|
الشيعة في التاريخ المعاصـر
الملاحظة الثانية: ننتقل ألان إلى ملاحظة حول التاريخ الحاضر الذي يبدأ من سقوط
الدولة الإسلامية العثمانية(1) وقيام مايسمى بالدولة الوطنية تحت وصاية الاستكبار
الاستعماري وغزوه العسكري، وما نتج عن هذا الغزو من تطورات وأحداث ترتبط بهذا
الحاضر، ولا زال حاضرنا يرتبط بهذه المرحلة وهذا التطور.
هنا نلاحظ أيضاً الوعي الشيعي فيما يتعلق بهذا الحاضر، الذي كان يمثل بدرجة عالية
إمتداداً لذلك الماضي العريق من تشيّع العراق وأهله، فالعراقيون مثلاً ومن خلال
شيعة أهل البيت نجدهم يكوّنون الصف الأول، إن لم نقل أنهم كانوا يتحمّلون المسؤولية
الأولى في هذا الوقت على أقل تقدير، والذي لا يمكن أن ينكره عليهم أحد من الناس،
فقد كانوا في الصف الأول في مقاومة الغزو الاستعماري والاستكباري الثقافي والعسكري
للعراق.
فعلى مستوى الغزو الثقافي الذي تعرَّضَ له العراق نجد انّ شيعة العراق كانوا في
الصف الأول في مواجهة الغزو التبشيري والاستشراقي الثقافي والسياسي الذي حدث في
العراق، ويمكن أن نلاحظ بهذا الصدد الأعمال المجيدة والواسعة التي قام بها العلاّمة
الشيخ محمد جواد البلاغي(2) وغيرها من الفعاليات الثقافية والسياسية، ومنها أيضاً
نشاطات السيد ميرزا حسن الشيرازي(3) والملا محمد كاظم الخراساني(4) وغيرهما من كبار
العلماء، وكذلك على مستوى الغزو العسكري، حيث نجد انّ الشعب العراقي كان دائماً في
الصف الأول عند مواجهة هذا الغزو في جبهة الشعيبة التي قادها آية الله السيد محمد
سعيد الحبوبي(5)، وجبهة القرنة التي قادها آية الله السيد مهدي الحيدري.
وفي هذا المجال نلاحظ أيضاً نقطة أخرى وهي: ان العراقيين تمكنوا من دون كل الدول
التي تعرضت إلى الاستعمار والهيمنة العسكرية الكاملة من قبل أوربا والغرب في هذه
الفترة أن يطردوا المستعمرين من بلادهم على مستوى الهيمنة والحكم والتسلط الكامل
المعلن من قبلهم، فالعراق هو أول بلد قام بالثورة لكسب الاستقلال السياسي النسبي
بعد الحرب العالمية الأولى، ومن قام بذلك هم أبناء هذا الخط المبارك المتمثل بشيعة
أهل البيت (عليهم السلام) بقيادة العلماء أمثال الميرزا محمد تقي الشيرازي(6) وشيخ
الشريعة الأصفهاني(7) فيما يعرف بثورة العشرين.
وكذلك إذا أردنا أن نرجع إلى التاريخ والقرائن الأخرى نجد أيضاً أنّ البريطانيين في
الغزو العسكري للعراق تأخروا مدة ثلاث سنوات في العراق، ولم يتمكنوا أن يهيمنوا على
العراق بسبب المقاومة التي أبداها أبناء الشعب العراقي، ولم يواجه البريطانيين في
أكثر أنحاء العالم الإسلامي مقاومة مثلها في الحرب العالمية، وتكبدوا عدداً كبيراً
من الخسائر على مستوى الأسرى والقتلى، بالرغم من انّ أراضيهم من الناحية الجغرافية
لم تكن تساعدهم في ذلك. وبعد ذلك لم تمض ثلاث سنوات من حكمهم حتى كانت ثورة العشرين
أو الخامس عشر من شعبان المبارك، والتي تمكن فيها العراقيون أن يحققوا نتائج لم
يحققها أي شعب من الشعوب الإسلامية الموجودة في المنطقة في مجال حركة التحرير من
الهيمنة الاستكبارية. فبقية الشعوب حصلت على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية،
أما العراقيون فقد تمكنوا من ذلك في سنة (1922).
والشيء المهم في هذا المجال ـ أيضاً ـ هو أنّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) اختصوا
من بين غيرهم من العراقيين عندما كان الأمر مطروحاً بين أن يكون الحكم وطنياً أو
إسلامياً، أو بتعبير آخر بين أن يكون الحكم إسلامياً أو علمانياً (بحسب المصطلحات
السياسية السائدة الآن)، نجد أن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا على درجة
عالية من الوعي، وكانوا أول من قاوم الانحراف والمطالبة بالحكم الإسلامي على مستوى
الحكم في العراق، هذا الأمر الذي يرتبط بمسألة مقاومة العلماء للانحراف في الحكم
وأبعادهم من العراق بعد ذلك وإخراجهم منه(8)، والمقاطعة من قبل شيعة أهل البيت
(عليهم السلام) للانتخابات المزورة، وغير ذلك من الإجراءات التي اتخذها هذا الخط
المبارك في ذلك الوقت، والتي كانت تعبر عن درجة عالية من الوعي الثقافي والعقائدي
فيما يتعلق بموضوع الحكم، هذه الدرجة من الوعي لا نجدها في غير هذا الخط الأصيل
المتمثل في خط أهل البيت (عليهم السلام).
وهكذا الأمر فيما يتعلق بحركة المشروطة في إيران، فحركة المشروطة(9) كان يقودها
علماء من النجف الأشرف، سواء ممن تخرج من هذه المدرسة أم من كان أصلاً يعيش في
النجف الأشرف في أثناء قيام حركة المشروطة التي هي أيضاً حركة ذات وعي ثقافي إسلامي
في فهمها للإسلام، وعندما انحرفت كان أول من قاوم هذا الانحراف هو الوعي المتمثل
بشيعة أهل البيت (عليهم السلام) وعلمائهم واستشهد من أجل ذلك آية الله الشيخ فضل
الله النوري(10).
وهذه من القضايا المهمة جداً في مسألة الوعي الثقافي الشيعي وفهمه للإسلام ومعانيه.
ويلاحظ هنا ـ في هذا الوعي الثقافي ـ انّ شيعة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا
يحملون الهم الإسلامي العام في الدفاع عن الإسلام والمسلمين والمصالح العامة للناس
والوطن، ولم تكن تحكمهم النزعات الذاتية أو الطائفية أو المصالح الفئوية.
ثم كان العصر الحاضر الذي كان أحد معالمه البارزة هو قيام الثورة الإسلامية في
إيران، ومن ثم تأسست الدولة المباركة (الجمهورية الإسلامية في إيران). وفي هذا
المجال أيضاً نجد الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي قد بدأت من العراق ومن
مرجعية الإمام الحكيم(11)، وهذا النوع من الانفتاح على قضية الدولة الإسلامية
والحكم الإسلامي والمواجهة للكفر مواجهة سياسية دينية بقيادة المرجعية الدينية
والحوزة العلمية التي يعبر عنها بالنهضة الإسلامية للمرجعية، هو أول عمل سياسي واسع
ينطلق من المرجعية وحدث بعد نكبة المشروطة من ناحية وانتكاسة ثورة العشرين من ناحية
أخرى حيث كانت هناك انتكاسة ونوع من الركود في الحركة السياسية.
ونجد أنّ هذه النهضة أيضاً بدأت من العراق ومرجعية الإمام الحكيم (قدس سره)،
والكثير الآن من معالم النهضة الموجودة في العالم الإسلامي في لبنان وباكستان
وأفغانستان ومناطق الخليج كانت أصولها وجذورها قد بدأت من الرجال الذين تربوا في
النجف الأشرف في ظل تلك المرجعية، وعاشوا ظروف تلك النهضة وتلك الأيام، وأخذوا
يتفاعلون معها، وكان أول من لبىّ نداء الثورة الإسلامية التي انتصرت في إيران والتي
قادها الإمام الخميني (قدس سره)، هم رجال تلك النهضة وطلابها في العراق وغيره من
البلدان.
(1) انتهت الدولة العثمانية بانتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، وقام نظام
علماني على أنقاضها برئاسة مصطفى أتاتورك، وأعلنت الجمهورية التركية.
(2) ولـد فـي رجـب عـام 1282 هـ في مدينة النجف الاشرف وسط عائلة متدينة معروفة
بالعلم والتقوى، و فـي عـام 1326هـ سـافـر إلى مدينة سامراء للاستفادة من دروس
العلامة آية اللّه محمد تقي الشيرازي وفي عام 1338 هـ عاد من سامراء إلى النجف
الاشرف واتجه نحو التأليف والكتابة و التصنيف، والرد على الشبهات حتى آخر لحظة من
عمره الشريف. وله (قدس سره) تاليفات كثيرة ومتنوعة في مجالات العلوم الإسلامية
المختلفة نذكر بعضا منها: آلاء الـرحمن، دارون و أصحابه، الهدى إلى دين المصطفى،
الـرحـلـة المدرسية، التوحيد والتثليث، رسـالـة فـي الـرد على فتاوى الوهابيين في
تجويزهم تخريب قبور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في البقيع.
(3) في عام 1259 هـ وصل واستقر فيها، وبعد وفاة الشيخ الأنصاري تصدى للمرجعية
الدينية العامة وقد هاجر إلى مـدينة سامراء المقدسة وجعلها مدينة آمنة بعد أن كانت
مهملة وخربة, وقد بنى فيها مدرسة لطلبة العلوم الدينية، وأمر بإعادة ترميم بناء
المرقدين الشريفين للإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام, وبنى إلى جانبهما
حسينية وسوقا كبيرا مع حمامين لخدمة الزوار القادمين إلى المدينة. كما بنى جسرا
لتسهيل وفود الزائرين والمسافرين إليها, بعدما كان الناس يستخدمون الزوارق للعبور
إلى المدينة. في 24 / شعبان / 1312 هـ توفاه الله ودفن في النجف الاشرف.
(4) ولد في مدينة مشهد المقدسة عام (1255 هـ) في أسرة معروفة بالصلاح، وفي عام 1278
هـ هاجر إلى النجف الاشرف لإكمال دراسته الحوزوية، ويعتبر (قدس سره) من مدرسي علم
الأصول البارزين في التاريخ الإسلامي، وقد انشغل بتدريس العلوم الحوزوية مدة أربعين
سنة. فقد بلغ عدد طلابه ألف طالب، من بينهم مئة مجتهد، حتى ان المفتي العام للدولة
العثمانية حضر مجلس درسه في مسجد الطوسي، وفي 20 / ذي الحجة / 1329 هـ توفاه الله
حيث كان عازما على السفر إلى إيران، لحفظ ثغور الإسلام من عساكر الروس والإنجليز،
وتم دفنه في الصحن الشريف للإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) في
النجف الاشرف.
(5) أحد علماء النجف المجتهدين، ومن أشهر أعلام الشعر العراقي في النصف الثاني من
القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الى جانب الرصافي والزهاوي
والكاظمي والشبيبي، وفي عام 1915 خرج في موكب جهادي من النجف بعد أن تقلد سيفه
والطبول تدق أمامه، متجهاً الى الناصرية ليحث العشائر على الجهاد المقدس، ومن هناك
قاد 13000مقاتلاً، بينهم 1500 مقاتل كردي، وقاتل المحتلين الانكليز في معركة
الشعيبة، إلا أن تفوق الانكليز بالسلاح أجبر المقاومين الى الانسحاب بعد أن قدموا
تضحيات جسيمة من الشهداء، وبعد أشهر اتصل به القادة الأتراك وطلبوا منه رسم خطة
لإعادة الكرّة للجهاد عن طريق كوت الإمارة، وهكذا كان، فخاض الحبوبي مع بقية
العلماء والعشائر والجيش التركي معركة أخرى ضد القوات البريطانية الغازية، وكان
النصر حليفهم هذه المرة، إذ استطاعوا محاصرة الجيش الإنكليزي وأسر جميع أفراده
وعددهم اثني عشر ألف رجل إضافة الى قائده الجنرال (طاوزند).
(6) ولد سنة 1270 هـ وهو من مراجع التقليد المعروفين في حوزتي كربلاء والنجف.
بالإضافة إلى فقاهته كان أديبا وشاعرا ومجاهدا صلبا.
قاد الثورة العراقية ضد الانجليز وأوقد شرارتها الأولى من مؤلفاته: (العقائد
الفاخرة في مدح العقيدة الطاهرة) توفي سنة 1338هـ.
(7) ولد في مدينة أصفهان بإيران، في أُسرة دينية عُرفت بالتقوى والصلاح.
وبدأ شوطه العلمي فيها، ثم هاجر إلى العراق عام (1295هـ)، وعندما بدأ الإنجليز
حملتهم لاحتلال العراق، خرج للجهاد ضدهم قاصداً مدينة البصرة، ووصل إلى منطقة
(القُرنة)، وهي يومذاك قلب الجبهة الإسلامية، وواصل دوره في قيادة الثورة والمطالبة
بحق الشعب العراقي والشعوب الإسلامية حتى توفَّاه الله سنة (1339هـ).
(8) وكان في مقدمة العلماء المبعدين الشيخ ميرزا حسين النائيني والسيد أبو الحسن
الأصفهاني والشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ مهدي الخالصي والشيخ محمد جواد
الجواهري وغيرهم.
(9) وهي الحركة الدستورية ضد الحكم الاستبدادي القاجاري في إيران.
(10) ولد الشيخ فضل الله النوري عام 1259هـ في إيران وبدأ بطلب العلوم الإسلامية
وهو في مقتبل العمر، ثم رحل إلى النجف الأشرف ثم إلى سامراء لمواصلة دراسته عند
الميرزا الشيرازي، ثم عاد إلى إيران واستقر في طهران فصار حلقة الوصل المهمة بين
مركز المرجعية في سامراء مقر الميرزا الشيرازي وبين طهران مركز المواجهة في قضية
التنباك. تبنى كتابة دستور لإيران يقوم على أساس الإسلام فكوّن لجنة من علماء الدين
من اجل انجاز هذه المهمة. قام بالاعتصام في صحن السيد عبد العظيم الحسني مع أكثر من
خمسمائة من العلماء وطلاب العلوم الدينية في طهران. واصدر عدة بيانات تدعو الحكومة
إلى الالتزام بالإسلام مما اضطر مجلس الشورى إلى إمضاء لائحة الالتزام بالإسلام،
ولكن بعد فترة سيطر المطالبون بالنظام الدستـوري على طهران من جديد واعتقلوا الشيخ
ومن ثم أعدموه عام 1327 هـ.
(11) ولد السيد محسن الحكيم في عام 1306 هـ في عائلة متدينة معروفة بالعلم والصلاح
والتقوى, كـان جده السيد مهدي الحكيم من مدرسي علم الأخلاق المعروفين في زمانه,
وبعد ان أنهى دراسته الابتدائية درس المقدمات في الحوزة العلمية, ثم دراسة السطوح
العالية عند أساتذة عصره ,وفي عام 1337 هـ بدأ بتدريس البحث الخارج في الفقه
والأصول, وقد تخرج على يديه عشرات الطلاب, ولقد قام (قدس سره)بخدمات جليلة وكبيرة،
منها: تأسيس المكتبات العامة في أنحاء العراق كافة, لنشر الثقافة الإسلامية وتوعية
الشباب المسلم, وقد بلغ عدد تلك المكتبات أكثر من 70 مكتبة, وكان أكبرها مكتبة
الإمام الحكيم العامة في النجف الاشرف, وأما عـن خـدمـاتـه الـجليلة الأخرى فتتمثل
في بناء المساجد والتكايا والحسينيات, وتأسيس الـمراكز الثقافية الإسلامية في
العراق وفي مختلف أنحاء العالم الإسلامي, وقيامه بطبع الكتب الإسلامية وإرسالها إلى
أنحاء مختلفة من العالم, مضافا إلى تأسيس المدارس العلمية لطلبة العلوم الدينية,
كما ان له مواقف سياسية مهمة يطول ذكرها والحديث عنها، وقد لبى نداء ربه ببغداد في
27 / ربيع الأول / 1390 هـ , واستغرق تشييعه من بغداد إلى النجف الاشرف مدة يومين
بموكب مهيب، حضره مئات الآلاف من المؤمنين.
مؤشـرات أخرا لها دلالته
وهناك أيضاً مجموعة من المؤشرات الأخرى لها دلالة على الوعي الشيعي، من قبيل:
موقف المرجعية من القضية الفلسطينية، والموقف من الحركة الإسلامية المنظمة أو ما
يعبر عنها بالتنظيم الإسلامي، وكيفية التعامل معها. والموقف من قضايا الفكر الغربي
السياسي. والموقف من قضايا الهيمنة الأجنبية.
وبهذا الصدد نأخذ مثالاً من ذلك وهو موضوع (التنظيم الإسلامي)، فالمرجعية في العراق
كانت تحمي الحركة الإسلامية المنظمة والتي ولدت في أحضان الحوزة العلمية وكانت تمثل
ـ أحياناً ـ بعض أجهزتها ومواقفها، وكان نمو الحركة الإسلامية وتطورها بسبب هذه
الحماية.
أما في إيران فالحركة الإسلامية ـ في بداية وجودها ـ المتمثلة بحركة (فدائيان
إسلام)(1) عندما أرادت التحرك نجد أجهزة المرجعية في مدينة قم أبان مرجعية السيد البروجردي(2) (قدس سره) قامت بمحاصرة الحركة إن لم نقل قمعها، ولم تتخذ المرجعية
موقف الإنكار ـ مثلاً ـ لما جرى لـ (فدائيان إسلام) و(نواب صفوي)(3) وغيره من
الشهداء الذين استشهدوا على يد حكومة الشاه، ومع غض النظر عن الدخول الآن في تفاصيل
هذا الموقف وأسبابه، يمكن للإنسان أن يُقارن ويستنتج بين طبيعة الحركة الإسلامية
المعاصرة في العراق والحركة الإسلامية في غيره.
نعم، يمكن أن نقول: إنّ إمام الأمة الإمام الخميني (قدس سره) تمكن أن يحقق إنجازاً
عظيماً، ويقفز بهذه النهضة قفزة كبيرة، ويحقق بذلك قفزة كبرى أيضاً على مستوى
النهضة الإسلامية كلّها، وهو عمل وإن كان يرتبط بمنهج أهل البيت (عليهم
السلام) والوعي السياسي والثقافي لهم، ولكن إذا أردنا أن نتحدث عن جذور هذه النهضة
وبدايات الوعي فيها، نجد أن هذه الجذور وبدايات الوعي وأساليب التغيير ولدت في
العراق أيضاً.
فمثلاً: مشروع (جماعة العلماء) وفكرتها كتنظيم تعبوي سياسي والتي نجدها الآن من
الأفكار والمشاريع السياسية المهمة التي قادت التعبئة السياسية والروحية في إيران
مثل: (جامعت روحانيت) أو (مجمع الروحانيون)، أو غير ذلك من التشكيلات، ولدت جذورها
قبل ذلك وتحركت في العراق مثل: (جماعة العلماء) في النجف الأشرف، حيث كان تأسيس
ونشاط جماعة العلماء بعد انقلاب 14 تموز عام 1958م بمدة شهرين تقريباً، إذ ظهرت
آنذاك على السطح السياسي في العراق تيارات سياسية جديدة، من جملتها التيار الماركسي
الذي كان يمثله الحزب الشيوعي في العراق، حيث كان له وجود تأريخي بعد الحرب
العالمية الثانية وشعبـي إلى حد ما، ولكنه كان يعمل ـ بصورة سرية ـ في داخل الساحة
العراقية تحت شعار (الوطنية) و (مكافحة الاستعمار). وكذلك الأحزاب القومية التي كان
لها وجود في الساحة العراقية على مستوى الأمة بشكل أقل وان كان له نفوذ في وسط
الجيش والدولة والأوساط السنية العربية، إلاّ انّ هذا التيار السياسي على المستوى
القومي في العالم العربي الذي كان يمثله (عبد الناصر) في ذلك الوقت كان تياراً
قوياً، خصوصاً إذا لاحظنا انّ (عبد الناصر) تبنى في المنطقة شعار مكافحة الاستعمار
والحرية والوحدة بين البلاد العربية، وتمكن من تحقيق بعض النجاحات في تأميم قناة
السويس وفي تسليح الجيش المصري وفي المساهمة بإعلان حركة عدم الانحياز.
وبعد انقلاب 14 تموز الذي أدى إلى تغيير هيكل النظام في العراق إلى نظام جمهوري،
ومنح الشعب العراقي الحرية النسبية، وُجدت فرصة جديدة لأن يطرح ـ بشكل واضح ـ الخط
الإسلامي والنظام الإسلامي كبديل للنظام السابق الذي كان حاكماً في العراق. بهدف
مواجهة التيارات غير الإسلامية التي ظهرت على السطح في العراق بعد هذا الانقلاب،
وادراكاً من العلماء بأنّ من الضروري التصدي للعمل السياسي والتفاعل مع الجماهير
الشعبية على أساس من الاسلام، الاسلام الذي يفترض كعقيدة ونظام لا مجرد علاقة بين
الإنسان وربّه أومجرّد عبادات، وعلى هذا الأساس تكونت جماعة العلماء.
وهذه الجماعة كان أعضاؤها يمثلون ـ في الحقيقة ـ الطبقة التي تأتي بالدرجة الثانية
بعد المراجع في حوزة النجف الأشرف، وكانت هذه الجماعة تتكون من علماء عراقييـن وغير
عراقييـن من العرب وغيرهم. وكان عدد هذه الجماعة ثلاثة عشر شخصاً، ثلاثة منهم كانوا
يمثلون اللجنة المشرفة(4)؛ لأنهم يعتبرون من حيث الطبقة أقدم من الآخرين، والباقون
كانوا عبارة عن اللجنة التنفيذية لجماعة العلماء(5) وكان جميع أعضاءها قد بلغوا
درجة الاجتهاد، وقد تبنى الإمام الحكيم هذه الحركة وكان يقوم بالإنفاق على كل
النشاطات التي تقوم بها، هذا بالإضافة إلى تبنـي بقية العلماء والمراجع في النجف
الأشرف لهذه الحركة أيضاً وأصدروا بيانات رسمية لتأييدها بتوقيعاتهم، وكان من جملة
هؤلاء العلماء المرحوم آية الله السيد عبد الهادي الشيرازي(6) والمرحوم آية الله
السيد محمود الشاهرودي(7) وآية الله السيد الخوئي(8) والمرحوم آية الله السيد
محمد جواد الطباطبائي التبريزي وآخرين، ثم بعد ذلك (جماعة علماء بغداد
والكاظمية)(9) وانتقلت هذه الفكرة بعد ذلك إلى إيران، بمعنى أن امتدادات النهضة
وجذورها وأساليبها يوجد عليها الكثير من المؤشرات التي تجعلها ترتبط بالعراق وحوزة
النجف الأشرف، ومن خلال البحث يمكن للإنسان إثباتها ومعرفة حركة الوعي وأصولها وكيف
تطورت الأمور، ومجرى الأحداث التي كانت تجري في العراق وإيران، وكيف تفاعلت هذه
الأحداث.
ومن مصاديق ذلك حركة السيد المدرس والسيد الكاشاني المتشابهتين(10) اللذين درسا في
النجف الأشرف، وتخرجا من مدرسة الشيخ الآخوند الخراساني والشيخ ميرزا حسين
النائيني.
وكذلك الموقف من قضايا الإسلام الكبرى، فإذا أردنا أن نراجع الوعي الثقافي الشيعي
في العراق تجاه القضايا الإسلامية الكبرى مثل: قضية الغزو الثقافي التبشيري، وقضية
الهجمة الاستكبارية والاستعمارية ومواجهة هذه الهيمنة، وقضية فلسطين وإيجادها
كقاعدة للاستكبار العالمي في المنطقة من خلال القوة العسكرية، وذلك بالاستيلاء على
بلد كامل وتشريد شعبه، وكذلك قضية المواجهة للفكر السياسي الإلحادي المتمثل
بالماركسية وبالخطوط الثقافية العلمانية الأخرى. نجد انّ للوعي الثقافي الشيعي في
العراق دوراً رائداً في هذا المجال.
فعند الرجوع إلى الوعي الشيعي والحوزوي في العراق وأصوله نجده قد تمكن أن يحقق
إنجازات كثيرة جداً في هذه القضايا، التي يعبر عنها: بالقضايا الإسلامية الكبرى،
وكان لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المجالات والمواجهات السبق في المبادرة
أو الجهد بدرجة عالية من المواجهة ومستواها والاقتحام والاستعداد للبذل والعطاء، أو
على مستوى العطاء الفعلي الذي قدموه في هذا المجال من المضمون الفكري والثقافي
والأدبي.
وهذا المؤشر في هذا المجال له أهميته الخاصة؛ لأنه يعبّر عن الإطار العام وهو:
المصلحة العليا الإسلامية الذي يتحرك فيه هذا الوعي، دون أن تكون القضايا الخاصة هي
الإطار، وانّ التحرك ضد الاستبداد والطغيان والأنظمة الجائرة إنّما كان من منطلق
المصلحة الإسلامية العليا وليس من منطلق طائفي أو فتوى أو المصالح الخاصة المتضررة.
ولازال يعتبر موقف المرجعية الشيعية في العراق في مقابل المد السياسي والثقافي
الماركسي ونشاط مرجعية الإمام الحكيم (قدس سره) وفتواه مع سائر المراجع بهذا الشأن
من القضايا المتميزة في حركة هذا الوعي الثقافي الشيعي في العراق(11).
(1) هي حركة سياسية تتبنى النهج الإسلامي المنفتح منهجا لها، فهي تدعو إلى نبذ
الطائفية بين المسلمين والعمل على تطبيق الاسلام، ورغم شعارها هذا إلا أنها لم تحض
برضا المرجع الديني أنذاك السيد البروجردي، وقد أنشئت بقيادة نواب صفوي الذي جعل
منها حركة لها دور ملحوظ في التحولات السياسية الإيرانية، خصوصا بعد اغتيال الكاتب
عدو الإسلام احمد كسروي عام1949م من قبلهم لكنها ضعفت وتقلص نفوذها بعد عمليات
الإعدام التي نفذها الشاه ضدهم بعد الانقلاب العسكري على الدكتور (مصدق).
(2) وُلِدَ السيد حسين البروجردي في إيران عام (1292 هـ) وفي عام (1320 هـ) سافر
إلى النجف الأشرف، لإكمال دراسته الحوزوية على يد مراجعها المعروفين آنذاك. ثم
قَدِم في عام (1364 هـ) إلى حوزة مدينة قم. وكان سماحته احد الإعلام الذين دعو إلى
ضرورة التقريب بين المذاهب الإسلامية و استطاع بفضل حنكته ورؤيته الصائبة، وبحسن
التفاهم مع مُفتي بلاد مصر، الشيخ محمود شلتوت، من إصدار الفتوى التاريخية
المعروفة، التي اعتَبَرَتْ مذهب الشيعة من المذاهب الإسلامية الرسمية. وقد توفي سنة
(1380هـ).
(3) ولد سيد مجتبى نواب صفوي سنة 1925م في إيران وتزعم حركة "فدائيان إسلام" وكانت
بداية عمله التنظيمي في مدينة مشهد ثم توسعت إلى كافة إيران.
وكان نواب صفوي قد زار القاهرة لحضور الاحتفال المقام لشهداء الجامعة (شاهين
والمنيسي وغانم) وأستقبل بحماس شديد وترحيب حار من قبل الإخوان المسلمين الذين
رافقوه لزيارة مراقد آل البيت في مصر. والسيد صفوي هو الذي دبر عملية اغتيال
(كسروى) الأديب القومي الفارسي المتعصب للحضارة الفارسية والعدو للإسلام وقد قرر
الشاه تصفية نشاط فدائيان إسلام فتم القبض على نواب صفوي وتمت تصفيته بعد صدور حكم
الإعدام عليه.
(4) هم: المرحوم آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين، والمرحوم آية الله الشيخ حسين الهمداني، والمرحوم آية الله الشيخ خضير الدجيلي.
(5) وهم: 1. المرحوم السيد محمد تقـي بحر العلوم.
2. المرحوم السيد موسى بحر العلوم.
3. المرحوم السيد محمد باقر الشَّخص.
4. المرحوم الشيخ محمد رضا المظفر.
5. المرحوم السيد إسماعيل الصدر.
6. الشهيد السيد مرتضى الخلخالي.
7. المرحوم الشيخ محمد جواد آل شيخ راضي.
8. المرحوم الشيخ محمد طاهر آل شيخ راضي.
9. المرحوم الشيخ حسن الجواهـري.
10. المرحوم السيد صادق الصدر.
(6) أحد مراجع الدين في النجف الاشرف، ولد في مدينة سامراء سنة 1305هـ ثم هاجر إلى
النجف الأشرف والتحق بحوزة الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب الكفاية وشيخ
الشريعة الأصفهاني وتخرّج في الفقه والأصول في كربلاء المقدسة على زعيم الثورة
العراقية الكبرى الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي الحائري، وتوفي في 10 صفر سنة
1382ه
(7) ولـد الـسيد محمود الشاهرودي في عام 1301 هـ بإحدى القرى التابعة لمدينة
شاهرود في إيران وفي عـام 1328هـ هـاجر إلى النجف الاشرف لكمال دراساته العليا في
حوزتها، وكان (قدس سره)احد مراجع الدين في العالم الإسلامي، وقد توفي في 18 / شعبان
/ 1394 هـ في النجف الاشرف
(8) هاجر السيد الخوئي (قدس سره) سنة 1330 هـ إلى النجف الاشرف لتلقي العلوم
الدينية في الحوزة العلمية، وقد نال درجة الاجتهاد في فترة مبكرة من عمره الشريف،
وشغل منبر الدرس لفترة تمتد إلى أكثر من سبعين عاما، ولذا لقب بـ(أستاذ العلماء
والمجتهدين)، وله مؤلفات في مختلف الحقول العلمية، منها: أجود التقريرات، البيان،
نفحات الإعجاز، معجم رجال الحديث، لبى نداء ربه في 8 صفر سنة 1413 هـ عن عمر بلغ
ستة وتسعين عاما, ومرجعا كبيرا من مراجع هذا العصر.
(9) كانت جماعة علماء بغداد والكاظمية تتألف من الآيات وحجج الاسلام التالية
أسماءهم، وقد كانت مجموعة منهم تمثل اللجنة التنفيذية أو المركزية لهذه الجماعة وفي
مقدمتهم السيد مرتضى العسكري والسيد محمد مهدي الحكيم والشيخ علي الصغير والسيد
محمد الحيدري الخلاني والسيد هادي الحكيم والشيخ محمد حسن آل ياسين، ومجموعة أخرى
كان لها دور المساند، ويمثل الجمعية العامة للجماعة: السيد إسماعيل الصدر، السيد
مرتضى العسكري، السيد محمد مهدي الحكيم، السيد أحمد الموسوي الهندي، الشيخ جعفر
الساعدي، السيد جعفر شبـر - الكرادة الشرقية، السيد حسن الحيدري، السيد حسين العلاق
- الثـورة، السيد صادق السيد جواد الموسوي، السيد صادق الموسوي الهندي، السيد عباس
الحيدري - الكاظمية، السيد عبد المطلب الحيدري - الكرادة، الشيخ عبد الحسين الخالصي
- الكاظمية، السيد علي الحيدري - الشيخ بشار، الشيخ علي الصغير - العطيفية، السيد
محسن الموسوي، السيد محمد الحيدري (الخلاني) - الكرادة وجامع الخلاني، الشيخ محمد
حسن آل ياسين - الكاظمية، الشيخ محمد حيدر- بغداد الجديدة، الشيخ محمد الشيخ صادق
الخالصي - الكاظمية، السيد محمد طاهر الموسوي - الكريعات، السيد محمد علي الأعرجي -
الكريعات، الشيخ موسى السودانـي - الحرية، السيد مهدي الصدر- الكاظمية، الشيخ مهدي
النمدي - الكاظمية، الشيخ نجم الدين العسكري - البياع، السيد هاشم الحيدري -
الكاظمية، السيد هادي الحكيم - أسكان - غربي بغداد، السيد صادق الخلخالي، السيد
محمد طاهر الحيدري - جامع المصلوب، السيد علي نقي الحيدري - الكسرة، السيد محمد
هادي الصدر - الكاظمية، الشيخ هادي الشيخ جعفر الساعدي، الشيخ كاظم العظيمي -
الثورة، الشيخ جواد الظالمي - البياع، السيد عبد الرزاق الموسوي، السيد علي العلوي.
كما انّ هناك أسماء أخرى كانت تشترك في مجمل نشاطاتها مثل الشيخ عارف البصري والسيد
عبد الرحيم الشوكي.
(10) التشابه بين الحركتين إنهما كانتا حركتين إصلاحيتين ضمن النظام القائم في
إيران ومن خلال مؤسساته، والأولى كانت في زمن (بهلوي) الأب، والثانية كانت في زمن
(بهلوي) الابن.
(11) لقد أفتى الإمام الحكيم (قدس سره) بحرمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، كما قام
جهازه بحملة ثقافية كبيرة وضخمة شملت العراق كله للتعريف بالإسلام ومفاهيمه المقدسة
الشعائر الحسينية
ومن المؤشرات التي يمكن أن نلاحظها على مستوى الوعي الثقافي الشيعي الأصيل هو الوعي
في قضية الشعائر الحسينية، والذي يربط الحاضر بالمستقبل، حيث لا نجد بلداً تمكن من
الصمود مثل الشعب العراقي في الالتزام بقضية الإمام الحسين (عليه السلام) ومن ثم
الشعائر المتعلقة بنهضته أمام مثل هذه الهجمات المتتالية التي واجهها المسلمون في
العراق في قضية الشعائر الحسينية.
فنحن واجهنا هجمة تُدين أصل هذه الشعائر، وتتهمها بالانحراف وبالتبعية الثقافية
السياسية، ومن ثمَّ تحاول أن تقتلع هذه الشعائر من جذورها الفكرية والثقافية، مع
عدم الاعتراف بها مطلقاً.
وهذه الهجمة بدأت أيام الأمويين وتطورت في بعض أدوار العباسيين، كالمتوكل العباسي
واستمرت في العراق حتى أيام الشيخ الطوسي (قدس سره)(1) على مستوى المواكب الحسينية
التي تطورت آنذاك.
فقد كان الاضطهاد الذي تعرض له الشيخ الطوسي بسبب إقامة الشعائر الحسينية في بغداد
أيام البويهيين(2) وفي أواخر أيامهم سبباً لهجرته إلى النجف الأشرف، وانتقال
الحوزة العلمية إليها.
ويلاحظ في ذلك الوقت: إنّ عامة الناس ـ باعتبار انتماءاتهم المذهبية مختلفة ـ هم
الذين هاجموا هذه الشعائر بتحريض من بعض المتعصبين، وكانت السلطة تقف إلى جانبهم،
وتسند حركتهم، وهي ظاهرة غريبة حيث انّ المفروض ـ عادة ـ أنّ السلطة هي التي تقوم
بعملية القمع بشكل مباشر، ولكن الحالة كانت تشبه ما يجري الآن في بعض مناطق شبه
القارة الهندية كالباكستان.
لذا يمكن ملاحظة هذا التحول العظيم الذي حدث في موضوع الشعائر الحسينية في العراق،
بحيث أصبحت ظاهرة يقبلها عموم أبناء الشعب العراقي على اختلاف مذاهبهم، وذلك بسبب
الاستمرار والصمود في إقامتها، وتوضيح مدلولها وآثارها الروحية والثقافية حتى أصبحت
مدرسة متجولة انتهت بالشعب العراقي (كل الشعب العراقي) إلى أن يتحول إلى جانبها،
ولم نجد في عصرنا الحاضر مظهراً واحداً من تلك المظاهر العدوانية من قبل الناس
أنفسهم، مع وجود الانتماءات المذهبية الأخرى، نعم كانت السلطة ـ دائماً ـ في عصرنا
هي التي تتصدى لمهاجمة الشعائر.
كما نلاحظ في العراق ما صنعه المتوكل العباسي من عمليات قمع لهذه الشعائر، إذ جاء
وحرث قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان يقتل الناس، ويفرض الضرائب الباهضة،
ويقطع الأيدي على زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم شاهدنا ذلك في تاريخنا
القريب من أعمال عدوانية ووحشية قامت بها حكومة ياسين الهاشمي(3) وبعد ذلك
الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى حكومة المجرمين العفالقة الذين يعيثون بالبلاد
فساداً في هذا العصر، وعمليات القمع التي مارسوها ضد الشعائر الحسينية، وكانت
انتفاضة صفر سنة 1397 هـ - 1977م أحد الشواهد الواضحة على هذه العمليات القمعية.
إن انتفاضة صفر عندما نريد تحليلها نجد انّها كانت لإحياء شعار الزيارة، وانّ الناس
كانوا يريدون أن يسيروا على الأقدام لزيارة الإمام الحسين(عليه السلام) ولم يمارسوا
أي شعار آخر غير ذلك، أي لم يكن هناك لطم حتى يقول بعض القائلين بأن اللطم غير
مسموح به، أو كانوا يضربون بالسلاسل على ظهورهم حتى يقول بعض القائلين: إنها بدعة
أو غير ذلك من المراسم، فالشعائر فيها هي انّ الإنسان المؤمن كان يريد السير على
قدميه من أجل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، فأصل زيارة الإمام الحسين
(عليه
السلام) والالتزام بخط ومنهج أهل البيت (عليهم السلام) لم يكن فيه إشكال، بل جاء
التأكيد الكثير عليها من أهل البيت (عليهم السلام)(4)، وهؤلاء لم يمارسوا شيئاً
يخالف أي إجراء مدني مثل: سد الطرق أو إشغالها، ومع كل ذلك تأتي الحكومة الجائرة
وتقمع هذه الشعيرة بهذا القدر الكبير من القمع، حيث كان عدد المعتقلين أكثر من عشرة
آلاف شخص، تعرضوا جميعاً إلى التعذيب الوحشي، وبعد ذلك قتل منهم من قتل، وسجن من
سجن(5)، وكانت القضية المستهدفة هي قضية الشعائر الحسينية، مع كل ذلك نلاحظ: إنّ
شعب العراق قد صمد في هذا الموضوع وفرض هويته ووجوده حتى على النظام نفسه أيام
أحـمد حسن البكر، بحيث اضطر النظام إلى التراجع وتقديم تنازلات أمام هذه الهوية
باعتبار هذا الصمود، وقام النظام في بعض الأعوام بتقديم الطعام للزائرين وتهيئته
لهم تحت عنوان تنفيذ أوامر صدام ورغبته في المشاركة بمناسبة ملحمة كربلاء.
ولاشك انّ الشعائر الحسينية وموقف الطغاة فيها يرتبط بموضوع ثقافي وسياسي مهم وعام
تبقى له مداليله الثقافية والسياسية، وهو موضوع الموقف من الأنظمة والحكومات
الجائرة التي تتجاوز الحدود في طغيانها وتمردها وانحرافها، بحيث تصبح حالة
استثنائية في سلوكها، وهذا من الموضوعات العامة التي ترتبط بالحالة الإسلامية
والإنسانية. وبسبب ذلك وجدت الشعائر هذا القبول في الأوساط الإسلامية على اختلاف
مذاهبها.
ويؤكد هذا الموضوع مرة أخرى: إن قضية الشيعة ليست قضية مذهبية وطائفية، بل هي قضية
إسلامية وإنسانية عامة تتحمل مسؤوليتها هذه الجماعة الصالحة.
(1) كان صاحب مدرسة بغداد العلمية الشيعية التي تمثل البقية الباقية لمدرسة أهل
البيت(عليهم السلام)في الكوفة - إذا صح التعبير - والتي انتقلت بعد ذلك إلى النجف
الأشرف بسبب حوادث العدوان على الشيعة وعلى الشيخ الطوسي بالذات وإحراق منبر درسه
في بغداد..(منه (قدس سره)).
(2) وهم شيعة بانتمائهم المذهبي ولكنهم كانوا يحكمون ضمن الإطار العام للدولة وهو
الخلافة العباسية السنية في مذهبها.
(3) كان ياسين الهاشمي ضابطا في الجيش العثماني، وقد جاء إلى بغداد مع الملك فيصل،
وقد كلف بتشكيل الحكومة عام 1924، وهو احد الذين منعوا أتباع أهل البيت
(عليهم
السلام) من ممارسة الشعائر الحسينية.
(4) روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: من زار الحسين بن علي (عليه السلام) لا
أشرا، ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة محصت ذنوبه، كما يمحص الثوب في الماء، فلا يبقى
عليه دنس، ويكتب له بكل خطوة حجة، وكلما رفع قدمه عمرة. المقنعة للشيخ المفيد: 468
(5) لقد كان شهيد المحراب (قدس سره) أحد الذين حُكم بالسجن المؤبد بعد ان تعرض إلى
موجات من التعذيب النفسي والجسدي في أقبية الأمن العامة بسبب وقوفه إلى المنتفضين.
|