![]() |
|
إذا أردنا تطبيق الظاهرة الفرعونية على فرعون العراق، نجد أن هناك معالم واضحة في شخصيته، والتي منها، الحرب العدوانية التي شنّها على الجمهورية الإسلامية في إيران(1)، فقد كان يفترض في نفسه القدرة على شنِّ هذه الحرب وتدمير البلاد، و إهلاك حرثها ونسلها، وإذا به يشعر بالعجز فيتراجع متوسلا وملتمسا الآخرين بغية تغيير الموقف معه، وهذا ما بدا واضحا في سلوكه الطاغوتي العدواني بعد تحرير مدينة المحمّرة على يد قوات الجمهورية الإسلامية في إيران، فمن جانب يؤمن بقوته، ومن جانب يخنع ويخضع للقوة بحيث يتوسّل, وهذان الأمران من معالم الظاهرة الفرعونية عند صدام المجرم، والذي لفت نظري فيه، إن خطابه الأخير(2) والإنسان حقا يستغرب، فان أي إنسان لديه عقل وشعور وفهم لا يقول بمثل مقالة صدام كان واضحا فيه نظرة صدام الخاصة للأشياء، فهو لا يرى إلا ذاته، ولذا وقع في مزالق عديدة، فمثلا في خطابه مع جمع من النسوة اللاتي جمعهن لمهزلة ما يسمى بـ(جمع الحلي والأموال)(3)، تقدم إليه أحد الأطفال وقال له: إن أبي يقول: إذا زارنا صدام في بيتنا، فسوف أذبحك و أقدمك لصدام، ثم يقول الطفل اني أجبت أبي باني موافق، والأغرب من ذلك تعليق صدام على ما قاله الطفل بقوله: إن هذا اكبر دليل على عزة وكرامة الشعب العراقي!! فصدام يرى إن من واجب أبناء الشعب العراقي، ومن مفاخرهم رجالا ونساءا أن يذبحوا أطفالهم قرابين له عندما يزورهم! لانه يراهم عبيدا له، وهذا عين ما أشار إليه القران الكريم عن فرعون بقوله ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى )(4)، فرجال العراق، ونساؤه، وثرواته، بل حتى عتباته المقدسة، ودين العراق، وعقيدته، وكل شئ في دنيا العراق هو ملك لصدام! وحينئذٍ فمن الطبيعي في نظره أن يذبح العراقيون أولادهم ويهتكوا أعراضهم، ويضعوا كل شئ في خدمة صدام!
وهذا شئ فعله صدام، وأذاعه في تلفزيونه أمام الدنيا كلها بهذا الشكل من الاستهتار
والتدني، والتسافل في شخص هذا الإنسان، فهو يرى الأشياء مقلوبة تماما، وعندما كنت
أفكر في الظاهرة الفرعونية، كنت أتصور أن الإنسان عندما يمشي على رجليه فهو يسير
إلى الله تعالى، ولكن عندما يسير على رأسه فهو يسير في الاتجاه الفرعوني، لانه ينظر
للأشياء تماما بشكل مقلوب، وهذه الحادثة تعطينا نظرة واضحة عن شخصية صدام الذي
يتحكم في أبناء الشعب العراقي، وعن الأساليب الوحشية التي يتّبعها مع أبناء هذا
الشعب في كل المجالات، ولذا فهو مستعدٌّ لان يدمّر العراق من أوله إلى آخره، لكي
يبقى، بل ومستعدٌّ لان يدمّر المنطقة بكاملها في سبيل بقائه، لان رؤيته تقتصر على
بقائه فقط(5). 1) في أيلول عام 1980 أعلن صدام الحرب على إيران، بدفع من الاستكبار العالمي وبمساعدة أذنابه في المنطقة،وذلك لاجل الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية الذي بات وجودها يهدد كل الانظمة الدكتاتورية في المنطقة، ودامت الحرب الطاحنة بين البلدين ثمان سنوات متوالية، دون أن يحقق صدام أي هدف من أهدافه، حتى انتهت الحرب في الثامن من شهر آب لسنة 1988 مخلفة ورائها اكثر من مليون قتيل، ناهيك عن الجرحى والمعوقين والدمار الذي شمل الأرض، والمآسي التي اصابت الشعبين معا. 2) كان الشهيد الحكيم (قدس سره) حريصا جدا على متابعة احاديث، وخطابات صدام حسين، والاستماع اليها رغم ضحالتها وسطحيتها في اغلب الاحيان ، لكن كل الذي يهمه منها هو قراءة ما وراء كلماتها، وما بين اسطرها، لتكوين صورة واضحة عما يجري داخل العراق 3) احد البدع التي ابتدعها صدام ، هو اجبار نساء العراق ابان الحرب العراقية الايرانية على التبرع بمصوغاتهن الذهبية للدولة تحت ذريعة دعم المجهود الحربي.
5) وما تدميره لإيران والعراق والكويت إلاّ واحدة من أدواته التي كان يتوسل بها من اجل البقاء في السلطة، وما يفعله الآن أزلامه وأيتامه والمتحالفون معهم من التكفيريين، من ذبح الأبرياء، والاجهاز عليهم في دورهم الآمنة، ومحال عملهم بسياراتهم المفخخة بإسم الإسلام، ما هو الاّ ادامة للنهج الفرعوني والطاغوتي الذي اختطه صدام وربى ازلامه وجلاوزته عليه.
لو بحثنا عن السبب الرئيس وراء الظاهرة الفرعونية وان كان الحديث عن السبب يحتاج إلى دراسات قرآنية كاملة نجد أن الآيات القرآنية أشارت إلى الكفر بمعناه العام الشامل لمطلق التّمرد على أحكام الشريعة، وقوانينها، وليس فقط إنكاره تعالى. أما المنشأ فهو بشكل أساسي يرجع إلى اتّباع الذات، وهواها، كما كان يرى فرعون ( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ )(1)، أي لا يوجد شئ يصدر إلا من خلال ذاتي، وهو الصحيح و الصالح دائما، وهذا معنى أن الشخص يرى الأشياء من خلال ذاته، ولكن من مجال السلطة والهيمنة، حيث أن للذات مجالات واتجاهات عديدة, فمثلا هناك جانب كنز الأموال الذي يعبّر عنه بـ(الظاهرة القارونية)(2)، وبها لا يعرف الإنسان من حياته إلا جمع الأموال، ولا يرى الأشياء الاّ من خلال الأموال، وهناك جانب الشهوة وغيرها من الغرائز، ولكن لعلّ أسوء الظواهر في ذلك هي الظاهرة الفرعونية، التي تمثل تراجع القيم للإنسان في مجال السلطة والهيمنة.
وهذه الظاهرة تختلف في حجمها، فقد تكون كبيرة واضحة، كما هو الحال في ظاهرة فرعون
موسى (عليه السلام)، الذي تحدث عنها القران الكريم في الآيات التي تقدّم ذكرها وفي
غيرها من الآيات ، وقد تكون صغيرة، كما هو الحال في كثير من الطغاة الصغار الذين
يُحكّمون أنفسهم في كل شئ من حياة الناس. 2) ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) القصص: 76.
الدين الحنيف يرى ضرورة إشباع الغرائز والاتجاهات النفسية عن طريق التوازن والاعتدال، بحيث يحفظ الإنسان مسيرته التكاملية مع إشباع غرائزه، فالأكل والشرب يكونان بحدود ما يحفظ الحياة، ويجعله قادرا على ممارسة الأعمال، وهكذا بقية الشهوات الأخرى، فشهوة الجنس مثلا يجب أن تعطى مقدار ما يحفظ بقاء الوجود البشري في الحياة، ونفس الحال بالنسبة إلى كنز المال، فعالج القرآن قضية الكنز من خلال ما حثَّ على الإنفاق وأوجبه، وبه يحفظ التوازن في ذلك, وهكذا كل حاجة من حاجات الإنسان يجب حفظها والسيطرة عليها بالتوازن، والغرائز التي خلقها الله بعضها اختيارية، وبعضها غير اختيارية شرِّعت لأغراض ترتبط بمسيرة الإنسان، فعلينا إشباعها وترويضها بحيث لا تتضارب مع قيام الإنسان بأداء دوره في المسيرة التكاملية، أما إذا تجاوزت الحد المرسوم لها يصبح مسيرها تراجعياً انتكاسياً، وبذلك لا تؤدي دورها المنشود من خلقها.
النظرية الإسلامية تؤكّد على أهمية الدين في الحياة، و الإنسان مكلّف، وموظّف ببذل نفسه، ودمه فضلا عن ماله في سبيل الله تعالى، وفي سبيل الحفاظ على دينه، و الآية الكريمة ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )(1) تشير إلى أن هذا الموقف من الإنسان يمثّل - في الحقيقة - موقفا دفاعيا يدخل تحت عنوان الدفاع عن النفس، لأنها جاءت بصيغة وعنوان الإذن بالقتال للإنسان المظلوم في دينه، فلا يوجد ذنب لهؤلاء الناس ـ الذين أُذن لهم في القتال دفاعا عن أنفسهم- إلا أن قالوا ربنا الله فأُخرجوا من ديارهم.
اذاً الموقف الإسلامي تجاه الحكم الطاغوتي الفرعوني الذي يسلب من الإنسان مسيره نحو
الله تعالى، هو المقاومة(2) والقتال حتى الشهادة.
2) المقاومة ليست خروجاً عن الصواب او انحرافاً عن الصراط المستقيم، بل هي عبارة عن عقيدة يلتزم بها الأنسان المؤمن بالله تعالى، ويتعبّد بها لله تعالى من خلال تبنّيه لهذا النهج حيث يرى الأنسان المؤمن أن المولى والسيد الذي يتولاه ويقدم له فروض الطاعة هو الله سبحانه، وليس المولى والسيد هو الطاغية والمستبد الذي يعيث في الأرض فساداً، ويسعى فيها ليهلك الحرث والنسل. (منه (قدس سره))
تشير الآية المتقدمة إلى خلفية الجهاد الدفاعي، وتؤكّد انه لولاه لذابت واندرست كل معالم الدين وشعائره، ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ )(1) فهذه العناوين التي تمثل أماكن العبادة، والتي تلتزم بها الأديان السماوية الإلهية معرضة للهدم - مما يعني ضياع الدين وفنائه - لولا الدفاع الذي شرّعه الباري تعالى.
ومن هنا نفهم أن اصل نظرية الجهاد والقتال والحرب في الإسلام، هو الجهاد الدفاعي
وهذا ما يبدو من مسيرة الرسالة الإسلامية، حيث بدأ فيها الجهاد بعد تعرّض المسلمين
إلى مختلف أنواع العدوان من قبل المشركين، ومن قبل أعداء الإسلام وحتى في تفاصيل
مسيرة الرسالة نجد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان يشنُّ حربا في
الحقيقة كان يردُّ عدوانا يتعرض له المسلمون من قبل أعدائهم، وهذه القضية من
القضايا التي ينبغي أن ينتبه إليها المؤمنون بشكل عام، فعندما يتعرض دينهم و
إسلامهم سواء على المستوى الاجتماعي، أم الشخصي، يجب عليهم أن يضعوا أنفسهم في مقام
الدفاع عن الدين وبالتالي عليهم بذل كل ما يملكون من مال، أو دم، أو جهد، أو قدرة
في سبيل هذا الدفاع، لأنها القضية الأولى بحسب نظر الإسلام.
أحد أنواع الطواغيت - التي لا تقل خطورة عن السابقيّن(1)، بل لعلَّ خطورته اكبر
باعتبار خفائه هو الخوف والرعب اللذان قد يملكان الإنسان، ويُسيّرانه من خلال ما
يفرضه الظلمة، والمتجبرون في الأرض, وصار أحد أصناف الطواغيت باعتبار انطباق تعريف
الطاغوت - وهو ذلك المحور الذي يطرح نفسه في مقابل الله تعالى ويحاول أن يسيّر
إرادة الإنسان بالاتجاه الذي يريده - عليه، وهذا ما يصنعه الخوف أحياناً، فقد
يستسلم المؤمن - من حيث يشعر أو لا يشعر- للخوف والرعب، فتتحوّل كل أعماله و
تصرفاته و مواقفه إلى استجابة لهذا الخوف والرعب، وهذا ما يفسّر خذلان الناس للإمام
الحسين (عليه السلام)، حيث أنهم كانوا يعرفون يزيد و حقيقته، ولم تكن لهم رغبة في
القتال معه، ولكن نتيجة للخوف والرعب الذي سيطر وهيمن عليهم استجابوا للطاغوت
وتحكّم بإرادتهم.
|
|
|
|||