بسم الله الرحمن الرحيم

الاصالة و المعاصرة


كلمة المؤسسة

واجهت الرسالة الإسلامية ـ عبر تأريخها الطويل ـ تحديات كثيرة، سواء كانت من داخل المجتمع الإسلامي على شكل تيارات التشكيك والزندقة، أم من خارجه وتمثلت بالتيارات الوافدة التي تريد ان تأخذ موقعها في الساحة الإسلامية؛ من اجل خلق فجوة كبيرة بين الفرد المسلم ومعتقده، وبالتالي محاولة هدم المجتمع من الداخل، ولقد ركب هؤلاء المغرضون مختلف السبل والوسائل للوصول إلى الهدف، ولكنهم لم يفلحوا، حيث تهاوت أمام عظمة الإسلام والصرح الرسالي العظيم الذي بناه الرسول الأكرم والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وذلك لأن الله تعالى أراد ان تكون رسالة الإسلام آخر الرسالات، وأطولها عمراً بالإضافة إلى أنها تعيش مرحلة نضج العقل البشري والتغيرات الكبرى التي شهدها العصر في شتى جوانب الحياة، فمن الطبيعي ان تتوفر فيه عوامل البقاء والنمو والقدرة على مقاومة كل التحديات، بالإضافة إلى امتلاكه الحلول المناسبة لجميع الإشكالات التي ستواجه الفرد المسلم عبر المسرية الإنسانية.

ومن المواضيع المهمة التي دخلت حيّز الحوار بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين غيرهم قضية ( الأصالة والمعاصرة) والمساحة التي يمكن ان تتحرك فيهما هاتان المفردتان، ويبدو ان دور الأصالة يمتلك جانب الأساس في الشريعة، إذ لا يمكن تجاوزها باعتبارها الحدود أو الضوابط والأحكام التي تحدد صياغة الحياة الإسلامية، رغم وقوع التطرف لدى البعض ليشمل المفردات السلوكية لدى السلف من المسلمين...

بينما تعني الحداثة: أخذ واقع الحياة وتطورها والاهتمام بالمصالح الإنسانية، لأنه تعالى قد أودع في الإنسان مجموعة من الغرائز والميول، كما ان المصالح والمفاسد تتغير بتغير الظروف والأحوال وهو يمثل الجانب المرن في شريعة السماء ...

لقد ناقش سيدنا شهيد المحراب (قدس سره) عبر بحثه القيم (الأصالة والمعاصرة) هذا الموضوع بدقة متناهية، وخلص إلى النتيجة النهائية بقوله: (ان الشريعة الإسلامية فيها جانب ثابت يستجيب للثبات في حاجات الإنسان الدنيوية والأخروية وفي أسباب الكمالات الإلهية الموصلة إلى الله تعالى، وفيها جانب مرن يستجيب للظروف الاجتماعية والمادية في حياة الإنسان مالم يكن هذا التطور بسبب عوامل مضادة للشريعة وأهدافها...

ونظراً لما لتلك الأطروحات العلمية من أهمية في ميدان العمل قام قسم الإصدارات في الدائرة الثقافية بتجميعها ومن ثم تبويبها وفهرستها وإخراجها في كراس ليكون نافعاً لعموم المؤمنين.

نسأل الله تعالى ان يكون علمنا هذا حسنة مضاعفة في ميزان أعمال شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) ويكون ذخرا لكل الجهود التي بذلت في إخراج هذا الكراس في (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ).

موضوع البحث

يعتبر موضوع الأصالة والمعاصرة وقدرة الشريعة على مواكبة تطور الحياة الإنسانية، وتقديم الحلول الدائمة والمستمرة لمشكلاتها من أهم التحديات التي تواجهها الرسالات الإلهية، ولعلّ من أهم أسباب تعدد الرسالات الإلهية والتطور والنسخ(1) فيها هو مواجهة هذا التحدّي في الحياة الإنسانية. ولذا فانّ التحدّي في هذا المجال أمام الرسالة الإسلامية يكون أكبر حجماً وأكثر وضوحاً باعتبارها الرسالة الخاتمة.

وقد دلّت التجارب التي مرّت بها الرسالة الإسلامية ـ ولاسيما تجربة الحكم الإسلامي التي تعتبر من امتيازات الشريعة الإسلامية ـ على أنها قادرة على ذلك التحدي، ولعلّ أفضل شاهد على هذه الحقيقة: انّ الحكم الإسلامي مرَّ بمدة طويلة ـ ثلاثة عشر قرناً ـ يحكم بالشريعة الإسلامية، وقد مرّت البشرية طيلة هذه المدة بتطورات هامة، وانّ تدهور أوضاع الأمة الإسلامية وسقوط الحكم الإسلامي في القرن الماضي(2) كان بسبب ابتعاد أو انحراف أو تخلّي المسلمين عن الرسالة الإسلامية.

كما انّ عامة المسلمين لا زالوا يؤمنون بهذه الحقيقة، ويعملون على عودة الشريعة الإسلامية إلى الحياة، بل قد عاد الحكم الإسلامي ـ ولله الحمد ـ إلى الحياة في بعض مناطق العالم الإسلامي بصورة بيّنة، ومنها إيران وقيام الجمهورية الإسلامية فيها(3)، ثم إنّ الحكم الإسلامي بالشريعة لم ينحسر بصورة مطلقة عن جميع أنحاء العالم الإسلامي، بل بقي صامداً في بعض بلادهم بصورة أو أخرى أيضاً.

والمسلمون تواجههم في عودة الشريعة والرسالة إلى حياتهم عدة قضايا مهمة ومصيرية، لعل من أهمها كيفية التوفيق بين الثوابت والأصالة الرسالية، والتطورات الإنسانية الاجتماعية الحديثة بأبعادها المختلفة والتي شهد فيها القرن العشرين قفزة كبيرة وعلى مختلف المستويات.

وهذا الموضوع يفتح أمامنا آفاقاً عديدة من الحديث، وأحاول تناوله في إطاره العام من خلال فهمي للرؤية الرسالية والشرعية.


(1) النسخ: (رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية - كالوجوب والحرمة - أم من الأحكام الوضعية كالصحة والبطلان، وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع إلى الله تعالى بما انه شارع) البيان للسيد الخوئي: 277. طبعة دار الزهراء - بيروت. ولشهيد المحراب ( بحث معمق حول فكرة النسخ في كتابه: علوم القرآن:191

(2) تعد دولة الخلافة العثمانية ظاهرة تاريخية فقد شغلت حيزًا كبيرًا من الزمان والمكان، إذ عاشت أكثر من ستة قرون، وامتدت رقعتها الجغرافية إلى آسيا وأوروبا وإفريقيا، وكان هذا الانتشار الواسع للدولة العثمانية وتهديدها للمسيحية في عقر دارها سببًا قويًا في عداء أوروبا المسيحية لها، وسعيها الدءوب لتقويض أركانها، وبعد أن بدأت عوامل الضعف والتآكل تضرب في الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، أصبحت مطمعًا للدول الاستعمارية الكبرى: بريطانيا وفرنسا وروسيا حتى أطلق عليها القيصر الروسي "نيقولا " لقب "رجل أوروبا المريض".

ولما وقعت الحرب العالمية الأولى سنة (1333هـ - 1914م) انضمت الحكومة العثمانية إلى جانب ألمانيا، ودخلت تركيا الحرب وأجهضت قوتها البشرية والاقتصادية والعسكرية، حيث تمزق الجيش التركي على جميع الحدود والجبهات، وانتهت الحرب سنة (1337هـ - 1918م) بهزيمة ألمانيا وتركيا، وتحطُّم دولة الخلافة وتمزق أوصالها، حيث استولى الإنجليز على قلاع الدرنديل، واحتلت الجيوش الفرنسية والإنجليزية مدينة إستانبول، واحتلت اليونان أزمير، ووقعت هدنة "مدروز" التي نصت على استسلام الدولة العثمانية دون قيد أو شرط، وبدأت القوات العثمانية تلقي سلاحها، واستعد الحلفاء لاحتلال الأستانة وغيرها من المدن التركية، وتسارعت الأحداث وتسلم مصطفى أتاتورك مقاليد الأمور، وفي (27 رجب 1342هـ - 3 مارس 1924م) ألغى مصطفى كمال الملقب بأتاتورك الخلافة العثمانية، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، وألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية، وحوّل المدارس الدينية إلى مدنية، وأعلن أن تركيا دولة علمانية، وأغلق كثيرًا من المساجد، وحوّل مسجد (آيا صوفيا) الشهير إلى كنيسة، وجعل الأذان باللغة التركية، واستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلاً من الأبجدية العربية.

(3) انتصرت الثورة الإسلامية في إيران في شباط عام 1979 بعد خمسة عشر سنة من الجهاد المتواصل بقيادة الإمام الخميني ضد نظام الشاه المقبور، ثم في استفتاء شعبي صوت الشعب الإيراني بـ (نعم) لنظام الجمهورية الإسلامية بدلا من النظام الملكي الذي خضعت له إيران طيلة (2500) عاما متواصلة.

تحديد مفهومي الأصالة والحداثة

وفي البداية لابد من تحديد مفهوم الأصالة والحداثة(1)، لفهم كيفية مواكبة الأصالة للحداثة والتوفيق بينهما، ولئلا نقع في متاهات الاختلاف في مداليل الألفاظ، نقول: قد يراد من المفهوم عدة معان:

التمسك بالموروث الاجتماعي

1. فقد يراد من الأصالة في مقابل الحداثة: (التمسك بالموروث الاجتماعي للمسلمين من التقاليد والآداب والسنن)، ولاشك انّ الدين كان جزء من هذا الموروث أيضاً.

ولكن الحديث في مثل هذا الاتجاه ليس موضوع البحث كما أفهمه، وإن كان هناك مجال واسع للبحث في هذا الموضوع أيضاً، فانّ التمسك بالموروث لمجرد انه إرث لا يعبّر عن قيمة عقائدية أو حضارية أو أخلاقية في نظر الإسلام، بل تعرّض الأقوام السابقون الذين كانوا يتمسكون بالموروث من هذا المنطلق إلى مؤاخذة شديدة في الرسالات الإلهية، ومنها الرسالة الخاتمة، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم(2).

ولكن هذا الموروث إذا كان عقيدة إلهية تستند إلى البراهين والبينات والأدلة فهي شيء مقدس لخلفيته العقائدية والعلمية والقيمية، لا لمجرد انه موروث اجتماعي، ولابد أن يتناوله النقد على أساس خلفيته العقائدية.


(1) الأصالة مصدر أصُلَ، قال الخليل الفراهيدي في كتاب العين: أصُلَ أصالة كضخم ضخامة، وأصيل: ما كان ذو أصل أو أصالة، ورجل أصيل أي له أصل، وقولهم: (فلان لا أصل له ولا فصل) الأصل الحسب، الفصل اللسان، كتاب العين: للخليل الفراهيدي: 7: 156

وقال الزبيدي في تاج العروس: الأصل أسفل كل شيءٍ وأساسه وقاعدته ومنبته وما يستند وجوده إليه، فأصل الحائط أسفله وأساسه وقاعدته، وأصل الشجر جذوره، وأصل الشعر منبته، وأصل الولد والده، تاج العروس: للزبيدي: 7 : 1622

أما (التجديد) فهو مصدر صيرورة للتجدد، قال الجوهري في الصحاح: جدّده بمعنى صيّره جديداً، الصحاح: للجوهري: 2 :454

(2) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)، البقرة: 170

التمسك بسلوك السلف الصالح

2. وقد يراد من الأصالة: السلوك الاجتماعي والدينـي الذي كان عليه أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والتابعين لهم بإحسان أو غيرهم من الصالحين ممن نطلق عليهم عنوان (السلف الصالح) لافتراض انّ هذا السلوك كان قد صاغته الرسالة الإسلامية أو الرسول، أو للاعتقاد بالتزامهم في سلوكهم بالصياغات الرسالية، وفي مقابل ذلك تأتي فكرة الحداثة والمعاصرة وهي: التخلّي عن قيود هذا السلوك الذي لم يثبت لزومه بصورة واضحة في الشريعة الإلهية ولعدم ملائمته للظروف المعاصرة.

ولكن هذه الأصالة لا يوجد أي دليل على أصالتها بحد ذاتها، لأنه لايوجد بين المسلمين من يوسع دائرة السنة الشريفة والشريعة الإسلامية لسلوك الصحابة أو غيرهم من التابعين والصالحين باستثناء ما تذهب إليه الأمامية الاثنـا عشرية من تعميم السنة إلى هذه السيرة في حدود دائرة الأئمة الاثنـي عشر.

نعم، قد يكون هذا السلوك السلفي كاشفاً بطريقة ما عن الحكم الشرعي كما يكشف الإجماع(1) عنه، وقد يعبـّر عن ذلك بمصطلحات علم الأصول في الفقه الامامي بـ (سيرة المتشرعة)(2) التي يستدل بها أحياناً على الحكم الشرعي، ولكن هذا الكشف ليس قضية مرتبطة بالأصالة، بل بطرق الإثبات التي تخضع للنقد في علم الأصول، بل الأصالة والثابت هو الشريعة والرسالة، وانّ الصالحين بصورة عامة في معرض الخطأ، وإن كان سلوكهم قد يكشف بصورة احتمالية عن الشريعة، وقد يرتقي هذا الاحتمال ويتراكم حتى يصل إلى درجة الوثوق أو القطع واليقين، كما هو الحال ـ ولكن بدرجة أفضل ـ في خبر الواحد غير المعتبر(3) الذي قد يتراكم الاحتمال فيه عند التعدد فيصل إلى درجة القطع والوثوق في حالات التواتر(4) والتظافر، كما انّ الفعل لا يدل على أكثر من الجواز حتى في سلوك المعصوم، فكيف بسلوك غيره، ومن الممكن بسهولة التكيف مع المعاصرة في منطقة الجواز ومساحته.


(1) الإجماع مصطلح أصولي يُراد منه اتفاق عدد كبير من أهل النظر والفتوى في الحكم بدرجة توجب إحراز الحكم الشرعي.

(2) هي السلوك العام للمتدينين في عصر المعصومين، من قبيل إتفاقهم على إقامة صلاة الظهر في يوم الجمعة بدلا عن صلاة الجمعة، أو على عدم دفع الخمس من الميراث.

(3) ينقسم الخبر إلى: خبر معتبر: وهو ما تثبت له الحجية الشرعية، وخبر غير معتبر: وهو ما لم تثبت له الحجية الشرعية.

(4) التواتر: هو أخبار جماعة كثيرين عن شيء بحيث يمتنع عقلاً تواطئهم على الكذب.

الصياغة الرسالية للسلوك الإنساني

3. وقد يراد من الأصالة: ما تفرضه الرسالة الإسلامية وشريعة الإسلام من ضرورة صياغة الحياة الإنسانية ومسيرة السلوك الإنساني الفردي والاجتماعي على ضوابط وأحكام هذه الرسالة والشريعة، وذلك لوجود عدة بديهيات ومسلمات إسلامية لا يمكن تجاوز خطوطها الحمراء، وهي:

تكامل الرسالة

الأولى: انّ الرسالة الإسلامية هي الرسالة الخاتمة التي تمثل حالة التكامل في الدين: (...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً...)(1)، فلا يمكن أن تتعرض إلى النسخ أو التغيير بعد وصولها إلى هذه الدرجة من التكامل، ومن هذا المنطلق كانت القاعدة المسلمة التي دلت عليها النصوص الصحيحة: ((حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة))(2) والتي أكدها القرآن الكريم بما جرى تأكيده من حدود الله والأنكار على تجاوزها(3).


(1) المائدة: 3

(1) الكافي: 1 : 58 باب البدع والرأي والمقاييس ح19

(2) (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، البقرة: 229

معرفة الحكم الشرعي عن طريق الدين

الثانية: انّ معرفة السلوك الإنساني الذي يوصل الإنسان إلى التكامل المطلوب له في الدنيا والآخرة لا يمكن أن يصل إليه العبد إلاّ من خلال الدين والهداية الإلهية التي تصل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(1).

والطريق إلى الوحي الإلهي هو الكتاب الكريم والسنة النبوية، والباقي كالإجماع والعقل والتواتر أو الخبر والسيرة وغيرها، إنّما هي أدوات كشف عن مضمون الكتاب والسنّة تختلف في مستويات الاحتمال فيها حسب طبيعتها.

وهذه المسلّمة وتفرعاتها يتم بحثها عادة في بحث ضرورة الدين والشريعة، وبحث الأدلة في أصول الفقه.


(1) البقرة: 38

شمول الشريعة لكل مناحي الحياة

الثالثة: النصوص الواضحة لعموم الشريعة وشمولها لكل تفاصيل الحياة الإنسانية دون استثناء، والتي أكدها القرآن الكريم: (...وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(1)، مضافاً إلى الروايات الشريفة التي تؤكد وجود تفاصيل حتى (أرش الخدش). ومن ذلك كانت المسلّمة المعروفة فقهياً(انّ كل حادثة لا تخلو من حكم لله تعالى فيها)(2).


(1) النحل:89

(2) عن عمر بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا يحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبينه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل لكل شئ حدا وجعل عليه دليلا يدل عليه، وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا).ح.2

عن سليمان بن هارون قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (ما خلق الله حلالا ولا حراما إلا وله حد كحد الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق، وما كان من الدار فهو من الدار حتى أرش الخدش فما سواه، والجلدة ونصف الجلدة). ح3

عن المعلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله عز وجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال. ح6

الكافي للكليني: 1: كتاب فضل العلم: باب الرد إلى الكتاب والسنة: 59 - 60

الحداثــة

وفي مقابل ذلك، الحداثة التي تعني: صياغة الحياة الإنسانية حسب ما تفرضه الوسائل والأساليب والإمكانات والقدرات والمصالح والمفاسد والميول والرغبات الإنسانية المتغيرة والمتطورة، فانّ الشريعة الإسلامية جاءت لإدارة حياة الإنسان والوصول به إلى التكامل، وهذا لا يتحقق إلاّ إذا أخذ بنظر الاعتبار واقع الإنسان وقدراته، قال تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا...)(1)، واهتمت - الشريعة الإسلامية - بمصالح الإنسان المادية والمعنوية، لأنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية، وهي غير منفصلة عن فطرته وغرائزه وميوله؛ لأنّ ذلك ما أودعه الله تعالى في نفس الإنسان: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)(2) (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ...)(18)، وكل ذلك يخضع لوسائل وأساليب يبتدعها الإنسان، ويبتكرها من خلال سعيه في مناكب الأرض ومشيه فيها. فلابد أن يؤخذ في صياغة هذا السلوك وقوانينه المعاصرة والحداثة في هذا التطور والتغيير.


(1) البقرة:286

(2) آل عمران:14

(3) الأعراف:32

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية