بسم الله الرحمن الرحيم

شذرات من أقوال شهيد المحراب (قدس سره)

* نحن نرى أنَّ العراق بلد الجميع،وملكاً لأبناء العراق ، للعرب والأكراد والتركمان وغيرهم من القوميات ، يتساوون فيه بالحقوق والوجبات ، ولهم أن يتمتّعوا ويتنعّموا بخيرات العراق ، ولهم أن يحيوا في هذا البلد بعزّة وكرامة، وأن يعمّروه ويحققوا فيه العدل الإلهي لينالوا رضا الله سبحانه وتعالى.

* الإسلام يرى: إن قوة الأسرة وصلاحها وتماسكها وتكاملها واتصافها بالمواصفات المطلوبة هي التي تمكنها من تحويل المجتمع إلى مجتمع صالح متكامل، ولاشك ان الزوجة والأم تمثل الركن الرئيس في الأسرة وبنائها، ان لم نقل الركن الأهم في هذا البناء من الناحية الداخلية والذاتية.

* المرجعية الدينية هي الإطار الأفضل للعمل الإسلامي ونشاطاته، وهو اطار تنظيمي يعتمد على العلاقات المباشرة مع الأمة من ناحية وتربية وإعداد الحوارييـن والمصطفين ليقوموا بدور تنظيم الأمة وتوعيتها وإيجاد النوع والمستوى الآخر من العلاقات والارتباط.

* إنّ العالمية في الدولة الإسلامية ليست مجرد هدف تسعى إليه الرسالة، بل هو ضرورة قائمة في تاريخها، وفي حركتها وتكاملها المستقبلي، إذ لابد لهذه الوحدة من أن تتحقق في نهاية المطاف وتكون كاملة أفقياً وعمودياً وجغرافياً، وفي المضمون والمحتوى.

* الأخلاق ليست مجرد سلوك يمارسه الإنسان فـي حياته اليومية، بل هي صفات روحية ومعنوية تتسم بالثبات والاستقرار والاستقامة والقدرة على مواجهة الضغوط وتحملها وتذليل الصعاب واجتياز العقبات.

* إنّ الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة والتجسيد الصحيح للإسلام في السلوك الفردي والاجتماعي ولاسيما للداعية أو المؤسسات التي يرتبط بها أو للعلماء والأمراء والحاكم الإسلامي لها دور عظيم في أبلاغ الرسالة وعرضها وإيصالها إلى الأفراد والمجتمعات.

* إن الرسالة الإسلامية لما كانت هي الرسالة الخاتمة فلابد أن تكون الوصاية والخلافة فيها تتناسب من حيث العمق والسعة والشمول وحجم المسؤوليات والبقاء والاستمرار مع هذا الدور المتميز الذي لا يمكن أن نشاهده في الوصايا الأخرى.

* إن الصراع في العراق تحول بعد الانتفاضة الشعبانية من صراع بين النظام والقوى السياسية النخبوية الواعية إلى صراع بين النظام وجميع أوساط الشعب العراقي الذي دخل بكل إمكاناته الشعبية المحدودة والواسعة في القتال مع نظام صدام وقاتل قتال الأبطال.

* إنّ للعلم والعلماء في النظرية الإسلامية موقعاً متميزاً لا يشبهه موقع آخر بعد الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

* إن من أهم أسس التقريب توحيد موقف المسلمين تجاه القضايا الرئيسية والمركزية، والتوحيد في موقف المسلمين مطلوب في المجالات السياسية وفي المواقف الاجتماعية.

كلمة المؤسسة

يشكل الاقتصاد في حياة الأمم والشعوب الأساس الذي يمكن ان تنهض عليه في مسيرتها التنموية، ونظرا لما لهذا الدور الكبير من أهمية، فقد بات يمثل الصدارة في سلم الأولويات؛ وذلك لأن قوة الاقتصاد، وحسن التخطيط والتنظيم في وضع البرامج التنموية كفيل بتحقيق الرفاهية والتطور، وعلى العكس من ذلك، حينما تكون هناك إخفاقات في النظرية الاقتصادية، حيث تلقي بظلالها على الحركة العامة للاقتصاد، ولعل ما وقعت فيه النظريات الاقتصادية بشقيها الرأسمالي والاشتراكي، من أخطاء وانتكاسات، قد دفع ثمنها الإنسان، حيث نجد الفرد في النظرية الرأسمالية يكون محور العملية الاقتصادية، كما نجد رؤوس الأموال والمؤسسات والشركات هي المحرك الأساس في الاقتصاد الرأسمالي، وبالتالي يُطبق هذا الإخطبوط على السياسة العامة للدولة..

وعلى العكس من ذلك نجد ان النظرية الاشتراكية تعطي للدولة الدور الأكبر في الهيمنة على كل مفاصل الاقتصاد دون إعطاء الفرد الفرصة في التملك والمساهمة في العملية الاقتصادية والتنمية العامة..

أما النظرية الإسلامية فهي تمثل الموازنة العامة بين الطرفين (الفرد والدولة) وإعطاء الدور لكل منهما، حيث انطلقت ـ النظرية الإسلامية ـ من كون الفرد هو الأساس في الوجود، وقد سخر الله كل ما في الأرض وما عليها من الثروات وفقاً للغرائز الفطرية للإنسان، وهي: حب المال والعمل على اكتناز الثورة وتحريك ماكنة الإنتاج، وهذا الدافع الفطري كان واضحاً لدى المشّرع الإسلامي، ولكنه أشترط ان يكون مقترناً بالجانب الأخلاقي، واستخدامها للتكامل الإنساني، شأنها بذلك شأن كلّ الغرائز الأخرى.

أما الدولة فيأتي دورها في النظرية الإسلامية من خلال الإشراف على مصادر الطاقة والأراضي ووالثروات الطبيعية، حيث تشكّل الملكية العامة التي تحدد مجالات الثروة الطبيعية قبل الإنتاج.

إن معالجة سيدنا ـ شهيد المحراب ـ لمسألة (دور الفرد في الاقتصاد الإسلامي).

جاءت مستوعبة لكافة أطراف العملية الاقتصادية، وقد أوضح ـ بالأدلة المختلفة ـ على قدرة النظرية الإسلامية في حل كافة الإشكالات التي يعاني منها الاقتصاد العالمي عند تفعيل دور الفرد والدولة في الإطار الصحيح..

ونظرا لما لتلك الأطروحات العلمية من أهمية في ميدان العمل قام قسم الإصدارات في الدائرة الثقافية بتجميعها ومن ثم تبويبها وفهرستها وإخراجها في كراس ليكون نافعاً لعموم المؤمنين.

ونسأل الله تعالى ان يكون عملنا هذا حسنة مضاعفة في ميزان أعمال شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) ويكون ذخرا لكل الجهود التي بذلت في إخراج هذا الكراس في )َيوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ).

مؤسسة تراث الشهيد الحكيم (قدس سره)

الفكرة العامة للبحث

عندما نستعرض النظرية الإسلامية في الاقتصاد(1) نجد ان الإسلام قد أعطى أهمية خاصة لدور الفرد في الاقتصاد الإسلامي، ولكن في الوقت نفسه أعطى أهمية موازية لدور الدولة في الاقتصاد، وبذلك امتازت النظرية الإسلامية عن النظريتين الاشتراكية والرأسمالية في المجال الاقتصادي، حيث ان النظرية الاشتراكية اتجهت إلى منح الدولة الدور الأساس في مجمل العمليات الاقتصادية، وقلصت بشكل حاد دور الفرد فيها، سواء على مستوى الإنتاج أم التوزيع، وعلى العكس من ذلك تماماً النظرية الرأسمالية التي اتجهت إلى منح الفرد الدور الأساس، وقلصت دور الدولة إلى ابعد الحدود وعلى جميع المستويات.

وانطلاقاً من ذلك نجد التشريعات الإسلامية في الاقتصاد تمنح كلاً من الفرد والدولة حقوقاً وواجبات، لتحقيق هذا التوازن في الرؤية في المجال الاقتصادي بين الفرد والدولة.

ولعل فكرة تحمل كل من الفرد والدولة للمسؤولية في الاقتصاد الإسلامي تنبع من التصميم العام للنظرية الإسلامية وأهدافها.

فان النظرية الإسلامية افترضت الإنسان هو المحور في الوجود بعد ان جعلته خليفة لله تعالى، وأرادت له التكامل، والسير باتجاه المطلق المتثمل بالله تعالى، وجعلت الحياة الدنيا بكل أبعادها وعلاقاتها ومشاكلها دار الاختبار والامتحان له، كما ان هذا الامتحان والاختبار في الوقت نفسه سبباً للتكامل الإنساني.

لذا كان من الضروري ان يكون للفرد دور في هذا الجانب المهم من الحياة الإنسانية وعلاقاتها بالكون والطبيعة.

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)(2).

ولما كانت الدولة ـ التي تتمثل بالأنبياء والأئمة والعلماء ـ في حياة الإنسان لها دور الرعاية والإشراف والتخطيط، وحل الاختلافات التي تحصل بسبب الهوى والانحراف بين بني الإنسان، وتحقيق العدل الإلهي، والتكامل الرباني والشهادة على مسيرة الإنسان، وليست مجرد انعكاس موضوعي للحياة الإنسانية او نيابة عن الإنسان في إدارة مصالحه، أصبح من الضروري أيضاً أن تمنح الدولة دوراً أساسياً في النظرية الاقتصادية الإسلامية باعتبار الأهمية البالغة لهذا الجانب في حياة الإنسان والمجتمع.

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(3).

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(4).


(1) لا نقصد من هذا البحث: أن نتناول التفاصيل القانونية وما تستند إليه من نصوص الشريعة الإسلامية حول هذا الدور، وإنما نريد من هذا البحث ان نجمع الخطوط العامة والنقاط التي ترتبط بهذا الدول من خلال مجموع المفردات التي تتناولها النظرية الاقتصادية الإسلامية بعد أخذها كقضايا ناجزة.

واعتقد ان أفضل كتاب إسلامي تناول النظرية الاقتصادية الإسلامية بمجموعها هو كتاب اقتصادنا لأستاذنا الشهيد الصدر(قدس سره)الذي اعتمدنا عليه في مراجعة هذه المفردات، ولكننا قد نختلف معه في بعض الاستنتاجات التي توصل إليها.

(2) الأنعام : 165

(3) البقرة: 213

(4) المائدة: 48

أهمية البحث

إن هذا البحث من البحوث التي تستحق المزيد من العناية الخاصة على مستوى التخصص والتأمل في الدراسات الاقتصادية الإسلامية؛ لأنه من البحوث التي قلّ من تناولها من الباحثين بشكل مستقل في بحوث الاقتصاد الإسلامي، كما يمكن من خلال تحديد دور الفرد أن نتعرف بشكل إجمالي ـ أيضاً ـ على الحدود العامة لدور الدولة فيه.

بالإضافة إلى انه من المفيد على مستوى المذهب الاقتصادي في الإسلام تشخيص المسؤوليات التي يتحملها الفرد باعتبار دورها المهم في رسم السياسات العامة التي لابد منها عند التخطيط أو التنفيذ في المجالات الاقتصادية على مستوى الأمة أو الدولة.

وبذلك يمكن حلّ التناقض أو التأرجح بين الاتجاهين ـ الاتجاه إلى الفرد أو الدولة ـ في هذه السياسات؛ لأنه سوف تتضح بذلك الحدود العامة بين الدورين الأساسيين للأمة وللدولة.

الأُطر العامة للنظرية

لقد جاء الدور الذي يتحمله الفرد في الاقتصاد الإسلامي ضمن مجموعة من الإطارات والمؤشرات العامة الفطرية أو الأخلاقية أو المرتبطة بالأهداف الأساسية لوجود الإنسان، بحيث تشكل هذه الإطارات منطلقات أو أهدافاً لاختصاص الفرد بهذه الأدوار الاقتصادية.

ولذا يحسن بنا ـ في البداية ـ الإشارة إلى أهم المنطلقات أو الإطارات الإسلامية ذات العلاقة بالنظرية الاقتصادية بصورة عامة وبالمسؤوليات والأدوار الفردية بصورة خاصة :

حب المال والتملك

الأول: حب الإنسان للمال والتملك والذي يمثل الجانب الفطري فيه كما يمثل في نفس الوقت دافعاً ذاتياً مهماً له نحو الإنتاج والتنمية.

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)(1).

وهذا الجانب الفطري الغريزي لا يمكن للإسلام ان يتجاهله في النظرية الاقتصادية، باعتبار ان الإسلام دين الفطرة من ناحية، وان طريق التكامل الذي يمكن للإنسان ان يسير فيه، وان يحقق أهدافه من خلاله، إنما هو استخدام الفطرة والطاقات الغريزية استخداماً صالحاً وباتجاه الخير، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(2)، وقال تعالى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)(3).

ولمّا كان الحب للمال يمثل جانباً فطرياً لم يسمح الإسلام بكبت هذه الفطرة الإنسانية، بل وجهها الوجهة الصحيحة، واستخدمها للتكامل الإنساني شأنه في ذلك شأن كل الغرائز والإحساسات الفطرية، وذلك من خلال المفاهيم التي أعطاها للثروة وكيفية استخدامها ومن خلال المعادلة الأخروية التي أوجدها، قال تعالى:(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)(4). فقد قرن الانفاق والاستخدام الصحيح للثروة بالإيمان بالله والوحي والأنبياء، والصلاة والجهاد في سبيل الله.

كما أنه في مواضع أخرى من القرآن نجد الجهاد بالمال يقرن بالجهاد بالنفس، ونجد الزكاة تقرن بالصلاة في كثير من الموارد.

كما تمّ التأكيد على ان هذا الانفاق يزيد من الربح والفوائد: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(5).

وفي بُعد آخر أعطى القرآن للمال والثروة دورها الحقيقي، من أنها وسيلة للتكامل وليست هدفاً، ولذا فهي لا تعني امتيازاً للإنسان ولا هدفاً له يستهدفه في حياته (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)(6).


(1) آل عمران: 14

(2) الروم: 30

(3) آل عمران: 92

(4) البقرة: 177

(5) البقرة: 145

(6) آل عمران: 15

الحرية الاقتصادية والفطرة

الثاني: الحرية الاقتصادية في المجال الاجتماعي ذات المضمون الواقعي، فان هذه الحرية الاقتصادية تمثل انعكاساً طبيعياً للفطرة الإنسانية وتعبيراً عن الحرية الطبيعية للإنسان من جانب، وعن حب الإنسان للمال والذهب والفضة والحرث والخيل المسومة من جانب آخر قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(1).

ومن اجل ان تكون هذه الحرية ذات مضمون واقعي وعملي من ناحية وتنسجم مع بقية الغرائز الفطرية للإنسان من ناحية أخرى، وضعت في اطار محدد يكفل (ضمان) مستوى مناسب من المعيشة لبقية أفراد المجتمع، بحيث لا تكون هذه الحرية على حساب فقدان الآخرين ـ عملياً وواقعياً ـ قدرتهم على التحرك وممارسة الحرية في المجال الاقتصادي عندما يفقدوا الحد المعقول من القدرة على تأمين المعيشة ويقعوا تحت سيطرة الآخرين.

كما ان بقاء الإنسان في ظل الحرية الاقتصادية المطلقة تحت الشعور بالخوف وعدم الاستقرار في الوضع المعيشي لا ينسجم مع الاتجاه الفطري له في تحقيق الاستقرار الذي يمكن ان يحققه هذا (الضمان).


(1) الملك: 15

التفاوت في القدرات

الثالث: التفاوت في القدرات والإمكانات الذهنية والنفسية والجسدية لأفراد الإنسان، وهذا شيء واقعي في حياة الإنسان الطبيعية وهو ـ التفاوت ـ يخلق بطبيعته اختلافاً في نتائج المنافسة بين أفراد الإنسان عندما يمارسوا الحرية الاقتصادية في الطبيعة وثرواتها.

وقد أقر القرآن هذا التفاوت كواقع أنساني لا يمكن تجاوزه في الحياة الاقتصادية إذا أريد للنمو الاقتصادي ان يأخذ طريقه إلى الحياة الاجتماعية، وأعطاه مضموناً أخلاقياً واقتصادياً كما نلاحظ ذلك في الآية (165/ الأنعام) السابقة وكذلك في قوله تعالى :(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)(1).


(1) الزخرف :32

الانتفاع المحدود

الرابع: التحديد من السيطرة على الانتفاع، فان الإنسان الذي يتجه بغريزته إلى استثمار الطبيعة والانتفاع بها لم يُترك له الحرية المطلقة لهذا الانتفاع، بل اتجه الإسلام إلى تحديد سيطرته على الانتفاع ضمن الطيبات من الرزق، والاستثمارات النافعة.

فلا يصح في النظرية الإسلامية أن يكون الانتفاع مجرد تجسيد للهوى الإنساني ـ إذ نهى الإسلام عن أتباع الهوى ـ أو يكون مضراً بعملية التكامل الإنساني أو بالجماعة الإنسانية، حيث نجد الإسلام قد حرم الخبائث والفواحش، وحدد طرق استثمار الثروة، وحرم الفائدة الربوية أو القمار أو السحر، والاكتساب بالمحرمات، كالغناء وبيع الخمر أو الميتة أو أدوات اللهو مما يذكر في الكتب الفهية. كما منع الإنسان من الإسراف والتبذير والإثم والبغي: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ...)(1). وقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(2)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(3). وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ...) (4).


(1) الأعراف: 33

(2) الأعراف: 31

(3) الأعراف: 267 - 268

(4) الأعراف: 157

الملكية والحقوق الخاصة

الخامس: الملكية والحقوق الخاصة للأفراد في المجتمع الإسلامي، وقد أكد الإسلام عليها، انسجاماً مع الفطرة الإنسانية والحرية الاقتصادية وأشارت إليها الآيات القرآنية السابقة.

فنحن نلاحظ الملكية والحقوق في حق الإحياء أو الملكية بالحيازة في الثروات الطبيعية أو التبادل التجاري وغيره، وقد أباحها الإسلام ـ الملكية والحقوق ـ دون حدود من الناحية الكمية، ولم يفرض مستوى معين لكمية الثروة، وإنما اتجه إلى تحديد الثروة من خلال الجانب الكيفي، الذي يرتبط بمصادر الثروة أو وسائل تنميتها أو طريقة استخدامها وإنفاقها.

ولذا نجد الإسلام ينهي عن أخلاقية الحسد والحقد تجاه نمو الثروة، قال تعالى: (وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)(1).

وقال تعالى: (...وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ....)(2).

ولعل مما يؤكد اطار الملكية الخاصة في حياة الإنسان ـ دون حدود في جانب الكم ـ هذا الاهتمام القرآني على معالجة قضية الأموال، والحث على أنفاقها، وجعله مقترناً ببذل النفس والجهاد بها، فان الأموال لو لم تكن في النظرية الإسلامية لها هذا القدر من الاختصاص بالفرد وصلاحية التملك الواسعة لها، لما كان هناك ضرورة لهذا القدر من التأكيد على هذا الجانب، والاهتمام به بعد ان تكون فرصة الإنسان في التملك محدودة، حيث يصبح من الطبيعي ان يبادر الإنسان إلى هذا الانفاق عندما يقترب من ذلك الحد المحدود، وكذلك النهي عن الاكتناز والربا والإسراف والتبذير في سياق أباحة التمتع بالخيرات، الأمر الذي يشعر بأن الثروة يمكن ان تكون واسعة وكبيرة من ناحية الحجم.

كما ان قضية قارون لم ينتقدها القرآن إلا من خلال تحول الثروة إلى عامل الطغيان والاستكبار(3).

وفي هذا المجال اعتقد أن هناك نقطة تستحق التأمل وهي: إن الملكية الخاصة أو الحقوق الخاصة، هل في الحالة الطبيعية هي الثروة المنتجة بحسب رؤية الاقتصاد الإسلامي، بحيث ان الفرد هو الذي يتحمل مسؤولية الثروة المنتجة بشكل أساسي، وان الملكية العامة، وان كانت تشمل مجالات واسعة من الثروة ولكنها قائمة بالأصل في الثروة الطبيعية قبل الإنتاج، ومن اجل ان تكون مستثمرة من قبل الأفراد بإذن الدولة ورقابتها وإشرافها؟ وبتعبير آخر: هل ان النظرة الإسلامية للمكلية ـ أجمالاً ـ هي الاتجاه إلى ان تكون ملكية ما قبل الإنتاج ملكية عامة وملكية ما بعد الإنتاج تكون ملكية خاصة؟

وهذا ما يمكن التعرف عليه من خلال بعض المؤشرات الآتية.


(1) النساء: 32

(2) التوبة: 74

(3) القصص: 76 – 77 - 78


info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية