![]() |
|
نافذةعلى الإنفاق
بسم الله الرحمن الرحيم
شذرات من أقوال الشهيد الحكيم (قدس سره)
* المعروف، فيه صيغ محددة من قبل الشارع، كالصلاة والصوم والحج والزكاة والصدقة وغيرها من الخيرات، وهناك أيضا معروف آخر تحدده الظروف، والقيادات الشرعية التي يمكنها أن تحدد، وأنا أقول لكم من أهم مصاديق المعروف في هذا العصر، وفي هذا الزمان الذي يجب على العراقيين أن يهتموا به، هو أن يندفعوا بإخلاص ونظام وحكمة وعقل من أجل أن يمسكوا إدارة أمورهم بأيديهم، ولا يتركوا الفرصة للآخرين أن يتسلّطوا على أمورهم. * المراد من الحرية، هو حرية الإرادة في مواجهة الضغوط من الشهوات أو الخوف والرعب، والذي يعبّر عنه في علم الأخلاق بجهاد النفس، حيث يبني الإنسان إرادته بحيث تصبح حرة لا تعبد إلا الله سبحانه وتعالى، ولا تتبع عبادة أي جهة أخرى.
* إن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أهميتها أصبحت - مع الأسف - من الفرائض المعطلّة في مجتمعنا الإسلامي بصورة عامة، وحتى في مجتمع المتدينين، فالمتدينون والملتزمون يؤدون الشعائر الدينية من صلاة وصوم وزكاة وخمس وحج إلى غير ذلك من الالتزامات الشرعية المعروفة، ولكن حينما يصلون إلى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - التي هي من أهم الفرائض واسماها - يقفون عندها، ولا يؤدونها بصورة مناسبة. * إن العتبات المقدسة هي شأن مقدس، ولابد أن يكون للمرجعية الدينية دور في رعايتها إلى جانب ذوي الرأي والدين والحكمة والعقل. فالعتبات المقدسة لا يمكن إدارتها بطريقة فوضوية أو عشوائية. * نحن في حال الانتظار لظهور الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولابد لنا من التهيؤ لاستقبال إمامنا وسيدنا (عليه السلام)، والالتحاق به، ونكون جنوداً أوفياء له، وهو من أفضل الأعمال كما ورد في بعض النصوص، أفضل العبادة انتظار الفرج، وانتظار الفرج ليس جلوس الإنسان في بيته، وإنما التهيؤ النفسي والروحي والبدني والعقلي للفرج. * الالتزام بالميثاق وبالعهود والبيعة تعتبر من أهم القضايا الدينية والإسلامية، وحينما نرجع إلى القران الكريم والآيات القرآنية يمكن أن تنتبهوا وتلاحظوا أن الميثاق والعهد يعتبران من أهم الالتزامات التي يلتزم بها الإنسان أمام الله سبحانه وتعالى، ولذلك اعتبرت عبادة الإنسان والتزامه بعبوديته لله سبحانه وتعالى وتوحيده ميثاقا أخذه الله سبحانه وتعالى على الإنسان، وهو في أصلاب آبائه.
* في الخامس والعشرين من جمادى الأولى عام 1358هـ 1939م، وفي مدينة النجف الأشرف مركز المرجعية الدينية شاء الله أن يطلَّ على الدنيا شهيدنا المعظم آية الله العظمى المجاهد السيد محمد باقر الحكيم، ليكون الولد الخامس، والابن البار لمرجع الطائفة الإمام السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره) . * ينتمي (شهيد المحراب) إلى أسرة امتازت بحبها للعلم والعمل واتسمّت بالإخلاص والتقوى، فبرز الكثير من رجالها في ميادين العلم يغذون المعارف بنتاجاتهم، ويسيرون على الصراط المستقيم بورعهم، وينتهي نسب (آل الحكيم) إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن طريق ولده الحسن المثنى رضوان الله تعالى عليه. * كتاتيب النجف الأشرف كانت مدرسة الأجيال التي يتلقى فيها الفتيان علومهم الأولية والبسيطة، وسيدنا الشهيد سار على نهج أبناء مدينته، فتلقى القراءة والكتابة فيها، ثم دخل مرحلة الدراسة الابتدائية في مدرسة منتدى النشر .
* في سن الثانية عشر من عمره توجه نحو الدراسات الحوزوية، فكان أول أساتذته المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)، وحضر عند آية الله السيد محمد حسين الحكيم (قدس سره)، وآية الله العظمى السيد يوسف الحكيم (قدس سره)، وواصل دراسة الجزء الثاني من الكفاية، وكذلك جزءاً من المكاسب عند الشهيد الصدر (قدس سره)، ثم حضر درس (خارج الفقه والأصول) لدى كبار العلماء والمجتهدين، أمثال آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)، وآية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، حيث حضر عنده في بداية تدريسه لبحث الخارج، واستمر بالحضور لدى هذين العلمين الكبيرين فترة طويلة. * منذ سن مبكرة عرف بنبوغه العلمي وقدرته الذهنية والفكرية العالية، مما جعل كبار العلماء والأوساط العلمية تفيض عليه ألواناً من الاحترام والاهتمام، ونال في أوائل شبابه عام 1384 هـ شهادة اجتهاد في علوم الفقه، وأصوله، وعلوم القرآن من آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين(قدس سره). * حرص الشهيد الحكيم على تزكية علمه منذ شبابه، وكان جُل طموحه نشر ثقافة أهل بيت النبوة (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتغذية الأمة بعطائهم الفكري، ولذا تميز عن كثير من أقرانه بحركته الدؤوبة في المجال الثقافي والتبليغي، مما حدى باللجنة المشرفة على مجلة الأضواء إلى استدعائه ليكون أحد المشرفين على المجلة.
* وكان لانفتاحه الفكري على المنهج العلمي الأكاديمي، وقناعته بضرورة التواصل الفكري الأكاديمي بين الجامعة والحوزة العلمية واعتقاده الراسخ في أن كتاب الله هو أهم دعامات تقوم عليها تربية الجماعة الصالحة سبباً في انتدابه للتدريس في كلية أصول الدين، التي كانت ضمن المشروع الثقافي والاجتماعي العام لمرجعية الإمام الحكيم (قدس سره) ومؤسساتها، وكان لشهيدنا الغالي جهود في التخطيط والإسناد والمتابعة لها، فأنتدب أستاذا لقسم علوم القرآن الكريم، والشريعة، والفقه المقارن للاستفادة من ثقافته وعلومه. * في نطاق مرجعية والده الإمام الحكيم كان سيدنا الشهيد مسؤولاً مباشراً عن الطلبة العراقيين، وغيرهم ممن هم جديدي العهد بدخول الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فكان يرعى شؤونهم العامة ويتدخل لحل مشاكلهم ورفع معاناتهم.
* مارس تدريس البحث الخارج في إيران ـ رغم انشغالاته الكثيرة وبرنامجه اليومي الكثيف ـ في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في الإسلام. * نشاطاته السياسية الكبيرة، فقد أولى سماحته للقضايا الثقافية الإسلامية اهتماما ً كبيرا ً، فكان له دور كبير في إنشاء مؤسستين إسلاميتين عالميتين: الأولى: هي المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية حيث كان (قدس سره) يترأس رئيس المجلس الأعلى لهذا المجمع. الثانية: المجمع العالمي لأهل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان (قدس سره) نائب رئيس المجلس الأعلى لهذا المجمع. كما بادر سماحته إلى تأسيس (مركز دراسات تاريخ العراق) الحديث. وأسس كذلك مؤسسة (دار الحكمة) التي تضم مدرسة دينية حوزوية ومركزاً للنشر، ومركزا ً آخر للبحوث والدراسات، ومكتبة علمية تخصصية. كما قام بتأسيس (مجمع الكوادر الإسلامية) لتربية الكوادر الإسلامية والقيام بالنشاطات الثقافية السياسية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين. شغلت المسالة الاقتصادية حيزاً وافراً من اهتمام المجتمعات الإنسانية في كل الحقب التاريخية التي مرت بها - تلك المجتمعات-، نظرا للدور الكبير الذي يلعبه الاقتصاد في نموها وتطورها، وتكاثرت النظريات الاقتصادية التي طرحت على ساحة الفكر الإنساني تحمل بين طياتها تصورات يراد بها القفز بالمجتمعات إلى أفضل حال لها من خلال ردم الهوّة بين طبقة أصحاب رؤوس الأموال - التي باتت تمسك بزمام الأمور، وتتحكم بآمال، وتطلعات الشعوب - والطبقة المسحوقة، فانبثقت مدارس اقتصادية عديدة، غير أن كل تلك الرؤى التي طفح السطح العلمي بها تهاوت مفرداتها عند الاختبار على ارض الواقع، وعجزت عن الدفع بمساكين الشعوب، وفقرائها إلى طور الحياة المتوسطة، والحد الأدنى من العيش، فظل الثري سيداً متسلطا، والمُعدم الفقير مستعبداً وأسيراً في طموحاته، وتطلعاته، يُقتل بنزوات واستغلال وجشع الأغنياء، وبقى الفقر شبحاَ مرعباَ يطارد أماني وآمال الجياع... ثم أشرق نور الإسلام ليغطي بالتدريج كل بقاع المعمورة، وتظلل تعاليم السماء - المتدفقة حنانا - آمال المستضعفين الباحثين عن متنفّس يؤمِّن لهم رسم الخطوط العامة لحياتهم بحرية، وبعيدا عن الجور والتحكّم، والاعتراف بهم كأناسٍ لهم حق البقاء أسوة بأصحاب رؤوس الأموال. وليس معنى هذا أن الإسلام دين الفقراء فقط، بل هو دين الأغنياء أيضا، فقد حملت تشريعاته الإنصاف، والكثير من البدائل، فقد قايض الله تبارك وتعالى الأغنياء في قوله (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)(1) وقوله (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (2) وجعل الحياة الأخرى الغاية النهائية، والهدف الأسمى لمسيرة الإنسان في عالم الدنيا (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )(3) فالمشروع الإسلامي أو النظرية الإسلامية في الاقتصاد عالجت اخطر مشكلة (الفقر) يمكن أن تواجهها الشعوب والأمم، ولذا زخرت الشريعة المقدسة بطروحات علمية وواقعية عبر نظرتها الشمولية المتكاملة لكل خصائص الأمة ومكوناتها، فأوجبت حقوقا ً، وفرضت واجبات. ولسماحة شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) عدد من المحاضرات الصوتية تتناول هذا الجانب، ارتأى قسم الإصدارات في دائرة الثقافة أن يجمعها ويدونها ويخرجها في كراس كي تعم الفائدة والنفع. وقد تكفل السيد حيدر مهدي الحكيم مشكوراً بحمل هذا العبئ والتصدي إليه. ونسأل الله تعالى له، وللعالمين التوفيق والنجاح، وأن يتقبل منا أعمالنا، إنه نعم المولى ونعم النصير. ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ )(4)
مؤسسة تراث الشهيد الحكيم (قدس سره)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً* وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ *جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً* إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً* وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (1) تشير الآيات الشريفة إلى عدد من صفات عباد الرحمن التي منها صفة (الإنفاق المتوازن)، الذي يعبِّر عنه القران الكريم بالقوام(2)، وهي الإنفاق المتوازن بين الإسراف والإقتار. (2) القوام بالفتح : العدل والاعتدال (مجمع البحرين 3 ص 567). عند مراجعة القران الكريم نجد أنه يتحدث عن مجموعة من المفاهيم المرتبطة بمسألة الإنفاق، فمفهوم الإنفاق والإسراف والبخل والإقتار والتقتير كل هذه المفاهيم- يطرحها القران الكريم بأساليب مختلفة، وضمن آيات متعددة - مركزها: مفهوم الإنفاق، ومن هنا يمكن أن ندرك أهمية هذا المفهوم ودوره في الحياة الإنسانية، ولذا يوجد خطّان رئيسيان للسلوك العملي في الإنسان: الخط الأول: يمثل مجموعة من العبادات التي يراد منها تأكيد الصلة بين الله سبحانه وتعالى والإنسان، بحيث يجسد فيها- من خلال هذه الصلة- عبوديته لله سبحانه وتعالى بكل ما لهذه العبودية من أبعاد ومعاني.
الخط الثاني: ما قد نعبر عنه بخط الإنفاق العام، وهو أن يعطي الإنسان شيئا، وهذا الشيء تارة يكون مالا، وأخرى يكون جهدا، وثالثا يكون جاها في سبيل الله، وقد يقدم نفسه ذاتها لله سبحانه وتعالى - كما هو الحال في الاستشهاد ـ باعتبار كونه - الإنسان- مخلوقا له سبحانه وتعالى، وعبداَ من عبيده. والإنفاق، - الذي هو عبارة عن بذل المال في الواقع - هو لون وشكل من أشكال العمل في هذا الخط، و المراد من الآية(1) التي وصفته بأنه إنفاق متوازن وقوام ونعتت به المؤمنين، هو إنفاق المال لا الإنفاق العام، بقرينة جعله بين حد الإسراف و الإقتار ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ). وحينما نرجع إلى تاريخ مسألة الإنفاق في حياة الإنسان وفي وجدانه، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد أودع في نفس الإنسان حالة وغريزة يمكن أن يعبَّر عنها بغريزة البخل، أو بتعبير آخر حالة الخشية من الفقر، بأن يكون في يوم من الأيام لا يملك شيئا، غير قادر على تغطية حاجات نفسه، فينتهي به الحال إلى أن يكون ممسكا، وهذه الغريزة - التي يشير القران الكريم كما سيأتي فيما بعد - مرجعها إلى إحساس الإنسان بالضعف، حيث يعبِّر القران الكريم وبشكل رائع عن هذا الموضوع في سورة الإسراء، حينما يتحدث عن الإنسان وإحساسه، ( قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً)(2) فالقرآن يقول: لو يملك الإنسان من الخزائن والأموال مقدار ما يملكه الله سبحانه وتعالى - وحينئذ لا يوجد مقدار أكبر من هذا الملك، لأن ما يملكه الله سبحانه وتعالى مطلق غير محدود - لوجد في داخله إحساس، الخشية من الإنفاق، وبالتالي فأنه يمسك من اجل أن لا يواجه الفقر، وهذا ـ في الواقع ـ إشارة من القرآن الكريم إلى حالة مهمة تختزنها الذات الإنسانية، وهي: أن الإنسان ضعيف بخلقته، وبحسب طبيعته (... وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً)(3) ، وإحساسه بالضعف والعجز والفقر يؤدي به إلى أن يكون قتورا حتى لو ملك الدنيا، وكثرة المال، وسعة الملك لا تخرجه عن كونه انساناً ضعيفا ً عاجزا ً غير قتور، فهو شبيه بما يصاب به بعض الأشخاص الذين يعيشون حالة من الفقر الشديد في فترة طويلة من الزمن، ثم يمنُّ الله سبحانه وتعالى عليهم بأموال طائلة دفعة واحدة، فلا يتمكن هذا الإنسان أن يتخلص من تلك الأحاسيس التي كان يحسّها في حالة الفقر بسهولة، بحيث يأخذ و يعطي كما يعطي الإنسان الميسور من أول الأمر. ومن هنا نجد أن القران الكريم كسرا لطوق الخوف من الفقر الذي يقيد الإنسان يؤكد على أهمية الإنفاق وضرورته وبيان المعادلة التي تنشأ من خلاله، وأنه بحسب الحقيقة يكون إنفاقا للإنسان بمردوداته الإيجابية، والخير الذي يحصل منه يكون خيرا للإنسان نفسه ولا يكون لغيره، كما أن البخل يكون بخلاّ على الإنسان نفسه بلحاظ آثاره السلبية عليه. (1) وهي قوله تعالى(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً* وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ *جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً* إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً* وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ). الفرقان: 64 – 67. القران الكريم يشير إلى نوعين من أنواع الإنفاق: الأول : وهو يتمثل ـ بحسب الحقيقة ـ بمجموع الفرائض التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على الإنسان، من اجل أداء دوره في الحياة كضريبة الزكاة التي فرضت في أموال معينة ومشخصة، والخمس التي وضعت في كل غنيمة(1)، ومن جملة الفرائض الواجبة ضريبة الجهاد – كما أكدت عليها بعض الآيات – فأن الإنسان المسلم إذا كان لديه مال وواجه المجتمع الإسلامي عملية جهادية - سواء كان جهادا دفاعيا أم ابتدائيا(2) - يجب عليه البذل والإنفاق إذا كانت حالته تسمح بذلك. (1) قال ابن بابويه القمي في كتابه ( فقه الرضا) (( كل ما أفاد الناس فهو غنيمة، لا فرق بين الكنوز، والمعادن، والغوص، ومال الفئ الذي لم يختلف فيه، وهو: ما ادعي فيه الرخصة. وربح التجارة وغلة الضيعة – زرع البستان – وسائر الفوائد من المكاسب والصناعات والمواريث وغيرها، لان الجميع غنيمة وفائدة من رزق سبحانه وتعالى)) وفي كل الغنائم يجب الخمس قال تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ) الأنفال: 41. ولا يخفى وجوبه في الروايات، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال: إن لا اله إلا هو لما حرّم علينا الصدقة انزل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة واجبة والكرامة لنا حلال) من لا يحضره الفقيه: ج 2/ ص41. (2) الجهاد مأخوذ من الجَهد بالفتح بمعنى التعب والمشقة، أو من الجُهد بالضم بمعنى الطاقة، والمراد منه في الفقه: ( القتال لإعلاء كلمة الإسلام و إقامة شعائر الإيمان. وينقسم إلى ابتدائي، وهو: ما يبادر به جيش المسلمين من قتال أعداء الدين، لأجل الحذر من تمترسهم أو قوة شوكتهم، و لأجل نشر الإسلام، وهو واجب كفائي: يسقط وجوبه عن المكلفين إذا قام من فيهم الكفاية، وفي اصل وجوبه خلاف بين الفقهاء: منهم من قال به حتى في زمن الغيبة، ومنهم من خصه بزمن حضور الإمام المعصوم. ودفاعي وهو: القتال لأجل ردّ جيش الكفر وحفظ بيضة الإسلام، وهو واجب عيني لمن تحققت فيه شروط الجهاد حتى في زمن الغيبة. الثاني : وهو ما يعبر عنه بالزكاة(1). في خارج الحدود الواجبة يدعو القران الكريم ويؤكد على قضية الإنفاق، وورد في تفسير قوله تعالى ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (2) أن هذا اللون من الحق ليس هو الزكاة الواجبة، وإنما هو العطاء الذي يقدمه الإنسان المؤمن بشكل استحبابي ومندوب، فقد ورد في الكافي عن عبد الرحمن الأنصاري، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) (( يقول: إن رجلا جاء إلى أبي علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له: اخبرني عن قول الله عز وجل ( والذين في أموالهم حق معلوم* للسائل والمحروم ) ما هذا الحق المعلوم؟ فقال له علي بن الحسين (عليه السلام) الحق المعلوم: الشيء يخرجه الرجل من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضتين، قال: فإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة فما هو؟ فقال: هو الشيء يخرجه الرجل من ماله إن شاء اكثر وان شاء اقل على قدر ما يملك، فقال له الرجل: فماذا يصنع به؟ قال(عليه السلام): يصل به رحماً، ويقري به ضيفا، ويحمل به كلاًّ أو يصل به أخا له في الله، أو لنائبة تنوبه، فقال الرجل: الله اعلم أين يضع رسالته ))(3). وأشار القران الكريم - بهذا الصدد - إلى ألوان أخرى للإنفاق مثل الإنفاق بالقول ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً )(4). فقد ورد في بعض الأحاديث أن الفقراء شكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما نزلت الآيات التي تدعو إلى الإنفاق والآثار المترتبة عليه، قالوا : يا رسول الله إن هذه العبادة التي دعي إليها الناس كأنها خاصة بالأغنياء، لأن لديهم الأموال التي يمكن أن ينفقونها، ونحن سنحرم من هذه الآثار لفقرنا، وهذه ميزة طبيعية تكون للغني على الفقير، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المجتمع الإسلامي آنذاك كان مجتمعاً فقيراً، وثمة روايات كثيرة تصوّر الفقر المدقع الذي كان يعيشه المسلمون في ذلك العصر، فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الكلمة الحسنة، و الكلمة الخيرة تدخل في معادلة الإنفاق الذي أوصت به الشريعة، وبالتالي الفقير أيضا غير محروم من هذا الأجر(5). (1) اصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء و البركة و المدح، وكله قد استعمل في القرآن والحديث، لسان العرب: ج14/ ص358. والمقصود هنا: هو زكاة المال، فالله تارة يوجب على العبد أن يخرج مالا لكي يزكو ويطهر وينمو، وتارة لا يوجب بل يحبّب ذلك إليه، و هي الزكاة المستحبة. |
|
|
|||