|
تمهيد
الحديث في موضوع (الوعي الثقافي الشيعي في العراق) واسع الأطراف، لذلك سوف أحاول
الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات والاثارات، كما أحاول من خلال هذه الملاحظات الربط
بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ لأنه إذا أردنا أن نكوّن رؤية وصورة صادقة عن هذا
الوعي، وأن نتخذ المواقف الصحيحة بناءً على هذه الرؤية والصورة، فلابد أن نرجع
قليلاً إلى الماضي، ونتحدث أيضاً عن حاضرنا الحالي، سواءً كان الحاضر القريب أم
الحاضر الذي نعيشه هذه الأيام، ثم ننظر إلى المستقبل، ولذا فهنا ثلاث ملاحظات
أساسية أشير إليها.
تاريخ التشيّع في العراق
الملاحظة الأولى: نحاول اختصار الحديث فيها، ونذكر العناوين بعيداً عن التفاصيل
والشرح الطويل، وذلك في عدة نقاط:
تاريخ دخول التشيّع في العراق
النقطة الأولى: دخل التشيّع في العراق منذ الصدر الأول للإسلام، ويمكن القول : ان
التشيع دخل العراق مع دخول الإسلام له.
ولم تكن هناك فاصلة زمنية بينهما، حيث أنّ التشيع ـ على ما يبدو تاريخياً ـ دخل
العراق من خلال الفتح الإسلامي للعراق، الذي شارك فيه سلمان الفارسي الصحابي الجليل
المعروف في تشيعه للإمام علي(عليه السلام) والذي كان له ميـزة خاصة من حيث الموقع
والمقام، كما انه محترم وله مقامه في نظر سائر المسلمين من أتباع المذاهب الأخرى،
فكان الصحابي الذي اعتمده الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (وهو الذي يعتبر قدوة لدى
تلك المذاهب) كقائد من قادة جيش الفتح الإسلامي، ثم اعتمده بعد ذلك والياً على
العراق، وبقي في هذه الولاية حتى وفاته فيه (قدس سره)، ولازال قبره معروفاً في
منطقة المدائن.
ومن هنا يمكن أن نفهم أنّ التشيع دخل مع سلمان الفارسي الذي كان له أسلوب خاص
ومتميز في إدارة شؤون الولاية والحكم، وفي السلوك الشخصي والتواضع مع مسلمي العراق
لا نظير له في الولاة اللاحقين، ولاسيّما وأنه يمثل وجهاً جديداً في رؤية الناس من
أهل العراق إلى الإسلام الذي دخلوه حديثاً، ويعبّر توليه عن الأممية والعالمية
والإنسانية في الرسالة الإسلامية؛ لأنه لم يكن ينتمي إلى القومية العربية التي كانت
تحمل راية الإسلام في ذلك الوقت، حيث كان أفرادها يرفعون راية الإسلام ويقودون
المعارك ويفتحون البلاد، ثم يتولون شؤون العباد، ومن هنا يصبح مجيء والٍ من قومية
أخرى ـ ليتولى الحكم في مثل هذه المنطقة الحساسة التي كانت تعتبر مركزاً لإحدى
القوتين العظميين في ذلك العصر، وهي الدولة الفارسية ـ أمراً له مداليل خاصة رسالية
وسياسية، لانّ المدائن التي تولى فيها الأمر سلمان الفارسي كانت العاصمة الشتوية
للدولة الفارسية، وهي إحدى عاصمتي هذه الدولة العظيمة الكبيرة في ذلك الوقت.
بعد سلمان الفارسي نجد صحابةً عظاماً آخرين كان لهم موقع خاص في التشيع أو الارتباط
بأهل البيت (عليهم السلام) يتولون الحكم في العراق أيضاً، أو يتولون مواقع مهمة في
العراق، أمثال عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود. ثم نجد بعد ذلك
الإمام علياً (عليه السلام) يتخذ العراق مركزاً له، ومن هنا يمكن معرفة عمق وجذر
التشيع في العراق، وكيف وجد وبأي شكل ارتبط بالعراق وأهله.
ومن هذا المنطلق أيضاً يمكن أن ننطلق إلى نقطة أخرى.
معالم التشيـّع في العراق
النقطة الثانية: ويمكن التساؤل ألان عن ماهية معالم التشيّع الذي وجد في العراق،
وفي أي شيء تجسّد في تاريخ العراق؟
وللجواب نقول: توجد مجموعة من القضايا والمفردات التي لابد من الالتفات إليها في
فهمنا لهذا الجانب التاريخي.
الحوزة العلمية
المفردة الأولى: تتمثل هذه المفردة في المدرسة العلمية العظيمة التي أنطلق منها
التشيع وثقافته الإسلامية إلى كل العالم الإسلامي، وهي مدرسة الكوفة. لقد شاء الله
أن يكون مصير الكيان السياسي ليس كما أريد له في التخطيط الإسلامي ـ أي بإدارة أهل
البيت(عليهم السلام) وبولايتهم ـ وكانت هناك فترة استمرت أكثر من قرن من الزمن،
بدأت فيها مساعي أهل البيت (عليهم السلام) في إرجاع الكيان السياسي إلى خطه الرئيسي
والأساسي، أي: إلى يد أوليائه، وهم أهل البيت (عليهم السلام)، لكن شاء الله أن لا
تتحقق هذه الأمنية، وهذا الهدف، وأن يكون تحقيقه في مستقبل الأيام.
من هنا كان لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) المتأخرين نسبياً، الدور في إيجاد هذه
المؤسسة بصورة مستقلة، من أجل أن تتحمل المسؤوليات الأَُخر، التي لابد أن يتحملها
أهل البيت من ناحية، وتتحملها هذه المؤسسة من ناحية أُخرى، فكان هذا التوفيق الإلهي
العظيم للإمامين الصادقين، الباقر والصادق (عليهم السلام) في إيجاد هذه المؤسسة
على شكل مؤسسة، لا على شكل بذور وأفراد، كما كان ذلك في زمن الإمام علي
(عليه
السلام) وهو زمن يمثل الصدر الأوّل للإسلام، حيث نجد فيه تأسيس الحوزة في العراق،
الذي يعتبر البلد الثاني في دخوله الإسلام بعد الجزيرة العربية،فـقد كـانت الحـوزة
فـي الكـوفة، ثم تطـورت ووصلت إلى مرحلة الرشد في زمن الصادقَين (عليهم السلام)،
حتى يقول المحدّث: ((إني أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن
محمد الصادق (عليه السلام)))(1) ثم انتقلت إلى بغداد عندما تحولت إلى مركز وعاصمة
للدولة الإسلامية. بعدها انتقلت إلى النجف الأشرف في عهد الشيخ الطوسي، ومرّت
بتحولات ومراحل، وتوسعت إلى كربلاء والحلة. ومن ثمَّ كانت منطقة الفرات الأوسط،
فبغداد هي التي أُسست فيها الحوزة، واستمرت حتى يومنا الحاضر، وكان لهذه المدرسة
العلمية دور عظيم في وجود التشيّع في العراق.
(1) رجال النجاشي:35
العتبات المقدسة
المفردة الثانية: لا تقل هذه المفردة أهمية عن الأولى، فوجود أئمة أهل البيـت
(عليهم السلام) في العراق، ومن ثم مراقدهم (العتبات المقدسة) يمكـن أن ننظر من
خلالهما إلى معالم تاريخ التشيّع في العراق.
فوجود الإمام علي (عليه السلام) وشهادته، ومن ثم مرقده، كان هو السبب في نشوء مدينة
النجف الأشرف، ومن ثم المدرسة العلمية فيها واستمرارها، إذ لم تكن النجف مدينة من
المدن، بل كانت مقبرة الكوفة، وإنّما كان تمدنها باعتبار توافد الساكنين حول هذا
المرقد الشريف ووجوده، وكل إشارة إلى عمل ونشاط أو خير في هذه المدينة إنّما يرتبط
بهذا الأصل العام، ولا يكون محدوداً جغرافياً.
واقعة الطف
المفردة الثالثة: إنّ ملحمة كربلاء وقضية ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)ومبادئها
وقيمها العظيمة التي تحرك بها أهل العراق، وما استتبع ذلك من مأساة وآلام ومحن لأهل
البيت (عليهم السلام)، وبعد ذلك آثارها وانعكاساتها على العراق وشعبه، وتحمل أبناء
العراق مسؤولية الأخذ بثأر الإمام الحسين (عليه السلام) ومواصلة نهضته.
إنّ هذه القضية وذيولها من المسائل المهمة جداً التي ترتبط ـ أيضاً ـ بواقع تاريخ
الشعب العراقي، وتعميق جذور التشيع والحب لأهل البيت (عليهم السلام) فيه، وهي وإن
كانت تأتي ضمن مفردة العتبات المقدسة ووجود أهل البيت (عليهم السلام) ولكن كان لها
مدلول خاص.
هذا فضلاً عن وجود بقية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ولاسيما الأئمة المتأخرين،
كالإمام الكاظم (عليه السلام) والإمام الجواد (عليه السلام) والإمام الهادي
(عليه
السلام) والإمام العسكري (عليه السلام) ومن بعد ذلك ولادة الإمام الحجة
(عجل الله
تعالى فرجه الشريف) فيه.
فوجود أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وامتدادهم بكل شؤونهم الروحية والمعنوية
والثقافية والسياسية يمثل قضية مهمة جداً في تاريخ العراق، وفي فهمنا لموضوع التشيع
فيه، وهذه الموضوعات تحتاج في كل مفردة منها إلى دراسة واسعة وكبيرة.
الغيبة الصغرى
المفردة الرابعة: نـلاحظ: إنّ الإمام المهدي
(عجل الله تعالى فرجه الشريف) كانت
ولادته في العراق، في حين إنّ بقية أئمة أهــل البيت (عليهم السلام) ولدوا في أماكن
أخرى غير العراق، كما نلاحظ: انّ الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قد
فرضت عليه الغيبة في مرحلتين:
المرحلة الأولى: وهي الغيبة التي استمرت حوالي سبعين عاماً والتي تسمى: بالغيبة
الصغرى(1).
المرحلة الثانية: هي مرحلة الغيبة الكبرى، والتي مازالت قائمة ومستمرة.
والإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
أثناء الغيبة الصغرى، وإن لم نكن نعرف
بالضبط مكان استقراره ومقامه في العالم، ولكن نوابه الأربعة(2) الذين كان من خلالهم
يدير أعماله في هذه الغيبة ـ إذا صح التعبير ـ ويحقق اتصاله بمختلف أنحاء الأرض،
كان استقرارهم (النواب الأربعة) في العراق، ومن ثم يمكن القول انّ (مكتب) الإمام
المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ـ كما نصطلح اليوم ـ كان مقره في العراق؛ لأن
النواب الأربعة كانوا يعيشون في العراق، فترة 70 عاماً، وهي فترة زمنية طويلة
بالنسبة إلى عهود أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فلا نعرف إماماً منهم طال به
الزمن مثل هذه الفترة، وهي التي كانت من خلالها تدار الأمور الإسلامية والشيعية من
العراق بواسطة النواب الأربعة، وهذا شيء مهم في فهمنا للأوضاع الشيعية والأحداث
التي كانت تجري في العراق.
(1) المشهور أن غيبته
(عجل الله تعالى فرجه الشريف) بدأت من شهادة أبيه الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام)، أي في سنة 260 هـ .
(2) وهم عثمان بن سعيد العمري وولده محمد بن عثمان، والحسين بن روح وعلى بن محمد السمري، وهم مدفونون في بغداد، وقبورهم معروفة فيها، قد بني عليها مساجد ومقامات.
مقاومة الظلم والطغيان
وقد انعكس هذا الحضور لأهل البيت (عليهم السلام) في العراق في حركة الوعي الشيعي
الذي تجسّد في موضوع مقاومة العراقيين للظلم والجور، فإذا أردنا إلقاء نظرة تاريخية
على مراكز المقاومة للظلم والجور والاستبداد والطغيان والآثار التي خلفتها هذه
المقاومة في العالم الإسلامي وفي تاريخ الإسلام والمسلمين، نجد ان المركز الأول
للمقاومة بين كل المراكز المعروفة كان هو العراق بمعناه السياسي الواسع في ذلك
الوقت، والذي كان يشمل مناطق إيران في الوقت الحاضر، ونجد انّ الدافع الرئيسي لهذه
المقاومة هو ولاء وارتباط العراقيين بأهل البيت (عليهم السلام) والتأسي بهم
والاقتداء بهديهم.
وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها منذ الصدر الأول في الإسلام، وقد تمكن هؤلاء المقاومون
من تحقيق إنجازات عظيمة، ليس لشيعة أهل البيت(عليهم السلام) وخطّهم الرسالي فقط، بل
لكل الأمة الإسلامية، ومن ثم إلى البشرية بأجمعها، من خلال هذه المقاومة الإسلامية
التي قاموا بها، وبالتالي ترسيخ مبادئ وقيم مقاومة الطغيان والاستبداد في المجتمع
الإنساني الذي كان يمثل المسلمين المجتمع الأول فيه.
وكان هذا الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام) أحد الأسباب المهمة في استمرار
المقاومة، التي تميَّزَت بميزات أساسية معنوية وروحية وعقائدية، جعلتها قادرة على
الاستمرار طيلة هذه المدة الطويلة في مواجهة الطغيان الأموي وغيره، ـ والتي هي
أضعاف مضاعفة لعمر الدولة الأموية ـ مع انّ الدولة الأموية كانت تعتمد أيضاً على
عناصر قوة مهمة في وجودها وحركتها.
وقضية الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام) وما تمكن شيعتهم من تحقيقه من تحولات في
مجالات عديدة، حديثها واسع ولكن سأشير هنا إلى مجالين رئيسين:
أ) الانفتاح الحقيقي للدولة الإسلامية على أطراف الأمة الإسلامية في قومياتها
وجغرافيتها ـ إذا صح التعبير ـ وفي أعراقها ومختلف اتجاهاتها، وهذا الأمر تحقق
بصورة واضحة في زمن الدولة العباسية؛ لأن الدولة الأموية لم تتمكن من تحقيق ذلك،
ولم يكن هذا من نتائج الفكر العباسي، أو طريقة المنهج العباسي السياسي، بل كان من
نتائج ارتباط هذه الحركة في البداية بقضية ولاء أهل البيت (عليهم السلام) ومبادئهم؛
لأن حركة العباسيين انطلقت بالأساس من فكرة ولاية وإمامة "الرضا من آل محمد
(صلى
الله عليه وآله وسلم) (1)، وبدون هذا الانفتاح كان من الممكن أن تتحول الدولة الاسلامية إلى دولة قومية، وتتقلّص ثم تنهزم بعد ذلك أمام القوميات الأخرى.
ب) لقد كان الأصل والمحور في حركة الأمويين السياسية إقتـران العداء لأهل العراق مع
العداء لأولياء أهل البيت (عليهم السلام) معاً، ولذلك كان العراقيون يقتلون لمجرد
هذا الولاء، وكان شعار الأمويين المطلق الذي إلتزموا به هو العداء لأهل البيت
(عليهم السلام) علناً، وسبّ الإمام علي (عليه السلام) على المنابر، باعتبار انّ هذا
الموضوع يمثل أصلاً من الأصول التي اعتمدتها السياسية الأموية.
أما العباسيون فعلى الرغم من أنهم طاردوا الكثير من أبناء أهل البيت(عليهم السلام)
وقتلوا أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في بعض الأدوار، ولكن لم تكن هذه المطاردة
تحت شعار العداء لأهل البيت (عليهم السلام) أو لعلي (عليه السلام) أو العداء
لمحبيهم، بل كانوا يرفعون لأنفسهم شعار الانتساب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في النسب، وإنما كانت المطاردة تحت عناوين أخرى مختلفة، ذات علاقة بالظلم
والجور والهيمنة والتسلط، إلى غير ذلك مما كان يمارسه العباسيون.
فالأمويون يقتلون على حب علي (عليه السلام)، ويعتبرون سبّه أحد الشعارات المركزية
الرئيسية، باستثناء فترة عمر بن عبد العزيز، وهي قصيرة جداً بالنسبة إلى طول الحكم
الأموي، لا تتعدى سنتين وسبعة أشهر، حيث كان سب علي (عليه السلام) هو الشعار الذي
يطرحه الأمويون؛ ولهذا الفرق وهذا السبب نجد أن الحكومة والدولة العباسية كانت
قادرة على الاستمرار في الحكم أكثر من قدرة الدولة الأموية، وكان احد الأسباب
المهمة لذلك هو قدرتها على التعايش النسبي مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقضية
حبهم والولاء لهم، مضافاً إلى انفتاحها العام على بقية القوميات التي دخلت في
الإسلام بسبب الفكر الأصيل الذي اعتمده أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك.
فقضية الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) من القضايا المهمة التي كانت تعبر عن عمق
ولاء الشعب العراقي لهم، وكان لهذا الولاء أثار على الحالة السياسية العامة للأمة
أيضاً.
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي:6: 58
دور الشيعة في العراق
النقطة الثالثة: والسؤال المهم هنا: ما هو دور الشيعة السياسي والفكري والاجتماعي
في العراق، إذا كان لهم هذا العمق في تاريخ العراق؟
هل دورهم كان دور تمرد وفوضى واضطراب وإخلال بالأمن العام؟ أو (بالتعبير المعاصر
دور التخريب والإرهاب والشغب، وإيجاد حالة من الفوضى والاضطراب)؟ ومن ثم يكون دورهم
ـ إذا أعطينا هذا الفهم وهذه الرؤية ـ دور الأضعاف للدولة الإسلامية، وإشغالها في
قضايا داخلية، ومن ثم تعطيل دورها في القيام بمهامها الرئيسية والمركزية في مواجهة
قوى التحدي للإسلام، ونشر الإسلام، وفي مقاومة الكفر ووثنية ذلك العصر؟!! أو أنّ
شيعـة أهل البيت (عليهم السلام) كان دورهم دور جهاد وبناء ومقاومة للظلم والطغيان
والانحراف السياسي والعقائدي والاجتماعي، ودعوة إلى الحق والعدل والهدى والوقوف
أمام الاستبداد، وإلى غير ذلك من المفاهيم مع المحافظة دائماً على المصالح العليا
للإسلام والدولة الإسلامية؟
إنّ بحث هذا الجانب من القضايا المهمة جداً، والتي لابد أن نتناولها بالبحث عندما
نتحدث عن دور الشيـعة وتـاريخ الشيعـة، والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا الموضوع
(الوعي الشيعي).
فإذا أردنا أن نفهم أنفسنا وهويتنا فهماً واعياً ومدركاً لهذا التاريخ، ومن ثم
نواصل طريقنا على هذا الفهم، فينبغي أن نبحث ونمحّص، فإذا كان دورهم هو من النوع
الأول - دور تخريب وإخلال بالأمن، واضطراب، وما أشبه ذلك - فسيكون طرح التساؤل
التالي مهماً، وهو لماذا يستمر الشيعة بهذا الدور؟! ولماذا لا يبدلّوا منهجهم،
ويقوموا بسلوك آخر في التاريخ المعاصر إذا كان هذا تاريخهم؟!
أما إذا كان دورهم هو دور مقاومة الظلم والجور، وإحقاق الحق وإقامة العدل ونشر
الهدى وغير ذلك من المفاهيم، ولكن في إطار المصلحة العليا الإسلامية، فلابد أن نرى
المقومات الأساسية لهذا الدور أولاً، ثم بعد ذلك نرى هل يجب الاستمرار بهذا الدور
في حياة المسلمين السياسية والفكرية، وفي حياة أمتنا الإسلامية المعاصرة(1)؟
لقد كان دور إتباع أهل البيت (عليهم السلام) هو دور بناء وجهاد، ومقاومة للظلم
والجور في بلاد المسلمين، وهناك مجموعة من المؤشرات تدل على هذه الحقيقة:
(1) أنّ هذه القضية من القضايا المهمة
جداً التي لابد أن نفهمها في تاريخنا..(منه
(قدس سره)).
شهادة أهل البيت (عليهم السلام)
المؤشر الأول: تقييم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لدور الشيعة والعراقيين منهم
بشكل خاص، والذي يمكن أن يعتبر نموذجاً مهماً ومثالاً صالحاً للتعبير عن ذلك،
فعندما يقوم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بدورهم الخاص الذي نعرفه تأريخياً
وعقائدياً في خدمة الإسلام، ومن ثم يأتون ليتحدثوا عن شعب من الشعوب برؤية معينة،
وفي أدوار مختلفة من التاريخ تبدأ من دور الإمام علي (عليه السلام) إلى دور الإمام
السجاد(عليه السلام) الذي شاهد وعاش ملحمة كربلاء ومصيبتها، إلى دور الإمام
الصادق(عليه السلام) الذي عاش مرحلة الانفتاح العام على المسلمين، وضعف الدولة
الأموية، وبداية الدولة العباسية، ونشر التشيع في هذا الدور، إلى دور الإمام الكاظم
(عليه السلام) الذي عاش محنة اضطهاد العباسيين ومطاردتهم وقمة القدرة والقوة التي
كانوا يتمتعون بها.
نلاحظ في جميع هذه المراحل: إنّ هناك تقييمات صدرت من أئمة أهل البيت
(عليهم
السلام) في هذه الأدوار المختلفة عن طبيعة دور العراقيين، وشعب العراق، والحركة
السياسية والاجتماعية، وكل هذه التقييمات تصب في محور واحد هو الثناء والمدح للدور
البناء الذي قام به العراقيون وأهل الكوفة في هذا المجال.
وهذا التقييم له قيمة خاصة، لأن الصورة الموجودة في أذهان الناس تاريخياً أنّ
العراقيين كانوا ممن آذى أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنّ هناك محاولات تشويه في
التاريخ لإتهام الشيعة بالتخريب والإخلال بالأمن العام، وتعتبر شهادة أهل البيت
(عليهم السلام) في حق الشيعة ودورهم البنّاء أفضل دليل على الكذب والافتـراء الذي
مارسته القوى المعادية ضد الشيعة(1).
(1) من هذه المحاولات التي قام بها الدكتور المشهداني رئيس ما يسمى باتحاد المؤرخين
العرب، حيث نشر مجموعة كبيرة من الحلقات في صحيفة بابل (الناصبية) تتهم الشيعة
بالتخريب في جميع مراحل التاريخ، وتنسب إليهم كل جريمة وقعت في التاريخ الإسلامي،
كما انّ هذه المحاولات قديمة كافتعال شخصية عبد الله ابن سبأ من قبل الكذاب سيف بن
عمر ونسبة الشيعة إليه، والتاريخ يعيد نفسه في المشهداني.
وجود الحوزة العلمية
المؤشر الثاني: من هذه المؤشرات التي تدل على الدور الايجابي للشيعة هو قضية وجود
الحوزة العلمية في العراق، وفي الأوساط العامة لأتباع أهل البيت(عليهم السلام)
أينما حلّوا، فانّها في الوقت الذي تدلل على اهتمام شيعة أهل البيت (عليهم السلام)
بالحركة العلمية والجانب الثقافي تدلل ـ أيضاً ـ على اهتمامهم بالأمن والاستقرار،
فمن المعروف انّ الحركة العلمية لا يمكن أن تنمو وتستمر وتبقى دون أن تكون هناك
قاعدة من الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي والثوابت والأصول في النظام
الاجتماعي الذي تحكم الحركة العامة للجماهير، وبدون ذلك لا يمكن أن تنمو الحركة
العلمية.
ومن أجل توضيح الفكرة نضرب مثالاً بالحركة السياسية التي قادها الخوارج المنشقون
على الإمام علي (عليه السلام) الذين يعبّر عنهم (بالمارقين)، فالخوارج الذين انطلقت
حركتهم من العراق كانوا أناساً يتصفون بالشجاعة والصلابة والفاعلية والنشاط السياسي
والقتالي ويمتلكون درجة عالية من المقاومة، كما نعرف من التاريخ.
وقد استمرّت هذه الحركة بعد الإمام علي (عليه السلام) الذي كان (عليه السلام) يتوقع
لها الاستمرار أيضاً، وطلب من شيعته عدم الدخول معها في صراع من بعده، بالرغم من
انّ محور حركتهم كان إدانة موقف الإمام (عليه السلام) من قضية التحكيم، وأطلق كلمته
المعروفة بهذا الشأن ((لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب
الباطل فأدركه))(1).
إنّ هذه الحركة لمّا لم تكن مرتبطة بحق، ولا بضوابط وأصول وقواعد ترتكز عليها، ولم
تكن تهتم بمصالح العباد ولا بالأمن العام، نجد أنها لم تتمكن من الاستمرار والبقاء
والنمو، ولم تنتج مدارس ومؤسسات علمية متطورة ومتحركة ونامية وقادرة على العطاء في
كل الظروف وفي كل الأجيال، وما تبقى لها من وجود كان بعد تخليها عن منهجها في
الإخلال بالأمن.
وهذا المثال للحركة العلمية من أفضل الأمثلة التي تؤشر على الحقيقة في منهج شيعة
أهل البيت (عليهم السلام) ودورهم في الحياة السياسية والاجتماعية، كما انه في الوقت
نفسه يعبّر عن طبيعة الحركة العلمية في العراق، ونلاحظ أنّ الحركة العلمية في هذا
البلد والمرتبطة بأهل البيت (عليهم السلام) تمكنت أن تصمد حتى في أشد الظروف
القاسية التي واجهها أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، وواجهها الإسلام في العراق،
مثل ظرف ثورة الزنج(2) وأهل الرستاق وقيامهم بتدمير كل شيء في العراق، فأننا نجد أن
هذه المدرسة كانت قادرة على الاستمرار والبقاء والعطاء بسبب وجود هذه الحركة
العلمية الصلبة وهذه الثوابت في هذه المدرسة والمنهج.
(1) نهج البلاغة: الخطبة 61
(2) خضعت الدولة العباسية في عصر المتوكل العباسي لنفوذ الأتراك الذين كانوا يمسكون
بزمام الأمور، ويدبرون الدولة بقوتهم ونفوذهم، ويستبدون بالأمر دون الخلفاء
العباسيين الذين أصبحوا في أيديهم كالدمى يحركونهم كما يشاءون. وفي عهد المعتمد
العباسي قامت ثورة كبرى عرفت باسم ثورة الزنج، بقيادة علي بن محمد وقد نجح صاحب
الزنج في فترة قصيرة من أن يسيطر على البصرة وما حولها، بعد نجاحه في هزيمة جيش
الدولة، ثم امتد نفوذه ليشمل الأهواز وعبادان وواسط ، ويذكر المؤرخون أن الزنج
قتلوا أكثر من 300 ألف إنسان بالبصرة وحدها، وأسروا عددا كبيرا من النساء والأطفال.
وقد تم القضاء عليها سنة (255– 270هـ)، بعد حرب دامت أكثر من 14عاما.
الـهداة والدعاة
المؤشر الثالث: إنّ حركة الهداة والهداية في العالم الإسلامي عندما نراقبها بدقة،
نجد أنها كانت تنطلق من العراق الشيعي باتجاه الشرق الإسلامي، إذا أردنا أن نأخذ
المدينة المنورة ومكة المكرمة كمركز ونأخذ الشرق والغرب بالنسبة إلى هذا المركز،
والهداية هي أحد المؤشرات الايجابية المهمة باتجاه تشخيص طبيعة البناء الذي تبناه
شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في العالم الإسلامي.
ويمكن أن نتعرف على ذلك باستعراض سريع لموقف شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في
العراق، حيث نجدهم ـ بعد أن تمكنوا من الصمود والبقاء أمام الهجمة الأموية الشرسة،
وما تَحملّه هذا الشعب من ضغوط هائلة في العراق ـ قاموا بحركة سريعة في النفاذ إلى
الدول المجاورة رغم اختلاف جغرافيتها، يحملون إليها هدى الإسلام وتعاليم الشريعة،
وأدخلوا مناطق واسعة في الإسلام عن طريق الدعوة أو الفتح، وما حصل في إيران ووسط
آسيا، وكذلك ما حصل في حركة التشيع ومراكز الهدى العلمية في أطراف الخليج وغير ذلك
من المناطق في الشرق الإسلامي شاهد على ذلك، لأننا نجد أنّ العراقيين هم الذين
حملوا الراية، وتمكنوا من أن ينشروا الهدى في كل أنحاء الشرق الإسلامي.
وأكثر من ذلك نرى أنّ جيش العراق وخط التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) كان هو
الجيش المحامي والمدافع عن الإسلام ووجوده السياسي والعقائدي في كل الشرق الإسلامي،
وتمكن من الصمود والاستمرار والبقاء أمام كل الضغوط وعبر القرون، بل تمكن أن يحتوي
هذه الضغوط تدريجياً، كل ذلك على خلاف الخط الآخر الذي لم يكن مرتبطاً بخط أهل
البيت(عليهم السلام)، إذ نجد هذا الخط اضطر للتراجع في الغرب.
فان الدين الإسلامي تمكن من الوصول إلى أوربا والى مراكز مهمة فيها، كما هو الحال
في أسبانيا (الأندلس سابقاً) وتمركز هناك، لكنه لم يكن قادراً على أن يواصل الطريق
أو الصمود، مع انّ أوربا في ذلك الوقت لم تكن أوربا اليوم، أوربا في ذلك الوقت كانت
مجموعة من القبائل البدوية بحسب المفهوم الحضاري ـ وليس حسب مصطلحاتنا الاجتماعية ـ
حيث يعبّر عنها بالمصطلح الإسلامي بالأعراب، وليس فيها شيء من القيم والمعرفة، لكن
مع ذلك نجد انّ الدين الإسلامي لم يتمكن أن يقتحم تلك المناطق، باعتبار أنّ حملة
الإسلام في تلك المناطق كانوا من الأمويين، ولم يكونوا على درجة من الوعي الإسلامي
العالي والروح المعنوية والولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، ومن ثم لم يكونوا على
درجة من النيات الصالحة والصافية من الجهاد والبناء التي كانت تتمثل في أهل العراق
وفي شيعة العراق(1).
(1) والدولة الفاطمية وإن كانت قد ولدت في المغرب إلاّ أنها كانت ظاهرة مؤقتة من
ناحية، ولم تكن تستمد من المعين الصافي لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنها
انفصلت عن المباني والأسس الفكرية له (وهذا الموضوع من الأبحاث التي يمكن أن يتابع
تاريخياً وأنا لا أذكره هنا على نحو الملاحظات والاثارات فحسب، كما لا أدعي
المتابعة الكاملة لهذا البحث، ولكن لدي من الشواهد التي يمكن أن تؤشر على هذا
الاتجاه، وأرجو من الأخوة الباحثين أن يتابعوا هذه الأمور فيما يتعلّق بالوعي
الشيعي للعراق)..(منه (قدس سره)). |