنة، حينئذ يعطى أجر تلك السنة، فالمقياس بحسب نظر الإسلام في مسالة الأجر والثواب فيما يتعلق بهذا اللون من الإنفاق، يقوم على أساس الجهد الذي يختفي وراء هذا المال، من حيث مقداره و حدوده. (منه (قدس سره)).

(2) روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قوله: قال عز وجل: أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل عمله لم اقبله، إلا ما كان لي خالصا. الكافي: ج2 ص295/ح9، وروي عن أبى عبد الله الصادق (عليه السلام) انه قال: يقول الله عز وجل: انا خير شريك، فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري.

المحاسن ج: 1: ص:252

شروط الإنفاق

من اجل أن يكون الإنفاق منسجما مع الشريعة الإسلامية، وتترتب عليه الآثار النفسية، والاجتماعية، والأخروية، ينبغي مراعاة شروط البذل، وهي:

الإيمان

الشرط الأول: إذا لم يكن الإنسان مؤمنا - والعياذ بالله - كما لو كان كافرا، أو منافقا ـ أي يتظاهر بالإسلام ولم يدخل الإسلام قلبه - لا يتقبل الله منه إنفاقه مهما كان، بخلاف الإنسان المؤمن فيتقبل منه ولو كان قليلا، ولذلك ورد في الآيات الكريمة والروايات التأكيد على هذه الحقيقة ( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ)(1) بعد ذلك يقول ( وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ ) (2) هذه الكتابة تدوّن لهؤلاء المؤمنين مهما كان حالهم، أما المنافقون فالحال مختلف فيهم ( قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ)(3) ثم نجد أن القران الكريم يشير إلى الأسباب التي أدّت إلى عدم القبول منهم، فيقول ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ )(4) (5) فالعملية الانفاقية في الواقع عملية نفاقية.

إذا الإيمان بالله سبحانه وتعالى قضية مركزية في كون الإنفاق إنفاقا صحيحاً.


(1) التوبة: 120.

(2) التوبة: 121.

(3) التوبة: 53.

(4) التوبة: 54.

(5) لا يخفى الإشارة إلى أن هؤلاء المقصود من عدّهم منافقون باعتبار الذي يمارس الصلاة وهو كافر هو: الإنسان المنافق، والذي يمارس الإنفاق لأجل التظاهر به أيضا يكون منافقا. (منه (قدس سره))

النية الصالحة

الشرط الثاني: لابد للمنفق أن يبتغي وجه الله سبحانه وتعالى بإنفاقه، أما لو توجه توجهاً آخر، كما لو كان عن رئاء الناس فلا يكون إنفاقه مقبولا من قبل الله سبحانه وتعالى، وتعبير القران في ذلك واضح (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً )(1) وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(2).


(1) نساء: 38.

(2) البقرة: 264.

عدم المنِّ والأذى

الشرط الثالث: كل إنفاق متبوع بالمنِّ والأذى يكون محبطا، ولا تكون له قيمة حقيقية عند الله سبحانه وتعالى، سواء كان واجبا أم مستحبا.

المنُّ هو: إشعار المُحسن للآخرين بأنه ذو فضل عليهم بهذا الإحسان، وهذا في الواقع يؤدي إلى إحباط ذلك الإحسان من حيث الأجر و الثواب.

وأما الأذى فهو: إسماع المحتاج كلمات خشنة ومؤذية، مثل (ارتحنا منه) وغيرها، هذا في الواقع يحبط عملية الإحسان والإنفاق والقران الكريم أكّد على هذا الموضوع، ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)(1)، وفي موارد أخرى يشير القران إلى موضوع المنّ والأذى ( وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ*)(2) وقوله ( لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ )(3) أي: كما أن المال حينما ينفق في وجه من الوجوه يكون باطلا، كذلك الصدقات تبطل، بالمن والأذى ( لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى).

إذاً يشترط في الإنفاق أن لا يكون عن منّ ولا مقترنا بالأذى.


(1) البقرة: 263.

(2) البقرة: 272.

(3) البقرة: 264.

عدم الإملاق(1)

الشرط الرابع: يجب أن لا يكون الإنفاق منتهيا بالإنسان إلى موضع التهلكة، نعم له أن ينفق وان يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، إلا انه لا ينبغي أن يكون بدرجة تؤدّي به إلى حالة من التهلكة، وحالة من الحرج في أوضاعه الشخصية، وأشار القران الكريم إلى هذا الشرط   (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (2).


(1) الإملاق هو: الفقر، يقال أملق إملاقا: إذا افتقر واحتاج (مجمع البحرين ج4ص226).

(2) البقرة: 195.

التوازن

الشرط الخامس: يفترض بالمنفق أن يكون إنفاقه إنفاقا متوازنا، وقواما بين الإسراف والإقتار، كما أشارت إليه الآية الكريمة المتقدمة.

دور الإنفاق في الحياة

إذا اتصف الإنسان بأنه منفق، فلهذه الصفة آثار جّمة يشير لها القران الكريم:

الخير للإنسان

الأثر الأول: إن خير الإنفاق في الحقيقة لا يعود إلى الرب، - كما توهم الجاهلون ذلك - حيث كانوا ينفقون ويخزنون الأموال للربّ، وإنما مرجعه للإنسان، وكذا البخل يكون شرّه على الإنسان، وهذا ما أشار إليه القران الكريم ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) (1)، مما يعني أن قضية الإنفاق قضية مؤثرة في حياة الإنسان، سواء في وضعه من الناحية النفسية و الروحية، أم في علاقته الاجتماعية، أم في مصيره الأخروي، وهنا وضع القران قاعدة في حياة الإنسان، وهي أن الإنسان إذا أعطى واتقى وصدَّق بالحسنى سيكون ميسّراً في كل مجرى حياته، وليس فقط في مقطع أو مرحلة من مراحل الحياة، والعكس بالعكس، ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) (2) وكذلك أشار إلى أن قضية البخل في الواقع مردودها على الإنسان نفسه ( وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ )(3) ثم يقول بعد ذلك ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) (4) مما يعني أن هذه الحقيقة التي يضعها القران الكريم أمام الإنسان تمثل قضية مصيرية بالنسبة إليه، ولأجل التفصيل في هذه الحقيقة، ينبغي الكلام في قضيتين رئيسيتين:


(1) الليل: 5 -10.

(2) الليل: 8-10.

(3) محمد: 38.

(4) نفسه.

الجانب المعنوي

القضية الأولى: الإنسان مركب من مادة وروح، وان الشيء الحقيقي الذي يبقى ويدوم إنما هو الجانب الروحي، أما المادي فدائما متعرض لحالة التبدّل والتغيّر. و يذكر علماء الطبّ أن بدن الإنسان في حياته الاعتيادية ـ في سبعين أو ثمانين سنة يعيشها ـ يتبدل بكل خلاياه أي تفنى تلك الخلايا بكاملها، و الشيء الذي يبقى ويمثّل شخصه هو (الأنا)، والارتباط بين الطفل عند صغره والشيخ في كبره هو الجانب الروحي، وللإنفاق الأثر العظيم على هذا الجانب الحيوي في شخصية الإنسان باعتبار يجعله يتكامل، كما تشير إليه الآيات الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ )(1) فالله سبحانه وتعالى عقد بينه وبين المؤمنين عقدا ً من خلال أمرين(2)، وهذان الأمران كلاهما يرتبط بالجانب الروحي، ولهما دور في تهيئة الإنسان لنيل تلك المقامات العليا، التي يعبّر عنها القران بالجنة، ولا تحصل حالة التهيؤ هذه الاّ من خلال العقد، لان المال والتملك قضية غريزية، موجودة داخل الإنسان وفطرته، وحالة الطمع ـ أيضا - موجودة في ذاته و فطرته. فعندما ينفق الإنسان شيئا، فكإنما يقدم شيئا من نفسه، فكما أنه حينما يبذل نفسه، يصبح شهيدا، ويرتفع في هذا البذل إلى مستوى عالٍ، لأنه قدم نفسه، كذلك الحال بالنسبة إلى بذل المال، فانه عندما ينفق يصارع نفسه و يخضعها لما يرضي الله تعالى، وهي بفطرتها وبذاتها تجذبه نحو الإمساك أو البخل.


(1) التوبة: 111.

(2) وهما النفس والمال.

الجانب الاقتصادي

القضية الثانية: طرح الإسلام أسلوبين في منهجه الاقتصادي:

الجانب الإلزامي

الأسلوب الأول: وهو فرض مقادير ونسب معينة من الضرائب والحقوق على أموال معينة، لأجل حفظ التوازن في الحياة الاقتصادية والتخفيف من حدة التفاوت بين الناس.

ويشير القرن الكريم في بعض آياته، إلى أن الله تعالى خلق الناس، وفضل بعضهم على بعض في الرزق، قال تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ )(1)، وليس هذا التفضيل منشأه إكرام هذا الإنسان دون الآخرين، وإنما هو تفضيل تكويني.(2)


(1) النحل: 71

(2) من قبيل أن بعض الناس أجسامهم قوية، وبعضهم ضعيفة، وان بعض الناس لهم سعي في هذه الدنيا يختلف عن سعي الآخرين، ولهم قدرات تختلف عن قدرات الآخرين، ولهم عقول تختلف عن عقول الآخرين، فهكذا يصبح البعض مفضلاً على البعض الآخر، ويكون هناك تفاوت من ناحية المستويات في الرزق وفي الأموال، فمن اجل كسر حدة هذا التفاوت والاختلاف وضعت ضرائب واجبة على الإنسان. (منه (قدس سره))

الجانب الأخلاقي

الأسلوب الثاني : وهذا شيء يتميز به المنهج الاقتصادي الإسلامي عن المناهج المادية (الماركسي أو الرأسمالي)، لأن أساس المجتمع الإسلامي قائم على الأخلاق، وهي تعتبر ركيزة أساسية في المجتمع، بل كلّ البناء الفوقي للهيكل الاجتماعي يعود لها وينطلق منها، فلابد وان تلقي بظلالها على الجانب الاقتصادي، باعتبار أن الإنفاق المستحب أمر أخلاقي له القدرة على كسر حدّة التفاوت بين أفراد المجتمع، وحلّ الكثير من المشكلات الاقتصادية التي قد يعاني منها المجتمع الإسلامي، ومن هنا يمكن الإشارة إلى بعض معطيات الإنفاق:

تأمين السيولة النقدية

أولا: السيولة لها تأثير كبير في إدارة المجتمع، ولعل قوة التأثير هذه هي الأساس في تحريم كنز الذهب والفضة التي كانت العملة الأساسية المتداولة في الاقتصاد وقت نزول القران الكريم، فكنز المال في نفسه - مع غض النظر عن قضية الحقوق التي فرضها الإسلام ـ يؤثر في مسألة السيولة النقدية، فالنقد لا بد له من النزول إلى السوق، وان يكون في متناول الأيدي من اجل إيجاد حالة من التنمية الاقتصادية التي تعود بالنفع العام على المجتمع.

تجنّب الأزمات الاقتصادية

ثانيا: نجد المجتمع الرأسمالي بشكل خاص يواجه في كثير من الأحيان أزمات اقتصادية، بحيث يصبح الكثير من أفراده في حالة من الفقر المدقع، وثمّة أرقام كثيرة تذكر ذلك الفقر المرير بالرغم من مظاهر الغنى والرفاه الموجودة فيه (1)، وعملية الإنفاق تؤثر في إيجاد معادلة متوازنة في هذا الجانب، وتسدّ جوع الكثير من الناس.


(1) فمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية ينتحر عشرات الآلاف سنويا لا لأسباب جنسية، أو عائلية، أو اجتماعية، بل لأسباب اقتصادية كالجوع، والأزمات الاقتصادية التي يمر بها المجتمع، وكلمة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي نقلها عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) معروفة في هذا الجانب (( كاد الفقر أن يكون كفرا..)) الخصال: 11-12/ ح40 فعندما يصل الإنسان إلى مرتبة الكفر حينئذ تخلق الأزمات. (منه (قدس سره))

إعمار الأرض

ثالثا: المهمة الأساسية التي أوكلت إلى الإنسان هو إعمار الأرض، والإنفاق له الأثر الكبير في نجاح هذه المهمة وبلوغها الذروة، بحيث يؤدي هذا الاعمار إلى أن تنتج الأرض خيراتها وبركاتها، وبهذا الصدد يرفض الإسلام ويتقاطع مع اشهر النظريات الاقتصادية في العالم الاقتصادي، والتي تفترض أن الإنسان إذا تكاثر بالشكل الطبيعي، وبدون تحديد للنسل، فسوف يواجه العالم مجاعة عامة، لأن الأرض ليس فيها من البركات والخيرات ما يساوي أعداد هؤلاء الناس الذين يتوالدون ويتكاثرون، وكما هو واضح أن لهذه النظرية انعكاسات اجتماعية كبيرة جدا على المجتمع، في حين يعتقد الإسلام أن الأرض فيها من الخيرات والبركات تفي وتكفي هذا التكاثر والتوالد، بشرط أن يُحسن الإنسان استغلال هذه الموارد، وهذه سُنّة من سنن الله تعالى ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (1) وفي آية أخرى (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم) (2) وفي بعض الآيات يؤكد القرآن دور الإنسان في الإعمار (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِه) (3)، لكن الشيء الذي يؤدي إلى وجود الفقر وعدم القدرة على مواجهته، هو الإمساك وعدم الإنفاق، ولذا فالقران الكريم يشير إلى هذه الحقيقة بقوله (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(4)، ويذكر المفسرون أن المقصود من (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) ليس الزكاة والضريبة المفروضة من قبل الإسلام، وإنما هو عبارة عن لون من ألوان الإنفاق المستحب (5) أي: الإنسان عندما يكون في حالة حصاد لمثل هذه الثمرات، ويحضر فقير من الفقراء ينبغي له أن يؤتيه حقه، باعتبار النظر والمشاهدة والحضور(5).


(1) الأعراف: 96.

(2) المائدة: 66.

(3) الأنعام: 141.

(4) نفسه.

(5) الميزان: ج7/ ص 363.

(6) وبعض الحالات والحوادث التي نشاهدها ونسمعها اليوم تعّد تفسيرا لهذا الأمر، فمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية سنويا تحرق مئات الآلاف من الأطنان، وقد تصل إلى ملايين الأطنان من الحنطة، أو تلقى في البحر، والسبب في ذلك هو إيجاد معادلة في السوق لأسعار الحنطة، بينما هناك الملايين من الناس يموتون جوعا في الهند، وفي بعض مناطق الصين وأفريقيا، ونفس الشيء تصنعه بعض الدول الغربية، ومن هنا نكتشف أن الأرض فيها البركات والخير الكثير، ويمكن من خلال الإنفاق أن نحقق المعادلة، ونوازن الوضع الاقتصادي، فبدل حرق هذه الحنطة، يتم إرسالها إلى الجياع في كل العالم كإنفاق من قبل هؤلاء الأغنياء الذين لديهم هذه الأموال الطائلة، وبالتالي أنقذوا الناس من الجوع، وحافظوا على هذه الخيرات. (منه (قدس سره))

تيسير الحياة الاجتماعية

رابعا: إذا أخذنا مسألة الإنفاق على مستوى الأفراد والمجتمعات الصغيرة ـ خصوصا إذا لا حظنا الرسالة الإسلامية وتطبيقات الأحكام الشرعية الإسلامية ولو بشكل محدود ـ نعي وندرك من خلال ما وضعه الله سبحانه وتعالى من منهج للإنفاق المستحب ـ خصوصا من قبيل الأوقاف التي تمثل لونا من ألوان الإنفاق - أن الكثير من المشاريع الإسلامية والاجتماعية والكثير من الفقراء أمكن تيسير حياتهم الاجتماعية، من خلال عملية الإنفاق التي وضعها الإسلام و القران الكريم، هذه القضايا ـ في الواقع ـ يمكن أن تستنتج بشكل كامل، عندما نقرأ الاقتصاد الإسلامي والمنهج الإسلامي وخصوصيات هذا المنهج، والمعادلة التي يوجدها في مقابل المناهج الأخرى، ولم يسمح المقام هنا إلى التفصيل و إنما نكتفي بالإشارة.

الأجر الأخروي

الأمر الثاني: الحياة الأخرى هي الشيء الأصلي بالنسبة لحياة الإنسان، وأما الحياة الدنيا فهي كما أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى ( إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْو)(1)، والإنفاق له اثر عظيم في الحياة الأخرى، حيث أن المعروف والمشهور بين عموم المسلمين: أن الحسنات تُضاعف من قبل الله سبحانه وتعالى بمقدار عشرة، أما في موضوع الإنفاق فالأمر مختلف، حيث تضاعف إلى سبعمائة ضعف، وهذا القدر من الأجر لم يرد في الروايات فقط، وإنما جاء في النص القرآني، ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ*)(2)، إذا، فالشيء الواحد يصبح سبعمائة، هذا الحد الأدنى من المضاعفة التي يحصل عليها المنفق، أما المضاعفة التي يمكن أن تحصل لخصوصية من الخصوصيات ـ لخصوصية السر في الإنفاق مثلا، أو لكيفية الأداء، أو للشخص الذي يُعطى له المال ـ قد توجب مضاعفة اكبر كما ورد في الآية السابقة: ( وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).


(1) محمد: 36.

(2) البقرة: 261.

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية