![]() |
|
الحالة الطاغوتية كما تقدم تمثل انتكاسا و تراجعا في مسيرة الإنسان الحياتية، لان هدفها وغايتها - غير محور الله تعالى - الذات والنفس، وهي مهما كبرت ونمت، فإمكاناتها محدودة كما عبّر القران الكريم ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا)(1) فالإنسان مخلوق ضعيف، وناقص، والسير نحوه ما هو إلا سيرا نحو النقص، وبذلك تكون مسيرته تسافلية، تراجعية، حتى يصبح موجودا تافها لا يمثّل إلا حيوانا من الحيوانات التي خلقها الله تعالى لتحمل الأثقال، وتشقى، بل قد يكون أسوء حالا من الحيوان كما إذا وصل إلى قمّة التسافل ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً )(2) وهؤلاء الفراعنة، والمستكبرون، والمترفون، ومَن أشبههم ممن ذكرهم القران الكريم في سياق الحديث عن الظاهرة الفرعونية هم الأساس لكل المشاكل التي يواجهها الإنسان في مسيرته، ولذا أصبح تشخيص الظاهرة الفرعونية، وتعيين ملامحها والعمل على الابتعاد عنها مسألة مهمة جدا.
القران الكريم يحدّد مجموعة من المعالم لهذه الظاهرة وخصوصياتها، وهي:
من صفات الإنسان الفرعوني الطاغوتي التكبّر والخيلاء، ولهما درجات ومراتب نسبتها وعلاقتها مع الفرعنة نسبة طردية، يعنى أن الكبرياء عندما يبدأ بدرجة معينة فان الظاهرة الفرعونية تبدأ بتلك الدرجة، وكلمّا تزداد الظاهرة يزداد انتكاس الإنسان في مسيرته، لانه لا يعرف الا نفسه، وبالتالي يصبح متكبّرا يرى نفسه قبل كل شئ، وعندئذٍ تزداد هذه الظاهرة، و قد أشار القرآن الكريم إلى هذه المسألة في قوله تعالى ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّه ُ)(1) فالآية فيها دلالة واضحة على تحدّي فرعون موسى لله تعالى وتمرده عليه، فهو لا يقول اقتل موسى لأنه فعل كذا وكذا، وإنما يريد قتله تحديا لله تعالى، كما في قوله ( وَلْيَدْعُ رَبَّهُ )، أما النبي موسى (عليه السلام) ردَّ عليه قائلا ( وقال موسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ )(2) فجواب موسى (عليه السلام) يعبّر عن كبرياء فرعون، وعدم إيمانه بيوم الحساب. وفي موضع آخر من القران الكريم يأمر الله تعالى موسى (عليه السلام) بالذهاب إلي فرعون ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى* فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى* فَكَذَّبَ وَعَصَى* ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى )(3)، وتشير هذه الآيات إلى تصاعد الكبرياء عند فرعون حتى يقول عنه الله تعالى ( فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى )(4)، وهذا يعبّر عن مظهر من مظاهر الكبرياء.
الإنسان المتلبس بالظاهرة الفرعونية لا يرى نفسه متكبّرا فحسب، وانما يعتقد انه قادر على كل شئ وان كان عاجزاَ وضعيفاً ولايمثل قدر نملة في حقيقته، بل لا يمثل شيئا أمام الله تعالى والقران الكريم يتحدث عن هذا المَعلَم بشكل خاص في العديد من الآيات الكريمة, فكان فرعون موسى(عليه السلام) يقول مغترّاً ( يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَاب َ)(1) ليس أيُّ، سبب عادي، وإنما أسباب السموات، لان أسباب الأرض بنظره كانت في رؤيته و تحت يديه، ثم يقول ( فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً )(2)، أي لعلّ هناك إلهاً آخر غيري في هذه الدنيا، وهكذا يصعد ويذهب به الغرور حتّى يقول عنه القران في موضع آخر ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ ) (3) (4) هذا ما يراه الطاغوت من خيلاء، و زهو بحيث يتصّور حتى الأنهار و الأشجار التي لا يستطيع خلق ورقة واحدة منها خاضعة له بينما هو في الواقع هباء وفناء، قال تعالى (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ) (5) 4) قال: ( وَلا يَكَادُ يُبِينُ ): باعتبار أن موسى (عليه السلام) على ما تنقل بعض الروايات، كان غير قادر على الكلام بلسان فصيح، لوجود لثغة في لسانه بسبب الجمرة التي وضعها في فيه ايام طفولته، ولعله هنا يظهر السبب في طلب موسى (عليه السلام) من الله تعالى ان يرسل معه اخاه هارون وزيرا، ومعينا له، لا نه كان افصح من موسى (عليه السلام) في الكلام، ولذا فرعون حاول ان يستهين بموسى، ويسخر منه بقوله ( وَلا يَكَادُ يُبِينُ ) وكذا يعيّره في موضع اخر فيقول (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ) لان المغرور يرى ان عدم لبس الرسول اسورة الذهب دليل على عدم النبوة، وكذلك يقول : لو كان نبيا لجاءت معه الملائكة (أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ). (منه (قدس سره))
الطاغوت عندما يتعامل مع القضايا يتخذ الوحشية والقسوة نهجا له، بمعنى أن ظلمه لا يكون متعارفا، وإنما يقرن بالقسوة والوحشية، والقران الكريم يذكر مجموعة من الأمثلة التي تصوّر طغيان فرعون في تعامله مع الشعب، ولم يقتصر على بني إسرائيل هذا الشعب المضطهد الذي كان يعتبره من الدرجة الثانية أو الثالثة وإنما شملت مَن كان حوله من الذين يعاضدونه، وهذا المَعلَم يشترك فيه الكثيرون من الظلمة والطغاة، وان كانوا يقفون عند حدٍّ في ظلمهم، وقسوتهم، ووحشيتهم، أما فرعون فانه اختصَّ بهذا المعلم على كلِّ المستويات دون أن يفرق بين جماعة وأخرى بمن فيهم أصحابه. وقد ذكر القران الوحشية التي كان يتعامل بها فرعون في عدّة مواطن، قال تعالى ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ )(1) ففرعون كما تشير الآية لم يتّبع مع موسى وقومه أي ردِّ فعل طبيعي من قبيل الحوار، أو التضييق، أو ما شاكل ذلك، وانما استخدم أسلوب القتل، وهتك الأعراض بقوله ( سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ )(2)، و كذا قوله تعالى ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )(3)، إلى آخر الآيات التي تتحدث عن وحشية فرعون في تعامله مع السّحرة الذين آمنوا بموسى (عليه السلام) بعد أن دخلوا معه في مباراة ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ* قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ* قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ )(4)، فسابقا كانوا ـ السحرة ـ عماد فرعون بحيث جمعهم من كل مكان ليباري بهم موسى (عليه السلام)، وإذا به يريد أن يقطِّع أيديهم وارجلهم من خلاف(5)، وهو ابشع أنواع الأعمال الوحشية (6). 5) أي: قطع وبتر لليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو بالعكس . (منه (قدس سره)) 6) تذكرنا هذه الحالات بما كان يقوم به نظام صدام المجرم من صلم الأذن أو قرض اللسان أو تقطيع الاجساد بالمناشير الحديدية، او رمي المظلومين المضطهدين في احواض الحامض، وكذلك ما ترتكب من فظائع وانتهاك للحرمات داخل زنزاناته ومعتقلاته البغيضة التي شيدها لإذلال وقهر المؤمنين الشرفاء من ابناء العراق الجريح .
الطاغوت لا يعرف أسلوبا في التعامل الاّ من خلال القوة التي هي سبب بطشه وظلمه، فلا يملك أي منطق آخر كالعقل، والبصيرة والحوار، لانه خالٍ تماما من أي عاطفة إنسانية، ولذا يقول فرعون متهكماً بموسى (عليه السلام) ( فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ) (1)، فانه يرى أن الملائكة هم القوة القاهرة الوحيدة التي تقضي عليه، أو أن تكون عند موسى (عليه السلام) أموال وإمكانات كبيرة بحيث بها يستطيع أن يمتلك قوة كبيرة وعظيمة بإمكانها أن تقهره، و هذا مالا يمتلكه موسى (عليه السلام)، بل أي نبي من الأنبياء (عليه السلام)، ولكن بالمقابل القران الكريم يصوّر نهاية من تكون نظرته فرعونية، إذ كانت آخرة فرعون أن أصبح ذليلا خانعا ضعيفا عندما واجه العذاب، خصوصا عندما كانت تنزل الآيات على بني إسرائيل، بحيث كان فرعون يلتجأ إلى موسى (عليه السلام)، ويستغيث به، ويتوسل إليه في أن يدعوا الله تعالى كي يرفع العذاب عنه، لأنه يواجه قوّة قاهرة تفرض عليه الخضوع، ولكن عندما يرتفع العذاب يرجع مباشرة إلى موقفه المعاند مستخدما كل أساليب البطش، ولعل أروع موقف يحدثنا به القران الكريم عن خضوع الإنسان وجبنه – وبيان رادعية القوة له التي تجعله منهزما مستسلما – هو موقف فرعون عند نزول كارثة الغرق التي أعقبها هلاكه، فكان يستغيث بموسى الذي كان بالأمس كافرا به ويريد قتله، قال تعالى ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ)(2)، ولم يقل (إلا الله) وفيه إشارة واضحة على أن فرعون كان ذليلا لدرجة انه يَعدُ بالإيمان بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل. وأمثال هذه الحالة يتحدّث عنها القرآن الكريم في مواضع أخرى.
يصف القران الكريم الطغاة بأنهم كانوا ينكثون العهود بين موقف وآخر، فأول عهد بين موسى (عليه السلام) وفرعون كان في مسألة السحرة، وذلك عندما عرض موسى (عليه السلام) الإيمان على فرعون ورفض, فاتفقا على المباراة وان الأمر سيؤول مع من يفوز، فجمع فرعون السحرة الذين كانوا يمثلون فريقه، وهُزم في مباراتهم، لكن بعد ذلك نقض الاتفاق والعهد واستمر في غيّه حتى لحظة غرقه وهلاكه. وهكذا كان حال فرعون في كل آية يأتي بها موسى (عليه السلام) فيخضع حينها ويعده بالإيمان، فلما ينكشف عذاب تلك الآية ينكث بوعده، وهذا الأمر يحتاج إلى بحثٍ له مجال آخر يسلّط الضوء على معلم التناقض في شخصية فرعون، فهو إلى جانب كونه ظالما مبطشا يرى نفسه انه أقوى من كل شئ، لكن تراه خانعاً جبانا في موقف يهدده، وهذا يكون عبرة لمن بعده(1). ولأجل الاستفادة من عِبر التاريخ وقصص القران(2) ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ )(3)، ينبغي علينا أن نحسب الظاهرة الفرعونية في نفوسنا، ونستفيد منها من الناحية الأخلاقية، ونقيس دائما أعمالنا وسلوكنا وخطواتنا بهذه الملامح، لأجل عدم الوقوع في مزالق الظاهرة الفرعونية، أو في أول الطريق المؤدي لها، لان الإنسان والعياذ بالله عندما يقع في أول الطريق، فان قوى النزول ستتسافل عنده حتى ينتهي به الحال إلى أن يصبح إنسانا لا يعرف إلا ذاته، ولا ينظر للأشياء إلا من خلال نظرته الضيقة الخاصة، وحينئذ يأخذ جادة الطاغوت ويبتعد عن الله تعالى. 1) فليس غريبا ان تكون نهاية وخاتمة طاغوت وفرعون العراق ـ صدام المجرم ـ في منتهى الذل والهوان إذ يفترش الجحور كالجرذان، مرعوبا، خائفا، متوسلا، بعد ان كان جبارا متغطرسا. 2) إذ لا يمكن أن ينفصل الإنسان والمجتمع في وجوده الحاضر عن حركة الماضي، كما لا يمكن أن ينفصل هذا الحاضر عن المستقبل، لان حركة الإنسان هي حركة تكاملية، ووضع هذا الإنسان منذ البداية ـ عندما خلقه الله سبحانه ـ في إطار من الفطرة، ثم بعد ذلك اُنزِلَ إلى الأرض من اجل أن يقوم بدور الامتحان والابتلاء وأن يتكامل في حركته الذاتية الشخصية وحركته الاجتماعية تدريجياً حتى يصل إلى الكمال المطلق في الحركة الاجتماعية، وذلك عندما يعم العدل والحق على الأرض كلها، كما أكد ذلك القرآن الكريم، وكما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً، عندما يظهر الإمام الحجة "عج" فيملئ الأرض قسطاً وعدلاً. فحركة الإنسان إذاً هي حركة تكاملية وإذا كانت كذلك فلابد أن يرتبط فيها الحاضر بالماضي ويرتبط كذلك بالمستقبل أيضاً ويصبح التاريخ جزءاً من حركة الإنسان، ولذلك اهتم القرآن الكريم هذا الاهتمام البالغ بالجانب التاريخي، سواء في ما يتعلق بمعالم وحوادث التاريخ عندما يتحدث عن تاريخ الأنبياء (عليهم السلام) وأقوامهم، أم ما يتعلق بقوانين التاريخ وسننه التي تتحكم في حركة التاريخ الإنساني وتطورها . (منه (قدس سره)) |
|
|
|||