![]() |
|
من أهم شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي يذكرها الفقهاء(1) في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: معرفة المعروف والمنكر، فالمؤمن إذا لم يكن عارفاً بالمعروف، أو عارفاً بالمنكر، فلا يسعه أن يشخّص المعروف فيأمر به، أو المنكر فينهى عنه؛ ولذا لابد للمؤمنين أن يكونوا على معرفة بالمعروف والمنكر، حتى يتمكنوا من أداء هذه الوظيفة الشرعية التي هي من أهم الوظائف الشرعية والأخلاقية والاجتماعية. ويبدو من خلال نظرة عامة حول الشريعة الإسلامية واحكامها، أن المعروف والمنكر ممكن تقسيمه إلى قسمين: القسم الأول: المعروف والمنكر الذي يكون في السلوك الشخصي للإنسان، وامثلتهما، بعضها واضح، وبعضها خفي، فالسرقة، والكذب، والبهتان، والغيبة، أو غير ذلك من العناوين التي تعتبر من الآثام، والكبائر في نظر الشرع المقدس، واضحة لا خفاء فيها، وكذلك المعروف، حيث ان الشعائر الإسلامية، كالصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، عناوين معروفة، وواضحة من أنها من المعروف، والتي يمكن للفرد أن يمارس دوره في الأمر بها، أو ان ينهى عن المنكرات التي تقدمت، ولكن نلاحظ مجموعة من الآثام المنتشرة في أوساطنا الاجتماعية، ولكن لا ينظر إليها على أنها من الآثام، حتى يتصدى الإنسان للنهي عنها، وكذا موارد المعروف، رغم ان بعضها من مصاديق المعروف الواضحة، لكن لم يتصدَ المجتمع إلى الأمر بها. (1) السيد الخوئي(: منهاج الصالحين: ج1: ص351، السيد السيستاني (مد ظله): منهاج الصالحين: ج1: ص416، السيد محمد سعيدالحكيم (مد ظله): ج1: ص327 مع اختلاف في كونهما مقدمة، وليس شرط. هناك جملة من العناوين التي نشاهدها في أوساطنا الاجتماعية، تمثل مصاديق للمعروف والمنكر الفردي: 1ـ سدّ المعابر العامة، المعابر أماكن عامة، يراد منها تسهيل مرور الناس، فأشغالها أو سدها أثم من الآثام الاجتماعية، التي يكون وراءها عقاب وحساب عند الله سبحانه وتعالى، فهي ليست ملكاً شخصياً حتى يجوز إشعالها او سدها أمام السالكين والعابرين . 2ـ التصرف وسرقة الأموال العامة التي هي ملك المسلمين، سواء كانت في المؤسسات العامة التي تقدم خدمات للمسلمين أم أنها أموال مرتبطة بالأموال العامة للمسلمين، فبعض الناس لايقدم على سرقة الأموال الشخصية للاخرين؛ لأنها من المحرمات، لكن حينما يكون المال عاما فكأنه يكون محللاً له ليتصرف به كيفما يشاء. 3ـ إتلاف وإفساد المرافق العامة، حينما يدخل الإنسان منزل صديقه أو أخيه لا يتساهل في إتلاف مرافق ذلك المنزل، لكن اذا كان المكان عاماً، أو مرافق عامة، نراه يتساهل في تعامله مع هذه المرافق، بل ويفسدها بشكل أو بآخر. 4ـ الوحدة والاختلاف، لا يهتم كثير من الناس بوحدة المسلمين، رئم أنها من الواجبات والمعروف التي دعا إليها القرآن الكريم قال تعالى: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا) (1)، وهي من الأمور التي أمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر خطبة خطبها في حجة الوداع، وأمام المسلمين جميعاً، وهو وجوب اللزوم لجماعة المؤمنين(2). إذاً، فوحدة الجماعة واللزوم لجماعتهم واجب من الواجبات، لكن نرى الكثير من الناس يغض الطرف عن هذا الواجب، ويتصرف بطريقة ذاتية شخصية تؤدي إلى الاختلاف، والنزاع، والفرقة، والصراع بين جماعة المؤمنين. 5ـ التساهل في هتك المؤمنين، أو هتك العلماء أو المراجع، وهو من الآثام العظيمة جداً، بل من أعظم الآثام، إذا أردنا أن نصنّف هذه الآثام. 6ـ الادعاءات الباطلة، وهي من الآثام التي نراها في السلوك الشخصي العام، فبعض الناس وكأن يحق له أن يدّعي ما يشاء لنفسه، ما ليس له، وما ليس من شأنه أو من حقه، بل ويصرّ عليها دون أن يكون له أي دليل، أو برهان، أو ضابطة تضبطه في هذه الادعاءات. 7ـ السلوك القلبي للإنسان. للقلب سلوك كما للجوارح ـ اليد، اللسان، والرجل، والعين، والأذن ـ سلوك، فبعض سلوكيات القلب والنفس سلوكيات محرمة، وتمثل إثماً عظيماً، كسوء الظن بالله سبحانه وتعالى، ولا سيما عندما تنزل الشدائد والمحن، نجد الكثير من الناس يتزعزع في إيمانه، وفي قلبه، ويبدأ يفكر بطريقة السوء ـ سوء الظن بالله سبحانه وتعالى ـ وهو من أهم الموضوعات التي يبتلي بها أولئك الذين يتصدون للعمل الاجتماعي، ويتحملون مسؤولية هداية الناس وارشادهم، فلابد لهم أن يتمتعوا بدرجة عالية من الثقة بالله سبحانه وتعالى، وحسن الظن به سبحانه وتعالى، وما يختاره تعالى لعباده(3). فقد روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) انه قال: ((وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ـ وهو على منبره ـ : والذي لا إله إلا هو، ما أُعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة، إلا بحسن ظنه بالله، ورجائه له، وحسن خلقه، والكف عن اغتياب المؤمنين، والذي لا إله إلا هو، لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار، إلا بسوء ظنه بالله، وتقصيره من رجائه، وسوء خلقه، واغتيابه للمؤمنين، والذي لا إله إلا هو، لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله، إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن؛ لان الله كريم، بيده الخيرات يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن، ثم يخلف ظنه ورجاءه، فأحسنوا بالله الظن، وارغبوا إليه))(4) وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: ((أحسن الظن بالله، فإن الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا))(5) القسم الثاني: هناك نوع آخر من المعروف والمنكر، اللذان يرتبطان بالوضع الاجتماعي، وبالحالة الاجتماعية بصورة عامة، بحيث يحتاج إلى أن يمارس بصورة عامة وجماعية، وكذلك المنكر، يمارس النهي عنه بصورة عامة، ومن خلال التشكيلات، والأجهزة، والمؤسسات الاجتماعية العامة، حيث أن التركيزـ عادة ـ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون حول المعروف والمنكر، الذي يمارس بصورة فردية، ولا ينتبه عادة إلى ذلك النوع الذي يمكن أن يمارس بصورة جماعية. (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) ((أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب الناس في مسجد الخيف فقال: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لائمة المسلمين، واللزوم [واللزم]لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون أخوة تتكافئ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)) . الكافي: 1: باب اللزوم لجماعتهم،ومن هم؟: ح1 (3) ولا أبالغ أيها الاخوة الأعزاء، أن أقول لكم بتجربتي الشخصية، التي مرت بي طوال هذه السنين العجاف، وتعرفونها، وقد مرت بكل أبناء شعبنا العراقي: لم يمر علينا يوم واحد إلا وكنا نحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وكان يسألني المراسلون الصحفيون، والدبلوماسيون هل أنت متفائل؟ في كل المواقع والمراحل التي مررت بها بدون استثناء من اليوم الأول والى يومنا هذا، كنت أقول لهم: نعم والحمد لله أنا متفائل، وأحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وكان نتيجة حسن الظن بالله سبحانه وتعالى هذا الفرج وسقوط الطغيان والاستبداد . المؤلف (4) الكافي: 2: 71: باب حسن الظن بالله عز وجل: ح2 (5) الكافي :72:2:باب حسن الظن بالله عزوجل :ح2
دور المؤسسات في المجتمع الإسلامي وهذه الممارسة تارة تكون فردية، يقوم بها الإنسان بمفرده، وأخرى تكون جماعية، بحيث لا يمكن أن تتم الدعوة إلى المعروف، والأمر به، وتنفيذه بصورة عامة، ما لم تكن هناك جماعة من الناس، وبصورة جمعية تتصدى للأمر بالمعروف، وكذلك بالنسبة للمنكر؛ ولذا نلاحظ القرآن الكريم يشير إلى قضية الحركة الاجتماعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اكثر الآيات التي تحدثت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقوله تعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر)(1)، فالقرآن الكريم يطلب أن تكون هناك جماعة من الناس تتحرك باتجاه ممارسة هذا الواجب الشرعي، وفي آية أخرى عندما يتحدث القرآن الكريم عن مشروعية القتال، وينهي ذلك الفصل بقوله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكر (َ(2) فهنا أيضا القرآن الكريم يتحدث عن الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر. فالمنكرات والواجبات الاجتماعية لا يمكن إقامتها كواجب، والنهي عنها كمنكر، فيما إذا كانا أمراً جماعيا من خلال فرد واحد يقوم بهذه المهمة، وأمام حركة اجتماعية واسعة، يراد إيجادها أو النهي عنها، بل لابد ان تتكون جماعة تتحرك باتجاه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا الموضوع يعتبر من أهم الموضوعات التي لابد من الانتباه إليها، ولا سيما في مجتمعاتنا المعاصرة، التي تحتاج الحركة فيها إلى حركة تتسم بالجماعة، وتصبح هذه الجماعة قادرة عندئذ على أداء واجبها وتكليفها؛ ولذلك ندعو المؤمنين جميعاً في مختلف مناطقهم أن يشكلوا لجاناً وجماعات تقوم بالمهمات العامة، سواء كانت هذه المهمات واجبات كإقامة الشعائر الدينية، أم الواجبات الشرعية، أم كانت مهمات مقاومة المنكرات، التي يواجهها مجتمعنا. فهناك منكرات ـ وللأسف ـ في مجتمعاتنا تمارس بصورة جماعية، لا يمكن للإنسان الواحد الوقوف أمامها ما لم تتشكل مجموعات، تتبنى مواجهتها، ومقاومتها، وإلغاؤها، من جملتها : مظاهر المنكرات في الأجهزة الإدارية المرتبطة بتشكيلات الدول بصورة عامة، وهذه من المنكرات التي لا يمكن مواجهتها، دون وجود مؤسسات تستطيع أن تلاحق، وتحاسب، وتنهى عنها ، فالمنكرات عندما تكون في المجتمع على شكل أجهزة إدارية ذات قدرة وقوة، تحتاج مقاومتها إلى قوة اجتماعية قادرة على التصدي لها، من قبيل مؤسسات الصحافة، والتي يعبر عنها ـ أحيانا ـ بمؤسسات المجتمع المدني، فالصحافة التي تعتبر مؤسسة ذات بعد مؤثر في النقد للفساد، والكشف عنه، وملاحقة معالمه في الأجهزة الإدارية، وكذا الأحزاب، والجمعيات، والمنظمات، والنقابات، والاتحادات، إلى غير ذلك من الكتل التي تتكون من اجل ملاحقة الفساد، الذي يكون ـ عادة ـ في بعض الأجهزة الإدارية. وأشير ـ بصورة عامة ـ إلى بعض أفراد المنكر الجماعي في ضمن الأجهزة الإدارية: 1ـ الرشوة ظاهرة شاعت بصورة كبيرة جداً في مجتمعاتنا(1)، حتى أصبحت من مظاهر الفساد الإداري والاجتماعي، التي تنخر في وجودنا الاجتماعي، ونحتاج إلى مقاومة قوية لها . 2ـ المعاونة للظالمين والجائرين، التي يمارسها الكثير من العناصر الفاسدة، ويعتبرونها واجباً من الواجبات؛ لأنهم يكلفون من قبل الظالم والجائر بالقيام بهذا العمل، الذي يمكّن النظالم ويعاونه في ظلمه، ويعتبر هذا المنكر من اعظم الجرائم والآثام، الذي يحتاج إلى حركة جماعية تتسم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. 3ـ استغلال المناصب، والمواقع، لذوي النفوذ والقدرة؛ لأغراضهم الشخصية، أو العشائرية، أو المحلية، أو الحزبية، أو الفئوية، ونحتاج إلى ممارسة ضغط اجتماعي واسع للقضاء عليه . وكذا الحال بالنسبة للمعروف، فالضرورة قائمة في تأسيس مؤسسات تقوم بالأمر به، فمثلاً وجوب تأسيس المؤسسات، من اجل إقامة الشعائر الدينية الكبيرة، كصلاة الجمعة، التي تعتبر من افضل الشعائر الإسلامية؛ لأن الصلاة من افضل الشعائر الدينية، وصلاة الجمعة تأتي أهميتها من كونها في قمة الهرم، عندما نتحدث عن الصلوات وأهميتها. فصلاة الجمعة بهذه السعة، والاجتماع الكبير، تحتاج إلى مؤسسة كي تديرها بصورة سليمة، وتؤدي أغراضها بشكل صحيح، ومن هنا تصبح قضية صلاة الجمعة مؤسسة من المؤسسات ذات العلاقة بالحكم الشرعي الصحيح، وبالحاكم الشرعي الصحيح والولاية الشرعية، وبالمرجعية الدينية؛ ولذلك كانت هذه المؤسسة منذ بداية تأسيسها ترتبط بالإمام، وولي الأمر، والمركز العام، الذي يدير المسلمين، وشؤونهم العامة التي يمكن من خلالها إدارة هذه. إذاً، قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قسم من حركته، لابد أن يتخذ بعدين وجانبين في الحركة الاجتماعية: البعد الأول: ملاحقة المنكرات التي تتم من خلال الأجهزة الاجتماعية ذات القدرة الكبيرة، هذا الأمر لابد من ملاحقته، وعدم الاكتفاء بملاحقة المنكرات ذات الطابع الشخصي . البعد الثاني: ضرورة إيجاد المؤسسات، والتجمعات، والكتل الصالحة القادرة على ملاحقة هذا النوع من المنكرات الجماعية، فالفرد الواحد عاجز عن النهي؛ لضعفه أمام المؤسسة الكبيرة المتمثلة بأجهزة الدولة، أو أحياناً أجهزة غير ذات طابع رسمي، ولكنها تمارس مثل هذا الفساد الاجتماعي، أو المنكرات الاجتماعية. (1) ان النظام السابق كان يشجع من خلال سياساته الاقتصادية، وممارسة أجهزته، على هذا الفساد الإداري كي يزيد الناس ضعفاً، وإذلالاً، وانشغالاً بأمورهم الحياتية . المؤلف
وهناك بعض المنكرات التي تتصف بالحالة الجماعية، كمجالس الفسق، والفجور، أو المجالس التي يكون فيها الحديث حديثا منكراً، كما إذا تناول الحديث إماماً من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالسوء والنقد والأذى، أو تناول إماما للمجتمع، وكذلك الاجتماعات العامة ذات الطابع الجماهيري، سواء كانت احتفالات، أم تظاهرات، أم غير ذلك مما يكون الطابع العام لها هو المنكر، كما اذا كانت الدعوة إليها دعوة إلى المنكر، والضلال، والانحراف، وتحقيق الأهداف الفاسدة في المجتمع، فتحتاج هذه الاجتماعات إلى موقف إجماعي تجاهها، والأحاديث الشريفة الموثقة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) تناولت هذا الموضوع بشكل أو بآخر(1)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث موثق معتبر: (( المرء على دين خليله وقرينه))(2) فالإنسان عندما يجالس أهل الفسوق، والفجور، والبدع، والضلالة، والانحراف يكون قريناً لهم، وعلى دينهم في نظر الناس، وفي حساب الله سبحانه وتعالى، وفي حديث آخر: (( لا ينبغي للمؤمن ان يجلس مجلساً يعصى الله فيه ولا يقدر على تغييره))(3) إذا كان قادراً على التغيير، فلابد له من التغيير، فيبدل المعصية بالطاعة، وعندما لا يكون قادراً على ذلك فلا ينبغي له ان يجلس هذا المجلس، وفي حديث آخر موثق ومعتبر: (( وإياكم وصحبة العاصين، ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم، وتباعدوا من ساحتهم))(4)، وفي حديث آخر موثق، ومعتبر عند الفقهاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس مجلسا ينتقص فيه إمام أو يعاب فيه مؤمن))(5)، وفي نص آخر (يغتاب فيه مؤمن). أنها مجالس الغيبة، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يجلس مثل هذا المجلس. قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (6)، وحديث آخر موثق: (( من قعد في مجلس يسب فيه إمام من الأئمة، يقدر على الانتصاف، فلم يفعل البسه الله عز وجلّ الذل في الدنيا، وعذبه في الآخرة، وسلبه صالح ما من الله به عليه من معرفتنا)) (7)، وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في حديث آخر: ((ثلاثة مجالس يمقتها، الله ويرسل نقمته على أهلها، فلا تقاعدوهم ولا تجالسوهم: مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتياه ـ مَن يكون حديثه الكذب عندما يفتي الناس، ويبين لهم الموقف الشرعي، والمنهج الإلهي الذي يجب عليهم أن يسلكوه، هذا أحد المجالس التي يمقتها الله، وينزل غضبه ومقته على مَن يجلس فيها، فلابد لنا ان نعرف لمن نستمع ؟ وممن نأخذ ؟ ومجلسا ذكر أعدائنا فيه جديد وذكرنا فيه رث، عندما يذكر الأعداء الذين يناصبون الإسلام العداء، وأهل البيت(عليهم السلام) والمؤمنين الصالحين، يكون الذكر فيه جديدا، والحديث فيه منمقاً كثيرا، يتناول جميع الأطراف، واما عندما يكون الذكر ذكر أهل البيت (عليهم السلام) وذكر للإسلام، والصلاة، يكون الحديث فيه باهتاً وضعيفاً لا يهتم به أحد من الناس ومجلساً فيه من يصّد عنّا، وأنت تعلم))(8) إذاً، يجب اتخاذ الموقف الحازم تجاه هذه المجالس، والاجتماعات العامة، التي تتسم بالفسق، والفجور، والطعن بالأئمة، والإسلام، والعقائد، والمبادئ، وكذلك مجالس الضلالة، والانحراف، التي تدعو إلى الانحراف والخروج عن الخط الإسلامي. يجب على الإنسان العمل على تغييرها، فان لم يتمكن فعليه مقاطعة تلك المجالس، ولا يقترن فيها. (1) ان هذه الأحاديث قد تذكر مصاديق، وعناوين، محددة، ومشخصة، ولكن لمّا كانت الحركة الاجتماعية متغيرة فقد تؤدي إلى اختلاف في المصاديق، والمفردات المنكرة، ولكن ما كان يشيع من منكر في زمن أهل البيت (تناولوه بالحديث، وأشاروا إليه، ولا بد لنا من النظر في مجتمعاتنا الحاضرة والفعلية؛ لنرى المصاديق ذات العلاقة بهذه المنكرات، ويكون موقفنا تجاهها هو ما أشار إليه أهل البيت). المؤلف (2) الكافي: 2: 375: باب مجالسة أهل المعاصي: ح3 (3) الكافي: 2: 374: باب مجالسة أهل المعاصي: ح1 (8) وسائل الشيعة:16: 262: باب تحريم الجماعة لاهل المعاصي واهل البدع:ح11 وأيضا من جملة المنكر الذي يمارس بصورة جماعية، ويمس الأوضاع العامة للمجتمع، والتي عرفها المجتمع الإسلامي منذ بداية وجوده وحتى يومنا الحاضر، وسوف تبقى هذه المفردة من المفردات التي يتعرض لها المجتمع الإسلامي في مجال المنكر. المفردة هي مفردة البدعة، حيث ان المجتمع الإسلامي عندما يكون مجتمعاُ متديناً ملتزماً بالإسلام تصبح قضية الادعاءات الدينية، والنسبة إلى الدين، قضية رائجة فيه؛ لاهتمامه بالدين، والتزامه به، ولذلك من يريد النفوذ في المجتمع الإسلامي من ناحية، أو تضليله وخداعه من ناحية أخرى، يحاول ان يأتي تحت شعار الدين، وباسم الدين، ويطرح القضايا الدينية، وكأنها من صلب الإسلام، ومن صلب الشريعة الإسلامية، هذه الظاهرة كانت، ولا زالت، وسوف تبقى؛ لأنها من مفردات الامتحان الإلهي للمجتمع الإسلامي، و قدرته على مواجهة ظواهر الانحراف.وأحاول الإشارة إلى نقطتين: النقطة الأولى: فيما يتعلق بتعريف البدعة، او بصورة أدق بمصادق البدعة، يبدو من الأحاديث الشريفة الموثقة ان للبدعة تعريفين أو مصداقين: المصداق الأول: أن يُدخلَ الإنسان شيئاً من خارج الدين في الدين، حتى لو كان ذلك الشيء أمراً جائزاً وحلالاًَ في نفسه، ولم يكن محظوراً، أو محرماً، لكن إذ نسب هذا الشيء الجائز والحلال إلى الدين، وافترضه جزءاً منه، يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار(1)، حتى لو كان شرب الماء، الذي هو مباحاً، فلو نسب الإنسان هذا الشرب، في وقت معيّن، أو في وضع معيّن إلى الدين، وافترضه منه، يكون ذلك بدعة، ويكون حراماً؛ لذلك لا يجوز ممارسة الأعمال المباحة، فضلاً عن الأعمال المحرّمة، أو المبغوضة لله سبحانه وتعالى، بعنوان إنها جزء من الدين، وإنما تمارس كأمر أباحه الله، كما أباح أموراً أخرى، فكل نسبة للدين، وهي ليست منه، يكون ذلك أمراً محرماً، وبدعة، وحرمة هذا الأمر تكون على درجة عالية من الإثم، و يصبح ضلالة، وكل ضلالة في النار، لسببين: الأول: ان هذه النسبة تكون كذباً على الله سبحانه و تعالى، والكذب على الله يكون إثماً مضاعفاً؛ لأنه كذب على مقام الجلالة العظيم. الثاني: ان هذه البدعة سوف تشوّه صورة الدين، ويكون لها تأثيرات اجتماعية، ونفسية، وروحية على المجتمع الإسلامي بصورة عامة، وتكون أحد أسباب تمزّق المجتمع الإسلامي، وتشتته، حيث يجعل الإنسان من رأيه الخاص، ومن ذوقه الخاص، ومن طريقة تفكيره الخاصة، صيغة من صيغ الدين الذي جاء لعموم الناس، ولم يكن مختصاً بهذه الجماعة، أو تلك الجماعة، فهو بالحقيقة يقيّد الدين، ويؤطره، ويضيقه في نطاق محدود، الأمر الذي يمنع الناس من الهداية، بهذا التأطير، والتضييق الخاص، حيث ان الناس قد لا ينسجمون في ذوقهم مع ذوق هذا الإنسان، ومع رأيه و رؤيته، فهو يحدد الدين بهذه الرؤية الخاصة، ويجعلها جزءاً من الدين، وحتى الاجتهاد الصحيح، كما سوف أشير، وان كان أمراً مشروعاً وصحيحاً، ولكن لابد أن نفرّق في قضية الاجتهاد الصحيح بين الاستنباط لهذا العالم، وذاك العالم، فيكون هذا الاستنباط مشروعاً، ومنسوباً لهذا العالم، وليس جزءاً من الدين، بحيث يكون الدين مصيره مرهوناً بهذا الاستنباط، أو ذاك الاستنباط، فنسبة الشيء إلى الدين، وهو شيء شخصي في الحقيقة يؤدي إلى تشويه صورة الدين، وتضييقه، وتمزيق المجتمع المتدين، الذي يلتزم بهذا الدين. المصداق الثاني: أن يفتعل الإنسان رأياً ثم يحب ويبغض على أساسه، يعني: يجعل أساس الود والحب والعلاقة الاجتماعية قائماً على الارتباط بهذا الرأي، كأن يؤسس جمعية خاصة به لخدمة الناس، ويجعل حبه، وبغضه، مرتبطاً بها، فمن يكون على علاقة بها فهو محبوب له، ومن ليس له علاقة بها يكون مبغوضا عنده، أو يؤسس حزباً، أو مدرسة، أو أي عمل آخر. هذا الموضوع على ما يبدو من النصوص الشريفة من البدع؛ لأن الحب والبغض لا يجوز إلاّ لله سبحانه و تعالى، ولما يتفرع عنه سبحانه وتعالى، الحب لله، وفي الله، والبغض لله، وفي الله سبحانه و تعالى. فالحب لرسول الله هو حب لله سبحانه وتعالى، والحب لأهل البيت هو حب لرسول الله، والحب للعلماء والصالحين والخيرين والمؤمنين حب لله، و في الله، وحب الأب وألام والعشيرة أيضاً حب لله وفي الله، وعندما يتجاوز هذا الحب هذه الحدود المرتبطة بالله سبحانه وتعالى يكون بدعة ويكون حراماً . يسأل السائل الإمام الصادق (عليه السلام) ((هل الحب والبغض من الدين؟ يجيبه الإمـام الصــادق (عليه السلام): هل الدين إلا الحب؟!))(2) هل هناك شيء يمكن أن نسميه دينا غير الحب؟ عندما يتدين الإنسان لله سبحانه وتعالى، يحب في الله، وعندما يلتزم بقرارات رسول الله، والأئمة الأطهار، فالحب لرسول الله، ولأهل البيت(عليهم السلام) ، والأئمة الأطهار(عليهم السلام) . وعن الإمام الباقر (عليه السلام) يقول: ((أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً فيحب عليه ويبغض))(3).
وعن أبى حمزة الثمالي قال: ((قلت لأبى جعفر (عليه السلام) ما أدنى النصب؟ قال: ان يبتدع الرجل شيئاً فيحب عليه ويبغض عليه))(4). (1) الكافي: 1: 56:باب البدع والرأي: ح8 |
|
|
|||