![]() |
|
بسم الله الرحمن الرحيم
*إن اشد الناس امتحاناً وابتلاءً هم أقربهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ لان الله يختص برحمته أولئك العباد الذين هم قريبون منه. *إن الصبر في الاسلام ليس سلبيّاً انهزاميا، و إنما هو إيجابي ثوري، هجومي، بمعنى : مفهوم الفعل لا ردّ الفعل. *إن النصر لا يتحقق بمجرّد إعداد الوسائل والإمكانات المادية، بل لابد من توفر العامل (الربّاني) وهو اِنتظار العون والمساعدة من الله تعالى؛ لانه بيده أسبابه، وهو القادر عليه. *لمّا كانت العواطف والانفعالات لدى الشباب أقوى وأشد كان جهاد النفس والالتـزام بما أمر الله في الشباب أكبر والصراع عندهم أعنف.
*إن المركز الأول للمقاومة بين كل المراكز المعروفة كان هو العراق، ونجد انّ الدافع الرئيسي لهذه المقاومة، والتي كانت تجري في العراق، هو ولاء وارتباط العراقيين بأهل البيت (عليهم السلام) والتأسي بهم، والاقتداء بهديهم. *إن العدوان على الاقليات الدينية لم يكن عدواناً مأذوناً به من أي مرجع من مراجع الإسلام، ولا من أي جهة سياسية معترف بها ومعروفة في أوساطنا. *كان للأمام الباقر (عليه السلام) دور عظيم في وضع الأركان والقواعد الأساسية لمدرسة الكوفة، التي تحولت بعد ذلك إلى مدرسة بغداد، ثم النجف الأشرف وكربلاء والحلة، ثم عادت إلى النجف الأشرف. *تتحقق الوحدة باتاحة الفرصة لكل جماعة في أداء دورها ضمن هذه الحياة مع التعارف والتلاحم والتحابب.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على اعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين. الكمال مبدأ ينشده الإنسان منذ أن خلقه الله سبحانه وتعالى، وأوجده على ظهر البسيطة، وهو يحاول بحركته اليومية وبدافع فطري ان تسلق مدارج الكمال، سواء كان عشقاً له، ام سداً لمنافذ الشعور بالنقص الذي يتلمسه في كل تفاصيل ذاته، (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) وقد مَنَّ الله عزوجل عليه أن هيأ له ـ الانسان ـ كل مستلزمات وادوات التكامل، والتي بموجبها يمكن تحقيق غايته القصوى فخلق في اعماق نفسه وازعاً ورادعاً وضميراً نابضاً بالحياة مادامه حياً يرزق، يرصده ان غفل او تغافل، فيحاسبه في وقفات ليست سهلة مرنة؛ دفعاً له باتجاه التصاعد في انسانيته، والتكامل في سلوكياته، واخلاقه التي فطره الله تعالى عليها، وتأكيداً للرغبة الالهية في تكامل الامم والشعوب التي تشكل حركة الانسان جزءً حيوياً من حركة الامة، جاءت فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لتأخذ مكاناً وتشغل حيزاً مهماً من حياة الانسان كفرد، ضمن سلسة حلقات المجتمع؛ ولذا كانت التأكيدات الكثيرة والمهمة من القرآن الكريم، ومن ائمة اهل البيت (عليهم السلام) على الالتزام بها. ومن هنا نرى شهيد المحراب (قدس سره) اولى هذه الفريضة اهتماما غير عادي، وخصها بجملة كبير من احاديثه ومحاضراته. وقد سعى قسم الاصدارات في الدائرة الثقافية بتجميعها، مضافاً الى ما خطه قلمه الشريف في هذا المضمار، ومن ثم تبويبها، وفهرستها، واخراجها في كراس؛ ليكون نافعاً لعموم المؤمنين؛ ومحققاً لرغبة عميقة في نفسه (قدس سره) في ان يرى كل المجتمعات الاسلامية وبالاخص العراقي منها ـ والذي اعطاه كل مايملك، وضحى من اجله بالغالي والنفيس ـ مجتمعاً متكاملاً متلاحماً آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر. نسأل الله تعالى ان يكون عملنا هذا حسنة مضاعفة في ميزان اعمال شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره)، ويكون ذخراً لكل الجهود التي بذلت في اخراج هذا الكراس في (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ). مؤسسة تراث الشهيد الحكيم (قدس سره)
إن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أهميتها أصبحت ـ وللأسف ـ من الفرائض المعطلّة في مجتمعنا الإسلامي بصورة عامة، وحتى في مجتمع المتدينين. فالمتدينون والملتزمون يؤدون الشعائر الدينية، من صلاة، وصوم، وزكاة، وخمس، وحج إلى غير ذلك من الالتزامات الشرعية المعروفة، ولكن حينما يصلون إلى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي هي من أهم الفرائض، واسماها، يقفون عندها، ولا يؤدونها بصورة مناسبة، فالإنسان عندما يخرج من بيته صباحاً ويعود إليه مساءً، يشاهد عشرات الآثام والذنوب، التي يرتكبها الناس هنا وهناك، سواء بشكل فردي أم بشكل اجتماعي، والكثير من الناس إلا النادر منهم يتخذ موقف الإظهار الإنكاري لهذه الذنوب، التي يشاهدها في حياته، ومن ثم نشاهد الناس بصورة عامة يمرون على هذه الذنوب والآثام والمخالفات مرور الرضا والسكوت عنها، والذي قد يتحول إلى رضا اجتماعي وهو ـ الرضا والسكوت ـ يمثل إثما عظيماً من الآثام التي تحدث عنها الشارع المقدس بعنوان خاص. فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: ((الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم ـ فإذا كان الرضا بقتل نفس فقد دخل في جريمة القتل، وإذا كان الرضا بسلب مال، أو كان اعتداء على عرض امرئ، فقد دخل في جريمة السلب والاعتداء . كما أن الراضي بفعل الخير يكون قد دخل في فعل الخير، وقد أدى شيئا من هذا الخير ـ وعلى كل داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، وأثم الرضى به))(1). إذاً، أثم الرضا أثم مستقل عن أثم العمل بهذا الفعل. فمن يعمل عملاً باطلاً يرتكب إثمين، أثم نفس العمل، وأثم الرضا بذلك العمل، ومن يشاهد هذا العمل ويسكت عنه ويرضى به يكون هذا أيضاً داخلاً في إثم، وهو إثم الرضا بذلك العمل. وأيضاً روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ((إنما يجمع الناس الرضا والسخط فمن رضي أمرا فقد دخل فيه، ومن سخطه فقد خرج منه))(2)، وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ((إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة إذا عملت الخاصة بالمنكر سرا من غير أن تعلم العامة، فإذا عملت الخاصة بالمنكر جهارا فلم تغير ذلك العامة استوجب الفريقان العقوبة من الله عزوجل))(3)، فعندما يقوم مجموعة من الناس ولاسيما أولئك الذين يتولون أمور الناس بإثم، أو ذنب لا يعرفه الناس سيسخط الله سبحانه وتعالى على الخاصة دون العامة، وأما عندما يرتكبون هذا الذنب بصورة علنية، فإذا العامة لم تغير ذلك المنكر استوجب الفريقان العقوبة. فالخاصة يستوجبون العقوبة؛ لأنهم عملوا بالذنب، والعامة يستوجبون العقوبة؛ لأنهم سكتوا عنه. إذاً، لابد أن ننتبه إلى هذه الحالة انتباهاً دقيقاً، كي نتجنب الوقوف في إثم الرضا، بما يجري ونشاهده من آثام عامة. (1) نهج البلاغة: 4: 40، تحقيق محمد عبده، رقم :154 (2) وسائل الشيعة: 16: باب وجوب انكار المنكر بالقلب: ح9 أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ان أهمية هذه الفريضة من وجهة نظر الإسلام، وكما يبدو من القرآن الكريم ـ الذي أكّد على هذه الفريضة، وقرنها بأهم الفرائض، كالصلاة، والزكاة، بل في بعض الأحيان قدمها(1) عليهما؛ إشعاراً بأهميتها ودورها ـ تكون بمستوى الأركان التي وضعها الإسلام للمجتمع الإسلامي، وافترض فيها الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والولاية في أركان الإسلام(2)، بل في بعض النصوص الشريفة أن هذه الفريضة هي أسمى الفرائض، كما جاء ذلك في النصوص الشريفة. وحينما ننظر إلى محتوى هذه الفريضة، والآثار والأدوار التي يمكن أن تقوم بها في المجتمع الإسلامي والإنساني بصورة عامة، يمكن أن ندرك أهميتها، حيث تشير النصوص إلى أنها الفريضة التي يمكن أن تحقق عدة نتائج، وآثار، وأهداف رئيسية، وأساسية في المجتمع الإنساني: أولاً: حفظ الفرائض والشرائع الإسلامية، فهي مهما كانت مهمة فالدور الحافظ لها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثانياً: حفظ الأمن العام، وهذا الدور الخاص هو ما يعبّر عنه في الحديث الشريف: تأمين المذاهب. ثالثاً: حل المكاسب، ورد المظالم. رابعاً: دفع الأعداء الخارجيين الذين يهددون مجتمعاتنا الإسلامية، وهو دور مهم جداً. خامساً: المساعدة على التنمية والتطويرـ على ما نصطلح عليه الآن ـ لمجتمعاتنا، وما يعبر عنه في النصوص بإعمار الأرض، ونزول البركات، والخيرات على المجتمع الإنساني، كما يبدو ذلك من القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة. سادساً: دورها في استقرار الوضع العام، وما يعبّر عنه في النصوص باستقامة الأمر، وقد ورد عن مضمون هذه الأدوار في حديث عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في قوله: ((إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر)) (3) إذاً، هذه الفريضة لها هذا الدور الكبير، وكما يبدو من النصوص ومن القرآن الكريم بصورة خاصة، أنها من الفرائض ذات الطابع الاجتماعي، يعني: ترتبط بحركة المجتمع من ناحية، وبتكامله من ناحية أخرى. إذاً، يعتبر البحث في هذه الفريضة من أهم الأبحاث الاجتماعية، إن أردنا الحديث عن المجتمع الإسلامي، وبنائه وخصائصه. (2) عن أبي جعفر(عليه السلام) : قال: ((بني الاسلام على خمس: على الصلاة, والزكاة, والصوم, والحج, والولاية، ولم يناد بشئ كما نودي بالولاية)) الكافي :18:2:ح1.وفي حديث عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال:((بني الأسلام على خمس دعائم الصلاة: والزكاة، والصوم، والحج، وولاية أمير المؤمنين، والأئمة من ولده صلوات الله عليهم ))الامالي :340
وفي هذا المجال أودّ أن أشير إلى نظرية الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل مختصر، وعلى شكل عناوين. يبدو أن الإسلام الذي وضع نظاماً متكاملاً للمجتمع الإنساني، اخذ في هذا النظام المتكامل خصوصيتين رئيسيتين، تكمّل احداهما الأخرى: الخصوصية الأولى: ونقصد بها حرية الفرد أو حرية المجتمع، ولم يتم الحديث في البحوث الفقهية أو الاجتماعية عن الإسلام عن الحرية بصورة مناسبة. صحيح، هناك حديث مركّز في الأبحاث الاخلاقية عن الحرية، ولكن الحرية الحقيقية، والتي تناولها الإمام الشهيد الصدر (قدس سره) في كتابه (اقتصادنا)(1) والمراد منها: حرية الإرادة في مواجهة الضغوط من الشهوات، أو الخوف والرعب، والذي يعبّر عنه في علم الأخلاق بجهاد النفس، حيث يبني الإنسان إرادته، بحيث تصبح حرة لا تعبد إلاّ الله سبحانه وتعالى، ولا تتبع عبادة أي جهة أخرى. هذه هي الحرية الحقيقية، وهو بحث واسع تناوله الاخلاقيون والفقهاء في أحاديثهم. أما الحرية الاجتماعية ذات العلاقة بحرية الرأي، وبحرية الموقف السياسي، وبحرية الحركة الاجتماعية، أو ما يعبر عنه: بالحرية الشخصية للإنسان، ومدى هذه الحرية، وما حدودها، فلم يتناول هذا الموضوع الفقهاء بصورة واسعة، ولا الباحثون الإسلاميون، رغم انه من أهم الموضوعات. ونحن نعتقد أن الحرية مفردة مهمة جداً من مفردات المجتمع الإسلامي، ولذلك كان أحد الشعارات الرئيسية المطروحة سياسياً في مجتمعنا الإسلامي هو شعار الحرية، لكن ما هي حدود هذه الحرية؟ وما هي ضوابطها وخصائصها؟ وهذا ما سنتعرض له انشاء الله فيما بعد. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخصوصية الثانية: وهي المكمّل للحرية في النظرية الاسلامية، حيث أن الحرية عندما تعطى دون وجود عامل يضبطها، ويوجهها بالاتجاه الصحيح، وهو اتجاه البناء والتنمية والتطوير، تصبح هذه الحرية انفلاتاً، وفوضى، وتحللاً من القيود، وتتحول بعد ذلك إلى فساد عظيم في الأرض، فالذي يضبطها اجتماعياً في الحركة الفردية، والاجتماعية إلى جانب الشريعة والقانون والعقوبات التي وضعها النظام الإسلامي، ضابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذاً، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثل عنصراً مهماً في نظرية المجتمع الإسلامي؛ ولذلك لا نجد هذا الضابط موجوداً في الحضارة الغربية، التي ترفع شعار الحرية، وتعتبر الحرية عنصراً مهماً في حركتها، ولكن لا يوجد إلى جانب هذه الحرية غير القانون. فلا يوجد مشروع اجتماعي له تأثير في ضبط هذه الحرية. ومن ذلك نفهم ـ أيضا ـ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مسؤولية اجتماعية يتحملها الفرد، كما يتحملها المجتمع، والأجهزة التي تتكون في المجتمع لضبط القانون وتطبيقاته. وهنا يواجهنا سؤال مطروح بإلحاح على مائدة البحث، وهو: لماذا يحق للفرد التدخل في سلوك الآخرين، ويدخل عليهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، مع أن كل فرد من أفراد المجتمع له حريته واستقلاله وشخصيته؟ وتحتار الحضارة الغريبة في إعطاء جواب واضح وشافي في هذا الموضوع. أما الإسلام فجوابه يرتبط بنظريته، حيث أنه يرى: أن الخير في أيِّ مجتمع من المجتمعات إنما يتولد ويتحقق نتيجة لعملية اجتماعية، يقوم بها المجتمع حتى تنزل الخيرات والبركات، وكذلك الفساد والشر والأذى والظلم والاستبداد، هو عملية اجتماعية تنشأ من حركة المجتمع الجماعية، عندما ينحرف ويتحول إلى مجتمع فاسد. من هنا تصبح قضية صلاح الفرد الآخر مسؤولية هذا الفرد؛ من أجل الدفاع عن نفسه أمام الشر، الذي ينزل بصورة جماعية؛ ومن اجل كسب المنفعة لنفسه أمام الخير الجماعي، والقرآن الكريم يقول: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون) (1) وقوله تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (2) إذاً فهذه العملية عملية اجتماعية. إن الفكر الذي يقوم على أساس ضرورة وجود تعدد سياسي، وصراع فكري و سياسي بين أطراف المجتمع، بحيث إن التكوينة الاجتماعية والسياسية للكيان الفكري والسياسي عند الغرب الليبرالي هو وجود فكر وسياسة حاكمة ومتنفذة، تمثل الأكثرية وفي الوقت نفسه يوجد فكر وسياسة غير حاكمة، تمثل الأقلية التي قد تتحول في يوم ما إلى أكثرية، فتكون هي الحاكمة والمتنفذة؛ باعتبار أنها الأكثرية، وعندئذ يتحول الفكر الآخر إلى أقلية، ولكن يبقى من الضروري وجود هذين الفكرين، ووجود هذا النوع من التناقض والصراع، سواء على مستوى الفكر والآراء والبحث، أم على مستوى المواقف السياسية، والطرح السياسي. ولذلك يصبح وجود الأحزاب المعارضة مهما كانت صغيرة ضرورة من ضرورات الكيان السياسي للحكم الديمقراطي، والذي يعبر عنه: بالتعددية السياسية، فالتعددية السياسية تعتبر ضرورة من ضرورات الحكم، وضرورة من ضرورات الوضع السياسي العام في الفكر الديمقراطي. والدولة في النظام الديمقراطي مسؤولة عن رعاية الأحزاب المعارضة، ليس على مستوى الترخيص بالعمل السياسي فحسب، بل رعايتها على مستوى الاعتراف بها، كحقيقة قائمة ضمن المجتمع، وكمؤسسة من مؤسسات المجتمع، التي تنفق عليها الدولة بمستوى من الأنفاق، وتشركها في بعض القضايا الأساسية ـ أيضا ـ وتعتبرها جزءاً مهماً من وجودها. ومن هنا نرى: ان البرلمانات الغربية دائماً تأخذ بنظر الاعتبار وجود هذا النوع من التركيبة في التمثيل السياسي، مثلاً في البرلمان البريطاني (مجلس العموم) عندما توجد حكومة تمثل الأكثرية، توجد إلي جانبها حكومة ظل تمثل الأقلية، ويتم تعيين الرموز الأساسية في هذه الحكومة، مثلاً وزير الخارجية فيها مشخص، ووزير الدفاع فيها مشخص، ووزير المالية فيها مشخص، المفردات الرئيسية في التركيبة الحكومية لابد ان تكون مشخصة، أما المفردات الجزئية، والتي تكون ثانوية فلا يجب أن تكون مشخصة. وفي الكونغرس الأمريكي، الذي يمثل هذا النوع من التمثيل، كذلك يؤخذ بنظر الاعتبار في تركيب اللجان وجود ممثل للأقلية؛ من اجل أن يسمع فيها الرأي الآخر، ويكون له نفوذ في التركيبة العامة وهكذا... فالفكر الغربي بالأساس قائم على ان قضية الأفكار السياسية هي قضية تمثيل لآراء الناس، ولأهوائهم، ولرغباتهم، ولميولهم، ولمصالحهم الخاصة، ولابد ان تُمثل هذه الحالة في التركيبة السياسية، ويعبر عنها: بالآراء والمواقف؛ لان هؤلاء الناس هم متعددون في رغباتهم، وفي ميولهم وفي آرائهم . إذاً، فمن الطبيعي ان تكون الحكومة، وان يكون الوضع السياسي القائم متعدداً بتعدد هؤلاء الناس. أما في الفكر الإسلامي فهو يختلف في هذه النقطة اختلافاً رئيسياً وأساسيا؛ وذلك لان الفكر الإسلامي قائم على أساس حكومة الحق والعدل، وليس على أساس الرأي، والهوى، والميول، والرغبات، ومن ثم فالسياسة الإسلامية، والموقف، والحكم الإسلامي، وكل ما يرتبط بالقضية الإسلامية يرتبط بقضية(الحق والعدل) فما يكون حقاً، وما يكون عدلاً، يكون هو الحاكم في نظر الإسلام، وحتى لو كان هذا الحق مما ينكره جميع الناس، ولا يرغبون به، قال تعالى: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُون(َ(1)، وقوله تعالى: ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُون) (2). والحق والعدل واحد ليس متعدداً، وهو ليس بعيداً عن مصالح الناس، و انما يتطابق دائماً مع مصالحهم، كما هو في النظرية الإسلامية، التي يتبناها أهل البيت(عليهم السلام) ويعبرون عنها في علم أصول الفقه بقاعدة (انّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية) يعني: إن الحكم الشرعي الذي يعبر عن الحق هو حكم واحد نابع ومنبثق عن المصلحة الواقعية في السلوك الإنساني الفردي، أو العام، وليس منفصلاً عنها، أو المفسدة الواقعية التي يراها الله تعالى، وهو الحق المطلق، والمصلحة الواقعية هي التي تكون مصلحة لجميع الناس في القضايا الاجتماعية العامة، لا مصلحة هذا الإنسان أو ذاك، أو مصلحة هذه الجماعة أو تلك الفئة، ثم إن مصلحة الإنسان الفرد، أو الجماعة هي مصلحته في مسيرة حياته كلها، لا المصلحة المقتصرة على الحياة الدنيا، من إشباع رغبات هذا الإنسان، وميوله فيها، و انما مصلحته في حياته الحقيقية الأبدية، فقد تكون بعض الأمور من مصلحته في الدنيا، فيشبع ميله ورغبته فيها، ويكون في راحة ودعة، ولكن قد تكون نفس هذه الأمور في ضرره في الآخرة، كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك في كثير من الآيات التي تتحدث عن الحياة الدنيا وزينتها. اذاً فالحق يتبع المصلحة، ولكن أي مصلحة؟ مصلحة مجموع الناس في مقابل المصالح الخاصة لهذا الفرد وذاك، ومصلحة هذا الإنسان في مسيرته التكاملية في الدنيا والآخرة، بحيث عندما يتنازل الإنسان عن بعض مصالحه الخاصة يتم تعويضه عن ذلك في الآخرة. وهذا أمر لا يعرف دقائقه إلا الله سبحانه؛ ولذلك اصبح الحكم الشرعي مرتبطاً بالله تعالى. فالله تعالى هو الذي يضع الأحكام الشرعية. ولكن مع ذلك كله توجد مساحة كبيرة من القضايا ترتبط بالناس، ومن هنا يطرح السؤال التالي، فما هي المساحة التي تبقى لهؤلاء الناس؟. هناك نوع من القضايا والمصالح مرتبطة برغبات الناس وإرادتهم وميولهم، وهي المصالح ذات العلاقة بدائرة الإباحة والجواز، فالإنسان لمّا كان مباحاً له ان يأكل هذا الطعام، او يشرب ذاك الشراب، أو يسكن هذا المكان دون ذاك، او يسلك هذا الطريق بالخصوص، وهكذا باقي الأمور التي هي أمور متروكـة للناس، ومباحة لهم قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور) (3). وهذه الدائرة والمساحة واسعة جدا، وفيها يكون لرأي الناس ورغباتهم دور مهم، ويقدم رأي الأكثرية على الأقلية، ويكون لهم الحرية في انتخاب الأسلوب، والطريق المناسب، ولكن ضمن اطار الحق والعدل أيضاً. فالنظرية الاسلامية في الأصل ليست قائمة على اساس التعددية؛ لان الحق واحد والعدل واحد، ومن ثم فلا يوجد تعدد، ولابد من السعي لمعرفة الحق والوصول أليه، والالتزام به دون غيره، حتى لو لم يكن موافقاً لرغبات وميول هؤلاء الناس. نعم، اذا اشتبه الحق والعدل علينا، هنا لابد للانسان ان يسعى للوصول اليه، وفي هذا السعي قد يختلف الإنسان في رأيه عن أخيه؛ فتتعدد الاراء وتكون هناك ضرورة للحرية؛ للتعبير عن هذا السعي، وهذا مجال آخر تتحرك فيه حرية الانسان وآراءه، وهو لا يقل أهمية عن المجال السابق، ولكن عندما يتبين الحق لا يوجد مجال للتمسك بالرأي؛ لان الهدف منه هو الوصول إلى الحق وقد تبين ذلك . وبهذا تختلف النظرية الاسلامية أساساً عن النظرية الغربية، فالنظرية الاسلامية هي تعددية محدودة في مساحتها، وهي تعددية ومؤطرة باطار الحق والعدل، هذا هو اطارها، وهذه هي حدودها، ولا يصح تجاوز هذه الحدود. أما النظرية الغربية فهي ترتبط برغبات الناس، وميولهم ومصالحهم الخاصة في هذه الدنيا، و أما الحياة الأخرة فهي غير منظورة فيها، والانسان هو الذي يختار مصلحته، بل يحق له ان يختار الأشياء على خلاف ما يدرك من مصلحته ومصلحة الجماعة اذا كانت رغبته ذلك. ويذكر ـ عادة ـ كشاهد على هذه الحقيقة في العصر الحاضر الغربي: قضية تحريم الخمر في الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1918، حيث استمر التحريم حوالي 13 عاما، أي: إلى سنة 1931، وقد كان قرار التحريم ديمقراطياً، حيث قرر الكونغرس الأمريكي ـ آنذاك ـ قراراً بتحريم الخمر؛ لأنه رأى أن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، ومصلحة الناس بصورة عامة هو ان لا يتناولوا الخمر، وقد سعت الادارة الأمريكية لتنفيذ القرار، وتبين بعد ذلك ان ارادة الناس ورغبتهم كانت على خلاف ذلك، حتى أسقطت هذه الرغبة هذا القرار بعد ذلك في سنة 1931 فاتخذ الكونغرس الأمريكي مرة أخرى قراراً بإلغاء التحريم، واعطاء الحرية للناس في تناول الخمر. ولكن يبقى سؤال يلاحقنا، يتمحور حول الموقف السياسي من الحرية بعنوانها العام، وما هي حدودها؟ وما هي المعالم التفصيلية لإطارها، التي يجب ان تنفذ فيه، بعد ان عرفنا ان الاطار العام هو الحق والعدل ؟ هنا في هذه الحرية توجد عدة شروط أساسية ورئيسية، لا بد من الانتباه اليها من اجل فهم معالم هذه الحرية تفصيلاً: الشرط الأول: تحرير ارادة الأمة، وهذا شرط من الشروط الرئيسية والمهمة في هذه الحرية، ولابد من اجل تحقق هذا الشرط من توفر عدة عناصر رئيسة، تعبر عن هذه الإرادة الحرة الكاملة في الأمة: العنصر الأول: تحرر ارادة الأمة من الهيمنة الاجنبية، والتسلط الخارجي الاستكباري، بحيث لا تكون القدرة الحقيقية للاستكبار والاجانب، ولا يتم الانتخاب تحت هذه الهيمنـة والتسلط، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن للامة ان تعبر عن أرادتها بصورة طبيعية، بل يكون التوجيه للرأي والاختيار من قبل القوى الأجنبية. ولعل من الأمثلة البارزة على هذه الحالة، الانتخابات التي أجرتها السلطة (الوطنية) في العراق بعد تنصيب الملك فيصل الأول ملكاً للعراق، حيث قام علماء الاسلام بتحريم هذه الانتخابات، ومقاطعتها؛ لانها تجري تحت سيطرة هذا الحكم الأجنبي، فهي انتخابات لا يمكن ان تعبر عن الحقيقة بأي شكل من أشكالها، وهذا ما تصنعه (المقاطعة للانتخابات)، الكثير من القوى السياسية مع وجود هذه الهيمنة. العنصر الثاني: التحرر من الطغيان، والاستبداد الداخلي، الذي يمكن ان يتمثل بالصور التالية: 1ـ سيطرة الفرد الواحد على مقدرات الأمور والسلطة وتوجيهها، كما هو الحال في الانتخابات المزيفة التي اجراها النظام الصدامي لانتخاب رئيس الجمهورية في العراق(4)، وكانت النتائج قريبة من نسبة 100% ، ولكنها مع ذلك كله لا يمكن ان تعبر عن الحرية والارادة الحقيقية للأمة. 2ـ سيطرة الحزب الواحد وقوى الأمن الداخلي التابعة له، كما هو الحال في الانتخابات التي كانت تجري في الكثير من الدول الاشتراكية سابقاً وفي بلدان العالم الثالث. 3ـ سيطرة الفئـة العسكرية كطبقـة متحكمــة، أو طبقــة الاشراف والنبلاء، أو العشيرة الواحدة، أو الطائفة الواحدة، وغير ذلك من النماذج التي نشاهدها في مختلف بلاد العالم الثالث، مثل: تركيا، والجزائر، ولبنان سابقاً، والدول القديمة في فرنسا، ودولة الأمويين والعباسيين، وغيرها من الأمثلة. ان هذه الفرضيات هي حقيقة تفقد الأمة أرادتها وقدرتها على الاختيار، ولا معنى للحرية في ظلها واطارها. العنصر الثالث: تحرر ارادة الأمة من سيطرة الشهوات والميول والأهواء، والتحول إلى مجتمع التوحيد والتقوى، مجتمع الأيمان بالله، والعلاقات الانسانية الحقيقية والالتزام ـ بصورة عامة ـ بمنهج الحق والعدل قال تعالى ( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور) (5). الشرط الثاني: ان لا تتحول الحريــة إلى حالـــة الصراع والاحتكـــاك والاصطدام، بحيث يصبح المجتمع مجتمعاً منقسماً، ومتفرقاً، ومتصارعاً؛ لان الوحدة الاجتماعية مبدأ من مبادئ فكر الاسلام، على خلاف التعددية والتفرق التي هي مبدأ من مبادئ الفكر الغربي. وتوجد آيات كريمة، ونصوص صحيحة السند ومجمع عليها بين المسلمين، سواء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) ، أم روايات جمهور من المسلمين، تؤكد على حرمة الفرقة، والخروج على الجماعة، وعلى الرأي العام للامة، وليس المقصود من الخروج على الجماعة هو مجرد ابداء الرأي، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ان إبداء الرأي أمر جائز، ولكن عندما يتحول إلى حالة صراع ، بحيث تكون الأمة متفرقة ومنشقة في نفسها وحركتها، يصبح هذا العمل عملاً محرماً وغير جائز، وتصبح الحرية محدودة بهذا الحد الشرعي، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون) (6) وقال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم(ٌ، (7) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون) (8) وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم)(9). فقضية الولاء الذي يشكل قاعدة العلاقة بين المؤمنين لابد من المحافظة عليها. الشرط الثالث: ان لا يؤدي الاختلاف في الرأي الى وهن وضعف الجماعة المسلمة، بحيث يجعلها في خطر هيمنة وتسلط الأعداء، او نفوذهم إلى صفوفها، أو ان تكون ضعيفة في صراعها، معهم فاختلاف الرأي جائز، ولكن لابد ان يطرح في حدود الشؤون الحياتية للامة، ومساحات الجواز الواسعة، وللانسان ان يعطي رأيه فيها، أو في حدود ما اذا كان الحق والعدل غير واضح، ويريد في حركته نحو معرفة الحق وإدراكه ان يتحاور ويتداول الاراء، ويناقش الأفكار كي يعرفه ويصل اليه، كل ذلك جائز ومسموح به، لكن بشرط ان لا يؤدي الى إلى أضعاف الروح المعنوية للجماعة (10). الشرط الرابع: ان تكون هذه الحرية ضمن الحدود الشرعية، التي نعبر عنها: بالتقوى السياسية، فلا تكون ـ مثلاً ـ سبباً في هتك انسان مؤمن، أو جماعة مؤمنة؛ لان الهتك في نفسه أمر حرام، واذا كان هذا العمل جائزاً في الحرية الغربية لعدم وجود حرمة للانسان بهذا المعنى فهو غير جائز في الشريعة الاسلامية. كما لا تكون الحرية جائزة اذا كان فيها كشف للأسرار والعيوب، فاذا كان هناك سرّ، حتى لو كان سراً شخصياً، فلا يجوز كشفه؛ لأن الأسرار لا يجوز كشفها. فالغيبة من الكبائر التي وردت في النص القرآني حرمتها، ووردت الأحاديث الكثيرة الأكيدة في حرمتها، وتأكيد درجة عالية جداً من الحرمة لها؛ لان بعض الروايات تقول: ان حرمتها اشد من الزنى في المحرم في البيت الحرام، ولا أقول: ان هذه الروايات صحيحة أو لا، ولكن يوجد تأكيد على الحرمة إلى درجة عالية. والغيبة محتواها هي عبارة عن كشف عيوب المؤمنين وأسرارهم، فالانسان اذا ارتكب محرماً في بيت من البيوت، ولم يعرف به أحد من الناس، كان سراً بينه وبين الله تعالى، لا يجوز كشف هذا الأمر للناس وفضحه. اذاً، كشف الأسرار حتى لو كانت شخصية، فضلاً كّما لو كانت أسرار جماعة، وفضلاً كّما لو كان هذا الكشف كشفاً للأسرار أمام الأعداء، وأمام الناس(11) جميعاً، كما لا تكون حرية في الكذب ونشر الأخبار الكاذبة، والكذب نوعان: كذب صريح، وفيه اختراع وبهتان وافتراء، وهناك كذب من نوع آخر: وهو عبارة عن تحريف الكلمات أو النصوص، فالانسان عندما يتحدث بحديث ويأتي بنص كامل، ويكون في هذا النص قرينة على مقصودة، فلا يصح اقتطاع القرينة، والاتيان ببعض الكلام ونسبته إلى الشخص، قال تعالى: ( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)(12). الشرط الخامس: أن لا تكون هذه الحرية مضرة بالمصالح ألاسلامية، يعني: تعطي للأعداء ذرائع وحججاً وامكانات تستخدم ضد الجماعة المسلمة، قد تكون حرية النشر والمواقف بدون وجود الأعداء لا يوجد فيها ضرر، ولكن اذا فرضنا ان هذا الموقف وهذا الحديث أو هذا الرأي يعطي للأعداء فرصة للأضرار بالمصالح الاسلامية فتصبح الحرية محظورة حينه.
(4) ولا يمكن ان ننكر توجه عدد كبير جداً من ابناء الشعب الى صناديق الاقتراع في هذه الانتخابات مكرهين تحت ظروف المطاردة والعقوبات الاقتصادية والامنية دون ان يكون لهم خيار آخر. المؤلف (10) ولعل هذا الشرط هو اهم ما يقلق مجتمعات العالم الثالث من الحرية المفتوحة؛ لانها مجتمعات تتعرض عادة الى التآمر من قبل الاعداء، والاستكبار العالمي، الامر الذي يهدد امنها وسلامتها، وكذلك امن وسلامة انظمتها، بخلاف المجتمعات الغربية التي لا تتعرض لمثل هذه الاخطار في الوقت الحاضر . المؤلف (11)عندما ينشر في صحيفة، او في بيان، او ينشر في منشور، ويعرف به جميع الناس، طبعاً ليس كل ما يقوله الانسان في الصحيفة يقرأه المؤمنون فقط. ويكون رأيه وسره للمؤمنين فقط، ولكن عندما تنشر الصحيفة فان الناس كلهم سوف يقرأون الصحيفة، يقرؤها المنافق والمؤمن والحاقد والحاسد والعدو، الصحيفة تصبح بيد الناس، ومن ثم هذا السر، وهذا العمل سوف يكون بيد كل هؤلاء الناس يتصرفون به كيفما يشاؤون ويستخدمونه كيفما يريدون. المؤلف |
|
|
|||