على خطى الرسول

ونحن نأمل من الله تعالى أن نسير في طريق فتح العراق، وتحويله إلى قاعدة إسلامية كي يدخل الآلاف، بل الملايين من الناس في دين الله أفواجاً.. وهذه الصورة المشرقة لن تتحقق ما لم يضع المؤمن أمامه حساب الآلام والمعاناة، ويستوعبها بصمود وصبر عال، ولا يتلكأ بسبب بعض الأقاويل التي تقال هنا وهناك من أجل توهينه ذلك؛ لأن هدفه رضا الله سبحانه، وتحقيق الإسلام وإنقاذ العراق(1) من أيدي الطغاة الكفرة وإرجاعه إلى موضعه الطبيعي.

ولكن يبقى كيف يتسنى لنا تحقيق النصر؟

لو وضع المؤمن المجاهد أمام عينه الهدف وسار على نهج الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)  وواجه الآلام والمعاناة، وصبر عليها، واتكل عليه سبحانه وتعالى، فالنصر سيتحقق بإذن الله؛ ولذا قال تعالى: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ)(2) ولم يقل: إذا جاء نصركم أنتم الذين تجاهدون في مكة، كما لم يقل تعالى : إذا جاء نصر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) مع كونه أفضل وأكرم إنسان على وجه الأرض، وإنما جعل هذا النصر الذي تسعى الأمة لتحقيقه مرهوناً بمجموعة من الحقائق:

الحقيقة الأولى: الأخلاق وهي التي لابد لكل مؤمن ان يتمثل بها، فالإنسان الذي يسير بهذا الطريق الشاق طريق الآلام يحتاج إلى أن يتمتع بمحتوى داخلي من الأخلاقية العالية، ليمكنه بها اجتياز العقبات.

كما في مَن أراد أن يصعد جبلا شاهقاً فلابدّ أن يتمتع بمواصفات جسميّة تؤهله للوصول إلى القمّة، وعلى رأس هذه الأخلاق المطلوبة لابدّ من وجود قصد القربة إلى الله تعالى في كلّ عمل في هذا المجال، بل على الإنسان أن ينسى ذاته وأهله وأخوته، ويضع رضا الله تعالى نصب عينيه، حتى يمكنه الوصول إلى نهاية الطريق، وعندما أقول: ينسى نفسه فمن باب أولى أن ينسى كلّ اعتباراته الشخصيّة التي لا قيمة لها حتى في الدنيا، فضلا عن الآخرة، إذاً، على العامل في سبيل الله التوجه إليه تعالى؛ وصولا إلى تحقيق الهدف المقدّس وإلاّ فالتفكير بالاعتبارات الخاصة، والمراكز، والاحتفاظ بها، لا تمكن أن تقدم المؤمن خطوة واحدة في هذا الطريق.

الحقيقة الثانية: إن النصر الإلهي مرهون على بذل الإنسان كلَّ ما يستطيع، لأن الله تعالى لا يكلف بما لا يستطاع، أما عندما يتمرد الإنسان، ولا يبذل ما في وسعه، فانه تعالى لا يعطيه أيّة قدرة يحاول بها مواجهة الطغاة، وعندئذ فالظالم سيسلب منه ما لم نعطه لله تعالى، ويأخذه منه مع الإذلال والهتك، فإذا تحقق المستوى العالي من البذل والتضحية والعطاء فان الله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(3).

الحقيقة الثالثة: أن يكون المؤمنون صفّاً واحداً ويداً واحدة وجماعة واحدة. وكرامة كلّ واحد منهم هي كرامة الجميع، فكونهم صفّاً واحداً هذا نوع من البذل، فقد يكون أحدهم عنده ملاحظات على هذا الإنسان أو ذاك، لكن ليس معنى هذا أن يكون في موقع وخندق معاد له. فالطريق الذي أمام المسلمين طريق واحد، هو طريق الإسلام فمن سار عليه يكونوا معه، حتى يكون معهم، ويكونوا يداً واحدة على أعدائهم، وبذلك يمكن أن يتحقق النصر (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)(4)، أمّا عندما يحتفظ كلّ واحد بموقعه فالله تعالى يحجب عنهم نصره؛ لأنهم رجعوا إلى ذواتهم.. ومن هنا يجب على المؤمنين العمل على كونهم صفّاً واحداً بالكلمة الحسنة مع من يحاول زرع الفرقة بينهم؛ لأن هذا وقت الصفاء والمحبّة.. وقت رصّ للصفوف.. وقت المسير الجادّ كي يأتي النصر.


(1) كان العراق ـ لمدة طويلة ـ عاصمة الدولة الإسلامية، وكان فيه عشرات الآلاف من العلماء من مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية الذين غزّوا العالم بعلومهم المختلفة، والعراق بلد العتبات المقدسة التي تهوى إليه قلوب المسلمين، وخصوصاً محبي أهل البيت(عليهم السلام) هذا البلد الإسلامي العريق؛ بسبب تعرضه للعديد من المؤامرات الاستعمارية عن طريق مجموعة ظالمة منحرفة تحول إلى قاعدة للكفر والاعتداء على الإسلام والمسلمين، شأنه شأن مكة التي تحوّلت في زمن المشركين إلى قاعدة لمواجهة دعوة نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) والحال أنه تعالى أرادها أن تكون مهوى لقلوب عباده الصالحين. منه(قدس سره)

(2) النصر: 1

(3) محمد: 7

(4) آل عمران : 103

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية