مسلّمات أخرى

وتنطلق فكرة الحداثة من عدة مسلمات أخرى لابد أن نأخذها بنظر الاعتبار أيضاً.

التطور في الحياة الإنسانية

الأولى: إنّ الحياة الإنسانية تتصف بالحركة والتغيير، وليست جامدة وراكدة، وهذا أمر وجداني في التاريخ الإنساني، ونراه واضحاً في الوسائل والأساليب وفي الإمكانات والقدرات والموارد التي يملكها الإنسان في حياته، وفي الرغبات والميول والإرادات وفي المصالح والمفاسد، حيث يكون الشيء في وقت ما مصلحة أو رغبة أو مقدوراً للإنسان، ولكنه قد يكون مضراً ومفسداً لحياته أو منفوراً أو غير مقدور في وقت آخر.

ظاهرة النسخ والتقييد والتخصص

الثانية: إنّ الرسالة والشريعة الإسلامية باعتبارها الرسالة الخاتمة، نرى فيها جوانب الحركة والتغيير والمرونة بصورة واسعة، حتى في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب تغيـّر الظروف، وفي عدة مجالات، مثل: تغيير الموضوعات والظروف السياسية والاجتماعية، والقدرة على الفعل والإمكانات والموارد والحالات الاستثنائية كالضرر والعسر والحرج، أو مساحات الإباحة التي تُرك الأمر والاختيار فيها إلى الإنسان، أو إلى ولي الأمر، وغير ذلك من الموارد التي تعنـي: إنّ موضوع التطور الإنساني وتغيير الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية قد أُخذ بنظر الاعتبار في الشريعة، فالتجديد والمعاصرة هو حالة ثابتة في الرسالة الإسلامية منذ بداية وجودها.

أبعاد التحدي للرسالة

وبذلك يبرز للعيان هذا التحدي الكبير في الرسالة والشريعة الإسلامية، وهو: كيفية التوفيق بين هذه البديهيات والمسلمات التي قد يبدو لأول وهلة انّ نتائجها متضادة أو محيـّرة.

ويأخذ هذا التحدي عدة أبعاد:

أولها: التحدي على مستوى فهم الشريعة، وتكوين النظرية التي توفق بين الأصالة والحداثة، ورسم الحدود والمساحة لما هو الأصل فيها والمتغير الذي يكون متأثراً بالمعاصرة والحداثة، وهو تحدي تكون (الشريعة) نفسها مستهدفة فيه.

ثانيها: التحدي على مستوى الاستنباط واستنطاق الشريعة بما يواكب هذه التطورات، وتقديم الصياغات الشرعية لها بما يحتفظ بالأصالة من ناحية، وينسجم مع الحداثة والمعاصرة من ناحية أخرى، وهو تحدي للفقهاء والعلماء بالشريعة وقدرتهم على ممارسة دورهم الصحيح في الاجتهاد لإنجاز هذا العمل.

ثالثها: التحدي على مستوى العرض والإقناع وهداية الناس إلى الإسلام وشريعته وإرشادهم للتمسك بالإسلام والسلوك الإسلامي، بحيث يكون الإسلام معروضاً بطريقة وأسلوب ووسيلة بيـّنة ومستوعبة في النفوس وحركة الناس وظروفهم، وهو تحدي للدعاة والكتّاب والخطباء والمتحدثين والمبلّغين لرسالات الله.

وأحاول تناول البعد الأول من هذا التحدّي الواسع.

محاولات معالجة التحدي تاريخياً

توجد في التاريخ الإسلامي القديم والحديث عدة محاولات لمعالجة هذا التحدي في بعده الرسالي الأول:

المحاولة الأولى: إعتماد الرأي الإنساني في إكتشاف الشريعة (الاجتهاد بالرأي) وهذه المحاولة وإن كانت قد بدأت في التاريخ الإسلامي كمنهج في الاجتهاد لمعالجة التحدّي على مستوى البعد الثاني، وهو: استنباط الحكم الشرعي من النصوص المتوفرة، حيث واجه أصحاب هذا النهج مشكلة في تلبية حاجات المجتمع الإسلامي المتطور فقهياً على ضوء المتوفر من النصوص لديهم، فأنهم وجدوا انّ نصوص القرآن لا يوجد فيها ـ بحسب فهمهم ـ إلاّ عدداً محدوداً من الأحكام الشرعية، وانّ السنّة النبوية قد حُجبت عنهم بسبب منع التدوين في فترة من الزمن(1) ودخول الدس والوضع والتحريف فيها في فترة أخرى، الأمر الذي جعلهم يعتمدون قواعد ظنية، كالقياس بمعناه الواسع والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها من الوسائل.

ولكن تطورت هذه المحاولة بعد ذلك كمحاولة لفهم الدين والشريعة على انّ مساحة الثابت والمحدد منهما محدودة وضيقة، وانّ الدين مجرد اتجاهات عامة أو شرائع محدودة، والباقي متروك للمجتهدين أن يقولوا فيه بظنهم ورأيهم في حدود ما يدركونه منها، وانّ هذه الآراء هي الشريعة نفسها، وهو ما يسمى بمبدأ (التصويب)(2) في الاجتهاد.

وقد واجهت هذا المحاولة مقاومة قوية في المجتمع الإسلامي ومن علماء الأمة ورجالها، وكان لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) الدور الريادي في التوجيه والتحذير من هذه المحاولة، وقيادة المقاومة ضدها(3) حتى انتهت إلى السقوط المطلق في الأوساط الإسلامية، وبقيت فكرة انّ المجتهد يخطئ ويصيب هي الفكرة السائدة.


(1) أكدت جملة من الأخبار والنصوص التاريخية في المصادر الحديثية المختلفة للمسلمين، على قيام الخليفة الأول والثاني، بمنع التدوين، بل وحتى الإكثار من التحديث بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن جملتها:

أخرج الحاكم عن القاسم بن محمد انه قال: قالت عائشة: (جمع أبي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمني فقلت: تتقلب لشكوى أو لشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك. فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها). كنز العمال:10 :285: ح: 29460، وروى البيهقي في المدخل وابن عبد البر عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب أراد ان يكتب السنن فاستفتى أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله فقال: (إني كنت أريد ان اكتب السنن واني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فاكبوا عليها وتركوا كتاب الله، واني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا) كنز العمال: 10: 291: ح29474، وعن ابن وهب قال: سمعت مالكا يحدث أن عمر ابن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله،10 :292: ح29475

(2) التصويب اصطلاح أصولي يراد منه: عدم وجود حكم شرعي ثابت في الشريعة قبل وصول المكلف إليه، بمعنى ان الله ينشئ الحكم ويجعله في حق المكلف بعد ان يصل إليه بطريق معتبر، فإنشاء الحكم تابع للفقيه والمكلف. وتختلف المدارس الأصولية في سعة وضيق التصويب.

(3) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: من عمل بالمقائيس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس بغير علم وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك. الكافي:1: 43

عن أبي شيبة الخراساني قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن أصحاب المقائيس طلبوا العلم بالمقائيس فلم تزدهم المقائيس من الحق إلا بعدا وإن دين الله لا يصاب بالمقائيس:.1: 56

عن أبي شيبه انه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ضل علم ابن شبرمة عند الجامعة إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخط علي (عليه السلام) بيده إن الجامعة لم تدع لأحد كلاما، فيها علم الحلال والحرام إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق إلا بعدا، إن دين الله لا يصاب بالقياس. الكافي:1: 57

وقد أجمعت الطائفة على بطلان التصويب، كما ان الثابت في الشريعة ان الحق والحكم والصواب واحد، اصابه من اصابه و اخطأه من اخطأه، لا انه متعدد بتعدد طرق وصول المكلف اليه، وهذا بحث حقق في كتب الأصول فليراجع.

غلق باب الاجتهاد والتدوين

يمكن أن نعتبر انّ قرار غلق باب الاجتهاد يمثل إجراءً حكومياً لمواجهة هذه المحاولة، وسد طريق استغلال الاجتهاد بالرأي في وجهها، وإن كان لهذا القرار آثار سلبية أخرى - لا مجال لبحثها في حدود هذا البحث - لأنّ الاجتهاد الصحيح من ضرورات معرفة الرسالة الإسلامية بصورة دائمة.

كما انّ الحركة الواسعة للتدوين ونقد الحديث والرجال التي نمت وتطورت في ذلك الوقت كانت أحدى الخطوات المهمة لإسقاطها، وحتى محاصرة مدرسة الاجتهاد بالرأي.

وبطلان هذه المحاولة لا يحتاج إلى مزيد من الحديث بعد الإجماع الإسلامي النظري والعملي على ذلك، وكذلك مخالفتها للمسلمات الإسلامية الثلاث السابقة.

كما انّ النصوص الصحيحة المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤكد بطلان هذه المحاولة، حيث كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر وحذر من خطورة هذا الاتجاه في التفكير وفهم الإسلام فروي عنه: ((من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ))(1) وقوله: ((من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار))(2).

ولابد لنا ـ هنا ـ أن نميّز بصورة واضحة بين مدرسة الرأي في الفقه الإسلامي التي بدأت بها هذه المحاولة، والتي لازالت قائمة وموجودة ـ مع قطع النظر عن ملاحظاتنا ورأينا فيها ـ وبين ما تحولت إليه هذه المحاولة من فهم وتفسير للدين والشريعة بإدخال الرأي الاجتهادي فيهما، والذي يمثل إنحرافاً في فهم الدين وطريقة الاستنباط منه.


(1) وسائل الشيعة: باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن:27 :205:ح79

(2) نحوالي اللئالي: 4 : 104

تعدد القـراءات

المحاولة الثانية: التي تستند إلى نظرية تعدد القراءات بمعناها الغربي، وهي محاولة متأخرة وحديثة، فتعدد القراءات تارة يراد منه تعدد فهم النصوص وطريقة الاستنباط، وهذا هو الاجتهاد المعروف في الإسلام والمجتمع الإسلامي على اختلاف مناهجه وطرقه الصحيحة والباطلة.

وأخرى يراد من تعدد القراءات افتراض النسبية في المضمون الدينـي، وانه ليس مطلقاً، وإنّما يتم إدخال عنصر الذات والظروف في حقيقته وفهمه، وبهذا المعنى تكون الشريعة مجموعة من الأفكار العامة المعنوية، وانّ الحدود والصيغ الموضوعة للشريعة في النصوص القرآنية والنبوية إنّما هي حدود ذات طابع ذاتي تم صياغتها من قبل الله تعالى والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو أصحابه أو الرواة بصورة ملائمة للعصر الذي كانوا يعيشون فيه، فالحقيقة فيها نسبية وليست ثابتة، ويمكن تغييرها حسب طبيعة الظروف ومقتضيات المصالح والتطورات الاجتماعية الإنسانية المتغيرة التي أشرنا إليها في المسلمة الأولى، التي تنطلق منها فكرة الحداثة، وقد يحاول أصحاب هذه النظرية ـ أحياناً ـ التوفيق بين الأصالة والمعاصرة بادعاء انّ هناك ثوابت في الشريعة تمثل الأصل، ولكنها أمور محدودة الحجم وهي تلك الضروريات الإسلامية، والباقي يخضع لهذه النسبية.

وهذه النظرية بهذا المعنى واضحة البطلان اسلامياً، ولا يمكن أن تمثل حلاً للتوفيق بين الأصالة والحداثة، بل هي في الحقيقة إلغاء للأصالة وحصرها في دائرة ضيقة جداً، مع أنّ القرآن الكريم الذي يعتبر أصدق حديث لدى المسلمين يؤكد أنّ الحقيقة أمر ثابت موضوعياً، وفي مساحة واسعة، وذلك عندما يؤكد في مواضع عديدة (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا)(1)، وانّ الإنسان يهتدي إليها أو يضل عنها، وإنّ الاختلاف في تفسير الدين وفهمه بهذه الطريقة أدت إلى الضلال والخسران والاختلاف في أوساط أهل الكتاب (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)(2). وانّ ظاهرة الاختلاف في الدين سوف تتكرر بصورة أخرى في المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية.


(1) البقرة: 229، وثمة آيات لها ذات المضمون، قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، البقرة: 187، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)،الطلاق:1

(2) البيّنة: 4

الثابت والمتغيـّر

المحاولة الثالثة: وهي النظرية التي تبناها علماء الإسلام عموماً وأهل البيت (عليهم السلام) خصوصاً مع مزيد من التوضيح والشرح، وخلاصة الفكرة في هذه النظرية: إن مقتضى خاتمية الرسالة الإسلامية الجمع بين الأصالة والحداثة؛ لأنّ الرسالة عندما تكون خاتمة لابد ان توجد فيها مقتضيات الاستمرار والبقاء والقدرة على ملائمة الظروف والمستجدات، واستيعاب المسلمات الإسلامية السابقة بجميع خصائصها، وهذا يفرض أن تكون معالجة المشكلات الإنسانية في السلوك الإنساني والوصول به إلى الكمالات الإلهية من خلال الرسالة الإسلامية، وانّ هذه المعالجة لابد أن تكون مستمرة ودائمة مهما اختلفت الظروف والإمكانات والقدرات والميول والرغبات أو تطورت الأوضاع الإنسانية.

وهذا الثبات في الرسالة يفرض الأصالة والثبات في مفاهيمها وأحكامها، وهذا الاستمرار والبقاء - مع فرض تطور الحياة - يفرض المرونة في هذه الرسالة أيضاً، ومن هنا لابد أن يكون في الرسالة جانب ثابت وآخر متغيـّر.

والجانب (الثابت) في الرسالة هو الجانب الذي يعبـّر عن بعدين رئيسين:

أحدهما: بُعد الحاجات الفطرية الثابتة في الإنسان مهما اختلفت ظروفه وأوضاعه، مثل: الحاجة إلى العبادة، والأكل والشرب، والجنس، والاختصاص، والأمن...

وثانيهما: بُعد المسيرة التكاملية التي تعبّر عن الصراط المستقيم في حركة الإنسان نحو الله تعالى والدار الآخرة، مثل: معرفة الله تعالى، والتوبة إليه، والحرية، والعلاقات الاجتماعية المتوازنة، وحل الاختلاف بالعدل والقسط والحق، والردع عن إرتكاب الآثام والجرائم والطغيان وغير ذلك.

والجانب المتغيـّر: هو الذي يمكن أن نراه في مساحة الحرية الممنوحة للإنسان في المباحات التي تخضع عادة للرغبات والميول الشخصية أو الاجتماعية، وكذلك نراه في القضايا الاستثنائية الطارئة، كالضرر والحرج والعسر والاضطرار والإكراه، وفي عنصر المصالح والمفاسد المحدودة في الأشخاص والفئات التي تتحرك أحياناً، وفي عنصر القدرة والواجبات الكفائية وغيرها.

ولذلك نجد الثبات في صيغ العبادة بصورة عامة مع بعض الاستثناءات، كالدعاء والإنفاق، وفي بعض صيغ العقوبات التي تهدد الأمن العام الشخصي أو الاقتصادي أو العائلي أو الاجتماعي كما في القصاص والحدود.

وفي تشخيص الخبائث والولاء والبراءة السياسيين، وفي التوبة وفي طريقة فصل الخصومات وتشخيص الحق والملك، وفي العلاقات الزوجية والعائلية.

ونجد المرونة في مجالات واسعة أخرى، مثل: الدعوة إلى الله تعالى واللباس وأساليب العيش والحركة والكسب والمعاملة...إلخ.

والمهمة الرئيسية التي يتحملها الفقيه والمجتهد هو تحديد مساحة الثابت من المتغير من ناحية، وفي تشخيص مصاديقهما، وفي التمييز بين الأحكام الشرعية الإلهية والأحكام السلطانية والولائية التي تصدر من الولي باعتبار سلطته الشرعية.

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية