أركان الخطاب السياسي

بعد التعرف على مفهوم الخطاب السياسي ومحتواه لابد أن نفهم الأركان الضرورية، التي لابد أن يتناولها، ويشتمل عليها:

التعبئة

الركن الأول: تعبئة الأمة(1) باتجاه الأهداف المنشودة، التي يراد تحقيقها في تلك المرحلة، بعد تشخيصها وتشخيص أهميتها، لذلك لابد أن يشتمل الخطاب السياسي على العناصر الأساسية لتحقيق هذه التعبئة، وعندما يفقد الخطاب السياسي عنصر التعبئة باتجاه الأهداف يفقد ركناً رئيسياً، ويصبح مصاباً بالشلل في جانب من جوانبه وخصائصه.


(1) هناك أمر لابد أن لا نغفل عنه، وهو دور الجماهير والناس أنفسهم في الثورة والتغيير وتحقيق أهداف الإسلام، صحيح أن للقيادة دوراً مركزياً وأساسياً في هذه المسألة، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تمكن من تغيير الناس وتمكن من تحقيق الأمة الإسلامية التي حملت همَّ الإسلام والرسالة الإسلامية إلى كل بني الإنسان، ولكن يبقى للناس - أيضاً - دور مهم آخر ولابد لهم أن يتحملوا مسئوليتهم..(منه (قدس سره)).

عناصر تعبئـة الأمة

والعناصر الرئيسية في هذه التعبئة هي:

العقيدة

العنصر الأول: انّ الإسلام له محتوى ومستويات كثيرة في فهم الناس، يبدأ من أعلاها كحالة شمولية لكل الأوضاع الاجتماعية، إلى أن يصبح بنظر بعض الناس عبارة عن تراث يحترم، ويقدس، ويكرم؛ باعتباره جزء من تاريخ الأمة.

إذن، الإسلام كعقيدة وحالة في تاريخ وتراث الأمة لابد أن يدخل كعنصر رئيس في تعبئة الأمة، فالأمة في العراق(1) أمة مسلمة بصورة عامة، ومرتبطة بالإسلام وبقيمه، حتى أولئك الذين خرجوا عن الإسلام سياسياً (العلمانيين)، فإن الكثير منهم بقي مرتبطاً بالإسلام، كممارسة عبادية، أو كتراث تعتز به الأمة، وترتبط به.

وأتذكر بهذا الصدد الأبحاث السياسية التي جرت في دمشق، عندما أريد توقيع ميثاق بين القوى السياسية العراقية المختلفة، وفيها قوى علمانية، وبعضها ينظر إلى الإسلام كتراث، أو ممارسة شخصية يحترمها أو يلتزم بها، مع انه لا يؤمن بالإسلام أصلاً، ولكن مع كل ذلك عندما طرحت قضية (إنّ الشعب العراقي شعب مسلم) تمسكت القوى الإسلامية بهذا المضمون، ليس باعتبارها نقطة رئيسية ترتبط بالفكر والثقافة التي تلتزم بها هذه القوى، فهذا شأن إسلامي، وإنمّا باعتبار انّ قضية الإسلام قضية تعبوية للأمة في مقابل النظام، وبهذه الرؤية تمكنت القوى الإسلامية من فرض هذه الهوية في الميثاق؛ باعتبار وجود هذا القاسم المشترك، وهذا العنصر الأساس.


(1) لا يخفى ان كلام شهيد المحراب (قدس سره) عام وشامل من الناحية التنظيرية للخطاب السياسي الإسلامي ولم يقتصر على العراق ولكنه ذكر العراق - هنا - لاهتمامه به وبقضيته والتي يعتبرها مركزية بالنسبة له، فهو يقول (قدس سره) عن تصديه لها: (أني واقعاً اعتبر نفسي جندياً يأمل أن يقوم ببعض ما وجب عليه في هذا الطريق... طريق خدمة الإسلام، بالتعاون مع الأخوة والأحبة العاملين في هذا الطريق) وفي مكان آخر يقول: (أجد من اللازم والواجب شرعاً عليّ أن أسير في هذا الدرب؛ لأن مسألة العراق لا تقبل المساومة؛ لأنها مسألة وجود الإسلام أو عدم وجوده، وحرية الإنسان وعبوديته في العراق. وهذهِ المسألة في كلا جانبيها ضحى من أجلها كل الأنبياء والصالحين من عباد الله سبحانه وتعالى).

الحرمان والمظلومية

العنصر الثاني: انّ قضية الحقوق المهدورة لأيّ شعب من الشعوب، قضية مشتركة وحقيقة قائمة لدى الأمة، يواجهها عامة أبناء الشعب، وهي وإن كانت ذات مستويات متعددة، ولكنها قضية مشتركة، ولها علاقة بتعبئة المواطن، سواء أكان مسلماً يرى من حقه أن يقيم الإسلام وحقوق الإسلام المهدورة، أم كان غير مسلم.

هذه مسألة مهمة في الخطاب السياسي والتعبئة، وهو ما يعبّر عنــه: بالمطالبة بالحقوق العامة، ومن موقع المظلومية، فمثلاً: حين نقاتل النظام المستبد في العراق يمكن ان نطرح - كما يصنع البعض - في خطابنا السياسي: ان هذا النظام هو نظام لا يحكم بما أنزل الله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون)(1)، وهذا الخطاب خطاب حسن، وهو حق يراه، ويتحرك من اجله الإنسان المؤمن الواعي الملتزم.

كما يمكن أن نطرح في الخطاب السياسي: مصادرة الحقوق، واستباحة الحرمات، والاستهانة بالكرامات(2)، وهو حق أيضاً يستحق القتال من أجله، ولكنه في الوقت نفسه حق يشترك فيه الإنسان المؤمن الواعي، والإنسان الذي لا يلتزم بالإسلام، أو أنه لا يهتم في الوقت الحاضر بحكم الإسلام، وكذلك يشترك فيه أولئك الــذيـن هدرت حقوقهم واستبيحت كراماتهم، فهم يتحركون دفاعاً عنها.

انّ الخطاب السياسي لابد أن يركّز على المضمون الثاني، انطلاقاً من الفكر الإسلامي، والشريعة الإسلامية، بخلاف الخطاب العقائدي الذي يركز بطبيعة الحال على المضمون الأول.


(1) المائدة:44

(2) تدرس كل هذه المشاكل ومدى تحسس الجمهور بها ووعيها وتطرح كل مشكلة في الوقت المناسب لها، فمثلاً مشكلة العمال تُطرح في عيد العمال، ومشكلة الجيش في عيد الجيش، وقضية حقوق الانسان في تاريخ الإعلان عن حقوق الإنسان، أو في المؤتمرات الدولية التي تعقد لهذه الغاية، وتُدعَم القضايا بالأرقام مهما أمكن..(منه (قدس سره)).

العزة والكرامة

العنصر الثالث: انّ الله تعالى فطر الإنسان على الإحساس بعزة النفس والكرامة، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(1)، فهو إحساس موجود حتى عند الإنسان الوضيع الذليل اجتماعياً، بل حتى المستسلم للأمر الواقع، غاية الأمر انه بسبب الضغوط والمحاصرة وغير ذلك من الأسباب، أصبح هذا الإحساس غير فاعل، فالتركيز على هذا الجانب، وتعبئته لصالح مواجهة النظام يتحرك هذا الإحساس عند الناس؛ ولذلك تعتبر قضية العزة والكرامة، ومخاطبة الفطرة الإنسانية من القضايا المهمة في الخطاب السياسي.


(1) الإسراء:70

الأمل والثقة بالنفس

العنصر الرابع: انّ قضية الأمل بالنصر والثقة بالنفس في تحقيق النصر بإذن الله تعالى هي من أهم عناصر التعبئة لدى الأمة، وانّ الشعب يملك كل الإمكانات التي تحقق له هذا النصر؛ ولذا أطلق الشهيد الصدر في خطابه السياسي(1) كلمته المعروفة (الشعوب أقوى من الطغاة مهما تجبروا). فإذا قدّم الشعب التضحيات لابد أن يتحقق النصر، والأمة والجماعة إذا فقدت الأمل ورؤية النصر، تتخاذل، وتستسلم، وتقبل بالأمر الواقع.

إنّ قضية النصر مهمة في موضوع الخطاب السياسي والتعبئة السياسية، ولذلك يعمل الطغاة - عادة - على فرض الاستسلام، من خلال قتل روح الأمل، وزرع اليأس في نفوس أبناء الشعب، وكذلك يتخذ المنافقون هذا العامل كعنصر أساس في إلحاق الهزيمة بالجماعة، حيث يعملون من داخلها بإيجاد روح اليأس، والحديث عن القضايا التي تدفعها إلى اليأس، وهو ما يسمى: بالحرب النفسية.

ولذلك نجد القرآن الكريم عندما يتحدث عن القضية السياسية يذكر النصر بأنه قضية حتمية - حتى في حالات اليأس التي تصل إلى درجة عالية، بحيث يصيب الرسل - بقوله: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين)(2) ومع وجود هذه الحقيقة فلايمكن للإنسان ان ينقطع عن الأمل في حركته في أي حال من الأحوال.

ومن هذا المنطلق يمكن ان نفهم أهمية موضوع الانتظار والتهيؤ، الذي يعتبر من أهم ما يميز مذهب أهل البيت (عليهم السلام)على كل المذاهب الإسلامية الأخرى، حيث يــكون باب النصر فيه مفتوحاً إلى الأبد، ولابد أن يأتي اليوم الذي ينتصر فيه الحق على الباطل انتصاراً مطلقاً، ويحكم العدل كل هذا الوجود، وأن الشخص الذي يحققه هو شخص موجود فعلاً، يتحرك في الواقع الخارجي، وليس شخصاً يأتي في المستقبل كما كانت تتحدث بذلك الأديان، فالشخص موجود ويتحرك؛ لأجل النصر، فالجندي عندما يشعر أنه يقتل ويتوقع أن يحقق الجندي الثاني أو الثالث أو الرابع هذا النصر ويصل للهدف، يهون عنده القتل، ولكن عندما يرى نفسه سيقتل ومعه الجندي الثاني والثالث، ثم لا يصل أي واحد منهم إلى النصر، فسوف تضعف حالة الصمود والاستمرار بالمواجهة، إلا ذلك الإنسان الذي يذوب في الله تعالى ذوباناً كاملاً، ويرى في النصر منه تعالى في معانٍ أخرى،مثل.. التكامل الذاتي عند الإنسان أو التكامل المعنوي عند الأمة، كما نشاهد ذلك في أنصار الحسين (عليه السلام).

ولكن إذا أردنا ان نتحدث عن الحالة العامة الروحية والنفسية للإنسان والأمة، فلابد أن نأخذ هذه القضية بنظر الاعتبار.

إذن، هناك عناصر رئيسية أربعة، مهمة في موضوع تعبئة الأمة.


(1) المقصود منه نداءاته الثلاثة التي وجهها للشعب العراقي قبل استشهاده (قدس سره) .

(2) يوسف:110

تحديد الهدف

الركن الثاني: تشخيص الهدف المرحلي المقصود من الحركة السياسية والتوجيهية فيه نحو ذلك الهدف، وتشخيص أولوية الهدف.

فالخطاب السياسي لا يريد أن يتحدث عن الأهداف العقائدية والفكرية، وهي الأهداف الإستراتيجية الثابتة، وإنما يريد أن يحقق هدفاً مرحلياً يرتبط بظروف الأمة، وأوضاعها الخاصة، وهذا الهدف يجب أن يكون مشخصاً ومحدداً، وإذا لم يحدد الهدف المرحلي فسوف يصبح ومن الطبيعي الاتجاه نحو الهدف الفكري والثقافي؛ لأن الأمة تعيش في الأهداف الفكرية والثقافية بطبيعة الحال، والمخاطبون قد تكون لهم تصورات متعددة، ومختلفة عن الأفكار الثقافية والفكرية، وعندئذ قد لا يجتمعون على تصور واحد ثقافياً وفكرياً، فالعلمانيون لهم أفكار ثقافية ورؤى فكرية، وهكذا الآخرون، وقد يكون البعض غير عقائديين ولا مسلمين ولا علمانيين، بل يفتشون عن أوضاعهم الخاصة، ومعاناتهم وظروفهم، ولابد من الاستفادة من طاقاتهم، فعدم تحديد الهدف سيجعل الحالة التعبوية المقصودة لتحقيق الهدف مشتتة وموزعة وغير قادرة على تحقيقه، بل قد تتقاطع معه لعدم الوضوح بالأفكار والتصورات.

تشخيص المنهج والمسار

الركن الثالث: تشخيص الطريق والمسار الذي لابد أن تسير فيه الأمة؛ لتحقيق الهدف، حيث يكون السؤال الأول عند تعبئة الأمة نحو الهدف المرحلي وإقناعها به: ما الطريق والنهج الذي لابد أن يتبع لتحقيق ذلك الهدف؟.

هذا المنهج لابد أن يتبناه الخطاب السياسي، ولا يراد منه المنهج الكلي العام الفكري الثقافي العقائدي الذي يتبناه الإسلام، وإنما يراد منه: تحديد معالم الطريق من خلال الوضع القائم الفعلي، لذلك بدون تحديده قد نجد اختلافاً كبيراً بين الناس حول أسلوب العمل الموصل للأهداف، وهذا النزاع قائم في ساحتنا الإسلامية بالفعل، وليس هو خلاف بين أفراد عاديين، بل بين القوى السياسية، وفي مجموعات وأوضاع كبيرة، حتى على صعيد المرجعية، باعتبار ان المنهج العملي الخارجي غير مشخص، وعندما نرجع إلى أصول هؤلاء المراجع، أو المختلفين في هذا الموضوع، لا نرى فيهم اختلافاً كبيراً في الفكر والعقيدة، بل الاختلاف في تشخيص ظروف الوضع القائم فعلاً، والمنهج الذي ينبغي أن يتبع، والأسلوب والمسار الذي يجب أن يلتزم في تحقيق ذلك الهدف.

الخطاب السياسي لابد أن يركز على هذا الموضوع؛ ليصبح واضحاً في تعبئة الأمة؛ للالتزام به، والاّ أي إذا لم يشخص المنهج بشكل واضح ودقيق تبقى العملية مشلولة وتراوح في مكانها، إذا لـم يشخص المنهج بشكل واضح ودقيق.

تشخيص المواقف

الركن الرابع: تشخيص المواقف تجاه القضايا المتعددة والمختلفة التي تعيشها الأمة، حتى يصبح الخطاب خطاباً سياسياً يعيش مع الأمة في قضاياها وظروفها، مثلاً: تطبيق القرار (986)(1)، ما هو الموقف السياسي تجاهه؟ هل هو دعوة الأمة لرفض القرار أو تأييدها له؟ وكيف ترفض أو تؤيد القرار؟ وهكذا في كل حادثة، كحرب غزو الكويت التي أشعلها النظام، وتجاه الحصار الاقتصادي، وتجاه الأوضاع في شمال العراق، وهكذا فإن تشخيص المواقف السياسية تجاه هذه القضايا لا على أساس المبادئ الكلية، بل بشكل واضح عملي يرتبط بظروف المرحلة، والمصالح العامة للأمة في حركتها نحو تحقيق أهدافها، وهكذا تشخيص الرؤى السياسية للأحداث؛ لأن الموقف السياسي دائماً يتبع رؤية معينة، ونعبر عنها: بتحليلنا السياسي للحدث، ونتيجة هذا التحليل والرؤية لهذا الحدث أو ذاك، تتخذ المواقف، وهذه القضايا ترتبط بالخطاب السياسي، وبدونها يعتبر الخطاب السياسي ناقصاً(2).


(1) وهو قرار النفط مقابل الغذاء.

(2) لقد استوعب الشهيد الصدر هذه الأركان في خطابه السياسي، ونداءاته السياسية، استيعاباً كاملاً يرتبط بالأوضاع السياسية التي كان يعيشها (قدس سره) وتعيشها الأمة، وكان الشهيد الصدر عندما أعد (النداءات) يتوقع ان يستشهد، وأراد لها أن تكون بيانات موجهة للشعب العراقي في الخطاب السياسي له؛ لأن طريقة إعدادها في الواقع تؤكد هذا الأمر، وهو لم يعلنها في حياته، وإنما أعدها لما بعد وفاته وشهادته، وطلب الاحتفاظ بها حتى يستشهد، وعند ذاك تذاع وتعلن. وكانت أمانة ووديعة عندي شخصياً حتى أستشهد، وقد بادرت بتحمل مسؤولية إيصال هذه الأشرطة إلى خارج العراق بعد شهادته بفترة قصيرة نسبياً، مع الأخذ بنظر الاعتبار الظروف التي كان يعيشها الشعب العراقي، وكنا نعيشها في المحاصرة..(منه (قدس سره) ).

 توصيات حول الخطاب السياسي

توجد عدة نقاط مهمة حول الخطاب الإعلامي السياسي يمكن إيجازها بالنقاط التالية:

أولاً: الاعتماد على الله تعالى والذات، والتوكل على الله تعالى، واستمداد الغيب الإلهي في العمل السياسي.

نعم، قد تكون هناك واجبات على المسلمين الآخرين، كالنصرة، والإسناد، لكن المسؤولية تقع على عاتق الأمة، حيث يتوكلون فيها على الله تعالى، ويطلبون العون والمساعدة من الآخرين بهذه المهمة، أما أن يتحول خطابنا السياسي إلى إلقاء اللوم على الآخرين، أو إيجاد التصور الخاطئ في قيام الآخرين بهذه المهمة، فهذا من الأخطاء الكبيرة في الخطاب السياسي.

ثانياً: المطالبة بالحريات المدنية، والسياسية، وحرية الشعائر الدينية، حيث لابد من التعبير عن هذه المطالبة بأيَّ أسلوب ممكن وميسر، ولابد أن نثقف شعبنا على هذا الموضوع.

ثالثاً: العمل على الانسجام مع حركة التحرر والنهضة الإسلامية وتطلعات المسلمين، وعودة الإسلام إلى الحياة العامة، والخلاص من الهيمنة الأجنبية سياسياً، واقتصادياً، وثقافياً.

رابعاً: التأكيد على ضرورة تحمل النتائج المادية، فانّ لكل مواجهة نتائج مادية، خسائر بالأموال والأنفس والثمرات، وفي المواجهة سجون واعتقال وتعذيب وتهجير ومطاردة وتشريد.

إنّ خطابنا السياسي يجب أن يعتمد على تشخيص هذا الموقف، وتوضيح هذه الرؤية للحركة التاريخية والتغييرات الاجتماعية، وانّ المواجهة لابد فيها من البذل، والعطاء، والالآم، والقرح قال تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(1) وقال: (الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)(2).

إنّ الكثير من أبناء الحركة الإسلامية درسوا الإسلام، وتثقفوا بمفاهيمه ورؤاه السياسية والاجتماعية، ولكنهم - مع الأسف - عندما تعرضوا للمحنة والآلام، لم يكونوا قادرين على مواصلة الطريق، والاستقامة عليه، فأصيبوا بالضعف والتراجع، وحاولوا أن يبرروا الهزيمة والضعف والتراجع والانعزال باختلاق خطاب سياسي، يضرب على وتر حسّاس في الأمة، ويداهن مشاعرها وأحاسيسها، ويصنع من الآلام والمحنة مبررات للهزيمة والانعزال.

في هذا المجال نجد انّ خطابنا السياسي لم يكتف بالتراجع عن هذا اللون من الخطاب، بل كان يقع في أخطاء سياسية فادحة عندما كان يصنع ويفتعل المبررات للاستسلام والخضوع، تحت شعار أن التحرك يستلزم التضحيات والآلام والمحن، ولا يصح أن يتعرض الشعب لذلك، مع ان أي تغيير حقيقي في الأمة لا يمكن أن يتحقق بدون هذه الآلام والمحن، مع أنّ القرآن الكريم أكد على انّ الوصول إلى الأهداف لا يمكن أن يتحقق بدون هذه الآلام والمحن قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)(3): وقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(4).

فيجب ان يتضمن خطابنا السياسي التأكيد على الصبر، والاستقامة، والثبات وجميع الآثار واللوازم التي تترتب على العمل الجهادي والمواجهة التغييرية، وبروح الشجاعة، والصبر، والثبات، لا بروح الهزيمة والخوف.

ويجب ان يكون ذلك - تتابع الآلام والأحداث - ثقافة سياسية، لا مجرد ثقافة فكرية ومفاهيمية تجريدية.

خامساً: عدم الدخول في الصراعات الجانبية، والمواجهة مع الأوساط والقوى السياسية الداخلية.

سادساً: الارتباط بالحوزة العلمية ودورها المهم في حياة المسلمين، فالحوزة مؤسسة مهمة لها طاقاتها وتشكيلاتها وأجهزتها وجذورها العميقة في الأمة روحياً، ومعنوياً، وتاريخياً، وتنظيمياً، ولابد من استثمار كل هذا الوجود في الخطاب السياسي؛ لأجل المواجهة.

سابعاً: الاهتمام في الخطاب السياسي بموضوع الحكم الشرعي، وقد استخدم الشهيد الصدر (قدس سره) هذه اللغة في خطابه السياسي. فاستخدم لغة (الواجب) و(الحرام) وقد استفاد من هذه اللغة الإمام الخميني (قدس سره) استفادة كبيرة جداً في مقام تعبئة الأمة في إيران، وربطها بالحركة السياسية، وبالإسلام، وكان لها كثير من التأثير الفعلي في الأوساط العامة، ففي هذه اللغة من الخطاب السياسي يمكن أن نقول عن الأشياء المرفوضة سياسياً: انها محرمة، فحرام على رجال الشرطة مداهمة البيوت، وانتهاك حرمات النساء، وحرام على أفراد الجيش والجنود قتل الأبرياء، وأنّ ذلك موجب لغضب الله والخلود في النار، إنّ الكثير من أوساط شعبنا يتأثر بهذه اللغة أكثر من اللغة السياسية العامة.


(1) آل عمران:140

(2) آل عمران:168

(3) البقرة:214

(4) البقرة:155-157

الإعلام الأوسع هو الأنجح

كيف نوسّع الإعلام في شعب يعيش حالة التعتيم الإعلامي والاختناق البوليسي؟! في الواقع انّ هذه مشكلة عسيرة لابد من تذليلها، ويمكن أن نلاحظ بعض الوسائل:

1. الاستفادة من المناسبات كالحج والاصطياف والمعارض الدولية وكذلك التجمعات السياسية والجامعية.

2. إيصال النشرات إلى أشخاص معدودين ومختارين بقصد توعيتهم، وهؤلاء قد يكونون بطبيعة وضعهم الكيفي قادرين على نشرها وإشاعتها كبعض العلماء والواعظين.

3. الاستفادة من الصحافة العالمية والغربية في المناسبات والأحداث السياسية.

4. الاستفادة من المؤتمرات الشعبية العالمية.

5. القيام بأعمال تنعش الجمهور وتبعث في نفسه الأمل.

6. الاستفادة من البـريد والهاتف.

7. إصدار كراسات تشرح الأعمال القمعية وغيرها التي ترتكبها الأنظمة.

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية