دور الفرد في الاقتصاد الإسلامي

سوف نقسم البحث عن مسؤولية الفرد في النظرية الإسلامية للاقتصاد إلى الأقسام الثلاثة الأساسية في المذهب الاقتصادي، وهي:

1. مسؤولية الفرد في الإنتاج والتنمية.

2. مسؤولية الفرد في التوزيع وتحقيق العدالة الاجتماعية.

3. مسؤولية الفرد في التبادل التجاري.

ونتناول ضمن كل واحد من هذه المسؤوليات المفردات المهمة، من اجل إيجاد صورة إجمالية عن المسؤوليات التي يتحملها الفرد في الاقتصاد الإسلامي والدور الذي يقوم به تجاه هذا الجانب الاجتماعي المهم.

مسؤولية الفرد في الإنتاج والتنمية

القسم الأول: في هذا القسم من البحث سنلاحظ ان الفرد له ادوار ثلاثة، هي:

أ) للفرد مسؤولية أساسية ومهمة في عملية الإنتاج والتنمية، التي يعيرها المذهب الاقتصادي في الإسلام أهمية خاصة.

ب) للفرد دور أساسي في التأثير على سياسات الإنتاج.

ج) يشكل الفرد موضوعاً مهماً في الهدف الأساسي من الإنتاج.

أ) دور الفرد في عملية الإنتاج والتنمية

الإنتاج والتنمية من القضايا الأساسية التي اهتم بها الاقتصاد الإسلامي وله طريقته المذهبية الخاصة في معالجتها، ولكن السؤال المرتبط بالبحث ـ الذي نحن بصدده ـ هو عن دور الفرد في عملية الإنتاج والتنمية.

ويمكن أن نفهم أهمية هذا الدور من خلال ملاحظة النقاط التالية:

1. إن الله سبحانه خلق الأرض وما فيها وما عليها من ثروات ووضعها في خدمة الإنسان، والأرض في البداية بعضها فيها حياة طبيعية، كالغابات والمناطق الزراعية الطبيعية، وبعضها موات لا حياة فيها، كما ان في الأرض والمياه والهواء ثروات طبيعية، كالمعادن والحيوانات الأرضية والمائية والطيور والغازات.

وهذه الثروات الطبيعية أما أنها مملوكة بالملكية العامة، كالأنفال أو من المباحات العامة كالمياه والأسماك والطيور والصخور وغيرها، وهي بذلك لا تتصف في أصلها بالملكية الخاصة(1).

وقد أذنَ الله تعالى للإنسان باستثمار هذه الثروات وأعمار الأرض والاستفادة من إمكاناتها الهائلة، وجعل ذلك في متناوله تيسيراً لحياته من ناحية، واختباراً وامتحاناً له في تجربته الأرضية من ناحية أخرى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)(2). وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(3). وقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(4)، وقوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى)(5).

ومن خلال هذه الآيات ونظائرها يمكن أن نفهم ان الإسلام ليس أذنَ بالاستثمار فقط ، بل حثَّ على ممارسة السعي في الأرض وأعمارها، وان هذا هدف أساسي من أهداف وجود الإنسان، وهذا ما ينسجم مع فطرته كما تقدم .

2. إن الإسلام منح الأفراد ملكية الأرض، أو الحق فيها على الأقل من خلال أحياء الأرض وأعمارها(6). كما ورد ذلك في روايات كثيرة عن المعصومين (عليهم السلام) منها: رواية محمد بن مسلم قال: ((سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: أيما قوم أحبوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم))(7). ومنح هذه الملكية أو الحق للفرد ـ في ضوء النقطة السابقة ـ يجعله في موقع المسؤولية الأساسية في الإنتاج، حيث ان الأرض لها دور مهم في الإنتاج والاستثمار، خصوصاً وان ملكية الأرض بالأصل هي ملكية عامة في النظرية الإسلامية، حيث أنها بالأصل للإمام بوصفه منصباً يمثل الدولة، وقد أكدت الأحاديث والروايات على ذلك وان الملكيات او الحقوق الأخرى فيها مهما تنوعت فهي ملكيات طارئة، وتمثل حالة استثنائية بعد أعمار الأرض وإحياءها من قبل الأفراد(8).

وقد جاء هذا الحكم شاملاً دون ان يفرق بين الأرض التي تكون مجالاً للاستثمار الزراعي أو السكني، وهنا نجد الفرد يتحمل مسؤولية، ويقوم بدور أساسي في الإنتاج، بحيث ان الثروة المنتجة في هذا المجال الواسع يتحمل مسؤوليتها ـ من حقوق وواجبات ـ الأفراد.

ومع هذه الرخصة المفتوحة في الكلمات ذات الطابع العام يمكن ان نفهم إحدى الإشارات في النقطة التي ذكرناها سابقاً، من ان الفرد يتحمل مسؤولية الإنتاج والتنمية في الثروة المنتجة بشكل عام.

3. أعطى الشارع المقدس حق التملك للأفراد بالحيازة والاستيلاء على مختلف موارد الطبيعة، كالمياه والطيور والأسماك والحيوانات البرية والأخشاب والمعادن في داخل الأرض او ظاهرها، مع ان هذه الثروات من الملكيات العامة أو المباحات العامة أو الأموال المشتركة وهذه النقطة تؤكد الدور السابق الذي أشرنا إليه.

4. اعتبر الشارع المقدس ان السبب في الحق أو الملكية الخاصة هو العمل الإنتاجي، سواء في الأرض أم بقية ثروات الطبيعة، وحتى في الثروة المنتجة، وهذا العمل ـ الذي اعتبره الشارع سبباً للتملك أو الحق ـ هو نتاج للفرد الإنساني بشكل خاص، ويجسد أيضاً دور الفرد في عملية الإنتاج والتنمية.

5. حث الشارع المقدس على الاحتفاظ بالملكية العقارية، ولعل هذا الحق باعتبار ان هذه الثروة منتجة تمثل انفاقاً إنتاجياً، وأمر الشارع في حالة بيع العقار يحسن المبادرة إلى شراء بديل له من العقار.

كما ان هذا الحكم الشرعي يمكن ان يكون له بُعد آخر، وهو تحقيق نسبة من الضمان والاستقرار للأفراد في حياتهم المعيشية.

6. وفي ضوء النقاط السابقة عندما نقرا النصوص التي تتحدث عن أهمية العمل في الإسلام وقيمته المعنوية والأخلاقية ودوره في التكامل الإنساني يمكن ان نعرف ـ ايضاً ـ أهمية الدور الذي يقوم به الفرد في الإنتاج والتنمية، ويؤشر في الوقت نفسه الى الاحتمال الذي طرحناه من تحمل الفرد المسؤولية الأساسية في الثروة المنتجة.

((سُئل أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل، فقيل له: إصابته الحاجة،قال: فما يصنع اليوم؟ قيل في البيت يعبد ربّه ، قال : فمن أين قوته؟ قيل من عند بعض إخوانه، فقال أبو عبد الله: والله للذي بقوته اشد عبادة منه))(9). وفي رواية أخرى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: ((طلب الحلال فريضة على كل مسلم ومسلمة))(10)، وفي رواية أخرى قال: ((من أكل من كد يده مر على الصراط كالبرق الخاطف))(11) وقال: ((من أكل من كد يده نظر الله إليه بالرحمة، ثم لا يعذبه أبداً))(12)، وقال: ((من أكل من كد يده حلالاً فتح الله له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء))(13).

عن ابن عباس انه قال: ((كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نظر أم الرجل فأعجبه، قال: لـه حرفه؟ فأن قالوا: لا، سقط من عيني، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن المؤمن إذا لم يكن له حرفة يعيش بدينه))(14).

ورواية أخرى عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) انه قال لأحد أصحابه(معاذ) - وكان قد اعتزل العمل-: ((يا معاذ أضعفت عن التجارة أو زهدت فيها؟ قلت: ما ضعفت عنها ولا زهدت فيها قال: فما مالك؟ قلت: الحنّا ننتظر امراً، وذلك حين قتل الوليد وعندي مال كثير، وهو في يدي وليس لأحد عليّ شيء ولا أراني آكله حتى أموت، فقال: لا تتركها فأن تركها مذهبة للعقل، اسع على عيالك، وإياك ان يكون هم السعاة عليك))(15).

ففي هذه النصوص أصبح العمل عبادة ووسيلة للوصول إلى مراتب عالية من الرحمة والقيمة الاجتماعية والرشد العقلي، وهذه كلها تمثل أفضل القيم في حياة الإنسان وتكامله.

يضاف إلى كل ذلك: ان اتجاه الإنسان للإنتاج والتنمية اتجاه فطري كما ذكرنا، فيمكن ان يكون الحث على هذا الاتجاه هو تأكيد لهذه الفطرة، وشبيه هذا حثّ الإسلام على الزواج، مع انه اتجاه فطري في الإنسان، خوفاً من الانحراف في التعامل معها كما يظهر ذلك من بعض هذه الروايات.

من خلال هذه النقاط نجد دوراً أساسياً للفرد في عملية الإنتاج حتى في الملكيات العامة التي تمثل الأصل في الملكية ما قبل الإنتاج، بحيث يمكن ان نفهم من خلالها ان الإسلام يتجه إلى ان يجعل الإنتاج والتنمية من مسؤولية الفرد بشكل عام بالرغم من أن الملكية بالأصل هي ملكية عامة، وهذا ما يؤثر على طبيعة الجواب الذي نحتاجه في الجواب عن السؤال السابق.


(1) الجانب الفقهي المتعلق بهذا الموضوع يمكن ان نتعرف عليه من خلال البحوث التي كتبها استاذنا الشهيد الصدر (قدس سره) في اقتصادنا (4311 - 554) والملاحق المرتبطة بها..(منه (قدس سره)).

(2) الأعراف: 10

(3) الملك: 15

(4) الأعراف: 31 - 32

(5) طه: 53 - 54

(6) هناك خلاف فقهي في هذا الموضوع ومشهور فقهاء الأمامية هو القول: بالملك ومختار جماعة من محققيهم القدماء والمتأخرين، ومنهم الأستاذ الشهيد الصدر هو القول: بثبوت الحق فقط، راجع اقتصادنا:(744-749).

ولكن نريد ان نؤكد انه بناء على الاتجاه الفقهي الذي يتبناه الشهيد السعيد الصدر لا تتصف الأرض بشكل مطلق بالملكية الخاصة في جميع أدوارها، ولكن بناء على الاتجاه الآخر يمكن ان تتصف في دور ما بعد الأحياء الملكية الخاصة، فإذا تمكنا فقهياً ان نجزم في بعض الموارد بالملكية الخاصة في الأرض أمكن ان يكون ذلك مؤشراً على الاتجاه الثاني..(منه (قدس سره)).

(7) الكافي: 5 : 279

(8) ((عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب او قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم وكل ارض خربة، وبطون الأودية، فهو لرسول الله (وهو للإمام من بعده يضعه حيث شاء)). وسائل الشيعة:9 : 523

(9) الكافي: 5 : 78

(10) بحار الأنوار: 100 : 9

(11) مستدرك الوسائل: 13: 23 :ح5

(12) مستدرك الوسائل: 13: 24 :ح7

(13) مستدرك الوسائل: 13: 24 : ح6

(14) مستدرك الوسائل: 13: 11: ح4

(15) الكافي: 5: 149:ح6

ب) دور الفرد في سياسات الإنتاج

وضع الإسلام لتحقيق التنمية والمزيد من الإنتاج مجموعة من الإجراءات الشرعية تمثل المعالم الرئيسية للسياسة الإسلامية في هذا المجال.

ومن الملاحظ ان دور الفرد في هذه السياسات هو دور رئيسي لا يقل عن دور الدولة وولي الأمر.

فنحن نلاحظ من خلال عشرين خطٍ من خطوط السياسة العامة التي وضعها الإسلام للتنمية والإنتاج في المجتمع الإسلامي(1) يتحمل الأفراد مسؤولية عشرة خطوط منها بشكل مباشر مثل:

1. الخط القائم على أساس حكم انتزاع الأرض من الأفراد عند تعطيلهم لإحيائها واستثمارها.

2. الخط القائم على أساس حرمة الاكتساب دون عمل منفق، كاستئجار الفرد أرضاً بأجرة وإيجاره لها بأجر اكبر.

3. تحريم الفائدة الربوية، وتحويل رأس المال بشكل طبيعي إلى رأس منتج في المجتمع.

4. المنع من اكتناز الذهب والفضة، وتجميد النقود، وذلك عن طريق فرض ضريبة تستنفذ المال المدخر تدريجياً، فيقوم المالك بدفع المال إلى السوق الإنتاجية.

5. تحريم اللهو والفجور التي تؤدي إلى تمييع شخصية الإنسان وإضعافها وعزلها عن الإنتاج.

6. التقليص من المناورات التجارية غير المنتجة، كتلقي الركبان أو تصدي بعض سكان المدن للبيع عن أهل البادية.

7. منح الملكية بعد موت المالك لأقربائه باعتبار هم يمثلون امتداداً طبيعياً للميت.

8. وضع قوانين الضمان التي يتحمل الفرد قسطاً كبيراً من مسؤوليتها، كما سوف نعرف ذلك في البحث الآتي.

9. منع القادرين على العمل والإنتاج من الاستفادة من قوانين الضمان.

10. وجوب تعلم جميع الفنون والصناعات (كفاية)(2) على الأفراد لإثراء عملية الإنتاج وإدامتها.


(1) راجع اقتصادنا: 654 - 665

(2) الواجب الكفائي: هو الواجب الذي يكفي حصوله ولو من بعض المكلفين، وذلك كالجهاد وتكفين الميت ونحوهما، فإن تكفين الميت إذا قام به بعض المكلفين سقط به الوجوب عن الباقين، أما إذا لم يتحقق من أحد فإن الجميع يأثمون ويعاقبون. والعيني: فهو توجه التكليف من الله تعالى بأمر واحد بنحو الحصر والتعيين، بحيث لا يقوم بدله شيء آخر ، مثل صلاة المغرب والأمر بالمعروف وكثير من الواجبات، فإن صلاة المغرب حيث تجب على المسلم لابد له من الإتيان بها، ولا يغني عنها غيرها من الواجبات أو الفرائض الأخرى.

ج) دور الفرد في تحقيق الهدف من الإنتاج

من الواضح ان الهدف من الإنتاج هو الحصول على الثروة المنتجة، ومن اجل فهم دور الفرد في تحقيق هذا الهدف لابد لنا في البداية معرفة نظرة الإسلام إلى الثروة وتقييمه لها.

وقد وردت مجموعة من النصوص تتحدث عن قيمة هذه الثروة ودورها في حياة الإنسان قد تبدو لأول وهلة أنها متناقضة.

فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: ((نعم العون على تقوى الله الغنى))(1). وعن الإمام الباقر (عليه السلام) : ((نعم العون الدنيا على الآخرة))(2).

حيث يبدو من النصين السابقين وأمثالهما كثير الحث على الغنى وحيازة الثروة والترغيب بذلك.

كما ورد أيضاً عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((من أحب دنياه اضر بآخرته))(3). وعن الصادق (عليه السلام) : ((رأس كل خطيئة حب الدنيا))(4).

وقد يفهم من هذين النصين ونظائرهما كثير ـ أيضا ـ أنهما يحثان على الزهد وعدم الثروة والإنتاج.

ولكن هذه النصوص وغيرهما يمكن ان تحل التناقض بينها من خلال الالتفات إلى ان الثروة سلاح ذو حدين، فهي من جهة نعم العون على الآخرة ولكنها أيضاً من جهة أخرى رأس كل خطيئة، والذي يبرز هذا الحد أو ذاك إطارها الروحي وهدف الإنسان منها.

فان الثروة إذا كانت بنفسها هدفاً أصبحت رأس كل خطيئة، واذا كان هدف الإنسان منها الوصول إلى الهدف الإنساني الأصيل وهو التكامل الرباني والوفاء بحاجات الإنسان وتحقيق العدل الإلهي أصبحت نعم العون للعبد على الآخرة.

ويوضح لنا ذلك ما ورد من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((اللهم بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا أدينا فرائض ربنا))(5).

وكذلك قول الصادق (عليه السلام) : ((لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال فيكف به وجهه، ويقضي به دينه، ويصل به رحمه))(6).

فان الإسلام يريد من الإنسان إنماء الثروة ليسيطر عليها، وينتفع بها لا أن تسيطر عليه، وتأخذ زمام قيادته وتورده موارد الهلكة(7).

وبهذا الفهم للثروة في الإسلام يمكن معرفة ـ بوضوح ـ دور الفرد في تحقيق الهدف من الثروة، فان الجانب النفسي والروحي للإنسان هو الذي يشخص الحد الصحيح من الثروة، ويجعلها وسيلة صالحة لتحقيق الأهداف الكبرى للإنسان والكمال الإنساني، وتترك له الفرصة الأكبر لعبادة الله تعالى، والتعبير عن مشاعر الخير والكمال والجود والإحسان.. قال تعالى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ...)(8)، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...)(9).

والى الجانب السابق من الهدف يوجد جانب آخر يستهدفه الإنتاج، وهو دوره في إشاعة اليسر والرخاء بين أفراد المجتمع وتحقيق القوة والمنعة والتكامل للمجتمع الإنساني، فالإنتاج والثروة ليستا هدفاً وإنما وسيلة لتحقيق الأهداف السامية، ومنها تحقيق الرخاء والاستقرار ومحو الفقر والجهل والمرض.

وعلى هذا الصعيد يكون للفرد دور أساس في تحقيق هذا الهدف من خلال الإنتاج، باعتبار ما فرض الله تعالى على الأفراد من واجبات وحقوق ثابتة ومتحركة، سوف نتناولها في القسم الآتي، وهذه الوجبات والحقوق لها دور أساس في تحقيق هذا الهدف، وفي النصوص الشرعية ما يدل على ان هذه الحقوق بالأصل تكفي الفقراء، وان الله لو علم بعدم كفاية الزكاة للفقراء لفرض أكثر منها.

عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : ((ان الله فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم ولو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم، أنهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله ولكن أتوا من منع من منعهم حقهم لا مما فرض الله لهم ولو ان الناس أدوا حقوقهم لكانوا عائشين بخير))(10).

ويمكن ان يكون هذا الحديث احد المؤشرات على الاحتمال الذي ذكرناه: من تحمل الفرد مسؤولية الثروة المنتجة بشكل عام، حيث كان منع الفرد للحق سبباً للفقر، الأمر الذي يشير إلى ان الثروة المنتجة من قبل الأفراد بشكل عام تمثل حجماً كبيراً وان الضمان الاجتماعي الذي يكفي جميع الفقراء، وكل ذلك يتحمل مسؤوليته الأفراد.


(1) الكافي: 5: باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة: 71 :ح1

(2) الكافي: 5: باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة: 72 :ح8

(3) بحار الأنوار: 70 : باب حب الدنيا وذمها: 80: ح140

(4) الكافي: 2 : باب حب الدنيا والحرص عليها: 315 :ح1

(5) الكافي: 5: باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة: 73 : ح13

(6) من لا يحضره الفقيه: 3: 166 : ح3615

(7) اقتصادنا: 669 - 671

(8) آل عمران: 92

(9) التوبة: 103

(10) الكافي: 3: باب فرض الزكاة : 496: ح1

دور الفرد في حل المشكلة الاقتصادية

والموارد الطبيعية التي خلقها الله سبحانه وتعالى في الكون وسخرها للإنسان يمكنها ان تعالج المشكلة الاقتصادية في حياته، من حيث قابليتها للاستيعاب ولسد الحاجات البشرية على أجمالها، ولكن سوء التوزيع من ناحية، وهو أمر مرتبط ـ إلى حد كبير ـ بالأفراد، وعدم الاستغلال الصحيح للمصادر الطبيعية للثروة الذي يشارك الفرد في تحمل مسؤوليته من ناحية أخرى، هو الذي يجعل الإنسان يواجه المشكلات الاقتصادية، على خلاف ما تدعيه الرأسمالية من الفقر الذاتي في الطبيعة وعدم سخاءها في تلبية الحاجات.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله:(اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ *‏ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)(1).

وهنا يأتي دور الفرد في معالجة المشكلة الاقتصادية بعد ان كان السبب فيها سوء التوزيع وسوء الاستثمار، فان الفرد بعد ان كان يتحمل مسؤولية كبيرة في عدالة التوزيع ـ كما سوف نشير ـ وفي الاستثمار، والإنتاج كانت مسؤوليته عظمية في هذا المجال.

ولذا نجد القرآن في الآية الكريمة يصف الإنسان بطبيعته بالظلم والكفر بسبب تقصيره في تحمل هذه المسؤولية بجانبيها.

وتبقى لنا ملاحظتان لابد من الإشارة إليهما قبل ان نختم الحديث في هذا القسم:

الملاحظة الأولى: هل ان الفرد يختص دوره في الإنتاج في المشاريع الإنتاجية الصغيرة؟ وذلك لأن الثروات الطبيعية التي تتصف بالملكية العامة أو الإباحة وان كان الإسلام قد أذن للفرد ان يمارس الإنتاج فيها بكل إمكاناته، ولكن تواجه الفرد مشكلتان أساسيتان إزاء استثمارها بشكل واسع، أحداهما(قانونية) والأخرى (اجتماعية).

المشكلة القانونية: إن الملكية أو الحق في هذه الثروات إنما يكون بالإحياء المباشر أو الحيازة المباشرة(2) وإذا كان الأمر مرهوناً بالعمل المباشر فلا يمكن للإحياء والحيازة المباشرة ان تقوم بالمشاريع الكبرى؛ لأنها مهما كانت واسعة واستخدمت فيها الأجهزة الحديثة فهي تبقى محدودة في إنتاجها.

المشكلة الاجتماعية: ان قيام الأفراد بالمشاريع الكبرى قد يؤدي إلى الاختلال في التوازن الاجتماعي، وبالتالي فلا بد لولي الأمر ان يمنع من ذلك؛ لأنه ولي المال من جهة وولي المصالح العامة من جهة أخرى.

ولكن يمكن معالجة كلتا المشكلتين، بالنحو التالي:

أما الأولى: فيمكن معالجتها على أساس الآراء الفقهية المعروفة التي تقول بحق التملك بالأحياء والحيازة ، ولو كانا على أساس الوكالة والإجارة. أو على أساس شراء الكميات الصغيرة من المواد الأولية التي ينتجها الأفراد وتحويلها إلى مشروع كبير.

وأما الثانية: فيمكن ان يكون هناك دور للشركات المساهمة في إقامة المشاريع الكبرى على أساس عقد المضاربة.. ويمكن للنظام المصرفي الإسلامي الذي لا يعتمد على الربح الربوي ان يقوم بدور كبير في هذا المجال.

سياسة التسخير

إن إحدى السياسات الأساسية في الإسلام التي لابد من الاهتمام بها في عملية الإنتاج هي سياسة التسخير والاستخدام للطاقات الفردية من قبل أنفسهم، بحيث ان نظام العمالة من الأنظمة المعترف بها في الاقتصاد الإسلامي، ويباشره أعضاء المجتمع الإسلامي، وهذا النظام يقتضي استيعاب كل الطاقات الفردية في الإنتاج من ناحية، ويلغي دور البطالة من ناحية أخرى، وهذا ينسجم مع النظرية الإسلامية تجاه الفطرة، فان الأفراد يتفاوتون في القابليات المبدئية والذهنية من خلال مسيرتهم الحياتية ولا يمكن تعطيل هذه الطاقات وعدم الاستفادة منها في مسيرة التكامل الإنساني(3).

وللفرد دور أساس في هذه العمالة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (...وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً...)(4).. ومن اجل ان لا تتحول هذه العمالة إلى عبودية أو استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وإنما تبقى في محتواها الاقتصادي المنتج، فقد وضع الشارع مجموعة من الأحكام والإجراءات التي تضمن للأجير مصلحته، وشدد العقاب في ظلم الأجير أجره.

في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : ((يا علي من انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله ومن منع أجيراً أجره فعليه لعنة الله))(5).

وفي رواية أخرى: ((ومن ظلم أجيراً أجره أحبط الله عمله وحرم عليه ريح الجنة))(6).


(1) إبراهيم: 32 - 34

(2) هذا الرأي نسبه الأستاذ الشهيد الصدر (قدس سره) إلى بعض الفقهاء، ومال إليه بالنسبة إلى الإجارة، ولم يقبله على مستوى الوكالة..(منه (قدس سره)).

(3) راجع المنطلق الثالث الذي سبق ان ذكرناه في بداية البحث.

(4) الزخرف: 32

(5) من لا يحضره الفقيه: 4: 362

(6) الوسائل:6 :247

مسؤولية الفرد في التوزيع وتحقيق العدالة الاجتماعية

القسم الثاني: عندما يأتي الدور في الحديث إلى مسؤولية الفرد في التوزيع، يمكن ان تكون الفكرة العامة عن هذا الموضوع من خلال النقاط التالية:

أ) دور الفرد في الصلة بين الإنتاج والتوزيع

في النظرية الاقتصادية الإسلامية ـ كما عرفنا ـ يعتبر الإنتاج أحد الأسس الرئيسية في التوزيع، هذا الأساس لا يختلف فيه زمان عن آخر؛ لأن حق الإنسان في الثروة المنتجة يقوم على أساس العمل المنفق في إنتاجها.. وبهذا الشكل يتحول العمل إلى أداة طبيعية ومنطقية للتوزيع، حيث يقطف العامل طبيعياً ثمار عمله، وتتوزع الثروة على أساس ما يبذله الأفراد من عمل وجهد.

هنا نجد ان الفرد في هذا البعد من التوزيع يصبح دوره أساسياً؛ لأنه هو الذي يخلق العمل ويكون العمل أساساً للتوزيع، وكلما زاد جهد الإنسان وعمله كلما كانت نتائج التوزيع منسجمة مع وتيرة العمل.

هذا الأساس للتوزيع الذي يتحمل مسؤوليته الفرد هو أساس عادل؛ لأنه قائم على عامل موضوعي وهو الجهد والعمل المنفق الذي يؤديه العامل.

وعلى أساس هذه الفطرة في التوزيع نجد الإسلام يقوم بحرمان الإنسان القادر على العمل، ولكنه لا يقوم بإرادته بدوره في الإنتاج من الحقوق التي وصفها الله تعالى في أموال الأغنياء، بحيث نفهم من ذلك ان عدالة التوزيع في النظرية الإسلامية تتحقق بالأصل من خلال الجهد الذي يبذله الأفراد في الإنتاج، وعندما يصبح هذا الأساس للتوزيع غير قادر على تحقيق العدالة في التوزيع لسبب من الأسباب التي لا ترتبط بإرادة الإنسان يأتي دور العامل الآخر في التوزيع، وهذا يعني: ان الدور الأساس في التوزيع يتحمله الفرد.

واذا أخذنا بنظر الاعتبار ان الفرد يتحمل إلى جانب هذا الأساس في التوزيع مساهمة أخرى(1) في التوزيع تعتبر أكثر عدالة وأكثر تكاملاً...وهي الضرائب التي يدفعها على ناتج العمل مساهمة منه في عدالة التوزيع وانسجاماً مع الموضوع الذي تجسد فيه عمله..وهو الثروة الطبيعية ذات الصفة العامة في الملكية؛ إذا أخذنا بنظر الاعتبار هذا الأمر يصبح من الواضح ان المسؤولية الكبرى في التوزيع يتحملها الفرد في الأصل، كما سوف يتضح ذلك في النقطة التالية.


(2) يمكن ان نستخدم اصطلاح (الأساس الأولي للتوزيع) بالنسبة إلى العامل الأصلي وهو العمل واصطلاح (الأساس الثانوي للتوزيع) وهو الأموال والضرائب التي يدفعها الأفراد أو الدولة إلى الفقراء والمحتاجين وغيرهم لتحقيق عدالة التوزيع عندما لا يصبح العامل الأول كافياً لتحقيق هذه العدالة..(منه(قدس سره)).

ب) دور الفرد في الضمان الاجتماعي

وعلى مستوى آخر من التوزيع نجد للفرد مساهمة أساسية، وهو التوزيع في مجال الضمان الاجتماعي للأفراد العاجزين عن العمل، أو الذين لم تتوفر لهم فرص العمل، أو الذين لم تصل بهم نتاجات عملهم إلى الحد المعقول من المستوى المعيشي للجماعة التي يعيش الفرد في كنفها ..فان مثل هؤلاء الأفراد تبنى المذهب الاقتصادي في الإسلام ضمان معيشتهم من خلال قنوات أربع:

الأولى: الضرائب الثابتة التي وضعها الإسلام على الأموال، كالخمس والزكاة والتي تصرف على الفقراء والمساكين وابن السبيل وغيرهم من المحتاجين، قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(1). وقال تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..)(2).

وهذه الضرائب تصرف على المحتاجين حتى تؤمن لهم مستوى من المعيشة يلحقهم بالناس كما جاء في النص حتى لو كان لـه دار وخادم ودابة(3).

الثانية: الضريبة المفروضة على الأفراد في أموالهم غير الزكاة بالمقدار الذي يتناسب مع حال الإنسان، وترك الشارع المقدس تقديره للإنسان نفسه، ويقوم الإنسان بسد الحاجات الضرورية الشديدة والحد الأدنى من مستوى المعيشة للمؤمنين الفقراء عن طريق هذه الأموال، بحيث يؤمن ضماناً نسبياً للفقراء عن هذا الطريق.

عن عبد الرحمن الأنصاري قال: ((سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رجلاً جاء إلى إبي - علي بن الحسين (عليه السلام) - فقال له: أخبرني عن قول الله عزوجل : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) ما هذا الحق المعلوم؟ فقال له علي بن الحسين (عليه السلام) : الحق المعلوم: الشيء يخرجه من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضتين، قال: فإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة ، فما هو؟ فقال: هو الشيء يخرجه الرجل من ماله ان شاء أكثر، وان شاء أقل على قدر ما يملك، فقال له الرجل: فما يصنع به؟ فقال: يصل به رحماً، ويقوي به ضعيفاً ويحمل به كلاً، أو يصل به أخاً له في الله، أو لنائبة تنويه، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته))(4).

الثالثة: قيام الأفراد الميسورين في المجتمع الإسلامي بكفالة الفقراء من إخوانهم الذين يعيشون في دائرتهم بصورة مباشرة إذا لم تسمح الظروف للدولة الإسلامية أو لم تسمح ظروف المجتمع الإسلامي ضمانتهم بطريقة أخرى، حيث ورد التأكيد على ذلك في مجموعة من الروايات، منها :

عن سماعة قال: ((سألت أبا عبد الله، قلت: قوم عندهم فضل وبإخوانهم حاجة شديدة وليس تسعهم الزكاة، أيسعهم ان يشبعوا ويجوع إخوانهم؟ فان الزمان شديد، فقال: ان المسلم أخو المسم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحرمه، فيحق على المسلمين الاجتهاد والتواصل والتعاون عليه والمواساة لأهل الحاجة...))(5).

وفي حديث آخر: ((أيما مؤمن منع مؤمناً مما يحتاج إليه وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره أقامه الله يوم القيامة مسوداً وجهه مزرقة عيناه مغلولة يداه إلى عنقه فيقال: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ثم يؤمر به إلى النار))(6).

ومن خلال هذين الحديثين يمكن ان نتبين ان المقصود بالحاجة الشديدة وسد الحاجة: (اختلال المستوى الأدنى من المعيشة) وان المسؤولية في التوزيع لا تقع على صاحب الثروة والمال وحده، بل تشمل من يتمكن ان يجد سبيلاً إلى ذلك من خلال الآخرين.

الرابعة: الأموال التي يضمها بيت المال من الخراج أو الأموال العامة كالأنفال وغيرها والتي يجب على الإمام ان يؤمّن من خلالها المستوى المناسب من المعيشة للأفراد الفقراء ، بحيث يلحقهم بالناس أيضاً.

فقد ورد في كتاب الإمام علي (عليه السلام) إلى واليه في مصر: ((... ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين، وأهل البؤس والزمنى فان في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، وأحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد فان للأقصى منهم مثل الذي للأدنى..))(7).

وعندما نلاحظ هذه القنوات الأربع نجد ان مسؤولية الفرد في التوزيع على أساس الضمان الاجتماعي كبيرة، وان العدالة الاجتماعية التي يسعى الإسلام إلى تحقيقها من خلال التوزيع (الثانوي) يتحمل القسط الأكبر من مسؤوليتها الأفراد أنفسهم، لأن القنوات الثلاثة الأولى يتحمل الفرد مسؤوليتها بشكل مباشر أو غير مباشر، فان الزكاة والخمس وان كانتا تصرفان وتنفقان عن طريق(ولي الأمر) ولكنهما على أي حال ضريبتان يدفعهما الفرد إلى الدولة بشكل عام(8).

وأما الثانية والثالثة فيتحمل الفرد أداءهما بالإضافة إلى إنفاقهما بشكل مباشر أيضاً.

وبهذا نعرف ان فكرة الضمان الاجتماعي وضعها الشارع بشكل أساس على عاتق الأفراد، خصوصاً مع ملاحظة الروايات التي أكدت على كفاية الحقوق والفرائض المالية لمعالجة مشكلة الفقر الفردي كما أشرنا سابقاً...

وهذا قد يشير ـ أيضاً ـ الى الاحتمال الذي أثرناه من تحمل الفرد مسؤولية الإنتاج والثروة المنتجة بشكل أساسي، اذ ان وضع عدالة التوزيع بعاتق الفرد بشكل أساسي يعني فرض قدرة الفرد على تحقيق ذلك، وهذا مرهون بكمية الإنتاج التي يحققها الفرد من خلال نشاطه الاقتصادي، وهذا يعني في الحقيقة ان الفرد له دور كبير في الإنتاج نفسه ليتمكن من تحقيق هذا الهدف، وهو ما ينسجم ايضاً مع النتائج التي انتهينا اليها في مراجعتنا لدور الفرد في الإنتاج.


(1) التوبة:60

(2) الأنفال:41

(3) الوسائل الشيعة:9: 49:ح6

(4) الوسائل:4: باب الحقوق في المال سوى الزكاة: 49 : ح6

(5) الكافي: 4 : باب البخل والشح: 50: ح16

(6) الكافي: 2 : باب من منع مؤمنا شيئا من عنده: 367: ح1

(7) نهج البلاغة: 438- طبعة بيروت.

(8) قد يفترض في الخمس ان يكون من موارد الدولة ،كما في بعض الموارد مثل: ان تمارس الدولة استخراج المعادن، ولكن الظاهر ان الخمس لا يتعلق الا بأموال الأفراد سواء كانوا من الشخصيات الحقيقية كالشخص الواحد ام الحقوقية كالشركات المحدودة وغيرها..(منه (قدس سره)).

ج) دور الفرد في التوازن الاجتماعي

من الواضح ان قضية الاختلال في التوازن الاجتماعي في النظرية الإسلامية يقوم على أساس مجموعة من الحقائق سبق ان أشرنا إليها.. إحداها موضوعية واقعية اعترف بها الإسلام، والآخرتان مذهبيتان تشريعيتان التزم بهما الإسلام:

الأولى: الاختلاف والفوارق بين الأفراد في القابليات والإمكانات الذهنية والنفسية والجسدية، وهذه من الحقائق الكونية في حياة الإنسان، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة النشاطات الإنتاجية لبعض الأفراد، أضف إلى ذلك ما يمكن لهؤلاء الأفراد من القيام باستخدام قدرات وإمكانات الآخرين.

الثانية: الالتزام المذهبي للإسلام الذي يقول: بان العمل أساس الحق والملكية، وبزيادة النشاطات الإنتاجية تزداد الملكية بشكل طبيعي.

الثالثة:الالتزام المذهبي بحرية التمتع بخيرات الطبيعة ومواردها. (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ..)(1).

وعلى أساس هذه الحقائق تبرز قضية الاختلال في التوازن الاجتماعي وضررة معالجته، حيث ان الاختلاف في القدرات سوف يؤدي بسبب الموقف المذهبي إلى تراكم الثروة لدى بعض الأفراد ، كما ان الحرية في التمتع والاستثمار تسمح بالمزيد من النشاطات الإنتاجية الأمر الذي يؤدي إلى قيام هوة واسعة بين بعض الأفراد والبعض الآخر في الأوضاع الاجتماعية للأفراد.

ومن الواضح لا نريد بالمعالجة التي لابد للمذهب الاقتصادي في الإسلام تحقيقها هو جعل الأفراد في مستوى واحد في الملكية أو في المعيشة؛ لان هذا نقض لإحدى الحقائق السابقة، بل المراد إلغاء الهوة السحيقة أو الفاصل الواسع بين المستويين في المعيشة الاجتماعية مع قطع النظر عن مقدار ما يملك الأشخاص من ثروات ما دامت تستخدم في الإنتاج، لأن المهم في نظر الإسلام أمران:

أولهما: تحقيق مستوى مناسب من المعيشة لكل الأفراد.

ثانيهما: ان لا يتحول المجتمع الإسلامي إلى مجتمع طبقي بتأثير القدرات والإمكانات الاقتصادية، فيختل التوازن الاجتماعي، وتصبح العلاقات الاجتماعية في الأمة مهددة بالخطر، وأما مجرد وجود الامتيازات في الملكية دون ان تأخذ طريقها إلى الحياة الاجتماعية أو وجود تفاوت نسبي في المعيشة، فهذا لا يشكل خطراً في نظر الإسلام على الحياة الاقتصادية.


(1) الأعراف:32

الضمانات الإسلامية للتوازن الاجتماعي

وقد استخدم الإسلام في معالجة ذلك عاملين مهمين يتناسقان مع التزاماته المذهبية السابقة في الملكية ومستوى المعيشة:

العامل الأول: إلزام الأقوياء والمتميزين من أصحاب الثروات أن يمتنعوا عن الإسراف والتبذير في حياتهم الاجتماعية (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)(1). (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(2).

بل حث ورغب الأفراد أيضاً على الزهد والتقشف والاقتصاد النسبي في الممارسة اليومية لحياتهم. (...وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(3).

العامل الثاني: الضغط باتجاه الارتفاع بالضعفاء والمساكين إلى حد المعقول من المعيشة يتناسب مع الوضع الاجتماعي، العام للجماعة مع إعطاء مفهوم الغنى مضموناً واسعاً، كما عرفنا سابقاً بحيث يشمل الدار والخادم والدابة والتوسعة في المصرف اليومي بحيث يلحق بالناس.

بالإضافة إلى ذلك وضع الإسلام مجموعة من السياسات ذات المضمون الأخلاقي والتربوي والاجتماعي وان تؤدي عملياً الى تفتيت الثروة والانتفاع بها وبالتالي إلغاء هذه الهوة الاجتماعية.

مثل: سياسة الوقف التي كانت عاملاً مهماً في المجتمع الإسلامي لإلغاء هذه الهوة، وتحويل الجانب المختل من التوازن إلى الصالح العام.

ومثل: سياسة المنع من الاكتناز التي تحول المال الى السوق والتداول.

ومثل: قانون الإرث الذي يفتت الثروة بشكل طبيعي، بالإضافة إلى سياسة الحث على الانفاق العام، والارتفاع بمستوى الجهاد بالمال إلى صف الجهاد بالنفس، والتأكيد على دور الصدقات المستحبة في الحياة الاجتماعية وفي الحياة الفردية.

وفي كل هذه المفردات نجد الفرد يتحمل مسؤولية كبيرة وأساسية في هذا المجال، حيث يتحمل كل المسؤولية في العامل الأول والقسط الأكبر من المسؤولية في العامل الثاني، وله الدور الأول في مجمل السياسات الأخرى التي اشرنا إليها.


(1) الإسراء: 27

(2) الأنعام:141

(3) الأعراف:31

دور الفرد في التبادل التجاري

القسم الثالث: ان التبادل التجاري يعتبر من أهم الأعمال الاقتصادية، وقد أعارها الإسلام أهمية خاصة بحيث، اعتبر الرزق كما ورد في بعض الروايات على عشرة أجزاء، تسعة في التجارة.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ((اتجروا بارك الله لكم، فاني قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: الرزق عشرة أجزاء تسعة أجزاء في التجارة وواحدة في غيرها))(1).

كما أنها في بعض الأحاديث اعتبرت سبباً للعز والشرف: ((قال أبو عبد الله (عليه السلام) لمولى له: يا عبد الله أحفظ عزك قال: وما عزي جعلت فداك؟ قال: غدوك إلى سوقك وإكرامك نفسك...)).

وفي حديث آخر: ((ان ترك التجارة مذهبة للعقل))(2).

وقد ورد في القرآن الكريم الاهتمام بها وتفضيلها على الربح الربوي:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ...)(3). (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا...)(4).

ويبدو من خلال مجموعة الأحكام التي ترتبط بالعقود التبادلية، ان الفرد هو الذي يتحمل المسؤولية الأساسية في العملية التبادلية، خصوصاً إذا لاحظنا أحكام القبض وشروط المتعاقدين وغيرها مما يبدو فيها العنصر الفردي الإنساني واضحاً.

كما أن أحكام المنع من الاحتكار وتوصيات أمير المؤمنين (عليه السلام) بطبقة التجار تؤشر على هذه المسؤولية.

ومن خلال الممارسة الخارجية لم يعرف في التاريخ الإسلامي ان الدولة مارست الأعمال التجارية والمعاملات التبادلية.

ويؤكد هذا الاتجاه ـ ايضاً ـ المنع من الاكتناز من جهة، وتحريم الفائدة الربوية من جهة اخرى ... فان كلاً من هذين الحكمين اذا اجتمعا يعني عندئذٍ: الاتجاه الى طرح الأموال والنقود التي هي العنصر الأساسي في العملية التبادلية بعد خروج المجتمع من حالته البدائية الى الحالة المعقدة في مجال الاستثمار والإنتاج.

وهذه الأموال انما يمكن ان تستخدم اما في العمل التجاري او الإنتاج في مجال الثروات الطبيعية، والتجارة تسعة أجزاء الرزق كما ذكر في الحديث.

فهذا الاتجاه في الحقيقة هو حثّ للأفراد على تحمل المسؤولية الكاملة في هذا المجال الحيوي، وبذلك يصبح دور الفرد في الاقتصاد الإسلامي دوراً أساسياً ومهماً، وهذا الدور المهم للفرد الذي منحه له المذهب الاقتصادي في الإسلام شيء طبيعي ينسجم مع مجمل المنطلقات الأساسية التي ذكرناها في بداية البحث.

ولعل أهم هذه المنطلقات هو ان الفرد الانساني هو المحور الأصيل في الخلافة الربانية، وهو موضوع المسؤولية في هذه الحياة وفي الدار الاخرى، وهو محط الأمانة الربانية التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها، وحملها الإنسان.

كما أن الفرد الإنساني هو الذي يملك الطاقات والإمكانات الهائلة التي زوّده الله بها.

ويصبح من الطبيعي حينئذٍ أن يتحمل الإنسان الثقل الأكبر من المسؤولية في العمليات الاقتصادية.


(1) الكافي: 5 : 319: ح59

(2) تهذيب الأحكام: 7 : باب فضل التجارة: 4 : ح12

(3) النساء :29

(4) البقرة:275


info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية