بسم الله الرحمن الرحيم

الشعائر الحسينية


كلمة المؤسسة

تظل الشعوب المجاهدة والأصيلة تستذكر تأريخها العريق بإجلال وخشوع، تستنشق عبيره، وتستنير بومضاته، وتتعبد في محرابه، ذلك لأنه بالنسبة لعالمها اليوم لايشكل جزءً من ماضيها فقط، وإنما أصبح رافداً عظيما يغذي حاضرها بكل أسباب القوة والنمو والتطور...

ولذلك فان درجة الاحتفاء برجاله الذين موّجوا أبعاد الحياة، وصنعوا ذلك التأريخ، يكون بمقدار التضحية التي قدمها أولئك الصناديد، بالإضافة إلى مدى تأثيرهم في المجرى العام للتأريخ، واذا أخذنا هذه المفردات كمعيار في تقييم ثورات الشعوب نجد أن ثورة الحسين(عليه السلام) تكون أولى الثورات في التأريخ التي تجد فيها مفاهيم الصبر والتضحية الكبيرة.

فقد تعلمت تلك الأجيال من ثورة الحسين: إن الصلابة في الحق تشكل رقما كبيرا لدى القائمين بالثورة؛ وان الباطل وان سجّل نصرا مؤقتا فلابد ان تنهار صروحه ويتهاوى معه الظالمون، وان طال المدى...

لقد اعتاد شيعة الحسين(عليه السلام) من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بالتفاعل مع ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في كل عام، حيث يستعيدون ذكرى تلك الحادثة الرهيبة بأطيافها المأساوية والآلام التي مرت على الأسرة الطاهرة، حيث يظهر ذلك بشعائر وطقوس معينة لعكس مدى تأثيرها في نفوسهم، بالإضافة إلى ما تتركه هذه الشعائر في واقعهم، حيث تزداد لحمه النسيج الاجتماعي، ويبلغ نكران الذات مداه في هذه المناسبات، بالإضافة إلى ما يرافق ذلك من بذل للمال والطعام، حيث يساهم الجميع ـ كخلية نحل ـ كلٌ بحسبه، ويكون الهم المشترك للجميع هو تعظيم شعائر الله..

لقد كانت حياة شهيدنا العظيم السيد الحكيم (قدس سره) تشبه إلى حد بعيد حياة جده الحسين(عليه السلام) في مسيرته ومقارعته للظلم والظالمين وصلابته في الحق، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فقد أطلق صيحة الحق بوجه الظالم حينما اعدم أفراد أسرته إذ قال: (هيهات منّا الذلة) رفض مهادنة الظالمين، وهو الموقف الذي تعرض لـه الإمام الحسين (عليه السلام) من قبل كما كانت لـه مساهمات كثيرة في إحياء الشعائر الحسينية والحث عليها، وكثرة محاضراته عنها.

ونظرا لما لتلك الأطروحات العلمية من أهمية في ميدان العمل قام قسم الإصدارات في الدائرة الثقافية بتجميعها ومن ثم تبويبها وفهرستها وإخراجها في كراس ليكون نافعاً لعموم المؤمنين.

ونسأل الله تعالى أن يكون عملنا هذا حسنة مضاعفة في ميزان أعمال شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) ويكون ذخرا لكل الجهود التي بذلت في إخراج هذا الكراس في( َيوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ).

مؤسسة تراث الشهيد الحكيم

تمهيد

إن الشعائر الحسينية ـ في الحقيقة ـ إحدى الخطوط الهامّة التي اعتمدها أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة عموماً، كما أنها ـ الشعائر الحسينية ـ كانت القاعدة الهامّة التي يرتكز عليها تحركهم في الأمة، لأنها تستلهم من ثورة الحسين (عليه السلام) وتمجدها وتؤكد أهدافها، وهي أهداف ذات جوانب متعددة سياسية وثقافية وعقائدية وروحية.

وقد وضع الأئمة (عليهم السلام) التصميم العام لهذه الشعائر، وأعطوها أبعادها الدينية الكاملة، وحددوا الشكل والمضمون الذي يتناسب مع الدور المهم الذي لابد لها أن تؤديه، بحيث تنسجم من ناحية الشكل مع ظروف المأساة وأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ناحية المضمون مع الأبعاد السياسية والروحية والثقافية والعقائدية.

ولاشكّ أن نهضة الحسين (عليه السلام) كان لها تأثير بالغ وكبير في حركة التأريخ الإسلامي وحياة المسلمين عامة، بحيث أدت تفاعلاتها الواقعية في حركة الأمة إلى حفظ الإسلام والأمة الإسلامية من مخاطر الانحراف الكثيرة. كما كان لها دور آخر مكمّل لدور الثورة نفسها، ويكاد يختص هذا الدور بالكتلة الصالحة وأبنائها، وإن كان له بعض التأثير في أوساط المسلمين عامة أيضاً.

الجماعة الصالحة والشعائر الحسينية

إن الجماعة الصالحة كانت ولاتزال تقيم مجلس العزاء على الحسين وفي جميع الأمكنة، وحتى في المناطق التي لا توجد فيها الحرية والأمن، فقد كانوا يتخذون أماكن أخرى للمحافظة على ثقافتهم وعقائدهم وتأريخهم، فنشأت بذلك فكرة تأسيس ما يسمى ألان بـ (الحسينية)(1) فكانت البداية تنطلق من فكرة اتخاذ مركز يتحدثون فيه بحرية وأمان، كما تحدثت بذلك روايات أهل البيت(عليهم السلام) وكان أكثر ما يدور في تلك الأمكنة هو الحديث عن الحسين(عليه السلام) ومظلوميته، فتطورت هذه الفكرة حتى أصبح أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يؤسسون (الحسينيات) ويبنونها ويتخذونها مراكز ثقافية واجتماعية.

وفي بعض الأحيان يجعلون قسماً من البناء مسجداً حرصاً على البعد الديني والشعائري للمسجد، وقسماً من البناء حسينية تمجيداً لذكرى أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) من ناحية، ولضمان المزيد من الحرية في العمل والنشاط من ناحية أخرى، وتنزيهاً للمسجد مما يمكن أن تتعرض لـه هذه الأماكن من مكروهات ومحضورات شرعية من ناحية ثالثة، خصوصاً أن جمهور فقهاء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) يعتقدون بوجوب تنزيه المساجد من النجاسات والأقذار وحرمة استقرار الحائض والجنب في المساجد وكذلك كراهة الأكل والنوم وحضور الأطفال فيها(2). وهذه الأحكام لا تجري بطبيعة الحال على الحسينيات، كما أنه يكره القيام ببعض الأعمال في المساجد مما لا يسري إلى الحسينيات.

مضافاً إلى ممارسة بعض النشاطات الاجتماعية والثقافية فيها، مثل: مجالس العزاء والأفراح الخاصة أو الاحتفالات العامة التي قد تضايق المصلين، أو تأسيس صناديق القرض أو المكتبات العامة فيها.

وبذلك تحولت الحسينية إلى مؤسسة ثقافية أخرى - غير المسجد - اعتمدها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لنشر الثقافة السلامية، وأصبحت منطلقاً لمشروع مؤسسة ثقافية واسعة ثالثة اختص بها أهل البيت(عليهم السلام) وهي الشعائر الحسينية. ولكن مؤسسة الحسينية تعتبر - في الحقيقة - امتدادا لمؤسسة المسجد الإسلامية.


(1) نُسب المكان إلى الإمام الحسين(عليه السلام) باعتباره محلاً لذكر مصيبته والحديث عن نهضته وأبعادها الروحية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والعقائدية.

(2) كتاب الطهارة للسيد الخؤي: 2 : 271 ومنهاج الصالحين للسيد محمد سعيد الحكيم: 1 : 133

قضية الحسين (عليه السلام)أُطروحة إلهية

يمكن أن نقول: إن قضية الحسين(عليه السلام) أُطروحة إلهية غيبية، ليست بلحاظ تاريخ الأُمَّة الإسلامية فقط، وإنما بتاريخ الإنسانية كلّها، فهي شبيهة إلى حدٍّ ما بأُطروحة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) التي يراد بها أن يختم التاريخ الإنساني، وتقوم حكومة العدل التي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً، حيث وضعت هذه الأُطروحة منذ بداية التاريخ واعتبرت نهاية له.

ولذلك نجد الأنبياء (عليهم السلام)كانوا يبشّرون بأُطروحة الإمام المهدي (عليه السلام)، ويبشّرون بذلك اليوم الذي تمتلئ فيه الأرض قسطاً وعدلاً، وتقوم فيه حكومة العدل الإلهي الكامل.

أُطروحة الإمام الحسين (عليه السلام) يمكن أن تعتبر من هذا القبيل، ولذلك نجد أنّ الحديث عن الحسين (عليه السلام) وارد على لسان الأنبياء السابقين (عليهم السلام)، وعلى لسان نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل هذه الحادثة(1)، وأُريد منها أن تبقى أُسوة وقدوة للأُمَّة الإسلامية، التي هي خير أُمَّة أُخرجت للناس، وهي الأُمَّة الخاتمة بعد افتراض انقضاء عهد النبوّات؛ لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم الأنبياء (عليهم السلام)، وبالتالي فهذه الأُمَّة تحتاج إلى طاقة محرّكة، وتحتاج إلى أُطروحة ترسّخ دعائم الخط الأصيل لهذه النبوّة الخاتمة، بحيث تبقى هذه الأُمَّة كما عبّر عنها القرآن الكريم: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(2)، وتبقى محتفظة بأصالتها وانتمائها الحقيقي لهذه النبوّة الخاتمة.

وكانت إحدى القضايا الأساسية المُهِمَّة في تاريخ هذه الأُمَّة هي قضية الحسين (عليه السلام)، بل يمكن أن تعتبر أهم قضية أساسية التي تؤصِّل هذه الأُمَّة، وتجعلها مرتبطة بالنبوة الخاتمة.


(1) ((عن الفضل قال: سمعت الرض(عليه السلام) يقول: لما أمر الله عز وجل إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب. فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم من أحب خلقي إليك؟ فقال: يا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلي من حبيبك محمد، فأوحى الله إليه: أفهو أحب إليك أم نفسك؟ قال: بل هو أحب إلي من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك؟ قال: بل ولده، قال: يذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي. قال: يا إبراهيم فان طائفة تزعم أنها من أمة محمد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى الله عز وجل: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل - لو ذبحته بيدك - بجزعك على الحسين وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب وذلك قول الله عز وجل " وفديناه بذبح عظيم)) بحار الأنوار: 44 :225 وما ورد عن النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: ((كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت أم سلمة (رضي الله عنها)، فقال لها: لا يدخل علي أحد. فجاء الحسين (عليه السلام) وهو طفل، فما ملكت معه شيئا حتى دخل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدخلت أم سلمة على أثره، فإذا الحسين على صدره، وإذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي، وإذا في يده شئ يقلبه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أم سلمة، إن هذا جبرئيل يخبرني أن هذا مقتول، وهذه التربة التي يقتل عليها، فضعيها عندك، فإذا صارت دما فقد قتل حبيبي، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، سل الله أن يدفع ذلك عنه. قال: قد فعلت، فأوحى الله عز وجل إلي: أن له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين، وأن له شيعة يشفعون فيشفعون، وأن المهدي من ولده، فطوبى لمن كان من أولياء الحسين، وشيعته هم والله الفائزون يوم القيامة)) أمالي الصدوق: 203

(2) آل عمران: 110

أطروحة شعائر الحسين (عليه السلام)

الحديث عن هذا الموضوع يحتاج إلى كلام مفصّل، وبيان بعض الشواهد والدلائل، وعندما نقول: إن قضية الحسين أُطروحة إلهية غيبية، لا نقصد إنها خارجة عن مجرى التاريخ، وعن التأثير في مجرى التاريخ، وبالتالي فهي خارجة عن قضية القدوة والأُسوة، بل على العكس أريد من قضية الحسين (عليه السلام) أن تكون القدوة والأُسوة، ولكن وضعت - هذه القدوة والأُسوة - في موضع غيبي، بحيث يراد لها أن تؤثّر في مجرى التاريخ الإسلامي.

والأئمَّة (عليهم السلام) وضعوا برنامجاً - من أجل تحقيق هذه الأهداف التي أُريدت للأُطروحة - وهو ما نعبّر عنه: بالشعائر الحسينية، التي بقيت مستمرّة ومؤثّرة في هذا التاريخ، وبالتالي تحفظ للأُمَّة أصالتها، وكان لها دور في مختلف مراحل تاريخ الأُمَّة الإسلامية.

ولذلك فهذه الشعائر ليست مجرّد أُسلوب من الأساليب التي يبتكرها المبتكرون، من أجل أن يصلوا إلى نتائج معيّنة، كما هو الحال في مختلف أساليب العمل.

طبعاً دعا الإسلام إلى العمل والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، كما ورد في قوله تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)(1)، وترك الأساليب لتحقيق هذه الحكمة إلى المخلصين من الناس، من أجل ابتكار هذا الأُسلوب أو ذاك، ولكن هناك بعض الأساليب وضعت وصممت من قبل أصحاب الشريعة، وهم أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك تكتسب هذه الأساليب صفة شرعية، وأهمّية شرعية.

ومن هذا القبيل: أُسلوب الدعوة إلى الله عن طريق طلب العلم وتشكيل الحوزات العلمية، وإيجاد المراكز الدينية كالمساجد مثلاً، فهذا الأُسلوب صمّم إسلامياً من قبل القرآن الكريم، ومن قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة (عليهم السلام)، ولذلك يكتسب صفة شرعية ودينية، ويختلف عن أُسلوب يبتكره إنسان مؤمن مخلص، كأن يؤسّس جمعية أو حزباً أو فريقاً رياضياً أو داراً لنشر الكتب، وما أشبه ذلك من الأساليب التي يبتكرها المبتكرون، من أجل تحقيق الأهداف الكلية في الدعوة إلى الله تعالى .

فهذه أساليب محترمة، ويثاب المؤمن على ممارستها، ولكن تبقى عبارة عن اجتهادات تتناسب مع مرحلة معيّنة أو ظرف معيّن.

أما عندما يكون الأُسلوب مصمّماً من قبل الشريعة، ومن قبل أهل البيت (عليهم السلام) فحيئنذ يكتسب أهمية خاصة؛ لأنّ المضمون يكون إسلامياً، والأُسلوب يكون إسلامياً أيضاً، والشعائر الإسلامية من هذا القبيل، ولذلك نجد أنّ الكثير ممن يلتزم بهذه الشعائر، يلتزم بها باعتبارها عملاً دينياً شرعياً يتقرّب به إلى الله سبحانه وتعالى.

نحن يجب أن نفهم الشعائر من هذا المنطلق، ولذلك نجد أنّ بعض الشعائر الحسينية تكتسب هذه الصفة الدينية باعتبار أنّ الأئمَّة (عليهم السلام) كانوا يمارسونها ويحثّون عليها، من قبيل الزيارة ومجلس التعزية، ولكن بعض هذه الشعائر قد لا تكتسب هذه الصفة الدينية، وهي شعائر مخترعة مثل: الخروج بالسيوف والعصي والمشاعل والنداء يا حسين، وما أشبه ذلك، فالتظاهر بهذا الشكل ـ يعني على شكل مظاهرة وهوسة ـ أُسلوب مخترع في مقام التعبير عن عواطفنا، وليس أُسلوباً وضعه الأئمَّة (عليهم السلام).

وعندما أقول: ليس أُسلوباً وضعه الأئمَّة (عليهم السلام) لا أعني أنّ هذا العمل غير صحيح، فقد يجتهد الإنسان في بعض الأساليب وتكون صحيحة ومعبّرة، ولكن يجب أن نفرّق بين أُسلوب وضعه الأئمَّة فيكون أُسلوباً أصيلاً، وله بُعد على مرّ التاريخ، ولا يختلف من زمان إلى زمان، ولا يرتبط بظرف دون آخر، وإنما يأخذ مساره في التاريخ في كل المراحل والأزمنة، وبين أسلوب مخترع جاء باجتهاد إنسان، فحينئذ قد يكون مناسباً ولظرف معين دون آخر، ويكون مناسباً لمجتمع دون آخر. فالزيارة - مثلاً - من الأساليب التي وضعها الأئمة (عليهم السلام) يشترك فيها مراجع الإسلام وكبار العلماء، ويشترك فيها الطفل الصغير والمرأة البسيطة والشيخ الكبير، وكل الطبقات والمستويات وكل المجتمعات.

أما بقية الأساليب فقد تختلف من مجموعة إلى أُخرى، ومن مستوى إلى آخر.

نحن يجب أن ندرك هذا الفهم بالنسبة للشعائر الحسينية، ويجب أن نفهمها كأناس متديّنين مؤمنين نريد أن نمارسها بهدف إسلامي ديني، ويجب أن نُميز بين بعض الشعائر على هذا الأساس.

من خلال قيامي بمراجعة الأخبار الواردة في الشعائر الحسينية في كتاب البحار الذي يجمع اغلب الأخبار الواردة في الكتب، الصحيح منها والسقيم، بل وحتى المتداولة بين العلماء، وهي أيضاً عن أهل البيت (عليهم السلام)، ومنها ما نعبّر عنه بأطياف وأحلام وليست بأخبار،.. فعند مطالعتي لما يتعلق بشعائر أهل البيت (عليهم السلام) وجدت أنّ أهل البيت (عليهم السلام) يؤكّدون على ثلاث شعائر أساسية ورئيسية لابدّ أن نهتم بها اهتماماً بالغاً.

أمّا الشعائر الأُخرى فلا أُريد أن أقول عنها شيئاً، فربّما تعبير عن عواطف وأحاسيس، وذلك متروك للإنسان، لكن هناك أموراً اهتم بها أهل البيت (عليهم السلام)، ويجب أن نهتم بها، ونربّي أبناءنا وشبابنا ونساءنا وإخواننا عليها.

أي: إن الشيء الذي تكون فيه قربة إلى الله سبحانه وتعالى ونتعبد به هو ما تمثله هذه الأمور الثلاث، أمّا ما عداها فلا يمكن التعبّد به إلى الله؛ لأنه لم يرد فيه شيء من الشرع، وبالتالي إذا جاء به الإنسان بعنوان العبادة فيكون بدعة وكلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فلا يصح أن يتصرف الإنسان بالعبادة كيفما يشاء كأن يصلي الظهر خمسة، ويقول: لا بأس بزيادة ركعة فالصلاة محبوبة إلى الله تعالى، بل صلاته باطلة وجاء ببدعة وارتكب إثماً.


(1) النحل: 125

أقسام الشعائر الحسينية

يمكن تقسيم الشعائر الحسينية من الناحية الواقعية بحسب الشكل والمضمون إلى قسمين رئيسيين:

الشعائر المنصوصة

القسم الأول: الشعائر الحسينية المنصوصة، أي التي ورد فيها نص ثابت وصريح عن أهل البيت(عليهم السلام)، وهذه تتصف بالثبات بحسب الأداء، وهي ثلاث:

البكاء

الشعيرة الأولى: البكاء على الحسين(عليه السلام) بنفسه أمر مطلوب، فحتى لو جلس الإنسان وحده دون أن يعقد مجلساً وبكى على الحسين(عليه السلام) فهذا في نفسه عمل صالح يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى، شأنه في ذلك شأن بقية العبادات التي إذا مارسها الإنسان بينه وبين نفسه يكون له فيها ثواب وتربية وتكامل في حياته وفي حركته الشخصية.

وقد وردت في شعار البكاء وجميع مظاهر التعبير عن الحزن والأسى والتظلّم المعقول أحاديث كثيرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تذكر أهميتها والآثار المترتبة عليها، وذلك لما فيها من التعبير عن التفاعل العاطفي والروحي مع مأساة الإمام الحسين (عليه السلام). وكذلك وردت النصوص الكثيرة عن قيام أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالبكاء على الحسين (عليه السلام)، خصوصاً وقد وضع أسس هذا الشعار ورفعه في مداه الواسع الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام).

فقد روى ابن قولويه في ((كامل الزيارات)) أن مولىً للإمام علي بن الحسين(عليه السلام) اشرف عليه وهو في سقيفة له ساجد يبكي، فقال له: ((يا علي بن الحسين، أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فرفع رأسه إليه وقال: ويلك ـ أو ثكلتك أمك ـ والله لقد شكا يعقوب إلى ربه في أقل ما رأيت حين قال: ((يا أَسَفا على يوسف))(1) وإنه فقد ابناً واحداً، وإني رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبَّحون حولي))(2).

فالإمام زين العابدين (عليه السلام) كان ساجداً ويبكي وهو ليس في حالة عبادة، فعلى ما يبدو أنه كان يبكي لمصيبة أبيه وأهل بيته، وقد تبيّن لمولاه من بكائه ذلك.

وروى أيضاً عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: ((بكى علي بن الحسين على الحسين بن علي (صلوات الله عليهم) أجمعين عشرين سنة ـ أو أربعين سنة ـ وما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى على الحسين(عليه السلام) حتى قال له مولىً له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين! فقرأ: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(3). إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني لذلك العبرة))(4).

ولا يمكن أن نحمل هذه الممارسة الواسعة والممتدة للإمام زين العابدين (عليه السلام) على أنها مجرد انفعال عاطفي بالمشاهد التي عاشها أيام محرم الحرام، بحيث لم يكن قادراً على ضبط أحاسيسه وعواطفه طيلة هذه الفترة من الزمن، وإنّما ينبئ هذا ـ  بالإضافة إلى ذلك ـ عن تصميم وتخطيط محكم كان يمارسه الإمام زين العابدين (عليه السلام)، يعتمد على الحقيقة المأساوية التي عاشها (عليه السلام) شخصياً، ويؤكد عمقها وهولها لتبقى قضية تعيشها الأمة الإسلامية، وتتحرك على أساسها الجماعة الصالحة.

وقد أعطى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد الإمام زين العابدين (عليه السلام) عمقاً آخر لهذا الشعار عندما طرحوه مصداقاً ثالثاً من مصاديق تعظيم شعائر الله، وأسلوبا للتعبير عن استنكار الظلم، والتفاعل الذاتي مع قضية كربلاء وأهدافها، ومنهجاً لتزكية النفس وتهذيبها، بحيث تحول إلى عبادة يمارسها الإنسان بطريقة فردية أو جماعية.

فقد ورد التأكيد عن أهل البيت (عليهم السلام) على أهمية البكاء أو التباكي على الحسين(عليه السلام) والثواب المترتب عليه، بحيث أصبح مصداقاً آخر من مصاديق البكاء المحبوب لله تعالى، يشبه البكاء من خشيته سبحانه وتعالى.

فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال لفضيل: ((تجلسون وتحدّثون؟ قال: نعم جعلت فداك. قال: إن تلك المجالس اُحبّها فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا. يا فضيل، من ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر))(5).

وعن أبي هارون المكفوف قال: ((دخلت على أبي عبد الله(عليه السلام) فقال لي: أنشدني، فأنشدته فقال: لا، كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره، فأنشدته:

امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكية

قال: فلما بكى أمسكت أنا، فقال: مرّ فمررت، قال: ثم قال: زدني. قال: فأنشدته:

يا مريم نوحي على مولاك وعلى الحسين فأسعدي ببكاك

قال: فبكى وتهايج النساء. قال: فلما أن سكتن قال لي: يا أبا هارون من أنشد في الحسين فأبكى عشرة فله الجنّة، ثم جعل ينتقص واحداً واحداً حتى بلغ الواحد فقال: من أنشد في الحسين فأبكى واحداً فله الجنة. ثم قال: من ذكره فبكى فله الجنّة))(6).


(1) يوسف: 84

(2) كامل الزيارات: 213 :ح2

(3) يوسف: 86

(4) كامل الزيارات: 213 :ح1

(5) بحار الأنوار: 44: 282، ح14 وقرب الإسناد: 36، ح117، ط. مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).

(6) بحار الأنوار: 44: 287، ح25

فلسفة البكاء

وندرك أهمية البكاء من خلال ملاحظة الآثار التالية المترتّبة عليه:

أولاً: إن البكاء له بعد سياسي؛ لأنه طريقة فضلى إنسانية واجتماعية ـ  سليمة وهادئة ـ لاستنكار الظلم والتعبير عن عمق المأساة والمظلومية التي تعرض لها الإمام الحسين(عليه السلام) وأهدافه النبيلة.

وتظهر أهمية هذا الأسلوب في البعد السياسي في ظروف المحنة والقمع والإرهاب، عندما تعجز بقية الأساليب عن التعبير عن ذلك.

وقد كان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يعيشون في مختلف الأدوار ظروفاً صعبة وقاسية، فيصبح هذا الأسلوب أفضل الأساليب للتعبير عن موقفهم السياسي وبقائهم مشدودين إلى هذا الموقف.

بهذا يمكن أن نفهم ـ وبشكل واضح ـ اهتمام الإمام زين العابدين (عليه السلام) بهذا الأسلوب بالذات، بالإضافة إلى الواقع النفسي الذي كان يعيشه بسبب حضوره في كربلاء.

وهذا يؤكد حقيقة مهمة في تخطيط أهل البيت (عليهم السلام) تجاه القضية السياسية، وهي: إن الإنسان المؤمن لابد له أن يقرن إيمانه السياسي بالقضية بموقف عملي تجاهها مهما كانت الظروف، ولو كان هذا الموقف العملي هو أضعف الإيمان، ولا يصح له بأي حال من الأحوال أن يقف موقف اللامبالاة تجاه الفكر السياسي أو العقيدة السياسية.

وهذا ما تؤكده ـ أيضاً ـ الروايات التي وردت في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من وجوب إنكار المنكر ولو بالقلب إن لم تكن المرتبة الأعلى مقدورة أو كانت محظورة، ولذا عبر عنها بأنها: أضعف الإيمان(1).

ثانياً: إن البكاء يجسد تفاعلاً ذاتياً أخلاقيا مع مأساة كربلاء، ولكن بالحد الأدنى من التفاعل، ويشد عواطف الإنسان المسلم بالقضية وأهدافها ورجالها، ويبعده وينفّره طبيعياً عن أعدائها وأخلاقهم ومقاصدهم.

وهذا البعد الأخلاقي في البكاء كان أحد الأسباب الطبيعية التي تمكّن أهل البيت (عليهم السلام)من خلالها أن يحفظوا في الجماعة الصالحة أخلاقية الانضمام والوقوف إلى جانب الحق والمواجهة للظلم، بالرغم من الضغوط التي كانوا يواجهونها سواء على المستوى الاجتماعي أم الفردي، وسواء على المستوى الخارجي، كالضغوط التي يمارسها الطغاة ضدهم، أم على المستوى الداخلي كضغوط الشهوات والرغبات.

ثالثاً: إن البكاء يمثل منهجاً في تزكية النفس وتطهيرها من الأدران، ويرفع درجة الإحساس في الإنسان بآلام الإنسانية، والانحرافات الاجتماعية، والوعي لقضايا الظلم والعدل؛ ذلك لأنه يؤثر في رقّة القلب ويقظة الضمير ووعي الوجدان، وفي تصوري أنّ من أهم القضايا التي واجهت الحسين (عليه السلام) وأدّت بعد ذلك إلى الفاجعة والمصيبة هي القضية الأخلاقية والوجدانية التي نعبّر عنها بالضمير والوجدان.

فقد واجه الإمام الحسين (عليه السلام) الغدر والخيانة، حتى من أحبائه وأتباعه، باستثناء النخبة الصالحة التي ثبتت معه واستشهدت.

فهناك ثمانية عشر ألف رسالة - وفي بعض الروايات أربعون ألف رسالة - وصلت الحسين(عليه السلام) تحثه على المجيء إلى الكوفة، وتعهّد فيها أصحابها بأنهم سيقاتلون ويجاهدون معه(2).

وكذلك العدد الكبير من الناس الذين بايعوا مسلم بن عقيل بيعة للحسين (عليه السلام) كانوا يقيناً يحبون الحسين(عليه السلام). وقد التقى الحسين (عليه السلام) بالشاعر الفرزدق في طريقه إلى كربلاء وسأله (عليه السلام) عن حال الناس، فقال: ((قلوبهم معك وسيوفهم عليك))(3).

فالحالة العامة للكوفة كانت بهذه الصورة، إلا أن أهل الكوفة غدروا به، وهذا الواقع يمثل جانباً أخلاقياً، فحالة البقاء على العهد والالتزام بالمواثيق والبيعة هي قضية أخلاقية نعيشها دائماً في حياتنا الاجتماعية، وتتصرف في كل حكم وفي كل واقع، فالجماهير إذا كانت على مستوى عال من الأخلاق فإنها ستلتزم بالعهود وتسير عليها، أما إذا كانت على مستوى دون ذلك من الناحية الأخلاقية فالالتزامات لا تكون بالنسبة لها ذات أهمية، ومهما أعطت من عهود ووعود فهي مستعدة لنقضها.

وهناك قضية أخلاقية أُخرى كانت إلى جانب أعداء الحسين (عليه السلام) في الأصل، وهي: إنهم كانوا مستعدين أن يبيعوا دينهم بدنياهم، وأن يبيعوا أنفسهم وضمائرهم ووجدانهم بالأموال.

وأبرز شاهد على ذلك قضية عمر ابن سعد، باعتباره يمثل قيادة الجيش(4). فإذا كان رأس القوم بهذه الأخلاقية فكيف بمن بعده ودونه من الأشخاص؟!

وحتى عبيد الله بن زياد ـ الذي كانت بينه وبين يزيد ابن معاوية خلافات داخلية كعائلة حاكمة، وكان يزيد يفكر بعزله عن إمرة البصرة فضلا عن إعطائه إمرة الكوفة ـ تحوّل في الأخير إلى كلب مطيع ليزيد، يصنع كل شيء كي يرضيه.

وأبوه زياد كان والياً لأمير المؤمنين (عليه السلام) وبمجرد أن أغدق عليه معاوية الأموال تحول إلى كلب مطيع لمعاوية، فقتل حجر بن عدي وأصحابه، وشرد أصحابه وأصدقاءه من المؤمنين ليحقق مصالحه.

فالبكاء يطهر وجدان الإنسان وينقّيه ويجعله يتحسس بالآلام وبالظلم، ويعرف معنى العدل وكل المعاني الإنسانية التي ثار من أجلها الحسين (عليه السلام).

ولذلك يجب أن نجهد أنفسنا عندما نجلس في هذه المجالس ونبكي؛ لأنّ في ذلك ثواباً عظيماً، بالإضافة إلى انه يبقي جانب الضمير يقضاً والخطباء جزاهم الله خير الجزاء يذكرون دائماً الثواب العظيم الذي جاء في الروايات(5).

أمّا بعضنا فمع الأسف عند إقامة الشعائر الحسينية ربما لا تخرج من عينه قطرة واحدة من الدمع، ويتصور أنه صنع شيئاً محبوباً.


(1) روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: ((من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فمن لم يستطع فلينكره بلسانه فمن لم يستطع فلينكره بقلبه وذلك أضعف الإيمان)) روضة الجنان: 300

(2) لواعج الأشجان: 34

(3) دلائل الإمامة: 182

(4) مدينة المعاجز: 4 : 63

(5) فهذه القضية التي تتعلق بالجانب الأخلاقي موجودة عندنا، وشوهدت في زمن الحسين(عليه السلام) وفي كل زمان على مرّ التاريخ..(منه(قدس سره)).

فجائع كربلاء

ومما يؤكد إحياء الجانب الوجداني في قضية كربلاء أنها احتوت على الكثير من الجرائم الأخلاقية، التي منها مقتل الطفل الرضيع، فهذه الحادثة في الواقع تمثل نهاية الخسة والنذالة لإنسان يعتبر نفسه أحد الأبطال الكبار كحرملة، فيقوم بعملية رذيلة كهذه، أو الذين تبرعوا بسحق صدر الحسين (عليه السلام) بخيولهم طحن أضلاعه، أو من سلبوا ثيابه، أو من صنعوا الأسلحة ليحصلوا على المادة.. وغيرها من الفجائع إذا دققنا فيها فسنلاحظ أنها مرتبطة بالجانب الأخلاقي والوجداني والضميري، أي أنّ قسماً كبيراً منها كانت قضية أخلاقية، فهذا الجانب المتردي المتسافل من الأخلاق أدى إلى هذه الدرجة من الصورة المخزية التي نسمعها عن قضية كربلاء.

إذن، فقضية الأخلاق التي تعتمد على الضمير والوجدان هي قضية أساسية ومركزية، ولذلك اهتم أهل البيت (عليهم السلام) بقضية إحياء الضمير وجعله متحسساً متفاعلا مع العاطفة والقضايا الفطرية الإنسانية.

والبكاء ليس عبارة عن عملية إرادية مثل الكلام والأكل والشرب التي يمكن أن يتحكم فيها الإنسان، وإنما هي تحسس القضية بوجدانه وضميره والتفاعل معها، حينها ينزل الدمع من عينيه.

فالأئمة (عليهم السلام) أرادوا لشيعتهم أن يكونوا ذوي ضمائر حية ويقضة تتفاعل مع هموم الإنسان ومشاكله.

ومن القضايا التي تميّز أتباع أهل البيت (عليه السلام)(1)، أنهم وعلى مدى التاريخ يقفون إلى جانب الحق والمظلومين، ويتعرضون إلى ظلامات وآلام ومعاناة في سبيل ذلك.

وهذا هو أحد الآثار الأساسية في وجدان وضمير هذه الجماعة التي استُلهمت من ضمير الحسين (عليه السلام).

فقضية الأخلاق والضمير والوجدان ليست قضية نتجاوز بها في طرح أخلاقية الإسلام وأخلاقية الحسين (عليه السلام)، وأخلاقية الوقوف إلى جانب المظلوم ومواجهة الظالم. وإنما نعتبرها قضية قد ورثناها من الحسين ومن علي (عليه السلام) ومن جميع أئمتنا الأطهار (عليهم السلام)الذين اهتموا بتربيتنا عليها فتميزنا بها. بل أنها تمثل أهم القضايا التي تؤثر في مسيرة الإنسان الذاتية؛ ولذا عالجها القرآن الكريم في مواطن كثيرة، وانتقد بشدة قسوة القلب، كما كان يمجّد رقة القلب وخشوعه.

ومن الآيات الواردة في ذم قسوة القلب ومدح رقته قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)(2). وقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)(3). وقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)(4). وقال متحدثاً عن اليهود: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ)(5). وقال: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ)(6). وقال: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)(7).

ووهن القلب والطبع والختم على القلب التي يتحدث عنها القرآن الكريم، إنّما تنطلق من قسوة القلب. وفي مقابل ذلك طهارة القلب وخشوعه ووجله ولينه واطمئنانه.

ولا شك أن البكاء يمثل أفضل وسيلة لغسل درن القلب، وتهيئة الأرضية الصالحة فيه للتفاعل والتأثر. ومن هنا جاء الحث الشديد من الشارع المقدّس على البكاء من خشية الله تعالى، وأصبحت العين الباكية من خشية الله في صف العين التي تكف عن محارم الله أو تسهر في سبيل الله كما ورد في الحديث(8).

وبهذا يكون للبكاء بُعد روحي ووجداني بالإضافة إلى بُعده السياسي والأخلاقي.

مضافاً إلى ذلك ـ أي البُعد الروحي والوجداني والسياسي ـ يمكن أن نتصور في البكاء بُعداً ثقافياً يرتبط بموضوع العدل والظلم، حيث إن دوافع البكاء التي تثير في الإنسان هذا الإحساس العاطفي والوجداني لاشك أن لها تأثيراً في ثقافة الإنسان وفهمه للحياة وتفاعله مع قضاياه. وعندما يتم التركيز على الإثارة تجاه المظلومية والتعرض للعدوان، ويتفاعل الإنسان معها فلا شك أنه سوف يكوّن تصوراً عن أسباب الظلم ورفضها، وعن مقاييس العدل والالتزام بها، حيث يتم شرح ذلك عادة وتفصيله في مثل هذه الإثارات.


(1) ولا أتكلم عن أفراد ربما يكونون شياطين ومنحرفين يسمون بأتباع آل البيت (عليه السلام) لكنهم خارجون عن القاعدة، وإنما أتكلم عن عامة أتباع أهل البيت (عليهم السلام)..(منه (قدس سره)).

(2) البقرة: 74

(3) الحديد: 16

(4) محمد: 24

(5) البقرة: 88

(6) الزمر: 22

(7) الزمر: 23

(8) بحار الأنوار: 93: 329

الزيارة

الشعيرة الثانية: كانت زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في الأساس حضوراً إلى جانب قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم أخذت بُعداً أوسع في تعظيم أهل البيت (عليهم السلام)، حيث أصبحت مطلوبة في مختلف الأوقات، ولو من مكان بعيد، ثم أصبحت منطلقاً لزيارة مشاهد قبور الأئمة الأطهار جميعاً والصالحين من أولادهم وأتباعهم.

ولعل أول من قام بزيارة قبر الأمام الحسين (عليه السلام) هو الإمام زين العابدين (عليه السلام) في يوم الأربعين من شهادته على ما تذكر بعض النصوص، وذلك عند رجوعه من الشام في طريقه إلى المدينة المنورة.

ثم ندب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد ذلك إلى زيارة قبر الحسين (عليه السلام)، ونصّت بعض الروايات على أنها فريضة على من يؤمن بإمامته من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)(1). كما تحدثت ـ أيضاً ـ النصوص الصحيحة الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن الثواب والأجر العظيم الذي يترتب على هذا العمل العبادي الشريف وأفضليته على العمرة والحج المندوبين(2). وهناك نصّ للإمام الصادق(عليه السلام) كان يقوله في دعائه عندما يسجد ويشكر الله، وهو دعائه لزوار قبر الحسين(عليه السلام). وهو نص مؤثّر جداً يهز الإنسان هزّاً(3).

كما روى الشيخ الطوسي(رحمه الله) في المصباح زيارة أخرى غير الزيارة المعروفة في يوم عاشوراء، كما رواها بطريق معتبر صاحب المزار الكبير عن عبد الله بن سنان قال: ((دخلت على سيدي أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) في يوم عاشوراء فألفيته كاسف اللون ظاهر الحزن ودموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت: يابن رسول الله، ممَّ بكاؤك لا أبكى الله عينيك؟ فقال لي: أو في غفلة أنت؟ أما علمت أن الحسين بن علي (عليه السلام) أُصيب في مثل هذا اليوم؟!

قلت: يا سيدي فما قولك في صومه؟ فقال لي: صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملا، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فانه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وانكشفت الملحمة عنهم، وفي الأرض منهم ثلاثون صريعاً في مواليهم، يعزّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مصرعهم، ولو كان في الدنيا يومئذ حياً لكان صلوات الله عليه وآله هو المعزّى بهم... يا عبد الله بن سنان، إن أفضل ما تأتي به في هذا اليوم أن تعمد إلى ثياب طاهرة فتلبسها وتتسلّب، قال: وما التسلّب؟ قال: تحلل أزرارك، وتكشف عن ذراعيك كهيئة أصحاب المصايب، ثم تخرج إلى أرض مقفرة أو مكان لا يراك به أحد أو تعمد إلى منزل لك خال، أو في خلوة منذ حين يرتفع النهار، فتصلي أربع ركعات تحسن ركوعها وسجودها وتسلّم بين كل ركعتين، تقرأ في الركعة الأولى سورة الحمد و(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وفي الثانية الحمد و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثم تصلّي ركعتين تقرأ في الركعة الأولى الحمد وسورة الأحزاب، وفي الثانية الحمد وسورة (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ)، أو ما تيسر من القرآن، ثم تسلّم وتحول وجهك نحو قبر الحسين(عليه السلام) ومضجعه فتمثل لنفسك مصرعه ومن كان معه من ولده وأهله وتسلّم وتصلي عليه، وتلعن قاتليه فتبرأ من أفعالهم، يرفع الله عزّوجلّ لك بذلك في الجنّة من الدَّرجات ويحطُّ عنك من السيئات.

ثم تسعى من الموضع الذي أنت فيه إن كان صحراء أو فضاء أو أي شيء كان خطوات تقول في ذلك: إنا لله وإنا إليه راجعون رضاً بقضائه وتسليماً لأمره، وليكن عليك في ذلك الكآبة والحزن، وأكثر من ذكر الله سبحانه والاسترجاع في ذلك.

فإذا فرغت من سعيك وفعلك هذا فقف في موضعك الذي صلّيت فيه ثم قل: اللهم عذّب الفجرة الذين شاقّوا رسولك، وحاربوا أولياءك، وعبدوا غيرك واستحلوا محارمك، والعن القادة والإتباع، ومن كان منهم فخبّ وأوضع معهم أو رضي بفعلهم لعناً كثيراً. اللهم وعجّل فرج آل محمد، واجعل صلواتك عليهم واستنقذهم من أيدي المنافقين والمضلّين، والكفرة الجاحدين، وافتح لهم فتحاً يسيراً، وأتح لهم رَوحاً وفرجاً قريباً، واجعل لهم من لدنك على عدوّك وعدوّهم سلطاناً نصيراً.

ثم ارفع يديك، واقنت بهذا الدعاء، وقل وأنت تومي إلى أعداء آل محمد صلوات الله عليه ...))(4) الحديث.


(1) عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهم السلام) قال: ((مرو شيعتنا بزيارة الحسين بن علي (عليهم السلام) فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع، وزيارته مفترضة على من أقر للحسين(عليه السلام) بالإمامة من الله (عجل الله تعالى فرجه الشريف))) من لا يحضره الفقيه: 2 :582

(2) عن أبي عبد الله (عليه السلام):((لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي (عليهم السلام) لكان تاركا حقا من حقوق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لان حق الحسين(عليه السلام) فريضة من الله واجبة على كل مسلم)) كامل الزيارات: 238

(3) بحار الأنوار: 98 : 8 :ح30

(4) البحار: 101: 303 - 307

أسرار وأبعاد شعار الزيارة

عندما نخاطب الحسين (عليه السلام) ونقول: أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وأتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر ونقول: السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله... وهكذا. فنذكر كلّ الأنبياء وتاريخهم ورسالاتهم، نريد ان نثقف بهذه المضامين.

فلهذه الزيارة المباركة عدة أبعاد أساسية:

الأول: إن هذا الشعار يعبر عن مجموعة الأبعاد التي تعبر عنها شعائر الحج في النظرية الإسلامية، ولكن في إطار خاص وهدف محدود وهو: تربية الجماعة الصالحة والخط الأصيل المتمثل بأتباع أهل البيت (عليهم السلام) على مضمون نهضة الحسين (عليه السلام)، ويتم ذلك على مستوى الولاء لهذا المحور الإسلامي، وهو الحسين والتلبية لندائه، باعتباره داعياً إلى الله ((لبيك داعي الله، إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري، سبحان ربّنا إن كان وعد ربّنا لمفعولا))(1)، أو على المستوى الثقافي لهذه الشعائر أو السياسي وحتى الاقتصادي لها.

الثاني: ربط حركة الكتلة والخط الإسلامي الأصيل بهذا المحور الإسلامي ومواقفه الشرعية، فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ـ باعتبار اختلاف ظروفهم ومن ثم اختلاف مواقفهم السياسية المرحلية ـ كانوا دائماً بحاجة إلى أن يؤكدوا خطاً ثابتاً في مسيرتهم وموقفاً واضحاً في مذهبهم، وهو خط الرفض للطغيان والظلم الذي أعلنه الإمام الحسين(عليه السلام)، وتحدّث عنه في أول خطبة ألقاها على أهل الكوفة:

((أيها الناس، إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهده، مخالفاً لسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بقول ولا فعل كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله. ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وإني أحق بهذا الأمر))(2).

وقد اهتم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بترسيخ هذا الخط الثابت في موقفهم ترسيخاً واضحاً لا لبس فيه من خلال التركيز على محور زيارة الحسين (عليه السلام)، وتجديد البيعة له وتلبية ندائه.

الثالث: تثقيف الجماعة الصالحة على الالتزام بالمفاهيم العقائدية والأخلاقية والسياسية التي تضمنتها نصوص الزيارات التي وردت للحسين (عليه السلام) في الأيام المخصوصة المختلفة، حيث كانت الزيارة تكريساً لموسم خاص للتعبير عن هذا الالتزام تجاه هذه المفاهيم ذات الأبعاد المتعددة. الأمر الذي أوجد خطاً ثقافياً واعياً وثابتاً في وسط هذه الجماعة الصالحة.

الرابع: التعبير السياسي والاجتماعي عن وجود الجماعة الصالحة من ناحية، وفتح الأبواب أمام بقية المسلمين للالتحاق بحركة هذه الجماعة من ناحية أخرى، وذلك من خلال الارتباط بحركة الإمام الحسين (عليه السلام) التي أصبحت حركة معترفاً بها من جميع أوساط المسلمين.

ولعل هذه الحقيقة تفسّر ظاهرتين بارزتين في تاريخ ووجود هذه الزيارة:

إحداهما: الممارسات القمعية العدوانية التي كانت ترتكبها السلطات الجائرة والطغاة المجرمون بحق أبناء المسلمين الذين كانوا يتوافدون على زيارة المرقد الشريف للإمام الحسين (عليه السلام)، حيث كان يتعرض هؤلاء الزوّار إلى القتل أو فرض الاتاوات أو التنكيل بقطع الأيدي والمطاردة في بعض الأدوار، أو يتعرض القبر إلى الهدم المتعمد، كما حصل في زمن المتوكل العباسي(3)، أو الوهابيين عندما هجموا على العراق في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، أو حكومة العفالقة في العراق في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري.

ثانيتهما: تأكيد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على شيعتهم بضرورة ممارسة هذا الشعار بالرغم من المخاطر التي كانت تحفّ بالزائرين، وبالرغم من نهج التقيّة، الذي التزموا به، وحرص الأئمة (عليهم السلام) على المحافظة على شيعتهم وتجنيبهم مختلف المخاطر والآلام، بحيث تكاد ان تتحول الزيارة في نظرهم إلى قتال في سبيل الله.

عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) قال: ((مرو شيعتنا بزيارة الحسين بن علي (عليه السلام)فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع، وزيارته مفترضة على من أقر للحسين (عليه السلام) بالإمامة من الله عزوجل))(4) وقال أبو عبد الله الصادق(عليه السلام): ((لو أن أحدكم حجّ دهره ثمّ لم يزر الحسين ابن علي(عليه السلام) لكان تاركاً حقاً من حقوق الله وحقوق رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لان حق الحسين(عليه السلام)فريضة من الله عز وجل واجبة على كل مسلم))(5) .

والمهم في الرواية السابقة ذيلها، حيث يقول: ((وزيارته مفترضة - يعني واجبة - على من أقر للحسين (عليه السلام) بالإمامة من الله عز وجل)) أي أنه إمام مفترض الطاعة.

والفقهاء يذكرون أنّ زيارة الحسين (عليه السلام) تارة تكون لقبره بشكل مباشر، وهي أفضل أنواع الزيارة، وتارة تكون من بُعد، وتوجد أحاديث وروايات كثيرة تبين كيفية وأسلوب الزيارة مِن بُعد.

فمن الضروري جدّاً لكل المؤمنين أن يهتموا بهذا الأمر، في ليالي الجمعة وفي المناسبات، التي تكون زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) فيها أحد الأمور الأساسية التي لابدّ من الاهتمام بها.

ففي رواية عن ابن قولويه عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)، قال سمعته يقول: ((زوروا الحسين(عليه السلام) ولو كل سنة، فان كل من أتاه عارفا بحقه غير جاحد لم يكن له عوض غير الجنة، ورزق رزقا واسعا، وأتاه الله بفرج عاجل، إن الله وكّل بقبر الحسين بن علي (عليه السلام) أربعة آلاف ملك كلهم يبكونه ويشيعون من زاره إلى أهله، فان مرض عادوه، وان مات شهدوا جنازته بالاستغفار له والترحم عليه)) (6).

وهكذا وردت روايات كثيرة تؤكد هذا المضمون، بل في بعضها ساوتها مع زيارة النبي، والسر في ذلك يعلم خلال الأمور التالية:

أولا: إنّ زيارته(عليه السلام)تعبر عن ارتباط الزائر به، وحبه لأهل البيت(عليهم السلام)، وولائه لهم، وعقد العهد والميثاق معهم، وهو من الواجبات الشرعية التي فرضها الله تعالى على عباده، حيث قال جل شأنه: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(7).

فالله سبحانه وتعالى فرض على عباده أن يُحبّوا أهل البيت(عليهم السلام) ويوادّوهم ويلتزموا بولائهم.

ومن الواضح أنّ الزيارة تعبر عن الولاء والمودة لأهل البيت(عليهم السلام) وذلك من الواجبات الشرعية، ولذلك وردت بعض الروايات تقول: إنّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) من الواجبات الشرعية في الجملة، بمعنى أنّ الإنسان يجب أن يزور الإمام الحسين (عليه السلام) بالجملة ولو لمرة واحدة إذا تمكن من ذلك.

ثانياً: إنّ الزيارة تثقف الإنسان المؤمن على المبادئ والقيم والمفاهيم التي ثار في سبيلها الإمام الحسين(عليه السلام).

صحيح، إنّ الأئمة (عليهم السلام) لم يقتلوا جميعاً كما قتل الحسين (عليه السلام)، ولم ينهضوا كما نهض، لكنهم جميعاً كانوا يؤمنون بنهضته، وأكّدوا هذا الأمر ليبينوا للناس أنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هي نهضة الإمام علي(عليه السلام)، وهي نهضة الإمام الحسن (عليه السلام)، وزين العابدين، ومن تبعهم من الأئمة حتى ظهور الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الذي ورد عندنا في الروايات الشريفة أنه بعد ظهوره مباشرة يأتي إلى كربلاء ويزور الإمام الحسين(عليه السلام)، بل نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هي نهضة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنه نهض للدفاع عن الإسلام والعقيدة الإسلامية والأُمة الإسلامية بكيانها ووجودها وعزتها وكرامتها.

فزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) هي تعبير عن الإيمان بكلّ هذه المفاهيم والقيم والمثل، وتثقيف الإنسان عليها.

ثالثاً: إنّ الزيارة هي تعبير عن عزة وكرامة المؤمنين من خلال اجتماعهم فيها، وعن التوادّ والتراحم والتواصل بين المؤمنين من خلال توحّد موقفهم.

فالزيارة مظهر من مظاهر العزة والكرامة والشرف والإباء للجماعة، فكما دعا الإسلام الإنسان ان يكون عزيزاً في نفسه، فقد دعاه أيضاً ان يكون عزيزاً في جماعته، وأن يجعلها موحّدة عزيزة كريمة قوية منيعة، يشدُّ بعضها بعضاً.

وكما نجد ذلك في موضوع حج بيت الله الحرام الذي فرضه الإسلام على المسلمين ليبرزوا فيما يبرزوا وحدتهم وقوتهم وكرامتهم وعظم جماعتهم، فعلى المؤمنين أن يهتموا كذلك بزيارة الإمام الحسين(عليه السلام)ليظهروا عزّتهم وكرامتهم وارتباطهم بالحسين(عليه السلام).

هذه نبذة من الأسرار التي تفسّر لنا تأكيد أهل البيت (عليهم السلام)على زيارة الإمام الحسين(عليه السلام)والبحث في المداليل السياسيّة والاخلاقيّة والاجتماعية والروحية لهذا الشعار العظيم(8).


(1) زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) في النصف من رجب وشعبان.

(2) الكامل في التاريخ: 4: 48

(3) سير أعلام النبلاء: 12 : 36

(4) من لا يحضره الفقيه: 2 :582

(5) كامل الزيارات: 238

(6) كامل الزيارات: 175

(7) الشورى: 23

(8) يحتاج هذا البحث إلى حديث طويل، خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار الجانب التأريخي وردود الفعل من السلطة الغاشمة تجاه هذا الشعار في مختلف الأدوار..(منه (قدس سره)).

 

المجلس الحسيني

الشعيرة الثالثة: المجالس الحسينية: هي الاجتماعات التي يعقدها أتباع أهل البيت، سواء في أيّام المصيبة العظمى من شهر محرّم وصفر، أم في الأيام الأخرى من العام، والتي يتداولون فيها حوادث مأساة كربلاء وأهدافها وأثارها، مع إظهار الحزن والبكاء والتألم والتأثر، وغيرها من القضايا الدينيّة. وقد جاءت في البداية تعبيراً عن الحزن العميق لمصاب الإمام الحسين (عليه السلام) وتجسيداً لعظم المصيبة التي نزلت به وبأهل بيته، والأبعاد المأساوية التي اشتملت عليها حادثة كربلاء، وكذلك الوحشية التي اتّسمت بها الطغمة الأموية، وبالخصوص الطاغية(1) يزيد، والتي كشفت عن عمق الحقد والعداء الذي تكنّه هذه العصابة المجرمة ضدّ الإسلام ورسوله وأهل بيته الكرام.

ثمّ تطورت هذه الشعائر الحسينيّة إلى مدرسة سيّارة لإتباع أهل البيت (عليهم السلام) تلبّي جميع الحاجات الثقافية والسياسية والعاطفية والاجتماعية لهذه الجماعة الصالحة، وتتمكّن من التحرّك في وسطها في مختلف الظروف.

وقد بدأت هذه المجالس منذ الأيام الأولى للمأساة في مدينة الشام، عندما بدأ يزيد بالتراجع أمام بدايات الوعي الجماهيري لإبعاد المصيبة، من خلال التوعية الشاملة التي قامت بها العقيلة زينب الكبرى والإمام زين العابدين (عليه السلام) عند ورود موكب السبايا إلى الشام، وحضورهم في مجلس يزيد بن معاوية، حيث تشير بعض الروايات إلى أنّ الإمام زين العابدين عقد مجلساً تأبينيّاً في الشام لمدّة ثلاثة أيّام(2).

كما أقام أهل البيت (عليهم السلام) وبعض زوجات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كأمّ سلمة مجالس العزاء في المدينة المنوّرة عند رجوع عيالات الإمام الحسين، ومعهم الإمام زين العابدين إلى المدينة(3).

وبقي أهل البيت (عليهم السلام) يعقدون هذه المجالس كلّما أتيحت لهم الفرصة، وخصوصاً في أيّام عاشوراء، ويحثّون شيعتهم ومواليهم على عقدها. وقد تقدّمت الإشارة إلى بعض النصوص التي تتحدث عن هذه الممارسة لأهل البيت(عليهم السلام).

وذكرنا انه توجد روايات كثيرة تعبر عن أهمية هذه المجالس وخصوصياتها، منها: ما رواه ابن قولويه والصدوق في الأمالي عن أبي هارون المكفوف، قال: ((دخلت على أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) - وكان أبو هارون المكفوف ممن يقرأون الشعر في التعزية على الحسين(عليه السلام) - فقال لي: يا أبا هارون أنشدني في الحسين. فأنشدته، فلم يكتف بهذا القدر.

وقال: أنشدني كما تنشدون بالرقة.

يعني لم يكتف بالإنشاد العادي، وإنّما طلب أن يكون الإنشاد مع الطور الدقيق الحزين.

قال: فأنشدته القصيدة المعروفة.

أمرر على جدث الحسين *** وقل لأعظمه الزكية

حتى بكى. ثم قال: زدني. فأنشدته القصيدة الأُخرى.

قال: فبكى وسمعت البكاء من وراء الستر))(4) فالإمام الصادق (عليه السلام) كان قد هيّأ المجلس لهذا البكاء، وهذا - في الواقع - يعطينا درساً في أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان يشرك نساءه وأهل بيته في هذه المجالس. فهذه سنة من سنن الأئمة (عليهم السلام).

وهذا الموضوع من الموضوعات ذات الأهمية، فيجب أن نهتم بتربية نسائنا على سماع الموعظة، وسماع ما يتعلق بأمر الحسين (عليه السلام) من الشعائر الحسينية عن كثب، وإلاّ سنخسر خسارة كبيرة.

فالإمام الصادق (عليه السلام) يعطينا نموذجاً لهذا الأمر، فكما تذكر الرواية أنّ أبا هارون قال: فلما فرغت قال لي الصادق(عليه السلام): ((يا أبا هارون من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعرا فبكى وأبكى عشرا كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فبكى وأبكى خمسة كتبت له الجنة، ومن انشد في الحسين شعرا فبكى وأبكى واحدا كتبت لهما الجنة، ومن ذكر الحسين (عليه السلام) عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنة))(5).


(1) ومن الأمور التي تكشب حقد هذا الطاغية - يزيد - على أهل بيت النبوة، انه خرج لتلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسن والحسين فعندما دخل موكب السبايا والرؤوس محمّلة على الرماح، قال متشفياً:

لما بدت تلك الحمول وأشرقت تلك الرؤوس على ربا جيرون

نعب الغراب فقلت: قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني بذلك أنه قتل الحسين بمن قتله رسول الله يوم بدر، مثل عتبه جده. والذي يقول مثل هذا لايشك في كفره.

(2) جلاء العيون: 2 : 264

(3) عن طبقات ابن سعد عن أُُمّ سلمة أنـّه لما بلغها قتل الحسين (عليه السلام) قالت: ((أو قد فعلوها ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً!)) ثمّ بكت حتى غشي عليها. البداية والنهاية 8 : 218.

(4) كامل الزيارات: 208 : ح 297

(5) المصدر السابق.

أهمية المجالس الحسينية وأبعادها

ونشير هنا إجمالاً إلى بعض الأبعاد للمجالس الحسينية:

البعد الأول: المحافظة على هذا الحدث المهم الذي يمثّل أطروحة إلهيّة لتوعية الامّة الإسلامية لحفظ الرسالة الخاتمة من الضياع أو التشويه والتحريف.

حيث انّ السلطة الغاشمة حاولت منذ البداية أن تضيّع الحقيقة، حينما طرحت قضية الحسين(عليه السلام)على أنّها عملية خروج على السلطة الشرعية، وأطلقت عليهم اسم (الخوارج)، وعلى أنّها شق لعصا المسلمين ووحدتهم، وحاولت أن تغطّي على شخصيّة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهدافه وخلفية نهضته وأسبابها والظروف المحيطة بها، لانّ كلّ ذلك يوضح الحقيقة الناصعة التي قامت على أساسها هذه الثورة العظيمة في تأريخ المسلمين، حتى أنّ يزيد ـ مثلاً ـ حاول في بدايات الأمر أن يتنصّل من مسؤولية هذا الحدث، ويلقي تبعته على ابن زياد. ولكن التخطيط الواعي لأهل البيت (عليهم السلام) من خلال المجالس الحسينيّة تمكّن من حفظ معالم هذه الثورة من الضياع، وبقيت محفوظة في التأريخ الإسلامي، وفي حياة المسلمين بجميع تفاصيلها وخصوصياتها(1).

البعد الثاني: إبقاء الحدث حيّاً وفاعلاً ومؤثّراً في عدد من الجوانب المهمة في الحياة الإسلامية عامة وفي أوساط الجماعة الصالحة خاصة، وهي:

1. الجانب الوجداني لضمير الإنسان المسلم، لانّ أحد الأهداف الرئيسيّة لهذه الثورة هو هزّ الضمير وإحياؤه وتحريكه عندما يتعرّض إلى الموت أو الخدر الحضاري، أو يقع تحت تأثير الضغوط النفسيّة أو أساليب الإرهاب، بحيث ينتهي بالإنسان إلى فقدان الإرادة مع إدراكه للحقيقة(2).

وبهذا أصبحت هذه المأساة عاملاً محرّكاً ليس للجيل المعاصر لها فحسب، بل على مستوى الوجدان والضمير والإحساس على مرّ العصور والأجيال.

وقد كان للصور الرائعة التي قدّمها أهل البيت (عليهم السلام) في تجسيد المأساة، وساهم في رسمها والتعبير عنها شعراء هذه المدرسة في ملاحمهم على مختلف العصور دور رائد في هذا المجال.

وبهذا يمكن أن نفهم معنى الروايات التي وردت في الحث على قول الشعر وإنشاده في مصيبة الأمام الحسين (عليه السلام) خصوصاً(3)، وكذلك يمكن أن نفهم هذا الحجم الضخم من الشعر في الأمام الحسين(عليه السلام) الذي لا يكاد يوجد له نظير في الأدب الإنساني.

2. جانب الوعي السياسي للأحداث التي تمرّ بالأمة، خصوصاً في إطار الجماعة الصالحة التي تميّزت من بين جميع المذاهب الإسلامية بهذا الوعي العميق والأصيل للأحداث السياسية، والتزمت جانب المبادئ الإسلامية والأخلاق الثوريّة.

3. جانب الرؤية الإسلامية الصحيحة للحكم الإسلامي ومقوّماته، والقدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ في ممارسات هذا الحكم، مع القدرة على تمييز الخطوط الخضراء والحمراء التي يصحّ السكوت عنها رعاية للمصلحة الإسلامية، أو التي تشكّل تهديداً للإسلام، بحيث تفرض الثورة والتصدّي.

البعد الثالث: المحافظة على العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين أفراد الجماعة الصالحة، ومن يتفاعل معها من المسلمين، ولكن ضمن الإطار الصحيح لهذه العلاقات المتمثّل بالأهداف والأخلاق الحسينيّة.

فقد أصبحت المجالس الحسينيّة مجالاً لتأكيد هذه العلاقات، وتمتين أواصر المحبّة والصلة بين أفراد الجماعة، وفرصة للتعبير عن روح التعاون والأخوة، ومضافاً إلى ذلك أصبحت هذه المجالس في الوقت نفسه فرصة للأنفاق والبذل والعطاء ورعاية الضعفاء والفقراء والتعرّف على أوضاعهم، حيث يشارك ويساهم في هذه المجالس أكبر مساحة من الجمهور المسلم وبمختلف مستوياته الاجتماعية والدينيّة.

وقد حفظ هذا البعد في التخطيط وحدة الجماعة الصالحة في حركتها الاجتماعيّة والإنسانية في مسيرة التأريخ بالرغم من المصاعب والمحن والآلام.

البعد الرابع: نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة التي كانت تواجه في بعض الأدوار التأريخيّة محاولات الحظر والإرهاب الفكري والجسدي، أو تواجه مشكلات عدم توافر الوسائل والإمكانات البشرية أو المادية لنشر هذه الثقافة.

فقد كانت ثقافة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بمختلف أبعادها العقائديّة والأخلاقية والسلوكية والتأريخية ذات ميزات وخصائص ترتبط بالخصائص التي يتميّز بها الخط الأصيل للإسلام الذي انتهجه أهل البيت(عليهم السلام). ولم تكن الفرصة مهيأة ـ بل كانت في بعض الأحيان محظورة ـ لنشر هذه الثقافة، كما إنّ المؤسسات الدينية، كالمدارس والمساجد والمراكز الثقافية الأخرى لم تكن متميّزة أو متوافرة، الأمر الذي كان يهدّد هذه الجماعة الصالحة بالذوبان أو الضياع أو الجهل والتعصّب الأعمى، فكانت المجالس الحسينيّة المدرسة الثقافية المتحركة التي تلبّي هذه الحاجات المختلفة.

فقد روى الكليني بطريق معتبر عن ميسر عن أبي جعفر(عليه السلام) انه قال: ((قال لي: أتخلون وتتحدثون وتقولون ما شئتم؟ فقلت: إي والله إنا لنخلو ونتحدث ونقول ما شئنا. فقال: أما والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن، وأما والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم، وأنكم على دين الله ودين ملائكته فأعينوا بورع واجتهاد))(4).


(1) من الطبيعي أن نجد اختلافاً في بعض التفاصيل، كما أننا لا نتبنّى كلّ ما ورد في قضيّة الحسين (عليه السلام) من تفاصيل. وإنّما نقصد من التفاصيل والخصوصيات المعالم الأساسية في هذه الثورة واتجاهاتها وتخطيطها ومبرّراتها وخلفياتها ومآسيها. وإن كانت التفاصيل قد تتفاوت في التعبير عن ذلك.

(2) شرحنا هذا الهدف في كتابنا ( ثورة الإمام الحسين) فليراجع.

(3) عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ((ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به إلاّ أوجب الله له الجنّة وغفر له)). وسائل الشيعة: 10: 464:ح1

(4) الكافي: 2: 187: ح5

المجلس الحسيني الحق الناطق

موضوع هذه الاجتماعات - المجالس الحسينية - تعتبر من أفضل الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، كما ورد ذلك عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

فقد يفهم من بعض الروايات أنّ هذه الاجتماعات محبوبة لدى أهل البيت (عليهم السلام) بدرجة قد تكون قريبة من الوجوب بالنسبة إلى شيعتهم وأتباعهم، ومن هنا فلو أردنا أن نصنف الشعائر الحسينية التي نتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى من ناحية، ونعبر بها عن حبّنا وودنا وارتباطنا بالإمام الحسين (عليه السلام) وأهل البيت من ناحية أُخرى، فلعلَّ هذه المجالس تأتي في مقدمة هذه الشعائر الحسينية.

فهذه الاجتماعات يتداول فيها المؤمنون ذكر أهل البيت (عليهم السلام) من ناحية، وذكر الإسلام والمفاهيم والعقائد الإسلامية من ناحية أُخرى، كما يعبرون فيها عن ولاء وإرتباط بعضهم بالبعض الآخر كجماعة مؤمنة وصالحة، لديها أهدافها الواضحة المشخصة من قبل أهل البيت (عليهم السلام).

فقد يتصور البعض أنّ الشعائر الحسينية هي مجرّد تعبير عن العواطف والأحاسيس النبيلة، التي يشعر بها الإنسان المؤمن الموالي لأهل البيت (عليهم السلام)، ويعبّر بها عن ولائه وحبّه لهم(عليهم السلام)، ويقف عند هذا الحدّ.

وهذا الشيء وإن كان محبوباً ومطلوباً ويثاب عليه الإنسان، ولكنه ليس الهدف الذي استهدفه أهل البيت (عليهم السلام) من إيجاد هذه الشعائر، وإنما هناك هدف أسمى وأعظم وأكثر قبولاً من وراء هذه الشعائر والأحاسيس والمشاعر، تمثل الطاقة المحركة للإنسان باتجاه تلك الأهداف النبيلة التي وضعها أهل البيت (عليهم السلام).

وهذه الأهداف يمكن أن نخصّها بأهداف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث جعل أهل البيت (عليهم السلام) الإمام الحسين (عليه السلام) محوراً لهذه المجالس والشعائر والزيارات والبكاء والعواطف والأحاسيس.

وهذا التمحور حول الإمام الحسين(عليه السلام)دون بقية الأئمة من قبل أهل البيت(عليهم السلام)، إنما يعني إلفات نظر شيعتهم ومحبيهم ومواليهم إلى أهداف هذه الثورة ومضمونها وأخلاقها وعقائدها ومواقفها وسياساتها، إلى غير ذلك من التفاصيل التي تشتمل عليها ثورة الإمام الحسين(عليه السلام).

وهذه الأهداف والمضامين يمكن أن نصل إليها من خلال هذه الاجتماعات، وذلك عندما يتحدث المتحدثون، ويستمع المستمعون، ويتداولون مجمل المضامين والمفاهيم الإسلامية، بحيث تخرج هذه الجماعة - من خلال مسيرة شعائر الحسين (عليه السلام) - بنتائج تربوية وثقافية وروحية تجعل منها جماعة صالحة، وقدوة للمسلمين وللبشرية بشكل عام، كما أراد أهل البيت (عليهم السلام).

المجلس الحسيني وأمر أهل البيت (عليهم السلام)

ينبغي أن نفهم أن إقامة المجالس الحسينية فيه إحياء لأمر أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّهم ترحّموا على من يحيي أمرهم، وهذه مسألة بسيطة جداً، فكل شخص محبّ لأهل البيت (عليهم السلام)، ويعرف الإسلام ومفاهيم الشريعة الإسلامية - ولو معرفة بسيطة - عندما تسأله ما هو أمر أهل البيت (عليهم السلام)؟ فإنّه يستطع الإجابة على هذا السؤال، بانّ الحسين (عليه السلام) الذي قدّم نفسه للقتل والشهادة هو وأصحابه وأهل بيته الصغار والكبار، وعرّض عيالاته للآلام، فلأي شيء ولأي هدف؟

فهل الهدف هو أن نبكي أو نلطم ونأكل في المجالس؟ أو لكي يحصل الخطيب الفلاني على المبلغ الفلاني؟ أو الجماعة الفلانية يأكلون الأكل الفلاني؟ أو ينيرون الضياء الفلاني؟ أو يعمّرون الحسينية الفلانية؟ أو أن هناك هدفاً آخر؟

نعم، هناك هدف آخر وهو: إحياء الإسلام وترسيخ دعائمه، وحثّ الناس على التقوى والورع والالتزام بالشريعة الإسلامية، ومواجهة الظالمين، ومقاومة الظلم والطغيان، وغير ذلك من الأشياء التي أعلنها الحسين (عليه السلام) في حركته، وهي واضحة من خلال تحرّكه، ومن خلال تأكيدات الأئمَّة (عليهم السلام)، وهذا هو أمرهم، فنحن بهذه المجالس نبكي من أجل أن نحيي أمرهم.

فزين العابدين (عليه السلام) عندما كان يمرّ بأسواق المدينة ويجد قصّاباً قد أخذ خروفاً للذبح، فيوقف هذا القصّاب في وسط السوق ويقول له: هل سقيت هذا الخروف ماءً؟ فيقول له: نعم سقيته الماء. فيبكي زين العابدين (عليه السلام) في وسط السوق وأمام الناس، ثم يقول: إنَّ أبي الحسين (عليه السلام) ذُبح ولم يُسق الماء.

فالإمام السجّاد لايريد بذلك ان يبكي وتبكي فقط، بل يريد بيان مظلومية الإمام الحسين(عليه السلام)، الذي رفع راية الإسلام، وأراد تطبيّق أحكامه، هذا الإنسان ـ الذي وقف في مقابل يزيد ومظلوميته ـ ذبح بهذه الطريقة.

إذن، فهو يبكي من أجل إحياء أمر الحسين (عليه السلام)، ومن أجل تنبيه الناس إلى طغيان بني أُميَّة وظلمهم وجرائمهم، وابتعادهم عن الإسلام وشعائره.

وهكذا نحن نبكي، ولكن نبكي من أجل إحياء أمرهم، ونحزن من أجل إحياء أمرهم، ونبذل الطعام وندعو الناس له من أجل إحياء أمرهم.

إذن، فهذه كلّها أساليب ومظاهر هناك هدف من ورائها، وذاك الهدف هو الذي يمثل أمر الأئمَّة (عليهم السلام)، ولذلك يجب أن نحتفظ بالمضمون والهدف، وأمّا أن ننسى المضمون والهدف وننسى إحياء أمرهم، ونتصوّر القضية من أوّلها لآخرها فقط وفقط هو الأسلوب، فهذا غفلة عن الهدف الذي وضعه الحسين (عليه السلام) أمام عينه، وأراده الأئمَّة (عليهم السلام) من هذا الأسلوب.

فالأصل في الشعائر الحسينية هو ذلك الهدف والمضمون، وما تلك الأمور إلا أساليب توصلنا إلى ذلك المضمون.

طبعاً نحن لا نتخلّى عن هذا الأُسلوب، ولا عن ضرورة التمسّك به، أي: من الضروري التمسّك بإطعام الطعام في الشعائر الحسينية، وقراءة أشعار الحزن، وذكر مصيبة الحسين (عليه السلام)، ولكن يجب أن يكون لهذا البكاء هدف، وهذا الشعر الذي نقرأه على الحسين (عليه السلام) يجب أن يكون له مضمون وهدف، وهذا الجلوس يجب أن يكون له هدف، وإطعام الطعام يجب أن يكون له هدف.

وأما أن نطعم الطعام ونغفل عن الصلاة التي ينادي لها الحسين (عليه السلام)، أو نغفل عن المخالفات أو عن بعض القضايا غير المناسبة التي لا تتناسب مع الآداب العامّة، فهذا لا ينبغي صدوره لمن يريد أن يتعبّد الله سبحانه وتعالى بهذه الأعمال، ويحيي أمر الأئمَّة (عليهم السلام) وأمر الحسين (عليه السلام).

info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية