وقفة تحليلية (1)

ونحن على أعتاب القرن الواحد والعشرين لابد أن نلقي نظرة عامة على قضايا أمتنا الإسلامية، وسنجد أمامنا عدة قضايا رئيسية تفرض نفسها على جميع أبعاد الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي لها، ولابد ان يهتم بها الخطاب الإعلامي الإسلامي.

القضية الأولى: قضية الصراع الحضاري والاستكبار العالمي، ولاسيما بعد أن تحول الإسلام في العقدين الأخيرين من هذا القرن إلى حقيقة سياسية تقاوم الاستكبار والطغيان، وأصبحت الأمة في جميع أطرافها تدعو إلى الرجوع إلى الله تعالى وتحكيم الإسلام والتمحور حوله، وأصبح العالم الإسلامي يتجه إلى التوحد حول المصالح المشتركة وفي مواجهة العدوان الخارجي.

القضية الثانية: قضية وحدة الأمة في شخصيتها وثقافتها وتكاملها في طاقاتها وإمكاناتها ونهوضها للقضاء على معالم التخلف في الصراعات التي شهدتها طيلة تاريخها الماضي.

القضية الثالثة: قضية الحرية السياسية في العمل الاجتماعي ومشاركة الأمة في الإدارة والحكم والقرار وتحقيق العدل والرفاه والأخذ بالوسائل المدنية الحديثة.

وقد أصبحت هذه القضايا ذات أهمية خاصة بحيث تكاد تتفرع عنها جميع القضايا الأخرى أو تقل عنها أهمية لسبب واحد مهم، وهو التحول والتطور الجديد المعاصر في عالمنا اليوم على مستوى الاتصالات والمعلومات والعلاقات وتشابك المصالح والمنافع، الأمر الذي جعل العالم يتحول إلى ما يشبه المدينة أو البلد الواحد ويتجه إلى الوحدة وبروز فكرة النظام العالمي الجديد.


(1) ألقي هذا البحث في الجلسة الرابعة للمؤتمر الثاني عشر للوحدة الإسلامية بطهران يوم الأربعاء 16 ربيع الأول 1420هـ.

الصراع الحضاري

أما القضية الأولى فاننا نواجه - منذ البداية - فيها مشكلة التعرّف على معالم الحضارة الإسلامية - وهي مجموعة العقائد والأخلاق والمفاهيم والنظريات والتشريعات - التي جاء ونزل بها الوحي الإلهي في القرآن الكريم أو السنة النبوية، والمنهج الصحيح لعرضها والدعوة إليها وهذا ما يمكن أن نعتبره في هذا العصر من أهم التحديات التي نواجهها على أعتاب القرن الواحد والعشرين حيث يتطلع الإنسان إلى التعرف على معالم الحضارة الإسلامية ولاسيما الإنسان الغربي الذي جرّب الحضارة المادية وفشلها، كما لا يمكن أن تخوض أمتنا الإسلامية الصراع الحضاري وهي متفرقة في فهمها لحضارتها الإسلامية أو متفرقة في منهجها في إدارة الصراع الحضاري، ولذلك فلابد من تبيـّن المنهج المناسب لإيجاد فهم مشترك بصورة أساسية للإسلام وطريقة عرضه والدعوة إليه.

ولاشك انّ ندوات التقريب ووجود المراكز العلمية المشتركة للبحث والحوار العلمي الهادئ وإزالة عوامل التعصب وإشاعة ثقافة التقريب سوف تساهم إلى حد كبير في الوصول إلى ذلك، ولكن مع ذلك يحتاج إلى بحث مكثّف حول هذا الموضوع بالذات(1).

وفي موضوع صراع الحضارات أود أن أشير إلى عدة أمور رئيسية في فهم هذا الصراع وطبيعته لئلا يلتبس موضوعه:

الأول: انّ جذور وأسباب الصراع الحضاري في - نظر الإسلام - موجودة منذ بداية خلق البشرية، ولذا فهو أمر قائم ومستمر ولا هوادة فيه، وقد تطور هذا الصراع تدريجياً في التاريخ الإنساني حتى بلغ أوجه في هذا العصر بعد أن تحول الهوى إلى تكتلات إنسانية لها كياناتها السياسية التي تلتزم بها، ومن المتوقع استمرار هذا الصراع حتى يتحقق النصر الكامل لأمة التوحيد فيه، فيتحد العالم تحت لواء الإيمان والإسلام عند تحقق اليوم الموعود الذي بشرت به الرسالات الإلهية، وبشَّرَ به النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو اليوم الذي تمتلئ الأرض فيه بالقسط والعدل بعد أن امتلأت بالظلم والجور(2).

الثاني: انّ الصراع الحضاري - في محتواه - هو صراع عقائدي وفكري وقيمي وكذلك هو صراع على التطهير والتزكية وتحقيق الكمالات الإلهية للإنسان ومقاومة الضلال والهوى، فانّ الدعوة إلى الله تعالى وإلى الحق والعدل والأخلاق والكمالات الإلهية في السلوك الإنساني وإقامة علاقات العدل والإحسان بين الناس واجب إلهي وهدف رسالي وحركة تأريخية لا يمكن أن تتوقف أو يتنازل عنها الإنسان(3).

ونواجهه في العصر الحاضر وهو في أوج شدته وضراوته بعد أن أصبحت الحضارة المادية المعاصرة تعتمد كل الوسائل في تعبئة الشهوات والغرائز والمنافع المادية والميول الشخصية وتحول الهوى ليصبح الإله الذي يعبد من دون الله، وتقيم أنظمتها وسياساتها على أساس المصالح والمنافع المادية قيم اللذة الجسدية والمصلحة الشخصية والحياة الدنيوية.

ولكن هذا الصراع في الوقت نفسه ليس - بالضرورة - صراعاً وحشياً ودموياً وعسكرياً إلاّ بقدر ما يفرضه واجب الفطرة الإلهية في الدفاع عن النفس.

كما انه ليس بالضرورة أن يكون صراعاً سياسياً في كل الأحوال والمجالات بعد أن فتح الإسلام باب التعايش السياسي مع الكفار والمجتمعات غير الإسلامية من خلال الهدنة والمعاهدات على أساس المصالح المشتركة، أو تقدير المصلحة الإسلامية وتبادل الخبـرات والتعاون ضد الأخطار، وقد مارس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك في صدر الإسلام.

ولذا فمن الممكن العمل على إدارة الصراع الحضاري على أساس الحكمة والموعظة الحسنة والحوار بالمنطق ومخاطبة العقل والوجدان والفطرة الإنسانية، بل واستخدام المصالح الإنسانية المادية والروحية في إدارته، حسبما تفرضه مقتضيات هذا الصراع.

الثالث: انّ هذا الصراع وإن كان حتمياً مستقطباً - كما ذكرت - بين الحضارة المادية الوثنية وقيمها، والحضارة الإيمانية التوحيدية وقيمها، ولكن ليس مستقطباً بين الأديان الإلهية التي تصدر عن منبع واحد وهو الوحي الإلهي بالرغم مما تعرضت له هذه الأديان من تحريف وتزييف، ولكنها في عموم رؤيتها الحضارية للكون والإنسان تعبر عن حضارة إلهية - إذا صح هذا التعبير - تشترك بينها في الإيمان بالله والوحي والدار الآخرة والقيم الأخلاقية والشريعة الإلهية والحق والباطل وغلبة الحق على الباطل في نهاية المطاف المطلق وإقامة حكومة العدل، ولهذا السبب اعترف الإسلام بها وأقرّها ولم يعمل على إلغائها وإزاحتها من حياة الإنسان.

وهذه الرؤية الإسلامية لطبيعة العلاقة الحضارية مع الأديان الإلهية تفتح الباب واسعاً في موضوع الحوار بين الأديان على أسس تختلف بصورة جذرية عن أسس الحوار بين الحضارات.

كما انّ هذه الرؤية الإسلامية للحوار بين الأديان تنير لنا الطريق بصورة أوضح في موضوع التقريب والحوار بين المذاهب الإسلامية التي تشترك في أركان الإسلام الخمسة والكثير من التفاصيل العقائدية والثقافية والسلوكية والشعائرية والفقهية الشرعية، فضلاً عن اشتراكها في الهوية والمصالح والأهداف العامة.

الرابع: انّ هذا الصراع بين الحضارات لا يعني بأي حال من الأحوال صراعاً حول نتائج التجارب الإنسانية العلمية لمجرد انها نتاج لجماعة من الناس تتبنى حضارة أخرى، فهذه النتائج هي ثمار العقل والجهود الإنسانية في أعمار الأرض وتسخيرها وهي جهود مشتركة ذات قيمة مستقلة عن المضمون الحضاري.

ويمكن أن نقول الشيء نفسه ولكن على مستوى أقل بالنسبة إلى الآثار الإنسانية ذات العلاقة بالآداب والتقاليد والمشاعر والعواطف والأحاسيس الإنسانية والفطرية كالشعر والقصة نستثني منها ما كان ذا مضمون حضاري مضاد. وبهذه الرؤية للصراع يمكن أن نحدد هدفه ومنهجه العام ووسائله المطلوبة.


(1) تناولنا منهج التقريب في فصل مستـقل من كتابنا (الوحدة الإسلامية في منظور الثقلين) وهو الفصل الأخير منه، كما تناولت موضوع (فهم الإسلام وعرضه والدعوة إليه) في بحث مستقل قدمته إلى المؤتمر..(منه (قدس سره)).

(2) عن جابر قال: أقبل رجل إلى أبى جعفر(عليه السلام) وأنا حاضر، فقال رحمك الله اقبض هذه الخمسمائة درهم فضعها في موضعها فإنها زكاة مالي، فقال له أبو جعفر(عليه السلام): بل خذها أنت فضعها في جيرانك والأيتام والمساكين، وفي إخوانك من المسلمين، إنما يكون هذا إذا قام قائمنا فإنه يقسم بالسوية ويعدل في خلق الرحمان، البر منهم والفاجر، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله فإنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر خفي، يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان، وتجمع إليه أموال الدنيا كلها ما في بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء وركبتم فيه محارم الله، فيعطي شيئا لم يعط أحدا كان قبله. قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو رجل مني أسمه كاسمي يحفظني الله فيه ويعمل بسنتي يملأ الأرض قسطا وعدلا ونورا بعد ما تمتلئ ظلما وجورا وسوءا. علل الشرائع: 161:1

(3) يحتاج هذا الموضوع إلى تفصيل وبيان الفرق بين خطي العقيدة والتزكية لا يسعه هذا المقال..(منه (قدس سره)).

وحدة الأمة الإسلامية

وأما القضية الثانية - وهي قضية وحدة الأمة - فهي قضية ذات أهمية خاصة ليست على مستوى تكامل هذه الأمة وقدرتها على أداء دورها في الحياة وتحملها لمسؤولية الرسالة الخاتمة فحسب، بل على مستوى قدرتها على مواجهة الأخطار التي تحيق بها من كل جانب بعد هذا التحول العالمي في هذا العصر.

وكذلك على مستوى إدارتها للصراع الحضاري حتى لو لم يكن صراعاً وحشياً ودموياً.

ويمكن أن نتبين قضية وحدة الأمة من زاوية العناصر المهمة والأساسية المشتركة فيما بينها - كما أشرت آنفاً - ولكننا بحاجة إلى معرفة الطريق إلى تحقيق هذه الوحدة بمعناها الصحيح وهو ما يمكن أن نتبينه من خلال زاوية أسباب الاختلاف والتفرق والعمل الجاد على معالجتها.

ويمكن تلخيص هذه الأسباب على كثرتها في الأمور التالية:

أولاً: الاختلاف في فهم الإسلام، وهذا السبب من الأسباب الرئيسية التي أشار إليها القرآن الكريم في عدة مواضع عندما تحدث عن أسباب الاختلاف بين الناس.

وقد أشرت إلى أهمية معالجة هذا الموضوع في الحديث عن القضية الأولى، وتصبح حركة التقريب بين المذاهب الإسلامية من أهم الوسائل لمعالجة هذا السبب كما ذكرت.

ثانياً: التخلف الروحي والأخلاقي والمعنوي في أوساط الأمة ولاسيما عندما يمتد هذا المرض الحضاري إلى أوساط العلماء والأمراء، فتظهر إثارة في التعصب والحقد والبغضاء والعداوة وطلب الدنيا والشهوات والانشغال بالجزئيات عن الكليات وبالهموم الصغيرة عن الهموم الكبيرة ثم يتطور إلى الظلم والجور والعدوان إلى غير ذلك مما نشاهده في ثنايا عالمنا الإسلامي الحاضر أو في تاريخه.

ولمعالجة هذا السبب نحتاج إلى حركة سياسية وحركة روحية وأخلاقية واسعة يمكن أن نسميها: بحركة التزكية والتطهير، وذلك بأحياء القيم الإسلامية والأخلاق الإلهية عن طريق الوعظ والإرشاد، وعن طريق التربية والتزكية، وعن طريق القدوة الصالحة، وعن طريق إحياء العواطف والمشاعر النبيلة في حب الله تعالى والنبي وأهل بيته الكرام وأصحابه الأبرار والتابعين لهم بإحسان(1). وعن طريق إقامة الشعائر الإسلامية.

ثالثاً: العامل الخارجي والتآمر ألاستكباري وهيمنة الكفر العالمي على بلادنا ومقدراتنا حيث كان يرى: انّ أحد أهم الوسائل الأساسية للتسلّط هي إشاعة التفرق والاختلاف، وإثارة النعرات العرقية، والتعصب المذهبي والقبلي والجغرافي، وإيجاد فتائل الاشتعال وصواعق الانفجارات المحلية وتسليط الطغاة والظالمين، واستخدام وسائل القهر والقمع لفرض الفساد والضلال والتشتت على الأمة.

ولاشك انّ هذا السبب للاختلاف هو من أشد وأقوى الأسباب تأثيراً في عامل التفرقة والتمزق والضعف الذي تواجهه الأمة في هذا العصر.

وقد أصبح هذا السبب - الآن - من أعظم الأسباب بعد ظهور نظام القطب الواحد، وما يملكه من إمكانات مادية وتكنولوجية هائلة.

ولا يمكن للأمة أن تعالج هذا العامل إلاّ بالتزام خطين رئيسيين من العمل:

أحداهما: ممارسة دورها في الصراع الحضاري على أساس الحوار ومخاطبة العقل والوجدان - كما أشرت إلى ذلك - والعمل على خلق المجابهة الحضارية في داخل جبهة الاستكبار من خلال فرض الحرية الفكرية والسياسية والتركيز على نقاط ضعف الحضارة المادية وأخطارها المستقبلية، والاستفادة من مشاعر اليأس والقنوط والإشباع للغرائز الإنسانية.

كما انّ من المهم تجنّب خلق المجابهة العسكرية إلاّ في حالات الدفاع عن النفس، والتركيز في هذه المجابهة - إن وجدت - على محاور المصالح المادية ونقلها إلى مجتمعاتهم.

ثانيهما: تعبئة الأمة روحياً وسياسياً على أساس قيم الايمان بالله والاستعانة به والتوكل عليه كقوة غيبية بيدها القوة والقدرة المطلقة، وروح التضحية والفداء، والجهاد في سبيل الله والصبر والعزم والإرادة القوية المستقلة، والإحساس بالمسؤولية، والتركيز على الهموم الكبيرة والرئيسية لهذه الأمة، ومبادئ الولاء والتناصر بين المسلمين.

وهذا ما قام به القرآن الكريم والنبي العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصدر الأول للإسلام حيث تمكن من خلال ذلك أن يقف في وجه قوى الاستكبار العالمي في ذلك العصر فيعالج تمزق الأمة من ناحية، ويحقق وحدتها ويصد عدوان الاستكبار ويحبط مخططاته من ناحية أخرى، بعد أن استنفد وسائل الحوار والطرح الفكري والعقائدي للدعـوة الإسلامية، ونقل الصراع إلى داخل القوى الاستكبارية نفسها.


(1) انّ هذه الحركة تشبه رسالة عيسى(عليه السلام) التي كان محورها ذلك، وأما رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان أحد محاورها ذلك والمهم في حركة النبي الجانب السياسي وتمكنه من تعبئة المشاعر من خلال الجهاد والتضحية والشعائر الدينية والعمل السياسي..(منه (قدس سره)).

الحريـة السياسية

وأما القضية الثالثة وهي: قضية الحرية السياسية في العمل الاجتماعي ومشاركة الأمة في إدارة شؤونها الحياتية، وفي اختيار الحاكم، وتشخيص العلاقة بين الحاكم والرعية، والإمام والأمة، وفي القرارات المصيرية ومساهمتها بصورة حقيقية في إقامة العدل والقسط بين الناس، وفي التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

انّ هذه القضية تعتبر - الآن - من أهم القضايا المعاصرة التي تواجهها الأمة.

لقد كانت هذه القضية ولازالت من القضايا التي أولاها الإسلام أهمية خاصة سواء على مستوى النظرية أم على مستوى التطبيق، وهو بحث لا يسعه مثل هذا المقال، وقد تناولت جانباً منه في كتابي (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق)، وجانباً آخر منه في كتاب (الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين)(1).

ولكن أود أن أشير هنا إلى عدّة نقاط أساسية عامة ذات علاقـة بهذا الموضوع:

أولاً: انّ الله تعالى خلق الإنسان حراً مختاراً ومسؤولاً أمام سلوكه وعمله، والحرية الحقيقية للإنسان - التي اعتبرها الإسلام قيمة في شخصيته - هي حرية الإرادة الإنسانية التي عبر عنها القرآن الكريم بالعبودية المطلقة لله تعالى في مقابل عبودية الشهوات والهوى أو عبودية الطغاة والقوة أو العبودية والتسليم للضغوط الخارجية كالخوف من الطغاة والمستبدين.

وأما الحرية السياسية بمعنى التعددية السياسية لمجرد الانسجام مع المصالح الشخصية أو مصالح الفئة والجماعة الخاصة فليست قيمة حقيقية في نظر الإسلام إلاّ في حدود رفض الظلم والطغيان والاستبداد.

والإنسان في اختياره مقيّد بالنظام العام الذي يمثل الحق والعدل وبمصالح الجماعة وتكاملها عندما تتعارض مع مصلحة الفرد، ولكن مع ذلك نجد الإسلام قد منح الإنسان المسلم هذه الحرية السياسية في المواقف بصورة عملية حتى في الموارد التي يستخدم الإنسان حريته بغير حق، ومارس الإسلام سياسة غض الطرف عن اتخاذ الإجراءات القهرية، وجعل حدّها هو عدم الخروج على إجماع الجماعة أو النظام القائم واستخدام القوة ضده أو تهديده.

وهذا الموقف الإسلامي في الحرية يعبـّر عن حكمة إلهية في النظام الإسلامي تنسجم مع الحكمة الإلهية في سنن خلق الإنسان وتكامله التي تفترض انّ الإنسان لا يتكامل إلاّ من خلال حريته في اختياره لسلوكه وعمله وممارسته لهذه الحرية في التزام الحق والصواب وطريق العقل والهدى، أو طريق الشهوات والباطل والهوى. مع انّ الله سبحانه - كما يشير القرآن الكريم - قادر على أن يلزم الإنسان بالقهر بسلوك طريق الشريعة، كما ألزم الكثير من إمكانيات الكائنات بذلك.

ثانياً: انّ الحرية السياسية في عصرنا الحاضر أصبحت قيمة من القيم الإنسانية وجزءاً من الثقافة العامة للبشرية، والتزمت بها العهود والمواثيق الدولية في النظام العالمي، وقد بدأت هذه الحرية من منطلق صحيح وهو مقاومة الظلم والطغيان والاستبداد وهو قيمة إسلامية أصيلة ولكنها تحولت في الثقافة العامة السائدة للحضارة المادية إلى معنـى أوسع من ذلك وهو الحرية بمعنـى التعددية السياسية والليبرالية في الفكر والمعتقد والسلوك بحيث أصبحت قيمة إنسانية، وليست مجرد سياسة وموقف يختبر به سلوك الإنسان ويتكامل من خلاله، بل هي التي تزن الحق والعدل لا انّ الحق والعدل هو الذي يزن هذه الحرية ويحددها في سلوك الإنسان، وبذلك أصبحت إحدى القضايا المهمة التي تواجهها أمتنا الإسلامية في هذا العصر، حيث تحتاج أمتنا الإسلامية إلى تجسيد هذه الحرية بمضمونها الأخلاقي والروحي الأصيل في مقابل الظلم والطغيان النفسي والاجتماعي السياسي من ناحية، وإلى ممارسة الحرية السياسية كأسلوب في إدارة الحياة السياسية كما أقرّها الإسلام وفرصة لاختبار إرادته الحقيقية للحق والعدل والتكامل من خلال ذلك من ناحية أخرى، والمحافظة على القيم الدينية والحق والعدل في الوقت نفسه من ناحية ثالثة، وعلى مصالح الجماعة والنظام من ناحية رابعة.

ثالثاً: إنّ المحافظة على الموازنة في تنظيم علاقة الإمام بالأمة والحاكم بالرعية على أساس مبدأ هذه الحرية بمضمونها الإسلامي بعيداً عن الظلم والاستبداد من قبل الحاكم ومنح الأمة فرص ممارسة حريتها في إدارة شؤون حياتها مع المحافظة على النظام الإسلامي والقيم والأخلاق من الأخطار التي قد تهددها هذه الحرية، انّ المحافظة على هذه الموازنة تحتاج إلى ضمانات قوية يمكن أن نجدها في تأكيد المواصفات المطلوبة في الحاكم من العلم والعدالة والخبـرة وكفاءته الشخصية، وفي التربية والتزكية العامة لأبناء الأمة في عملية اختبار وممارسة الحرية.

وهذه المسألة من القضايا المعقدة التي شهدها تاريخنا الإسلامي سواء في الصدر الأول للإسلام أم في عهود الأمويين والعباسيين، وأصبحت الآن إحدى المسائل المعاصرة الحساسة التي تواجهها الأمة ويرتبط مصير وحدتها وتكاملها بها.

رابعاً: إنّ حدود الحرية التي منحها الإسلام للفرد المسلم هي النظام، ومصالح الجماعة - كما ذكرنا - والسؤال المهم المطروح في هذا المجال هو: من الذي يشخّص هذا الحد ومخالفة هذه الحرية للنظام أي للحق والعدل أو مخالفتها لمصالح الجماعة هل هو الحاكم أو الأمة، ولو من خلال المؤسسات الدستورية التي نقيمها؟

وبهذا الصدد يمكن أن نقول: انّ الإسلام يرى بأنّ الحاكم هو المسؤول عن تشخيص المخالفة للنظام الإسلامي، ولهذا السبب تشترط أكثر المذاهب الإسلامية العلم بالإسلام في الحاكم الإسلامي، حيث يصبح قادراً على تشخيص ما يخالف الإسلام من السلوك السياسي والشخصي العام، ولكن تشخيص الحد الثاني وهو مخالفة الحرية والسلوك السياسي والشخصي للمصالح العامة أمر منوط بالأمة نفسها، وذلك من خلال خبراتها وتجاربها والحاكم له دور الإشراف والشهادة على مسيرة هذه الأمة، وذلك في غياب الإمام المعصوم. والمدخل للطغيان والاستبداد السياسي، أو للعدل والحق السياسي يرتبط بصورة أساسية في أحد أبعاده المهمة بهذا الجانب من التشخيص والحرية.

كما انّ المدخل إلى مشاركة الأمة ومنحها دورها الطبيعي في إدارة شؤون حياتها في نظر الإسلام هو هذا الجانب من الحرية والمساهمة في تشخيص مصالحها.

خامساً: إنّ حرمان الأمة من الحرية السياسية ومن دورها في تشخيص المصالح والمفاسد ضمن النظام الإسلامي العام وكذلك من دورها في انتخاب الحاكم وتشخيص الأصلح من المرشحين للحكم الذي تتوفر فيه المواصفات المطلوبة في ظروف غياب الحاكم المعصوم المنصوب من قبل الله تعالى للإمامة، انّ حرمان الأمة من ذلك سوف يؤدي بطبيعة الحال إلى نتائج سيئة للغاية:

الأولى: الطغيان والاستبداد - كما ذكرنا - وإشاعة الظلم والفساد ومن ثمّ الحرمان من بركات الأرض والسماء كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)(2).

الثانية: القضاء على روح الإبداع والابتكار والشعور بالمسؤولية والدوافع الذاتية في المبادرة، وتحمّل المصاعب، وتعطيل طاقات الأمة بل هدرها وتبديدها ولاسيما عندما يبدأ الصراع بين الظالم والمظلوم والطغاة والمستضعفين.

الثالثة: القضاء على روح الاستقلال والعزّة والكرامة الإنسانية عندما تستسلم الأمة للظلم والطغيان،

وتتعوّد عليه أو تعم الفوضى والاضطراب وروح الغضب والحقد والانتقام والتفرق والاختلاف، وتكون النتيجة الكلية لذلك هو سقوط الأمة تحت هيمنة الكفر والاستكبار والأعداء اما عسكرياً أو ثقافياً وسياسياً، وذلك عندما تشعر بالدونية أو التبعية وتهتـز أمام عينها صورة الإسلام الذي تراه في الطاغية المسلم الذي يحرم الإنسان من كل حقوقه وتتمثل أمامها صورة الإنسان الكافر الذي يلجأ إليه المسلم ليجد عنده الأمن والسلامة والحرية. كما نشاهده في عصرنا الحاضر كظاهرة سياسية عامة.


(1) راجع الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق: 123- 128 و178 و197 والوحدة الإسلامية من منظور الثقلين فصل هامش الاختلاف والتعدد:162- 188.

(2) الإسراء:17

مؤلفات الشهيد الحكيم (قدس سره)

1) الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق..............(مطبوع).

2) دور الفرد في النظرية الاقتصادية الإسلامية.........(مطبوع).

3) حقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية ............(مطبوع).

4) النظرية الإسلامية في العلاقات الاجتماعية.

5) النظرية الإسلامية في التحرك الإسلامي........... (مطبوع).

6) دعبل بن علي الخزاعي شاعر أهل البيت (عليهم السلام)...........(مطبوع).

7) أفكار ونظرات جماعة العلماء...................(مطبوع).

8) العلاقة بين القيادة الإسلامية والأمة..............(مطبوع).

9) الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين، طبع عدة طبعات، منها في مصر سنة 2001م، وآخرها سنة 1425هـ من قبل المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).

10) القضية الكردية من وجهة نظر إسلامية.....(مطبوع).

11) علوم القرآن (مجموعة محاضرات ألقاها على تلامذته في كلية أصول الدين)، وقد نقحه وأضاف عليه، وأعيد طبعه أواخر عام 1417هـ، وهو كتاب كبير ومهم. وقد تمت ترجمته إلى اللغة الفارسية ......(مطبوع).

12) القصص القرآني. كتاب درسي مهم يدرّس في الجامعة الدولية للعلوم الإسلامية في إيران، وقد تناول فيه قصص أولي العزم ضمن منهج أعتمد فيه على القرآن وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) مستبعداً الإسرائيليات التي دخلت في الحديث عن الأنبياء ويجري العمل الآن على ترجمته إلى اللغة الفارسية.

13) الهدف من نزول القرآن وآثاره على منهجه في التغيير، وهو بالأصل بحث كتبه لأحد مؤتمرات الفكر الإسلامي المنعقدة في إيران، ثم قام بتوسيعه وتنقيحه فصدر في كتاب مستقل.

14) تفسير سورة الحمد: وهو بحث يتناول مقدمة التفسير والهدف من نزول القران وتفسير سورة الحمد ويجري العمل أيضاً على ترجمته إلى اللغة الفارسية من قبل إحدى دور النشر بطهران.

15) منهج التزكية في القرآن.

16) تفسير سورة الصف.................(مخطوط).

17) تفسير سورة الجمعة.................(مخطوط).

18) تفسير سورة المنافقون...............(مخطوط).

19) تفسير سورة الحشر..............(تحت الطبع).

20) تفسير سورة الحديد.............(تحت الطبع).

21) تفسير سورة المجادلة............(تحت الطبع).

22) تفسير سورة الممتحنة............(تحت الطبع).

تفسير سورة التغابن....................(مخطوط).

23) المستشرقون وشبهاتهم حول القرآن: كتاب ألّفه في الستينات وطبع في العراق أواسط السبعينات. وهو مقتطف من محاضراته في علوم القرآن التي ألقاها على طلبة كلية أصول الدين ببغداد.

24) الظاهرة الطاغوتية في القرآن.............(مطبوع).

25) أهل البيت (عليهم السلام) ودورهم في الدفاع عن الإسلام..........(مطبوع).

26) دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة: كتاب في مجلدين، مهم في بابه لدراسة حياة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)...... (مطبوع)، ويجري العمل حالياً على ترجمته إلى اللغة الفارسية.

27) ثورة الإمام الحسين (عليه السلام): وهو عبارة عن قسم من محاضراته التي ألقاها على أوقات مختلفة..............................(مطبوع).

28) مأساة الحسين (عليه السلام) وتصعيد روح المقاومة........(مطبوع).

29) الشيعة والتشيع............................(مطبوع).

30) الحجة والولاية............................(مطبوع).

31) الإمامة و أهل البيت (عليهم السلام).................(مطبوع).

32) المجتمع الإنساني في القران الكريم..........(مطبوع).

33) حوارات (1-2)..........................(مطبوع).

إصدارات
مؤسسة تراث الشهيد الحكيم (قدس سره)

1. موسوعة الحوزة والمرجعية: موسوعة من خمسة أجزاء، يتناول الجزء الأول منها خلاصة رؤى شهيد المحراب (قدس سره) عن المؤسسة الأولى في الإسلام وهي الحوزة الدينية، ويتناول الجزء الثاني مؤسسة المرجعية الدينية، من حيث ضرورتها وغطائها الشرعي وهيكليتها، وأما الأجزاء الثلاث المتبقية فهي قراءة تحليلية معمقة في السيرة الذاتية لثلاث مراجع عظام تركوا آثارا مهمة على المجتمع الإسلامي.

2. المنهاج الثقافي السياسي الاجتماعي: كتاب مهم يتناول البناء العام للجماعة الصالحة من حيث النظام الفكري والثقافي والأخلاقي لهم.

3. الأربع عشرة مناهج ورؤى: كتاب يتضمن خطب الجمعة التي ألقاها شهيد المحراب (قدس سره) في الصحن الحيدري الشريف.

4. بين مقاومتين: مجموعة بحوث ومحاضرات للشهيد الحكيم (قدس سره) يسلط فيها الضوء على مفهوم المقاومة وشرعيتها من وجهة نظر إسلامية، ثم يتعرض إلى بعض الدعاوى الزائفة للمقاومة.

5. دموع القلم: كتاب جمع عدد من المقالات التي تحدثت عن الشهيد الحكيم (قدس سره) نشرت في وسائل الإعلام.

6. في رحاب المنتديات: كتاب تضمن انعكاسات شهادة السيد الحكيم (قدس سره) على قرّاء وكتّاب منتديات الحوار على الشبكة العنكبوتية.

7. انتفاضة صفر وشهيد المحراب: لقاء صحفي يسلط فيه الشهيد الحكيم (قدس سره) الضوء على دور الأمة في مواجهة الطغاة.

8. ضوء على القتل: كراس صدر ضمن سلسلة (الكبائر) تناول فيه الشهيد الحكيم (قدس سره) حقيقة القتل وآثاره على المجتمع.

9. نافذة على الإنفاق: كراس صدرَ ضمن سلسلة ( الطريق إلى الله) وهو مجموعة محاضرات عالج فيها شهيد المحراب (قدس سره) بعض جوانب الأزمة الاقتصادية.

10. الحب في الله: كراس صدر ضمن سلسلة (الطريق إلى الله)، وهو عدد من محاضرات شهيد المحراب حول دور الحب في طاعة الله.

11. التوبة: كراس صدر ضمن سلسلة (الطريق إلى الله)، وهو بعض المحاضرات الأخلاقية للشهيد الحكيم (قدس سره).

13. رفض الطغيان: كراس صدر ضمن سلسلة (منهجنا) وهو محضرات لشهيد المحراب (قدس سره) حول الطاغوت.

14. وبشّر الصابرين: كراس صدر ضمن سلسلة(منهجنا) وهو محاضرات للشهيد الحكيم (قدس سره) تناول فيها التعريف بالصبر ودوره في مسيرة الفرد والأمة.

15. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: كراس صدر ضمن سلسلة(منهجنا) وهو محاضرات للشهيد الحكيم (قدس سره) تناول فيها أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حركة المجتمع.

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية