![]() |
|
الخصوصية الثالثة: هي التعويض عما يلاقيه الإنسان في الحياة الدنيا، بما يعطى له في المرحلة الثانية، تلك المرحلة الأبدية الواسعة والحقيقية والمهمة. ولنأخذ نموذجاً بسيطاً لذلك، الطالب الذي يدرس سنين ليست بالقليلة من عمره اثني عشرة سنة، وأحياناً ست عشرة سنة أو أكثر، وفي هذه الفترة يعاني ما يعاني من السهر، والآلام، وصرف الأموال، وتحمل ظروف الهجرة أحياناً، والامتحان و... فتحمله في كثير من الأحيان؛ لأجل التعويض الذي يحصل عليه في المرحلة الثانية، كأن يفكر في وظيفة، فيحصل عليها، أو في جاه فيحصل عليه أو غيره. وهكذا الحال فيمن يقوم بتجربة للحصول على فوائد ما بعد هذه المرحلة، كمن يفتح معملا يتحمل في البداية العناء الكثير، ويبذل الأموال الطائلة؛ كل ذلك من اجل من يتوقع تحصيله من تعويض في المرحلة اللاحقة. وهكذا الإسلام، ـ أيضاً ـ أدخل عنصر التعويض، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)(1) حيث يعطي لعملية التضحيات والمعاناة التي يتحملها الإنسان، مفهوم التجارة المبادلة والتعويض.... هذه هي الخصوصيات الثلاث التي إن جمعنا بينها يمكن لهذه المعادلة أن تتم، ولكن ضمن الخطوتين التاليتين: الخطوة الأولى: الإسلام والشريعة التي يمثلها القرآن الكريم يعطيان مقداراً معقولا من التنفيس لهذه الغرائز؛ لأنه لو أراد القرآن الكريم إلغاء هذه الغرائز، لما استطاع الإنسان أن يتحمل هذا الضغط في الوقت الذي زرع الله سبحانه فيه هذه الغرائز وأوجدها فيه. فالخطوة الأولى التي خطاها الإسلام في هذه المعادلة، هو أنه أوجد إنساناً له علاقات مع المجتمع، وهذه العلاقات لا تقيد كل غرائزه، كما لا تخدم كل غرائزه، وإنما هو كإنسان ذي غرائز ونوازع واحساسات معينة يمكن أن يتعامل مع المجتمع، مع الاحتفاظ بوجوده وبكيانه الروحي والنفسي. الخطوة الثانية: في هذه المعادلة هي طلب الإسلام من الإنسان التنازل عن بعض نوازعه ورغباته، وتقديم بعض التضحيات بماله، وبوقته وراحته، وأحياناً بنفسه في قبال عوض. إن الإسلام يؤكد على هذا الجانب ـ جانب النوازع ـ لأن من أهم الغرائز الموجودة في الإنسان هي غريزة حب الذات الحاكمة على كل الغرائز، فالإسلام لا يطلب من الإنسان أن يضحي بذاته، وغرائزه بشكل مطلق، كالشخص الذي ضحى بكل ماله ـ مثلا ـ هو في الحقيقة لم يضحِ بماله بشكل مطلق؛ لأن هذه التضحية بالمال هي في مرحلة معينة من حياته، وهي الحياة الدنيا، من قبيل أن يأتي شخص إلى آخر ويقول له: أعطني مالك في هذه المرحلة، وأعطيك أضعاف هذا في مرحلة أخرى. ومن قبيل أن شخصاً يريد أن يفتح معملا، فأنه في المرحلة الأولى من عمله هذا يتحمل عناءً كثيراً، ويبذل كل ما في يديه من أموال، من أجل أن يحصل على تعويض لكل هذه الأتعاب، وعلى أضعاف من أمواله التي ضحى بها في مرحلة لاحقة. فهذا الشيء لا يمكن أن يحصل عليه ما لم يعط في حياة الإنسان هذا المدى البعيد والواسع، وما لم يدخل عنصر التعويض في المرحلة الثانية عما يقدمه الإنسان في المرحلة الأولى، وهي مرحلة الدنيا.
ومن خلال كل ما تقدم، اتضح حل التناقض والتزاحم الواقع بين أفراد المجتمع، بسبب وجود الغرائز لدى الإنسان؛ لأنه عندما يقال للإنسان، ضحي بمالك أو بنفسك أو.. أو.. من اجل المجتمع والمستضعفين والفقراء، فانه لا يطلب منه ذلك بلا عوض.. بل بإزاء أن تكون ذاته اكبر واعظم واعرف واحسن في مرحلة قادمة، وهي تضحية طبيعية بملاحظة هذا الهدف الواسع، وليس هذا الوعد قضية شكلية ولفظية، بل عملية واقعية يدركها الإنسان من صميم ذاته، انطلاقاً من اعتماده على الله تعالى، وتوكله عليه. إن هذه الغرائز لو أعطيت مجالا كاملا وحرية مطلقةً في التنفيس؛ لتهافت المجتمع، ولأدى بالتالي إلى انهياره. وهناك مسألة هامة جداً، وهي مسألة الإيمان الوجداني بمثل هذه القضايا والأحكام، فإننا عندما نبين هذا المفهوم، ونحاول أن نفسر به التشريع الإسلامي، بالتأكيد نريد ـ ايضاً ـ أن ننتقل من عالم العقل إلى عالم الوجدان، وبدون ذلك لا يمكن حل مثل هذا التناقض. إن الإنسان في كثير من الأحيان قد يؤمن عقلياً بأشياء معينة، ولكن سلوكياً ووجدانياً لا يكون مؤمناً بها، أي: يجسّد هذا الشيء في سلوكه، ولا يجده في قرارة نفسه، والآية الكريمة تشير إلى ذلك في وصف الكفار أو بعضهم الذين يكفرون بالأنبياء: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ)(1) فالإنسان قد يحصل عنده اليقين أو المعرفة بالشيء، كإيمانه بالأنبياء، والشرائع السماوية، والحياة الآخرة، وما فيها من الجزاء على سلوك الإنسان في الدنيا، ومع ذلك تحصل عنده حالة الجحود والرفض الوجداني والسلوكي. إذاً، فنحن بحاجة إلى الإيمان الوجداني بمثل هذه القضايا والأحكام والمفاهيم، بحيث يكون هذا الإيمان مؤشراً على سلوكنا وأعمالنا. وكما تقدم أن مصاديق الامتحانات الإلهية كثيرة وعديدة، فمنها: ما هو نابع من الذات الإنسانية كالغرائز والشهوات، ومنها: ما هو خارج عنها، كابتلاء الأمة بحكام الظلم والجور، وقد حث الشارع المقدس المؤمن على التحلي بالصبر والثبات في مواجهة كل التحديات التي تواجهه. أعطى القرآن الكريم صفة الصبر، وهو أنه ليس سلبيّاً انهزاميا، وإنما هو إيجابي، ثوري، هجومي، بمعنى: مفهوم الفعل لا ردّ الفعل، والحال إن الكثير من مجتمعاتنا عندما تتعرض للاضطهاد تصبر عليه، أي: أنها تستسلم، والصبر بهذا المعنى يكون سلبياً انهزاميا، وهو أمر غير مقبول، أن يؤخذ مال الإنسان ويعتدى على عرضه ثم يسكت.. بل أحياناً يقتل أخوه الذي في جنبه، ومع ذلك يسكت!.. وكثيراً ما يعمل بهذا المفهوم السلبي الانهزامي بأن يوصي الإنسان أخاه بضرورة الصبر على مثل هذه الحالات؛ لأن القرآن الكريم أوصانا بالصبر !! هذه حالة مرضية يحاول فيها الإنسان إيجاد مبرر شرعي لضعفه واستسلامه؛ ولذلك قال القرآن الكريم: ( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) قبل أن يقول: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). بمعنى أننا أولاً لابدّ أن نفهم الحق، ونعرف أن الموقف السلبي إزاء الظلم ليس من الحق، وإنما الحق هو الثورة عليه ومقاومته، فالظلم سواء كان نازلا بالإنسان وحده (كوحدة مستقلة) أم كان نازلا بالمجتمع ( باعتبار أن الإنسان يتحمل مسؤولية مجتمعة) فإن التواصي بالحق يفرض عليه تحمل مسؤولية الفرد أو المجتمع، ومن هنا يكون الصبر ذا مفهوم إيجابي لا سلبي... فالصبر الذي يجب التواصي به إنما يعني تحمّل المصاعب والآلام في اجتياز العقبات التي تواجه السير في طريق الحق.. فالإنسان عندما يدعو إلى الحق سوف يواجه اتهامات، أو ضرباً، أو شتماً، وقتلا، أو سجناً، أو تعذيباً، أو أشكالا أخرى، وخصوصاً العلماء، فكلّ الداعين إلى الحق واجهوا أنواع التعذيب، فما لم يتبع أسلوب الصبر في دعوة الحق لا يمكن تحقيق الأهداف المرادة. فهذا هو مفهوم الصبر الذي جاء به الإسلام؛ ولذا لابد للمجتمع الإسلامي أن يتواصى بالحق. من اجل استيعاب الناس للمحن والآلام وتحقيق حكم الله سبحانه وتعالى في الأرض، ومن اجل الوصول إلى أهدافهم في التواصي بالحق، لابد لهم من أن يتواصوا بالصبر. ولابد للإنسان أن يصبر؛ لان المسألة ليست مسألة رغبة في تطبيق الحق. وإذا سألنا أي إنسان على وجه الأرض، مهما كان تفكيره وتوجهاته، نجد لديه رغبة حقيقية في تطبيق الحق، مما يعني انه مفطور على هذا الاتجاه، ولكن مجرد الرغبة لا تنتهي إلى تحقيق الهدف، بل يحتاج تحقيقه حسب قوله تعالى: ( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(1) إلى عملية التواصي بالحق والى تحمل المشاق والآلام والمشاكل. وإذا أردنا أن ننظر إلى تاريخ الأنبياء وتاريخ العمل الإلهي المتجسد بهم وبأوصيائهم والعلماء، ومن سار على نهجهم من الصالحين والمجاهدين، نجد أن هذا الطريق مملوء بالآلام والمشاكل والعقبات؛ وذلك من اجل الوصول إلى هذا الهدف، ولولا الصبر لما أمكن تحمل المشاكل والآلام والعقبات التي يمتلئ بها هذا الطريق وإلا فالأنبياء جميعاً تحملوا العقبات، مع أنهم كانوا مختلفين من حيث الزمان والمكان، وحتى من حيث الشخصية، وهم ليسوا في رتبة واحدة، ومختلفون من حيث الرسالات التي جاءوا بها، وكذلك الخصوصيات. ومن الطبيعي إن هذه الرسالات تمثل خطاً واحداً، ولكن تختلف في بعض الخصوصيات وبعض الظروف. إذاً، فالأنبياء، مختلفون في كل هذه الأشياء، ومع ذلك تجمعهم قضية واحدة، وهي قضية الآلام والمشاكل والعقبات، وهذه سُنّة من سنن الله سبحانه وتعالى التي جعلها في الخلق وتاريخ الإنسان، ودلّل عليها بالحجج والبراهين الكثيرة في تاريخ البشرية عامة، والأنبياء على وجه الخصوص، هؤلاء الهداة الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى لسعادة البشرية في الدارين، الدنيا والآخرة، ثم سار من بعدهم عليها مَن اهتدى بهديهم، وانتهج خطهم، واقتفى أثرهم. لقد جعل الله سبحانه وتعالى من سنن التاريخ طغيان الظلم والجور، حتى يرى الإنسان أن لا منفذ للهدى والعدل، ويبلغ اليأس من الانتصار والقدرة على تحقيق العدل الإلهي في نفوس من اختارهم الله لقيادة البشرية مبلغاً كبيراً، ثم يتحول الوضع الاجتماعي من نقطة اليأس إلى نقطة النصر؛ نتيجة لمواصلة الدرب، والصبر عليه. فعندما أرسل الله سبحانه وتعالى موسى(عليه السلام) لهداية فرعون، وإنقاذ بني إسرائيل(1)، كان الجو الاجتماعي والسياسي العام هو سيطرة فرعون، أو بعبارة أخرى سيطرة الحالة الفرعونية ـ التي تفترض أن إنساناً ما يستعبد الناس ويستذلهم، ويحاول من خلال ذاته ووجوده الشخصي أن يفرض عليهم القانون والسلوك والعلاقات، ويستضعفهم كلهم ـ فموسى (عليه السلام) كان من قوم يعيشون هذا الجو السياسي والاجتماعي الفرعوني، ولذا كان(عليه السلام) يتخوف ويتردد مرة بعد أخرى أن يخاطب فرعون بما بعثه الله سبحانه وتعالى به، حتى جاءه الأمر الإلهي القاطع بالسير في الطريق، (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى* قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى *فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)(2) وبعد أن سار فيه، نصره الله سبحانه وتعالى، بعد أن سار على الدرب الذي رسمه الله سبحانه وتعالى له، وصبر على الأذى، فتمكن هذا المستضعف، أن يغير الموازين، فيثبت سنّة من سنن الله التي رسمها للبشرية، ويرث الأرض (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين (َ(3) وفي حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تطبيقاً آخر للسنّة التاريخية الإلهية، حيث كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يتيماً، في أمة(4) مستضعفة إذا ما قورنت بالأمم الأخرى ـ آنذاك ـ كأمة كسرى وقيصر، لكن الله تعالى شاء أن يغير بموجب سنة من سنن التاريخ: وهي أن أي شعب أو أمة إذا تهيأ لهم قائد صابر، محتسب، مصمم، عازم على السير في طريق الحق، فانه يتمكن بإرادة الله تعالى، وبما وضعه من سنة التاريخ أن يغير الموازين، ويحولها، وبالتالي يحقق العدل الإلهي في مجتمعه. وهذا ما حصل للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث نلاحظ أنه بما بعثه من روح الإسلام في نفوس الأمة والشعب المستضعف، تمكن أن يغير الموازين، ويجعل من هذا الشعب المستضعف شعباً رائداً وقائداً للعالم كله، يتطلع العالم إلى تجربته، ويسعى للأخذ بها وتطبيقها وتحقيقها (5). (1) فهم كانوا في أدنى درجات الهرم الاجتماعي ـ آنذاك ـ كما كانوا يُستضعفُون، ويُستذلُون، ويُستعبدون، وكان فرعون يقتل الرجال والأطفال منهم، ويستحيي النساء للخدمة. منه(قدس سره) (4) كان الشعب العربي مستضعفاً تتقاذفه السلطات والطغاة، كما كان بالقياس إلى الهرم الاجتماعي العام للأمم والشعوب وقتئذٍ، يمثل أدنى الشعوب من حيث الأخلاق، والسلوك، والقيم، والمثل التي كان يسير عليها. منه (قدس سره) (5) وفي تاريخنا الحديث عندما ننظر إلى تجربة الثورة الإسلامية في إيران نرى هذهِ الحقيقة والسنة التاريخية التي وضعها الله تعالى للبشرية. فقد أصبحت الشعوب الإسلامية عامة، والشعب الإيراني على وجه الخصوص، مستعبدة، نتيجة للغزو الاستعماري العسكري والثقافي والسياسي الذي تمكن من أمتنا، ووضعها تحت سيطرة قواه العسكرية والثقافية واتجاهاته السياسية، وراحت الإمبريالية ـ التي تعني الهيمنة والاستعمار الاقتصادي بشكل عام ـ تلعب بها كيف تشاء، وتحولها يميناً تارة، وشمالا أخرى. فهي أمة مستضعفة مستعبدة بمعنى من معاني الاستعباد يناسب هذا العصر والوضع السياسي، إذ تحولت العبودية في عصرنا إلى معنىً آخر غير الذي كانت عليه في أيام فرعون والجاهلية الأولى. وأصبحت ذات معنى حديث يتناسب مع حضارة هذا العصر. هذه الأمة مستضعفة من قبل الدول الكبرى. وفي نفوس أبنائها وحتى كبار قادتها يأس من القدرة على التغيير والتبديل، وتحويل? مجريات الأمور بنحو يبعث فيها روح الاستقلال والسيادة، التي هي روح الإسلام الذي لا يعترف بهذه الحضارة المادية بمعنييها الشرقي والغربي. وبالرغم من اليأس والاستضعاف والاستعباد نرى هذهِ الأمة عندما تهيأ لها قائد آمن بالله سبحانه وتعالى، وقضية الأمة، وصمم وعزم على السير في درب الأنبياء، والصالحين من أجداده الأئمة الأطهار) تمكن بقدرة الله سبحانه وتعالى، وسنة التاريخ التي أشرنا إليها، والتي حكمت التاريخ منذ بدايته، وتحكمه حتى نهايته، أن يغير الوضع السياسي والاجتماعي على ما به من الظلام والقتام والشدة والقسوة. منه(قدس سره)
إن الربح والخسارة على مراتب، فقد يربح الإنسان شيئاً قليلا وقد يخسر كذلك، فالربح والخسارة باعتبار إطلاقهما وعدم تحديدهما بحدّ معيّن في قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ *إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(1) فهما يعنيان الربح المطلق والخسارة المطلقة، بمعنى: أن الإنسان إمّا في خسران مطلق لا يقترن معه أيّ ربح، أو بالعكس، إذ لم نجد الخسران بحدٍّ معيّن حتى يمكن أن نفترض معه وجود شيء من الربح، وكذلك الربح لم يحدّ بقدر معيّن حتى يمكن أن نفترض معه وجود شيء من الخسران وإنما قالت الآية: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) بشكل عام، وفي مقابله حدّد القرآن الكريم موضوع الربح، وعندما يتخلى الإنسان عن هذا الموضوع فلابدّ أن يكون في الجانب الآخر، وهو الخسران المطلق. والسؤال الذي يأتي في المقام: ما هي معالم الربح؟ وفي مقام الإجابة نقول: لقد حُدّد موضوع الربح بحدّين أو معلمين، هما: الأول: الأعمال التي يقوم بها الإنسان باعتبار أنه وحدة مستقلة مرتبطة بالله تعالى، غير مرتبط بأيّة جماعة أخرى؛ ولذا جاء في الآية ( إِلاًّ الَّذِينَ آمَنُوا)(1) باعتبار أن الإنسان يعيش حالة الإيمان بالله تعالى، وبرسله، وبكتبه، وبالعقائد الأخرى التي جاء بها الإسلام ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (2)... ثم تضيف الآية قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)(3) باعتبار أن العمل الصالح تجسيد لذلك الإيمان؛ لأن الإيمان بلا عمل لا فائدة منه، وكذلك العمل بلا إيمان، بل ولا ربح يترتب عليه! فهناك إيمان بالقلب يعيشه الإنسان. والإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله لابدّ أن يتجسّد بأعمال تنسجم معه، فلا يشرك مع عبادة الله تعالى شهوة معيّنة، أو إنساناً، أو جاهاً، أو صنماً.. ولابدّ أن يؤمن بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأن ما جاء به إنما هو من عند الله تعالى، وأن حكمه حكم الله تعالى، ولذا لابدّ من إطاعته وتنفيذ أوامره، ولا يؤمن بأيّ حكم آخر في مقابل هذا الحكم. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الإيمان بكتب الله تعالى والتعاليم التي جاءت بها هذه الكتب، وكذلك بالنسبة إلى اليوم الآخر فعليه أن يؤمن أن هذه الحياة الدنيا ليست وحدها هي الحياة، وإنما هي ممتدّة طويلة تبدأ بالحياة الدنيا وتنتهي بالحياة الآخرة، وأن الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة..وهذا الإيمان عندما يجسّد في عمل فلابدّ أن يظهر في تصرفاته بشكل يختلف عن الإنسان الذي يرى أن الحياة فقط هي الحياة الدنيا بما فيها من رغبات وشهوات وملذّات، وهذه رؤية ضيّقة بخلاف الرؤية الواسعة السابقة. الثاني: النظرة إلى الإنسان كجزء من جماعة، وهذه الجماعة يمكن أن تحقق بمجموعها خلافة الله تعالى في الأرض، عن طريق إِعمارها ونشر العدل والصلاح فيها، وجعل الحياة مع هذه الجماعة نموذجاً للحياة التي يريدها الله تعالى للإنسان، وهي كذلك تكون مقدمة إلى الحياة الأبدية التي يعيشها الإنسان في الآخرة. إن هذا المعلم الذي يُنظر فيه للإنسان كجزء من مجتمع وليس وحدة مستقلة اُشير إليه بقوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) حيث افترض فيه أن الإنسان ليس شيئاً مستقلا قائماً بذاته، وإنما هو يعيش إلى جنب إنسان آخر، يعمل ويتعامل معه ويرتبط به؛ ولذلك فان هذا يوصي ذاك وذاك يوصي هذا؛ لأن التواصي يحتاج إلى طرفين على أقلّ تقدير. اذاً؛ فالإنسان ـ في هذا الحدّ ـ نظر إليه على أنه لا يعيش منفرداً لا يتحمّل أيّة مسؤولية، وإنما نُظر إليه كجزء من وحدة اِجتماعية؛ ولذلك تترتب عليه مسؤوليات ذلك المجتمع المعبّر عنها بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر. أمّا إذا اكتفى الإنسان بإيمانه بالله تعالى، وجسّده في سلوكه الشخصي دون أن يتحمّل مسؤولية المجتمع ـ التي يمكن بواسطتها تحقيق مجتمع العدل الإلهي ـ فلا يحصل على أيّ ربح، بل تتحقق الخسارة المطلقة. فعلى الإنسان أن لا يكتفي بنفسه فقط، بإيمانه بالله تعالى، وبكتبه، وبرسله، وعباداته الأخرى، من صيام، أو صلاة، أو إنفاق ماله في سبيل الله، أو غير ذلك من الأوامر التي جاء بها القرآن الكريم مما يتعلق بسلوك الإنسان، ولا يتحمّل مسؤولية مجتمعة؛ لأن الربح ـ كما تقدم ـ يحصل من مجموع المعلَمين اللذين تقدمت الإشارة لهما. |
|
|
|||