![]() |
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد و آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. تعيش مع الإنسان ثنائية مطلقة يخضع بشكل مباشر أو غير مباشر إلى معطياتها. فهناك الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والصدق والكذب، وغيرها الكثير.. والإنسان بما حباه الله تعالى من عقل وإرادة، يذهب مختاراً إلى إحداها، حيث يختار القيّم الكريمة التي تقوده إلى الخير والفضيلة، وقد تسوّل له نفسه الجنوح؛ ليختار السقوط، وهوى الشيطان.. والصبر وما فيه من سمو نفسي وروحي، قد أوصى به تعالى، حيث جعله من صفات المؤمنين والدعاة والأنبياء، الذين يتخذونه طريقاً لاحباً للوصول إلى رضاه.. وكذلك جعله الإمام علي(عليه السلام) شعبة من شعب الإيمان، وبمثابة الرأس من الجسد... هو كقيمة عليا يعني: النضج، والأناة، والتوؤدة، وترويض النفس على مواجهة الواقع، بالإضافة إلى الإيمان والخضوع المطلق لقضاء الله وقدره... إن سيدنا شهيد المحراب(قدس سره)، عالج هذه المفردة ـ الصبر ـ بدقة، ولكنه يرفض اتخاذها ـ كما يحلو للبعض ـ رداءً تختفي وراءه كل عوامل الذل والتواكل والاستسلام المطلق للظلم، وإنما حاول تفعيل مدلول هذه المفردة؛ لأعطائها معنى حركياً فاعلاً يتشكل لدى المجاهدين؛ كي يظلوا على موقفهم في مقارعتهم للظلم والظالمين دون هوادة، إلى أن يأذن الله تعالى بنصره للمؤمنين الصابرين.. ولأهمية الموضوع سعى قسم الإصدارات في الدائرة الثقافية بتجميع محاضرات شهيد المحراب مضافاً إلى ما خطه قلمه الشريف في هذا المضمار، ومن ثم تبويبها، وفهرستها، و إخراجها في كراس؛ ليكون نافعاً لعموم المؤمنين. نسأل الله تعالى أن يكون عملنا هذا حسنة مضاعفة في ميزان أعمال شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم(قدس سره)، ويكون ذخراً لكل الجهود التي بذلت في إخراج هذا الكراس ( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ).
قال تعالى في محكم كتابه الكريم: (الم*أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين)(1). الآية الكريمة تشير إلى قانون من القوانين، وسنة من سنن الله سبحانه وتعالى لعباده، وهي سنة الامتحان، وقانون الفتنة. فجعل الله سبحانه وتعالى الامتحان والفتنة قانوناً إنسانياً اجتماعياً، يعيشه الإنسان منذ أن خلقه سبحانه وتعالى على وجه الأرض. وفي الآية الكريمة يُشار إلى السبب والعلة في جعل هذا القانون الاجتماعي الإنساني، قانوناً للامتحان والفتنة: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ...) إذاً، هؤلاء يفتنون كما فتن الذين من قبلهم؛ والسبب الذي جُعل من وراء هذا القانون هو: (... فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين) وهنا يتبادر إلى الأذهان السؤال التالي: لماذا جعل الله سبحانه وتعالى قانون الفتنة والامتحان؟ إذا كان السبب هو معرفة الصادق من الكاذب، فهذا ـ الامتحان ـ إنما يقوم به الشخص الذي لا يعرف حقيقة الأشياء، أما الله سبحانه وتعالى فهو العالم بالسرائر، وما تخفي الصدور، وهو الذي خلق الإنسان وكوّنه، ويعرف غرائزه ونوازعه واتجاهاته. كما انه تعالى يعرف مصيره المستقبلي، وما يكون عليه... إذاً، لماذا جعل سبحانه وتعالى قانون الامتحان والفتنة، مع علمه المطلق بالإنسان وحقيقته؟ هذا السؤال يطرحه الكثير من الناس، خصوصاً عندما يتعرضون للامتحان، فيقولون: لماذا يمتحن الله تعالى عباده؟ ولماذا يبتلينا ويعرضنا لهذه المشكلة؟. لماذا لم يرتب سبحانه وتعالى أوضاعنا بنحو نعيش فيه الاستقرار والراحة والسعادة دائماً، ويكون طريقنا طريق راحة ودعة دائماً ؟ لماذا نعيش هذه الآلام والمآسي والمشاكل، مع قدرته على ترتيب الأوضاع بالشكل المناسب لراحتنا البدنية واستقرارنا وسعادتنا؟ هل كل ذلك من اجل أن يعلم الصادق والكاذب منا؟ وهو سبحانه وتعالى عالم بالسرائر. والإجابة عن هذه التساؤلات يمكن أن تتضح عند التأمل في طبيعة هذا الامتحان، والفتنة التي جعلها الله سبحانه وتعالى قانوناً طبيعياً للبشرية. ذلك لان الله سبحانه وتعالى لم يجعل هذا الامتحان، ليكشف أمراً مجهولا بالنسبة له؛ بل ليتبين صدق وكذب الإنسان معه تعالى، لا على سبيل الكشف، وإنما على سبيل جعل الإنسان في سلوكه وواقعه النفسي وإمكاناته صادقاً معه جل وعلا، وسائراً على طريق الحق، وهو من قبيل الامتحانات العلمية التي توضع من اجل زيادة معلومات الإنسان. إن في الإنسان خصوصية مهمة، وهي ضرورة أن يلاحظ نفسه، ويراقب تصرفاته ومواقفه في كل لحظة من اللحظات؛ لأنه يختلف عن بقية المخلوقات بشيء ثمين وهو العقل. فعليه أن لا يكتفي بقوله: (الحمد لله رب العالمين، قرأت الكتب، وصليت، وصمت، وأعطيت، وأنفقت على الفقراء، وساعدت المحتاجين، وقضيت حاجات المؤمنين، وغير ذلك، إذاً، فأنا إنسان صالح استحق الجنة) لأنه دائماً معرض للامتحان. وهذه النقطة مهمة؛ لان الامتحان بحسب الحقيقة، قانون عام وطبيعي، يسري على البشرية باستمرار. فهو لا يقتصر على أولئك الأشخاص الذين كانوا مع الأنبياء السابقين، أو مع النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الحسين(عليه السلام)، دوننا.. كلا، فهذا ليس من العدل الإلهي، والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وخلق معه هذين القطبين ـ الخير والشر ـ وخلق فيه الإرادة، ثم جعل الثواب والعقاب. إذاً، فمن العدل الإلهي، سريان الامتحان على الإنسان في مختلف الأزمنة، حيث انه كما يمتحن ذلك الإنسان في زمن الحسين(عليه السلام) بان يكون في صفه أو في صف يزيد، وكما يمتحن من كان في زمن النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يكون في صفه أو في صف أبي جهل وأبي سفيان، وكما يمتحن الإنسان في زمن موسى بان يكون في صفه أو في صف فرعون، وهكذا... فمن العدل الإلهي أن يمتحن هذا الإنسان في زماننا أيضاً. يلزم علينا أن نعلم انه في كل زمان، ومكان، وفي كل مجتمع وأمة، يتعرض الإنسان إلى الامتحان، حيث أننا نعتقد بوجود الإمام الثاني عشر، وانه يعيش فيما بيننا، يحمل همومنا وقضيتنا، وله موقف من كل ما يجري من أحداث، خصوصاً ما يجري من معركة طاحنة وصراع عنيف بين الحق والباطل، ومما لا شك فيه أن موقفه مع الحق وأهله؛ لأنه إمام منصوب من قبل الله سبحانه وتعالى، ومدخر لإنقاذ البشرية ويحمل همومها، فلا يمكن أن موقفه يكون مع طواغيت العصر كصدام، بل موقفه مع الجانب الآخر كما هو الواقع إذ لا يمكن أن يكون موقفه مع صدام وأبناء يزيد من قتلة الحسين(عليه السلام) وقتلة الصادقين والأولياء والأحبار والعلماء، أمثال السيد الشهيد الصدر (قدس سره). إذاً، فمن يقف ضد هذا الجانب ـ أي جانب الحق ـ فهو واقف في مواجهة الإمام الحجة والإمام الحسين(عليه السلام) والإمام علي(عليه السلام) والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالتالي في مواجهة الله الواحد القهار... إذاً، فنحن معرضون إلى نفس الامتحان الذي تعرض له أولئك المسلمون في زمان الإمام الحسين(عليه السلام)... بحيث يُخير الإنسان بين أن يكون مع الحسين(عليه السلام) فيُقتل، ويتعرض ماله وأهله وكل ما يتعلق به إلى الأذى، وبين أن يكون مع يزيد، ويحارب الحسين (عليه السلام) ويهتك عيالاته، ويسلبهم، ويسبيهم، ويقتل ابن الحسين(عليه السلام) وأخاه وأصحابه. ونحن قد نقول: الحمد لله الذي لم نكن في ذلك الوقت، ولكن هذا غير صحيح؛ لأننا نحن ـ أيضا ـ نعيش الحالة ذاتها، إذ إنه يوجد إمام وتوجد معركة، والإمام واقف في جانب من تلك المعركة، وهؤلاء أصحابه، وأولياؤه، وأحباؤه، وعيالاته، ونساؤه. ونحن نتعرض الآن إلى ذات الامتحان، أنذهب إلى جانب الإمام، فنتعرض إلى الشهادة، وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وتشريد الأطفال، وبالتالي نصعد في إنسانيتنا فيما كرم الله سبحانه وتعالى به الإنسان، أم نقف في مقابل الإمام، من اجل الحفاظ على بعض الشهوات والمصالح، ونخسر الدنيا والآخرة، كما خسر من وقف في مقابل الإمام الحسين(عليه السلام) دنياه وأخرته؟ وهذه المسألة نعيشها الآن ويعيشها الآتون، كما عاشها الماضون. وهي قانون طبيعي. نحن أمام خيارين من القانون الطبيعي. فأما أن نصعد إلى صفوف الملائكة وقد نفوقهم، أو ننزل، فنكون أخس من الشياطين، وأخس من يزيد وصدام؛ لأننا من اتباعهم، والتابع أخس من المتبوع. وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ كـ (الحر بن يزيد الرياحي) الذي تعرض إلى الامتحان عندما كان في صف يزيد بن معاوية، وجعجع بالحسين(عليه السلام) وضيّق عليه، ولم يسمح له بالرجوع، ثم فكر لحظة واحدة، وخيّر نفسه بين الجنة والنار، فاختار جانب الخير وقفز إلى مصاف الشهداء، والصديقين الذين يعيشون مع الأنبياء، وقد تعرض آخرون ـ قضوا كثيراً من عمرهم في الخير والصلاح، والعبادة والتقوى والزهد والورع، إلى مثل هذه الاختبارات، أمثال شبث بن ربعي، وشمر بن ذي الجوشن، وأبى موسى الأشعري الذي كان أحد ممثلي أمير المؤمنين في معركة صفين في المفاوضات حيث سقط في الامتحان و ذلك هو الخسران المبين. إن التصاعد والتنازل الإنساني إنما هو مؤدى الامتحان والفتنة، فعملية الامتحان تستهدف بناء الإنسان بناءً معيناً، لا يمكن أن يحصل له ما لم يمر بدور الاختبار، أي: إن الله سبحانه وتعالى إنما كرم بني آدم وفضلهم على المخلوقات لهذه الخصوصية. إن الآدمي يتمكن من الوصول إلى درجة معينة من الخير بإرادته، و ما لم يكن هناك امتحان ـ وتجاذب القطبين ـ لا يمكن أن يصل لهذه الدرجة بإرادته. ولو افترضنا إن الإنسان جُعل خيراً محضاً من أول الأمر، فهو: يعني انعدام الإرادة فيه، وعندما تنعدم لا يمكن أن يصل إلى المستوى الذي يفضله ويكرمه ويجعله أفضل مخلوقاته سبحانه وتعالى، فالامتحان إنما هو: عملية بناء الإنسان؛ ليصبح موجوداً مكرماً على كل الموجودات، ولولا الامتحان والاختبار لا يمكن أن يحصل على هذه النتيجة، ولا يصل إلى هذا الهدف. ومن هنا يمكن أن نعتبر الامتحان رحمة وخيراً له.. أي: إن الله سبحانه وتعالى لم يسلب من خلاله إرادة الإنسان، بل هي موجودة وقائمة عندما يتمكن من اختيار جانب الخير ويسير في طريقه، وعندما يتعرض للامتحان; تقدم له أطروحة وهدية، وهي: أن يسير حتى يصل إلى هذا المستوى الرفيع من الإنسانية.
اشد الناس ابتلاءً أقربهم إلى الله ومن هنا نلاحظ بأن اشد الناس امتحاناً وابتلاءً هم أقربهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ لان الله يختص برحمته أولئك العباد الذين هم قريبون منه، والذين كلما امتحنهم وقفوا إلى جانب الخير، وساروا في طريقه وطريق الصلاح، حتى يصلوا إلى درجة لا يمكن تجاوزها، ما لم يمروا بهذه التجربة وهذه العملية، إنما هي عملية رياضية، من قبيل الإنسان الذي يرتاض بدنياً، فانه لا يمكن أن يحمل ثقل (200 كغم) من أول الأمر، أو (300 كغم) في أول يوم. ولكن لابد من أن يمارس حمل (20 كغم)، ثم يزيد الثقل إلى أن يصل إلى الدرجة العالية أو القياسية، في حمل الأثقال من خلال الممارسات الامتحانية. وما لم يمر بهذه الممارسات وهذه المعاناة والتجارب لا يمكن أن يصل إلى تلك الدرجة. والإنسان العادي لا يمكن أن يصل إلى تلك الدرجة الملكوتية التي يعجز التعبير عن وصفها، ما لم يمر بتلك المعاناة والامتحانات. إذاً، فهذه الامتحانات ترقى بالإنسان درجات عالية وذلك عندما يكون مالكاً لارادته، ومالكاً لنفسه ونوازعه وعواطفه، ويكون دائماً إلى جانب الحق والصلاح، وكلما يسمو إلى درجة أعلى، كلما تعرض إلى امتحان اشد. كالرياضي الذي يختبر بحمل (150 كغم)، امتحانه اشد من الذي يختبر بحمل أو رفع (140 كغم)، فكلما يصعد الإنسان درجة يكون عناؤه أكثر وقسوة الامتحان وشدتها اكثر، والرحمة بالتالي بالنسبة له أعظم. ولكن عند الاختبار يجب أن يملك الإنسان نفسه وفكره لئلا يسقط؛ لأنه يمتاز على المخلوقات بخصوصية إمكانية صعوده إلى أعلى عليين في امتحان، وقد ينزل إلى اسفل السافلين في امتحان آخر. ومصاديق الامتحانات الإلهية كثيرة وعديدة، منها: ما هو خارج عن الذات الإنسانية، ومنها: ما هو نابع من داخلها، كالغرائز والشهوات. من الأمور التي نحسها بالوجدان، ونراها في العلاقات الاجتماعية، هو وجود شهوات وغرائز تدفع الإنسان باتجاه تحصيل المزيد من المال والجاه وغير ذلك، مما يؤدي إلى حصول تناقضات وتزاحمات بين أفراد المجتمع، وتؤدي إلى وقوع كثير من الظلم لهذا الشخص أو ذاك، وإرباك المجتمع وانحلاله وشذوذ التعامل مع التطورات الاجتماعية؛ وذلك لأن هذه الرغبات والغرائز لا يمكن أن تستوعبها الحياة الدنيا بأكملها. إن المدارس الفكرية تقدم علاجات وأطروحات مختلفة لمثل هذه الحالة، فالمدرسة المادية تعتمد بصورة رئيسية على القانون والقوة التي تقف ورائه، في معالجة وتقييم هذه الحالة. لكنّ الإسلام باعتباره امتداداً للمدرسة الدينية الإلهية، منذ بعثة الأنبياء وحتى خاتمهم النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، يقدم معادلة تختلف تماماً عن المعادلة المادية، وبإمكانها أن تستوعب هذه الحالة لو طبقت بشكل صحيح، تعتمد على خصوصيات ثلاث تشير الآية الكريمة في قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد ِ)(2) ، والخصوصيات هي: الخصوصية الأولى: اعتراف الإسلام بوجود هذه الغرائز والنوازع لدى الإنسان ولم يلغها، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) (1). إذاً، فهذه الغرائز قائمة في نفس الإنسان؛ لأنها تزيين إلهي جعل في نفس الإنسان وفي وجوده وتكوينه، لم تخلق فيه نتيجة لعلاقات اجتماعية، أو أوضاع طارئة على حياته؛ ليمكن إلغائها أو حذفها من حياته وعلاقاته. وبالإضافة إلى التزيين التكويني المذكور، جاء التشريع الإسلامي ـ أيضا ـ ليؤكد على هذه الجهة فقال سبحانه وتعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ...)(2). أما المدارس الأخرى ذات الطابع الديني، كالمدرسة المسيحية المنحرفة، فإنها اتجهت إلى بعض الغرائز في نفس الإنسان واعتمدت على مسألة الرهبنة التي رفضها الإسلام، قال تعالى: (...وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون(َ (3) الخصوصية الثانية: إن النظرة لحياة الإنسان تكون بمنظارين: الأولى: النظرة المحدودة المقتصرة على الحياة الدنيا، تبدأ من ولادته وتنتهي بوضعه في قبره، ثم نحاول أن نعالج هذه القضية من خلال ذلك. الثانية: النظرة إلى حياة الإنسان بأنها حياة أوسع من الحياة الدنيا ـ وهي نظرة الدين والإسلام ـ التي تبدأ من هذه الحياة وتنتهي بالحياة الأخرى، وهي حياة واحدة، غاية الأمر أن الإنسان يمر فيها بمراحل مختلفة، كما يمر في الحياة الدنيا بمراحل مختلفة، فيمر بمرحلة الطفولة، والشباب، والكهولة، والشيخوخة، وكما أن الإنسان إذا أراد أن يبني حياته الدنيا، فلابد أن ينظر إلى كل هذه المراحل، فكذلك إذا أراد أن يبني آخرته، لابد أن ينظر إلى حياته الأخرى؛ لأنها حياة واحدة، واسعة، طويلة، والدنيا لا تمثل من هذه الحياة الواحدة إلاّ مرحلة صغيرة، ولا نستطيع حتى تشبيه هذه الحياة الدنيا بالنسبة إلى الحياة الحقيقية للإنسان ـ من حيث امتدادها وسعتها وأهميتها ـ بمرحلة وجود الإنسان في بطن أمه ـ التسعة أشهر ـ بالنسبة إلى الحياة الدنيوية له؛ لأن هذه الحياة متاع الغرور، ولهو ولعب. إننا إذا نظرنا إلى أن اليوم الواحد من أيام الآخرة هو كألف سنة (... وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)(1) أو كخمسين ألف سنة (... فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ )(2)، فلابد أن تكون نظرتنا لهذه العلاقات والغرائز نظرة على أساس امتداد الحياة بهذا الامتداد الطويل الأبدي.
|
|
|
|||