منهجية التحرك السياسي
عند الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) (قبل سقوط صدام)

الأستاذ السيد أكرم الحكيم   
 
 
 
 

بحث قدمه الأستاذ السيد أكرم الحكيم في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م


بسم الله الرحمن الرحيم


مدخل:

كان ذلك في خريف عام 1980, عندما وصلتني رسالة شفوية عاجلة من أحد علماء الدين المعروفين, الذي تعرفت عليه أواخر السبعينات من القرن الماضي, من خلال الرسائل التي كان يتوسّط لحملها بين المرجعية الدينية الرشيدة المتصدية في العراق, والمتمثلة آنذاك بالمرجع القائد الإمام السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه), وبين الكوادر والحركات الإسلامية العراقية التي بايعت المرجعية الرشيدة, للتحرك تحت لوائها, ووفق توجيهاتها للدفاع عن العراق والإسلام وعن حقوق الشعب العراقي, ومقارعة النظام البعثي الطاغوتي الحاكم في العراق, منذ انقلاب 17/7/1968.

الرسالة الشفوية العاجلة بالطبع لم تكن من الشهيد السيد الصدر (قدّس سرّه) لأن نظام صدام كان قد قتله في 9/4/1980 في القصر الجمهوري في بغداد, في أبشع جريمة سياسية ارتكبها في العراق والمنطقة ولأن العراق كان في خريف 1980 مسرحاً لمجازر وحشية واسعة بحق علماء الدين والفقهاء وطلبة العلوم الدينية, وبحق قيادات وكوادر وأعضاء, بل وحتى أنصار الحركات الإسلامية العراقية، بل وكل من يتعاطف مع التيار الإسلامي والتيار الوطني المعارض للسلطة الحاكمة. وكانت الخطوات متسارعة لإعداد العراق ليكون غرفة العمليات المتقدمة للقوى الدولية والإقليمية المتضررة من سقوط شاه إيران (شباط 1979) ومن نجاح القيادة الإيرانية الإسلامية في الوصول إلى السلطة، خاصة بعد أن أعطت القوى الكبرى آنذاك الضوء الأخضر لصدام التكريتي للقيام بانقلاب قصر سريع, أطاح بأحمد حسن البكر المتهم بتردده في اتخاذ القرارات الحاسمة. ومن ثم قام صدام بتصفية ثلثي القيادة الحكومية والحزبية والعسكرية في العراق, ليصبح الرجل الأول في الحزب والجيش والدولة, لإعداد العراق لحرب عدوانية واسعة على الجارة الشرقية. وبالطبع، حركة دولاب القمع والاعتقالات والإعدامات أدى إلى هجرة العديد من القيادات والكوادر الإسلامية والوطنية العراقية. في مثل تلك الأجواء وصلتني الرسالة الشفوية وأنا أعيش مع عائلتي في دمشق, دار الهجرة الثانية بعد خروجي من العراق, ومضمونها أن السيد محمد باقر الحكيم, عالم الدين المعروف في العراق, ونجل المرجع الديني الراحل الإمام السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) وأستاذ علوم القرآن في الجامعات الدينية في النجف وبغداد, الذي كان قد وصل لتوه إلى سوريا عبر الأردن بصورة سرية, يرغب في أن أزوره في أقرب فرصة.

وأتذكر أنه تم تحديد موعد عاجل لتلك الزيارة في أواخر شهر آب (أغسطس) عام 1980، وفعلاً توجهت إلى شقة متواضعة تقع في محلة (أبو رمانة) في دمشق حيث كان السيد الحكيم يعيش آنذاك مع عائلته.

وبعد عبارات السلام والترحيب قدم لي السيد الحكيم (قدّس سرّه) دراسة مكتوبة بخط يده (في دفتر مدرسي) عنوانها (تصور عام عن مستقبل العمل في العراق) وطلب مني قراءتها, ومن ثم مناقشتها مع سماحته فيما بعد، واستأذنته في تصويرها للاحتفاظ بنسخة عندي فوافق.

وكانت هذه الزيارة بداية مرحلة تعـارف وعمل مع الشـهيد السيد الحكيم, ومع المؤسسات التي تحرك من خلالها, وامتدت لأكثر من عقدين من الزمن. وكانت تلك الدراسات القيمة التي حصلت عليها, أحد المصادر الأساسية لمنهج التحرك السياسي الذي التزمناه في الثمانينات وحتى التسعينات من القرن الماضي.

ومن هنا يمكن الادعاء وبدون تردد، أن الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) كان قد أعدّ تصوراً مدروساً وشاملاً عن المنهج المناسب للتحرك السياسي في العراق، بعد أن قام بدراسة الواقع العراقي دراسة دقيقة وواعية، وهو ما يتبين من مراجعة تلك الدراسة التي سنتعرض لاحقاً إلى خطوطها العامة, وأن هجرته إلى الخارج كانت للتحرك لتوفير عناصر ومقومات ذلك التحرك, خاصة أن ظروف الوطن الداخلية لم تكن تسمح حتى بالحد الأدنى من تلك العناصر والمقومات.

وبكلمة أخرى إن الشهيد السعيد كان صاحب أطروحة, وصاحب منهج تحرك سياسي محدد, سيتبيّن لاحقاً تميزه عن مناهج التحرك السياسي الأخرى المطروحة آنذاك في الساحة.

بل وكان رائداً في بلورة أطروحة تحرك سياسي صائبة لمواجهة نظام صدام الفرعوني في العراق.

وفي وقت لا نتجنّى إذا قلنا بأنّه كان خالياً تماماً من أي منهج تحرك مناسب للإسلاميين, بل وربما لعموم الوطنيين العراقيين المعارضين لسلطة صدام, خاصة بعد قتل المرجع القائد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) ووأد تحركه السياسي وهو في بداياته.

هذه الدراسة تسعى فقط لإلقاء الضوء على الخطوط العامة, وربما مع بعض التفاصيل لمنهج التحرك السياسي لدى السيد الشهيد الحكيم, أي التعريف بنظريته في التحرك السياسي في العراق, وليس من أهدافها تقييم المسيرة العملية لتلك النظرية في الواقع, أو تقييم التجارب العملية والسلوكيات السياسية اليومية, أو تقييم مدى موفقيه الأطر والمؤسسات التي تحرك السيد الحكيم من خلالها, وعوامل النجاح والموفقية أو الإخفاق, لأن الجانب العملي يحتاج إلى دراسة أخرى لا تكفيها الفرصة المتاحة في هذا المؤتمر الفكري, الذي ندعو الله أن يجزي القائمين عليه خيراً لحفظ تراث شــهداء العــراق والإســلام, ومـدرسة أهل البيت (عليهم السلام). خاصة أن المرحلة الخطيرة والهامة التي يعيشها العراق والعراقيون هذه الأيام, تزيد الحاجة إلى الاستفادة من التراث السياسي الضخم للشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه), الذي تبنّى خلاصة أضخم مدرستين إسلاميتين سياسيتين معاصرتين، هما مدرسة الشهيد الإمام السيد محمد باقر الصدر, ومدرسة الإمام السيد الخميني (رضوان الله عليهما).

العراق من أواخر 1978 م وحتى أواسط 1980 م:

على الرغم من أن أحد أهم أسباب المجيء بالكتلة البعثية اليمينية (الجناح العفلقي) إلى السلطة في تموز 1968، كان هو التصدي للحركة الإسلامية العراقية والمرجعية الدينية المتصدية, اللتين استطاعتا وفي تحرك متكامل, قيادة التيار الإسلامي الشعبي في العراق, خاصة بعد تداعيات ما تم تسميته بنكسة حزيران(1).

ولذا بادر الانقلابيون البعثيون إلى المواجهة السافرة والحاقدة مع مرجعية الإمام الراحل السيد محسن الحكيم(قدّس سرّه)، والرصد والاستفزاز المبكرين للمرجع القائد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه)، والبدء بتصفية الحوزة العلمية في النجف من خلال حملات التهجير والإبعاد, ومن ثم تأسيس الشعبة الخامسة في مديرية الأمن العامة المختصة بمكافحة النشاط الإسلامي, ثم بدء حملة اعتقالات وتعذيب وقتل قيادات الحركة الإسلامية العراقية, وفي مقدمتها حزب الدعوة الإسلامية, والشباب المسلم, والإخوان المسلمين, والتحرير, والعقائديين, والتيار الشيرازي في كربلاء, وغيرها من التنظيمات والأوساط الإسلامية الناشطة.

كان إعدام الشيخ المجاهد عارف البصري, أحد أبرز قيادات الدعوة الإسلامية, وصحبه الأبرار (السيد نوري طعمة, والسيد حسين جلوخان, وهما قادة الجناح الطلابي وتنظيمات بغداد في الحركة الإسلامية العراقية, إضافة إلى السيد عماد الطباطبائي, والسيد عز الدين القبانجي, وهما من تلاميذ السيد الصدر (قدّس سرّه) عام 1974), من العلامات الفارقة لمرحلة سوداء بدأت في العراق, وبالطبع كانت هذه الجريمة (أي إعدام علماء دين عراقيين) هي الأولى منذ الاحتلال البريطاني للعراق, وإن سبقتها جرائم بشعة أخرى كقتل الشيخ المجاهد عبد العزيز البدري, من كبار علماء السنة في بغداد عام 1969, وقتل الداعية القيادي الأستاذ عبد الصاحب دخيل عام 1970, وكذلك التعذيب الوحشي للعالم المجاهد السيد حسن الشيرازي (2).

نقول: بالرغم من كل تلك الأحداث الدامية, إلا أن مخططاً استئصالياً خطيراً جديداً بدأت ملامحه بالظهور والتبلور أواخر عام 1978, ويستهدف التصفية الشاملة لكل قيادات وكوادر وقواعد وأنصار التنظيمات العراقية المعارضة عامة, والتنظيمات الإسلامية خاصة، وذلك بعد ظهور بوادر قرب سقوط النظام الشاهنشاهي في طهران, وبالتالي وصول قيادة إسلامية ذات قواعد شعبية واسعة إلى السلطة في الجار الشرقي للعراق.

ووصلت ذروة تلك الخطط القمعية الاستئصالية للسلطة العراقية في الفترة الواقعة بين تاريخ انتصار الثورة الإيرانية الإسلامية (شباط 1979) وبين تاريخ استشهاد المرجع السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه)، خاصة بعد أن صار واضحاً, ليس فقط لقيادة النظام البعثي في العراق, وإنما للقوى الدولية والإقليمية التي تقف خلفها وتدعمها والمستفيدة من بقائها، صار واضحاً قدرة القيادة الإسلامية (خاصة العلمائية) على استقطاب كافة أوساط الشعب, وقدرتها على إدارة الصراع مع السلطة الدكتاتورية بشكل ناجح, وبالتالي قدرتها على تحقيق الانتصار, والوصول إلى السلطة, وبناء المؤسسات السياسية الحاكمة والمستقرة.

وإذا كانت بعض أوساط المرجعية الدينية في النجف الأشرف قد اختار التريث, أو السكوت, وعدم إعلان الموقف الشرعي للأمة, وعدم المواجهة مع السلطة الحاكمة في بغداد، لأسباب ومبررات ربما كانت مقنعة للبعض (إلا أنها بالتأكيد, لم تكن مقنعة لكل القواعد الشعبية والحركات الإسلامية).

إلا أن المرجعية الدينية الرشيدة المتمثلة آنذاك بالإمام السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) الذي كان يتمتع برصيد كبير لدى التنظيمات الإسلامية العراقية, ولدى النخب العراقية المثقفة والمتعلمة، خاصة في أوساط الجامعيين، ولقراءتها السليمة والدقيقة لمجريات الأمور, ولوعيها التام لحقيقة أن الساحة العراقية ستكون ساحة دفع استحقاقات انتصار الثورة الإسلامية في إيران, بسبب المشتركات والروابط العديدة, إضافة إلى البعد الجيوسياسي، حيث عرف الإمام الصدر بأن خطة وحشية لتصفية قيادات وكوادر وقواعد التيار الإسلامي العراقي قد بدأت بالفعل، وأن أي سكوت واستخدام خاطئ لمفهوم التقية, والانشغال بواجبات إسلامية تقليدية وغير سياسية, سوف لن يوقف تلك الخطة الوحشية التي رسمتها القوى الدولية الكبرى المتضررة من سقوط الشاه في إيران, ومن تزعزع الأوضاع في العراق، وأوكلت تنفيذها لـ(صدام التكريتي) بعد تصفية منافسيه وخصومه في الحزب والجيش والسلطة.

على ضوء كل ذلك، بادرت مرجعية الشهيد السيد الصدر (قدّس سرّه) وفي سباق رهيب مع الزمن, ومع خطط السلطة إلى منهج تحرك سياسي جديد يقوم على:

1 ـ الإعلان الصريح عن موقف المرجعية الدينية من نظام صدام، وتحريم حزب السلطة, وتبني مواجهته, والمطالبة الصريحة بحقوق الشعب العراقي, ودعم تحرك القوى المعارضة لها.

2 ـ توسيع وتطوير جهاز وكلاء المرجعية المتصدية في مناطق العراق المختلفة، ومد جسور وقنوات الاتصال مع كافة التنظيمات والمجموعات (وحتى مع الكوادر) الإسلامية العاملة في الساحة العراقية والمستعدة للتحرك تحت لواء المرجعية الدينية المتصدية، والسعي للتنسيق بين جهودها وتوحيد سياساتها وخططها, وتجاوز الحدود الفئوية الخاصة لكل منها مع احترام خصوصيتها.

3 ـ إفشال كل السياسات والخطط الهادفة إلى احتواء تحرك المرجعية وإلى رشوتها بمكاسب ضيقة، وإفشال خطط نظام صدام في خلق صراع كاذب بين ما سمّي بالمرجعية الدينية العربية والمرجعية الفارسية.

4 ـ طرح المرجعية الدينية بوصفها القيادة الوطنية العراقية المدافعة عن حقوق ومصالح كل أبناء الشعب العراقي باختلاف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم, وحتى باختلاف انتماءاتهم السياسية، وهو واقع حال المرجعية الدينية في العراق منذ عهد الاستقلال الأول في العشرينات من القرن الماضي... بالرغم من محاولات التحجيم التي تستهدف تصويرها باعتبارها من خصوصيات طائفة معينة من العراقيين.

5 ـ التحرك الإعلامي الواسع خارج العراق باتجاه فضح حقيقة وجرائم نظام صدام وباتجاه الدعوة لقيادة المرجعية الدينية الرشيدة, وأيضاً نصرة الثورة الشعبية وقيادتها الإسلامية في الجارة إيران.

كانت هذه أهم توجهات المرجعية الدينية المتصدية, والتي رافقتها تطورات سريعة في الأوضاع المحلية والدولية، بسبب زلزال أحداث الجارة الشرقية، حتى وصلت الأحداث ذروتها بقتل واستشهاد المرجع القائد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه)، وقبلها قتل المئات من وكلائه وتلاميذه وأنصاره, في حمامات دم جماعية، ومن ثم تهجير وإبعاد عشرات الآلاف من العوائل المحسوبة على خط الولاء للمرجعية الدينية والحركات الإسلامية، بل والتخطيط لحملات واسعة منظمة لتغيير الطبيعة السكانية لمناطق الفرات الأوسط والجنوب العراقي, إضافة إلى الحملات الدموية الواسعة ضد الإخوة الكرد في كردستان العراق, وإرسال ودعم العناصر والمجموعات التي تقوم بتنفيذ عمليات التخريب والقتل والتجسس في الجارة إيران.

في مثل هذه الأجواء خرج السيد محمد باقر الحكيم من العراق، بعد أن تم إطلاق سراحه مع أعداد من الإسلاميين, في خطوة لخداع الرأي العام العراقي، بعد أن قضى أكثر من عامين في سجن (أبو غريب) السيء الصيت في العاصمة العراقية, بسبب نشاطه ضمن تحرك المرجعية الدينية الرشيدة المتمثلة بالسيد الصدر آنذاك، وفيما سمّي لاحقاً بانتفاضة صفر عام 1977 التي جاءت رداً على محاولات نظام صدام لمنع زيارة الأربعين.

المرجعية الدينية الرشيدة تم تغييبها بالقتل وبأبشع طريقة، وتم تدمير الجزء الأكبر من جهاز الوكلاء والخطباء المتحركين تحت لواء المرجعية، والحركات الإسلامية العراقية تلمم جراحاتها وترسل من بقي من كادرها القيادي والحركي إلى الدول المجاورة, وخاصة إيران وسوريا والخليج, بعد أن نالتها حملة التصفيات الوحشية، ولم يكن الأمر بأقل من ذلك بالنسبة لعموم الحركة الوطنية العراقية, والحركات التحررية الكردية, ورعبٌ عام يعم الشعب العراقي بسبب حملات الاعتقال والتعذيب والقتل الواسعة, وتطبيق حالة الطوارئ غير المعلنة, وبسبب الاستخدام الواسع لسياسة إسقاط الجنسية, ومصادرة الممتلكات والإبعاد والتهجير القسري مع احتجاز الشباب، وقلق كبير يتنامى من بعض الإشارات والمقدمات التي كانت توحي بقرب شن عدوان عسكري شامل على الجارة إيران بعد انتصار ثورتها وطرد سفارة إسرائيل من عاصمتها، ودخول دوائر إقليمية ودولية على خط هذا الصراع انطلاقاً من منهج (الرجال من العراق ـ فلا قيمة لحياة الإنسان في مفهوم نظام البعث العفلقي ـ والمال والسلاح من تلك الدوائر الخارجية, رافعين الشعار الكاذب: الدفاع عن البوابة الشرقية).

السيد محمد باقر الحكيم, الذي درس كل مفردات ذلك الواقع، ومن خلال عقليته وشخصيته الحاملة لخلاصات تجارب المرجعيات الدينية والحركات الإسلامية في العراق، خاصة في حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، توصل إلى ضرورة التصدي للمسؤولية الدينية والوطنية الكبرى، بالطبع بعد أن وضع تصوراً عاماً عن الأهداف, ومنهاج التحرك وخططه وأساليبه.

بالطبع لا توجد أي مبالغة في اعتباره حاملاً لخلاصات تجارب المرجعيات والحركات السابقة والمعاصرة، لأنه ابن المرجع العام للطائفة الإمام السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) وكان ممثلاً له ونائباً عنه في العديد من الفعاليات الدينية والسياسية والثقافية, وهو أحد أقرب المقربين للمرجع المجدد الإمام السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) وكان السيد الشهيد الصدر يستعين به في العديد من المهمات الخاصة التي تتطلب قدرات علمية وسياسية واجتماعية خاصة.

والسيد الحكيم كان أيضاً من رواد تأسيس الحركة الإسلامية العراقية المعاصرة التي انطلقت أواخر عقد الخمسينات من القرن الماضي، إضافة إلى كونه عالم دين, وفقيهاً درس العلوم الدينية في الحوزة العلمية في النجف الأشرف, وتتلمذ على يد كبار علمائها, وتدرج في مراحلها التقليدية المعروفة حتى حصل على درجة الاجتهاد, ومن ثم مارس التدريس في مستوياته المتعددة, وتخصص في تدريس علوم القرآن لسنوات طويلة.

وما إن تمكن السيد الشهيد الحكيم من عبور بوابات السجن الكبير, أي حدود الوطن آنذاك، ووطأت أرجله أرضاً عربية محبة للعراقيين الوطنيين والمعارضين لدكتاتورية صدام، حتى أفرغ أهم خلاصات خبرته وتجاربه وهمومه ومشاريعه على صفحات الورق، فكانت الدراسة الأولى عن (تصور عام عن مستقبل العمل في العراق) وبعدها بأشهر كانت الدراسة الهامة التي تناول فيها المنطلقات والمبادئ والأهداف لجماعة العلماء المجاهدين في العراق, وتلتها دراسات أخرى هامة من قبيل (المشروع السياسي لمستقبل العراق) وعشرات الأبحاث التي تصب في مجملها في بلورة منهج تحرك سياسي جديد, ذو منطلقات إسلامية وطنية, سيصبغ ولسنوات طويلة لاحقة, صورة النشاط الإسلامي السياسي في الساحة العراقية، خاصة بعد أن عاشت تلك الساحة فراغاً رهيباً في مجال المشروع السياسي الشامل, بسبب قتل المرجع القائد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) وانشغال التنظيمات الإسلامية بتفاصيل مشكلاتها اليومية والمرحلية.


نصوص واقتباسات

حفاظاً على المنهج الأكاديمي للبحث العلمي، ومنعاً لحالة فرض القناعات الشخصية على النظرية السياسية للشهيد السيد الحكيم، سوف نستعرض فيما يلي نصوصاً واقتباسات قصيرة وطويلة من الأبحاث التي أشرنا إليها سابقا,ً وأخرى غيرها، ثم نقوم بمحاولة استنطاق تلك المقتبسات, وبيان أهمها بالمقارنة مع سياقاتها الظرفية، ويمكن أيضاً لقراء هذه الاقتباسات أن يكونوا أحراراً في فهمهم الخاص الذي ربما يختلف عن فهمنا وقراءتنا لهذا النصوص.

للأسف الشديد فإن الوقت القصير الذي توفر لنا لإعداد هذه الدراسة، وتوزع مكتبتي الخاصة وملفات الوثائق العائدة لي على أكثر من بلد, بسبب ظروف الهجرات المتعددة، منعتني من أن أجِد تلك الدراسة القديمة المعنونة بـ (تصور عام عن مستقبل العمل في العراق) التي تؤسس للتصورات الأولى عن المنهج السياسي لتحرك الشهيد السيد الحكيم (قدّس سرّه) (التي حصلت عليها قبل حوالي ثلاث وعشرين عاماً)، ولن اعتذر عن عدم قدرتي على إيراد نصوص مقتبسة منها، إلا أنه يمكن الإشارة ـ وحرصاً على فائدة الأعزاء القراء ـ إلى خلاصة ما جاء فيها:

أهم ما جاء في تلك الدراسة القيمة توصيف دقيق للواقع السياسي العراقي, وطبيعة السياسات الإجرامية لنظام صدام الحاكم في العراق منذ 1968, ومن ثم طرح ثلاث خيارات للتغيير في العراق وهي:

الخيار الأول: القيام بانقلاب عسكري.

والخيار الثاني: القيام بثورة شعبية على غرار التجربة الإيرانية الناجحة عام 1979.

والخيار الثالث: الكفاح الشعبي المسلح انطلاقاً من أرض محررة داخل الوطن.

ثم تقوم الدراسة ببحث النقاط السلبية والإيجابية في كل خيار, والمعوقات الموجودة في الواقع التي ربما تحول دون نجاحه.

فالانقلاب العسكري, الذي ربما يمثل أسرع الطرق للتغيير، وهو كان الوسيلة الأكثر اتباعاً لتغيير الحكومات والرؤساء, ليس فقط في العراق, وإنما في أكثر دول العالم الثالث، إلا أنه ـ وكما تذكر الدراسة ـ يصعب اعتماده كوسيلة للتغيير في ظل الإجراءات التي بدأت أغلب الدكتاتوريات باتّباعها مستفيدة من تجارب الانقلابات السابقة، فضلاً عن خصائص معينة تتميز بها المؤسسة العسكرية العراقية التي تم بناؤها وفق معادلة طائفية ومناطقية شاذة تسهّل توظيفها واستخدامها لقمع الغالبية من الشعب العراقي, وتسهّل حرفها عن مهماتها الأصلية، المتمثلة بالدفاع عن الوطن.

كما أن نظام صدام بالغ في اختراق المؤسسة العسكرية بتشكيلات حزب السلطة الموالية للعائلة الحاكمة, وبتشكيلات الأجهزة الاستخبارية والأمنية، وتصفية كل العناصر المشكوك بولائها، إضافة إلى بناء قوى عسكرية خاصة أفضل تسليحاً, ولها امتيازاتها الخاصة, مثل قوات الحرس الجمهوري, والحرس الخاص, والوحدات الخاصة, وجعل كل واحد من هذه الجيوش الخاصة رقيباً على الآخر, إضافة إلى منع أي تحركات عسكرية مجهزة بالسلاح والذخيرة الحية, خاصة داخل العاصمة, وزيادة منظومات الإنذار المبكر, وشراء الذمم على نطاق واسع, وتسليم المواقع الحساسة إلى أبناء العوجة وتكريت والمناطق الانعزالية المستفيدة تاريخياً من المعادلة الطائفية السياسية الحاكمة في العراق عامة, وإلى أبناء العشيرة التكريتية التي ينتمي إليها رأس النظام المجرم صدام خاصة, وإن كان كل ذلك لم يمنع من وقوع محاولات انقلاب خطيرة، إلا أنها لم توفق في تغيير السلطة في بغداد، خاصة وأن قوى دولية وإقليمية هامة كانت قد تكفّلت بإيصال أي معلومات تتعلق بمخاطر أمنية جادة تهدد نظام صدام. بمعنى أنه كانت هناك ضمانات أمنية دولية لبقائه في السلطة، خاصة في الثمانينات من القرن الماضي, وكما يعرف بعض المتابعين فإن محاولة انقلابية خطيرة كادت تنجح في القضاء على رأس النظام في الثمانينات, من خلال قصف المنصّة التي كان يفترض أن يقف عليها صدام وكبار رموز السلطة لاستعراض القطعات العسكرية في ذكرى تأسيس الجيش العراقي، من قبل مقاتلات عراقية يقودها ضباط معارضون، إلا أن ملكاً عربياً يحكم بلداً مجاوراً للعراق, قام بإيصال أسرار خطة الانقلاب إلى صدام قبل وقوعها بأيام, بعد أن أخبرته إحدى أجهزة المخابرات الغربية المعروفة.

وتبحث الدراسة أيضاً مصاعب القيام بثورة شعبية على غرار التجربة الإيرانية, بسبب الإجراءات الوقائية التي لجأت إليها القوى الدولية والسلطة الحاكمة في بغداد، مستفيدة من دراسة تجربة الصراع بين القيادة الإسلامية الإيرانية وبين نظام الشاه في الأشهر الأخيرة من عمره، حيث استفادت من كل ما اعتبرته أخطاءً للشاه, وتساهلاً من القوى الدولية التي ربما فوجئت بالتجربة الإيرانية، إلا أنها سوف لن تفاجأ في الساحة العراقية، إضافة إلى عدم وجود مرجع كفوء متصدٍّ لقيادة التحرك الشعبي العراقي بعد استشهاد السيد الصدر (قدّس سرّه) (وحتى عند تصديه في حياته الشريفة كانت هناك مرجعية دينية ذات قاعدة واسعة من المقلدين في العراق اختارت منهج عدم الصدام مع السلطة ورفع شعاراتها المحافظة على الحوزة العلمية في النجف الأشراف أولاً)، مع اختلاف الشعبين العراقي والإيراني في مسائل طبيعة الارتباط بالمرجعية, وغلبة العنصر غير العراقي على الطابع العام للحوزة والمرجعية في العراق في تلك الحقبة. فضلاً عن سياسة الاضطهاد الطائفي الواسعة التي كان يعتمدها صدام وزمرته, والمخاوف الدولية المتزايدة من إمكانية امتداد نفوذ الثورة الإيرانية الإسلامية إلى العراق والخليج, التي أدت إلى دعم أقصى حملات القمع والقتل لمنع حصول التغيير في العراق.

ثم تصل الدراسة إلى أفضلية الخيار الثالث, أي اعتماد الكفاح الشعبي المسلح في مقارعة النظام الفرعوني الصدامي، لأنه نظام قمعي إرهابي وحشي لا تنفع معه الضغوط السياسية كالمظاهرات, فضلاً عن اعتماده على شبكة من الأجهزة الحزبية والمخابراتية والعسكرية الخاصة المعبّأة بروح الحقد والكراهية ضد الغالبية الشعبية.

ثم إن اللجوء إلى الخيار الثالث يتيح الفرصة لبناء القوى الشعبية وتعبئتها, وتطوير قدرات المعارضة التي لم تتح لها أجواء القمع في الوطن من بناء كادرها السياسي والقتالي والتعبوي والإعلامي، وتتيح الفرصة أيضاً للعمل الواسع من أجل كشف حقيقة النظام الذي هو في الواقع يمثل بؤرة خطر كبير, ليس فقط على العراق, وإنما على المنطقة والعالم كما توضح فيما بعد.

وتتطرق الدراسة فيما بعد إلى ضرورة التحرك لإيجاد دولة مجاورة مساندة, وإيجاد أرضية التحرك السياسي والعسكري والإعلامي انطلاقاً من تلك الدولة لإسناد التحرك السياسي والعسكري الأساسي الذي يفترض أن يبدأ أولاً من أراضٍ عراقية محررة داخل الوطن. وكانت تلك المناطق المحررة موجودة في كردستان وأهوار جنوب العراق.

ونعود ثانية إلى نصوص من الدراسات الأخرى التي كتبها الشهيد السيد الحكيم في السنوات الأولى من تحركه السياسي في خارج العراق. وسنوزع المقتبسات على عناوين محددة، للفت أنظار القراء الكرام إلى عناوين المحاور الأساسية في منهج التحرك السياسي عند الشهيد السيد الحكيم.


الأهداف الاستراتيجية

كتب السيد الحكيم (قدّس سرّه):

(نؤكد على قضية مهمة وأساسية, وهي تحديد الأهداف التي نتحرك باتجاهها، فهناك أهداف استراتيجية بعيدة المدى تمثل وجودنا وجهادنا وتضحياتنا وعلاقاتنا مع الآخرين، ولا يمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نتخلى عنها، لأن التخلي عنها يعني إعادة النظر في أصل وجودنا وتحركنا، وهذه الأهداف هي: إقامة النظام الإسلامي, وضمان الحقوق الأساسية للشعب العراقي المسلم، فإن الشعب العراقي له حقوق كثيرة تعرضت إلى الهدر والاستخفاف والعدوان، وقد جاءت الشريعة الإلهية لتجسيد هذه الحقوق وضمان تحقيقها، ومن أهم هذه الحقوق هي حرية (العبادة) و (المعتقد) التي يصل الإنسان بها إلى أعلى درجات الكمال الإنساني, سواء في دار الدنيا أم الدار الآخرة، لأننا مسلمون نعتقد أن الكمال الإنساني المطلق إنما يتحقق بشكله الكامل في الآخرة.

كذلك (الحرية) حيث إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان حراً ومختاراً, وجعله خليفة على هذه الأرض، ولا بد له أن يعيش العزة والكرامة الإنسانية. ومن هذه الحقوق حقه في المأكل والمشرب والحياة والتمتع بطيبات هذه الحياة {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}(3) وأمور كثيرة وضعها الله تعالى أمام الإنسان من حقه أن يحصل عليها, وأقرتها الشريعة الإسلامية ورسمت حدودها بشكل واضح.

هذه الحقوق الأساسية هي هدف استراتيجي بالنسبة إلى حركتنا السياسية والجهادية, وكل الأهداف الأخرى التي نتحدث عنها لا بد أن تصب في هذين الهدفين الرئيسيين, ولكن هناك أهدافاً أخرى (مرحلية) تمثل خطوة أو خطوات باتجاه الأهداف الاستراتيجية, أي الأهداف التي ترتبط بهذه المرحلة من مسيرتنا السياسية التي يمكن أن نشير إليها بالنقاط التالية:

1 ـ الإطاحة بالنظام الحاكم في العراق: حيث يتم بذلك كسر الطوق المفروض على الشعب العراقي من خلال هذا النظام الدكتاتوري الذي مارس ويمارس مختلف الجرائم بحق الشعب ويقف حائلاً أمام حركته وإرادته.

2 ـ مشاركة الشعب العراقي في القرار السياسي: إننا نعتقد أن الشعب العراقي عندما يمتلك الإرادة والحرية ويكون له دور في انتخاب الحاكم والنظام، فإن ذلك يشكل خطوة حقيقية في إقامة النظام الإسلامي, لأن الشعب لا يختار غير الإسلام بديلاً، لأن الحالة الإسلامية حالة شعبية عامة وليست معزولة عن الأمة أو تعيش في وسط محدود، فهي حالة عامة تعيش في مختلف الأوساط الجماهيرية، وبمقدار ما يشارك الشعب في القرار السياسي, وأفضل دليل على وجود هذه الحقيقة هو ما كشفته الانتفاضة الشعبية, وبالتالي فإن مشاركة الأمة في القرار السياسي بأي مستوى كان, يصب في خدمة القضية الإسلامية التي هي من أهدافنا الاستراتيجية, وإن ما نسمعه أحياناً من المناداة بصيغة أو أخرى لتطبيق الديمقراطية, التي تعني انتخاب الشعب للنظام والحكم, إنما يصب في هذا الاتجاه.

ونحن نتجنب هذا التعبير لأنه أصبح ذا مداليل سياسية متعددة مأخوذة من الأيديولوجيات المادية الغربية, وكل فريق يطبقها على شاكلته, ولذا نؤكد على المشاركة الشعبية في الانتخابات, وبشكل مباشر, وعلى جميع المستويات.

3 ـ الاحتفاظ بقوة الوجود الإسلامي داخل العرق وتقويته: ونقصد بالوجود الإسلامي الوجود السياسي والثقافي والجهادي, لأنه الطريق الذي يوصلنا إلى أهدافنا الاستراتيجية، فإننا لا نرى طريق الوصول الذي يوصلنا إلى أهدافنا الاستراتيجية عن طريق تكوين العلاقات مع القوى الخارجية الاستكبارية أو الدول التي تدور في فلكها، وإنما الذي يوصلنا إلى هذه الأهداف هو الوجود الإسلامي القوي لدى الأمة وحركتها, ومدى ارتباطها بالله سبحانه وتعالى، ومدى استعدادها للتضحية والفداء, ويدخل في ذلك التنظيم القوي الذي يمكن أن ينظم حركة هذه الأمة ويوظف إمكاناتها، وكذلك معرفة الأمة بالثقافة الإسلامية, والتخلق بأخلاق الإسلام, والالتزام بتعاليمه, إلى غير ذلك من الخصائص والمميزات.

ولعل أفضل نهج لتقوية هذا الوجود الإسلامي هو تقوية التنظيمات الجهادية في داخل العراق، التي تهتم في نفس الوقت بالثقافة الإسلامية والطرح السياسي, والذي يمكنه أن يحتفظ بالروح المعنوية العالية.

4 ـ التأكيد على قضية الحرية والمطالبة بالاعتراف بحقوق المظلومين في العراق: إن هناك قاعدة شعبية كبيرة وفي مقدمتها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وأبناء الشعب الكردي في العراق, وبعض الأقليات العرقية والدينية, تعرضت إلى اضطهاد في العراق, وحرمت من أبسط حقوقها، ولا بد من السعي الجاد للحصول على الاعتراف بهذه الحقوق، حتى يتسنى لنا القيام بالخطوة الثانية وهي تحقيق هذه الحقوق, فقد تعرضت هذه القواعد الشعبية للحرمان وحرمت من حق المواطنة, وكذلك ممارسة الشعائر الدينية وبناء المؤسسات الثقافية والدينية أو تداول الكتب المرتبطة بثقافتها وتاريخها)(4).


وكتب أيضاً تحت عنوان (الأهداف الجهادية)

(الهدف الأساس للحركة يتمثل في الإطاحة بحكم الطاغوت صدام التكريتي, الذي جند كل قواه لقهر الشعب وإذلاله وتسليط الاستعمار والامبريالية العالمية عليه, وربطه بعجلتها السياسية والاقتصادية والفكرية.

وكذلك يتمثل الهدف الأساس بعد ذلك في تطبيق حكم الإسلام على الشعب العراقي، هذا الإسلام الذي يمثل عقيدته وتاريخه المجيد والنظام الذي حقق له الاستقلال والأمن والاستقرار والحرية، عبر أجيال طويلة من تاريخه.

حيث يكون هذا الهدف معبّراً عن إرادة الأمة وتوجهها لتحقيق ذاتها ووجودها وتقرير مصيرها.

وكل من هذين الهدفين قائم بذاته, ونسعى له بشكل مستقل, بحيث يستحق العمل الجاد المتواصل والكفاح السياسي والثوري، لأن إسقاط النظام يمثل كسر الطوق المضروب على الأمة الذي يمنعها من السير في طريقها نحو الاستقلال الفكري والسياسي والاقتصادي والعدالة في العلاقات الاجتماعية، وبدون ذلك لا يمكن للأمة أن تمارس وجودها وتحصل على حقوقها الإنسانية في الحياة الكريمة.

كما أن تطبيق الإسلام بنفسه يستحق منا هذا الكفاح السياسي والثوري, وبدونه لا يمكن للأمة أن تملك حريتها وإرادتها في التعبير عن فـكرها وقـدرتها الذاتية وتطورها نحو الكمال الإنـسانـي والمـادي والمعنـوي (5).

وفي نفس المصدر السابق كتب الشهيد عن استراتيجية العمل ما يلي:

(لابد لكل عمل من استراتيجية وتخطيط عام يسعى ضمنها لتحقيق أهدافه, ويبدو من خلال ملاحظة الساحة العراقية وظروفها المختلفة أنه لا يمكن اتباع أسلوب الثورة الشعبية الجماهيرية الذي اتبع في إيران لإسقاط النظام الشاهنشاهي وإقامة حكم الإسلام، إلا إذا حصلت متغيرات جديدة.

ومن هنا نرى أن الاستراتيجية تتحدد في تكوين جيش مدرب على الجهاد والكفاح, يكون مستقلاً في تكوينه ومرتبطاً بالإطار العام للعمل الذي هو (المرجعية الدينية السياسية) ولا يسمح فيه للفعاليات الفئوية والحزبية، وإن كان من الجائز أن تنتمي إليه عناصر حزبية وفئوية، على أن تكون مرتبطة عسكرياً بقيادته المستقلة.

ويقوم هذا الجيش بالعمل ضمن خطين رئيسيين:


الأول:

العمل القتالي الذي يزعزع أجهزة النظام, وذلك بضرب شخوصه ورموزه وعناصره المرتدة, وكذلك ضرب مؤسساته العسكرية ومصالحه الاقتصادية والسياسية في الداخل والخارج لتحقيق ما يلي:

1 ـ كسر حاجز الخوف عند الأمة تدريجياً وتعبئتها في مواجهة النظام.

2 ـ إدخال الرعب في أجهزة النظام وجعله عاجزاً عن أداء دوره الخبيث في قهر الأمة وإذلالها.

3 ـ إبقاء جذوة الصراع مشتعلة لدى الأمة في مواجهة النظام, ويمكن بعد كسر حاجز الخوف توجيه الأمة نحو الانتفاضة الشعبية لإسقاط النظام وتحطيمه.


الثاني:

حرب التحرير الشعبية, حيث يعمل على تحرير الأرض العراقية تدريجياً, وإسقاط النظام, وتخليص الشعب من هذه الطغمة الفاشية الكافرة.

لما كان حكم الطاغوت صدام التكريتي يهدد الأمة في عقيدتها واستقلالها, لأنه تبنى الأفكار الجاهلية وارتبط بالامبريالية العالمية وعمل لتحقيق مصالحها ومخططاتها في المنطقة، فالصراع معه يمثل ـ في الحقيقة ـ صراعاً مع الكفر ودفاعاً عن العقيدة الإسلامية واستقلال الأمة الفكري والسياسي الاقتصادي, والصراع معه يمثل ما يسميه الفقهاء بـ (الجهاد الدفاعي) الذي يفرض على الأمة بكل قطاعاتها وجوب الدفاع عن (بيضة الإسلام) واستقلال الأمة وكيانها.

كما أنه بدأ بالعدوان على المسلمين فقتل العلماء والصالحين, وهتك الحرمات والمقدسات، وأخرج الناس من ديارهم, وعذب وشرد المستضعفين، وفي مثل هذا الصراع يجب استعمال كل الأساليب المشروعة مهما بلغت من العنف والقوة والفاعلية ما دامت تنفع في طريق الوصول إلى الأهداف الكبرى في الاستقلال والحرية، وتطبيق حكم الله في الأرض {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُـوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْـرِهِمْ لَقَدِيرٌ}(6).

وعـن إطـار العـمل وقـيادتـه, كتـب الشـهيد السـيد محـمـد بـاقـر الحكيم (قدّس سرّه): (لا بد لكل عمل جهادي من قيادة واعية مدركة وقادرة على الحركة واتخاذ القرارات واستقطاب العناصر الكفوءة.

وهذه القيادة قد تكون فرداً متصفاً بالشروط الآتية، كما هو المعروف في تاريخ خط الأنبياء والأئمة والعلماء، وقد تكون جماعية. وفي البداية, ونظراً للظروف الحالية في الوقت الحاضر, يستحسن أن تكون القيادة جماعية تتبع نظام الشورى، وذلك لجمع الطاقات والقدرات، واختبار الصبر والصمود، ومراعاة للتعددية في القوى الإسلامية الموجودة في الساحة العراقية.

تمثل المرجعية الدينية (المتمثلة بالمجتهد العادل, المدرك لدوره في الحياة الإنسانية والدينية، الخبير بشؤون الحياة وإدارة الأمور، والذي يتصف بالشجاعة والحكمة) امتداداً لخط الأئمة (سلام الله عليهم) حيث إن هذا المجتهد هو النائب للإمام في الشؤون الاجتماعية, وهو الولي لشؤون الأمة, وقد كان دوره ـ في الأجيال المتعاقبة ـ دور الحافظ للأمة من الانحراف والضلال, والساعي لتحقيق الاستقلال الفكري والسياسي, والمدافع عن حقوقها.

والتاريخ القديم والمعاصر يحدثنا عن نماذج مختلفة لهؤلاء العلماء المراجع (القادة) الذين كان لهم دور كبير في حياة الأمة، انسجاما وتأسياً بدور الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، كما أنهم تعرضوا في مختلف العصور إلى ألوان من الأذى.

ومن هذا المنطلق نرى أن الارتباط السياسي بالمجتهد العادل العارف بشؤون الحياة ضرورة شرعية من ضرورات العمل الجهادي، وأن هذا الارتباط يشكل الإطار الصالح لكل عمل إسلامي لكي يكون هذا الارتباط الأداة الحقيقية لحفظ العمل من الانحراف من جهة، ويكون قادراً على استيعاب أوسع الجماهير الإسلامية, وتجنيد كل طاقاتها من أجل الإطاحة بالطاغوت من جهة إقامة حكم الإسلام من جهة أخرى.

إن آية الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدّس سرّه), الذي انطلق بالثورة الإسلامية في العراق, وسار في نفس الطريق الذي سلكه الإمام الخميني (قدّس سرّه) من قبله، يعتبر مثلاً حياً ونموذجاً رائعاً يقتدى به في الساحة العراقية سواء في فكره الإسلامي الأصيل, أم في تضحياته الكبيرة في سبيل الإسلام، أم ثباته في المواقف واتخاذ القرارات، الأمر الذي أدى به إلى الاستشهاد مع التصميم والعزم على السير في الطريق إلى النهاية السعيدة.

من خلال المبادئ التي أشرنا إليها يتبين لنا أن من الضروري أن يكون العمل الإسلامي والسير في اتجاه تحقيق الثورة الإسلامية في العراق كله في إطار (المرجعية الدينية السياسية)، ولكن يؤكد هذه الضرورة مجموعة من الملاحظات للساحة العراقية:

أ ـ إن المرجعية الدينية السياسية هي الإطار القادر على استيعاب أوسع الجماهير بعد أن نلاحظ بعض العوامل التاريخية والفكرية، فقد كانت الأمة مرتبطة دينياً بقيادة العلماء ومرجعيتهم لأنها هي الامتداد لقيادة الأئمة (عليهم السلام)، كما أنهم نواب الأئمة (عليهم السلام) دينياً، فلهذا الإطار جذور في التاريخ الفكري السياسي, حيث يرتبط بفكرة (ولاية الفقيه)، والحاكم الشرعي، ودور المجتهد في حياة الأمة.

والعلماء ـ بصورة عامة ـ في نظر الأمة، عناصر نظيفة ومخلصة, ويتضاءل فيهم احتمال الخيانة أو المصلحة الشخصية، والسر في هذه الرؤية هو التجربة الطويلة للأمة مـع العلماء الذين وجدت فيهم القيادة المخلصة الورعة التقية البعيدة عن مطامع الدنيا وشهواتها.

وليس لدى الأحزاب القدرة على هذا الاستيعاب والشمول, مهما كانت لديها القدرة العلمية والفكرية، إذ توجد قطاعات واسعة من الأمة لا تسمح لها ظروفها النفسية والثقافية والاجتماعية بالارتباط بهذه التنظيمات أو التعامل معها. ولا سيما في النظرة العامة لثقافة أتباع أهل البيت (عليهم السلام).

ب ـ إن الواقع التاريخي أثبت قدرة العلماء على قيادة الأمة بكل مذاهبها وقومياتها, كما حصل ذلك في الجهاد لصد الغزو العسكري الانجليزي في العراق.

ولا شك أن الثورة الإسلامية في إيران بقيادة العلماء, وتصدي المرجع السيد الشهيد الصدر لنظام الطاغوت (صدام) له الأثر الكبير في هذا التحرك الواسع الذي حصل في الساحة العراقية في هذا الاتجاه، كما يؤكد قدرة هذا الإطار على الاستيعاب.

ج ـ إن هذا الإطار (المرجعية السياسية الدينية) هو الأطروحة الوحيدة التي تصلح لرص صفوف القوى الإسلامية المختلفة المتواجدة في الساحة العراقية, ودفع بقية القوى بهذا الاتجاه, وإلا فستبقى الساحة تعيش حالة من التمزق الفئوي والحزبي والتشرذم في العمل.

ويجدر بنا أن نشير إلى أنه ليس المقصود من طرح هذا الإطار إذابة كل الفئات والتنظيمات الإسلامية ضمنه، بل المقصود أن يصبح إطاراً للتعاون بينها, ورمزاً للتعبير عن وحدتها، وتوجيهها مع جماهير الأمة إلى تحقيق الأهداف الرئيسية والتغلب على حالة التمزق الأخلاقية الفئوية فيها.

ولا بد أن نشير إلى ضرورة الانفتاح العملي من قبل المرجعية الدينية السياسية على جميع التنظيمات والأحزاب الإسلامية في الساحة العراقية، ولاسيما ما كان لها انتشار واسع، من أجل توظيف كل القوى في الاتجاه المطلوب وهو إسقاط النظام وإقامة حكم الإسلام، وذلك من خلال النقاط التالية:

أ ـ إبقاء الحوار معها من أجل الوصول إلى الصيغ العملية المناسبة والقواسم المشتركة.

ب ـ التعامل معها بروح موضوعية ومن منطلقات الإيمان بالقضية والمصلحة الإسلامية العليا، وحسن الظن بإخلاصها، والاعتراف بحدودها الواقعية في الساحة العراقية.

ج ـ الاهتمام بصورة خاصة بقواعد هذه الفئات, من الكادر المتصدي, أو الجمهور المرتبط بها, ومد الجسور معها على مستوى العمل والمساعدات المادية والمعنوية والعطاء الفكري، كما أوصى الشهيد الصدر بذلك.

وأخيراً لا بد أن نشير إلى ضرورة أن يكون الوجه العام للعمل عراقيا,ً مراعاةً لظروف الساحة العراقية السياسية, وقدرة التفاعل معها بجدية والأوضاع السياسية الداخلية والإقليمية والدولية, وهذا يعني أنه لا بد من تقديم كل عنصر عراقي على غيره, وتحمله للمسؤولية إذا توفرت فيه الشروط اللازمة للعمل) (7).

وكتب الشهيد السيد الحكيم، وبعد أن ثبّت دور وأهمية المرجعية الدينية، عن أهمية الإصلاح في الحوزة العلمية، وأهمية الانطلاق بالإصلاح من النظرية الإسلامية عقائدياً وسياسياً واجتماعيا,ً وأهدافها ومن قضايا الأمة الرئيسية المعاشة وهمومها العامة الفعلية ذات العلاقة بتلك الرؤية.

وأشار إلى الحركة الإصلاحية في الحوزة العلمية التي كانت تريد للحوزة ومؤسساتها أن تتحول إلى إطار عام للعمل الإسلامي يستوعب أوساط الأمة كلها تنظيماً، وفي نفس الوقت تتبنّى هموم الأمة وقضاياها المصيرية وتعمل من أجل إصلاح المجتمع والأوضاع العامة للأمة بكل مفرداتها ومصاديقها.

كتب يقول:

(أما على مستوى الإطار والشكل التنظيمي فنجد النقاط التالية:

1 ـ اعتماد نظرية الفقيه والحاكم الشرعي في القيادة الإسلامية، المتمثل بالمجتهد العادل الجامع للشرائط، حيث كان المراجع الدينيّون يلتزمون بهذه الولاية بمستويات مختلفة, ويستندون فيها إما إلى النصوص الدينية من الكتاب والسنّة، أو إلى العقل ودليل الحسبة وضرورة إقامة الحكم الإسلامي حفاظاً على كرامة الدين وعزته وعلى عقيدة المسلمين، وأن الفقيه يمثل القدر المتيقن الذي يتولى ذلك، كما أنهم كانوا يمارسون هذه الولاية والدور عملياً في حدود المجالات التي تنالها يد الفقيه وقدرته.

2 ـ المرجعية الدينية هي الإطار الأفضل للعمل الإسلامي ونشاطاته، وهو إطار تنظيمي يعتمد على العلاقات المباشرة مع الأمة من ناحية, وتربية وإعداد الحَواريين والمصطفين ليقوموا بدور تنظيم الأمة وتوعيتها وإيجاد النوع والمستوى الآخر من العلاقات والارتباط.

3 ـ الوسط الحوزوي والوكلاء وأمثالهم, يشكلون حلقة الوصل الطبيعية الأخرى غير المباشرة بين الأمة والقيادة الإسلامية، ويمكن للمؤسسات الأخرى كالجمعيات والمنظمات ذات الأهداف المختلفة القيام بهذا الدور أيضاً في أوساط معينة وتجاه أهداف محدودة.

4 ـ استقلالية المرجعية الدينية وأجهزتها عن الحكومات والأنظمة من ناحية, وعن التأثيرات الخارجية سواء كانت قوى محلية, أو كانت تنظيمات حزبية, أو غير ذلك من المؤثرات والضغوط، وذلك من أجل الاحتفاظ بالقدرة على اتخاذ القرار الصحيح, والإبقاء على قدسية المرجعية ونقائها بعيداً عن الظنون والريب والشكوك.

وأما على مستوى الهموم والأهداف والقضايا المصيرية، فيمكن أن نلاحظ النقاط التالية:

1 ـ تعبئة الأمة روحياً وسياسياً للمشاركة والمساهمة الفعالة في عملية الإصلاح العامة وإخراجها من عزلتها النفسية والسياسية المفروضة, وقد فرضت عليها هذه العزلة لعدة أسباب نذكر منها:

أ ـ التراكمات التاريخية للحكومات الجائرة المستبدة, وخصوصاً الحكم العثماني في العراق, حيث أصبحت الأكثرية لأبناء الشعب العراقي، وهم من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يعيشون في عزلة تامة عن العمل السياسي العام لأنهم كانوا يعيشون ويعامَلون معاملة الأقليات المضطهدة في الدولة العثمانية.

والأقليات ـ في أحسن حالاتها ـ تفكر في تنظيم وإصلاح أوضاعها الخاصة, والتعايش الإيجابي مع الحكم والأوضاع العامة, لشعورها ـ عادة ـ بالعجز في قدرتها على الإصلاح في المجال العام.

ب ـ تداعيات الإحباط الشعبي العام بعد فشل (ثورة العشرين) حيث كان أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ـ وهم الأكثرية ـ هم الذين قاموا بالثورة وتحملوا تضحياتها وآلامها، وكان نصيبهم منها هو المطاردة والتشريد لقادتهم وعلمائهم، والحرمان سياسياً وثقافياً واقتصادياً لجماعتهم, والإبعاد عن الإدارة والحكم والمواقع الحساسة، وذلك تحت ضغط السياسات الاستعمارية للبريطانيين ونفوذهم السياسي.

ج ـ عدم وجود الرؤية السياسية الشاملة للأوضاع الاجتماعية وملابساتها وظروفها والقوى المؤثرة فيها، حيث كان التصور السائد آنذاك أن البديل الطبيعي للحكم الأجنبي هو قيام حكم إسلامي وطني يضمن الحقوق الطبيعية لجميع أبناء الأمة, شيعة وسنة وعرباً وأكراداً وتركماناً وفرساً وأقليات أخرى، ولكن العلماء عندما وجدوا أن هناك بديلاً آخر للحكم الأجنبي الكافر المباشر, وهو الحكم الأجنبي غير المباشر, من خلال الوصاية والمعاهدات، بدأوا يتراجعون في حركتهم الإصلاحية بمجرد تكشف الأوضاع السياسية عن هذه البدائل الأخرى, والأهداف الخبيثة, وأساليب المكر والخداع للانجليز وعملائهم المحليين.

ولا شك أن التعبئة العامة للأمة سياسياً وروحياً لها دور أساس في إيجاد الإصلاح وإحداث التغيير, لأن الأمة هي الموضوع والأداة لهذا التغيير والإصلاح.

2 ـ الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي الكبرى: مثل قضية الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية لقوى الكفر الدولي والاستكبار العالمي, التي نسميها بالاستعمار.

ومثل قضية المحافظة على وحدة الأمة الإسلامية أو العربية على الأقل سياسياً, ومحاولات الاستكبار العالمي لزرع الشقاق والاختلاف والصراع بين أطراف العالم الإسلامي والعالم العربي، كل ذلك بعد سقوط الدولة الإسلامية الواحدة.

ومثل قضية فلسطين ومحاولة اقتطاع هذه المنطقة الحساسة من العالم الإسلامي والعربي, وتغيير هويتها لأسباب وأهداف عديدة ترتبط بالهيمنة الأجنبية, والاستضعاف للمسلمين, وفرض الإحساس بالضعف والدونية والتبعية على الأمة الإسلامية.

ومثل قضية الغزو الثقافي العقائدي من خلال حملات التبشير بالمسيحية الغربية والشرقية، والفكر الوجودي اللاديني، والتحلل الأخلاقي، أو الغزو الثقافي السياسي, من خلال التيارات الفكرية السياسية الماركسية، أو الرأسمالية الغربية، أو الاشتراكية، أو القومية العنصرية وغيرها من الحركات الفكرية.

3 ـ المحافظة على الوعي الديني والالتزام العقائدي والسلوكي في أوساط الأمة الإسلامية الواحدة، مثل المحافظة على العلاقات الداخلية بين الجماعات المتعددة للأمة، مثل العلاقة المتكافئة بين السنة والشيعة, خصوصاً في ظل التحولات الجديدة في الأوضاع الاجتماعية, حيث برزت الحاجة الملحة إلى تطوير هذه العلاقات إلى علاقات تفاهم وتعاون لتحقيق الأهداف المشتركة.

أو قضية تطوير الوعي الديني للمناطق المستضعفة دينياً في أطراف العالم الإسلامي, التي وصلت إلى مستويات دنيا من التخلف والضياع, وأخذت تتعرض إلى أخطار الارتداد عن الإسلام, أو الجماعات المسلمة التي كانت تعيش المحاصرة, أو العزلة الثقافية والسياسية المفروضة بسبب ظروف الاضطهاد والقهر المذهبي والديني، وكذلك رعاية الحركة الإسلامية والدفاع عن وجودها, وغير ذلك من الشؤون.

4 ـ المطالبة بالحقوق السياسية والمدنية المهضومة للأكثرية الساحقة لأبناء الشعب بسبب الاستبداد الطائفي أو القومي أو السياسي، ومحاربة الظلم الاجتماعي والتمييز العنصري والطائفي, والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، والرفاه الاقتصادي، والحريات العامة، وتطبيق الشريعة الإسلامية في المجالات الاجتماعية، وخصوصاً بعد أن تحولت الأنظمة التي أقامها الاستعمار العسكري والسياسي إلى حكومات تدعو إلى تطبيق الأنظمة الوضعية الأوربية وتقليص دور الشريعة الإسلامية في الحياة العامة.

5 ـ تطوير مناهج التربية والتزكية والتعليم والتثقيف العام, بما يتناسب والأوضاع المدنية الجديدة, والتطور العلمي للمضمون الثقافي وللأساليب والوسائل، وذلك في مجالات المدارس والمساجد والأماكن الدينية، كالعتبات المقدسة، والحسينيات، والتكايا، والمنبر الحسيني, والمراكز الثقافية، والمكتبات، والاحتفالات، والكتاب، والمجلة، والصحيفة، وقنوات الإعلام العامة، وغيرها من الوسائل.

6 ـ المحافظة على العلاقة الروحية والمعنوية والعلمية, بين الحوزة العلمية ومؤسساتها الدينية والثقافية ونشاطاتها الاجتماعية من ناحية، والأوساط المثقفة الجديدة في الأمة, كالجامعات والمراكز العلمية والخريجين والطلبة والمعلمين والكتاب والباحثين والأدباء وغيرهم, من ناحية أخرى)(8).

وبنفس اهتمام الشهيد بالمرجعية الدينية والحوزة العلمية كمفردة أساسية مهمة في منهجية التحرك السياسي، أولى اهتماماً كبيراً لدور الأمة في الحكم والحياة الاجتماعية، فكتب يقول:

(ومع ذلك يمكن أن نلاحظ الأبعاد التالية لدور الأمة في الحكم والحياة الاجتماعية:

الأول: انتخاب القيادة الإسلامية التي تمثل المرجعية الفكرية والسياسية والعسكرية الجهادية العامة، وتقوم بالإشراف العام على سلامة المسيرة التنفيذية، وذلك من خلال قيام الأمة بتشخيص وتعيين الفرد الواجد للمواصفات الموضوعية المطلوبة في هذه القيادة عن طريق أهل الخبرة الذين تنتخبهم الأمة لهذا المهمة.

ويبقى هناك مجال للبحث العلمي في أن حق هذه الولاية والقيادة للواجد للصفات، هل هو حق إلهي وضعه الله تعالى للخط العام الجامع للصفات, وهم الفقهاء والعلماء, وأوكل تشخيص المصداق للإنسان، كما تدل عليه الآية السابقة(9). أو أن ذلك حق الجماعة البشرية أوكلته لهذا الإنسان، لأن الله تعالى شرط على الجماعة ذلك؟

ويبدو الفرق بين هذين الاتجاهين في الولاية المطلقة على الاتجاه الأول, والولاية المقيدة بالقيود التي يضعها الناس لها، مضافاً إلى القيود الإلهية على الاتجاه الثاني.

الثاني: اختيار وانتخاب الإدارة التي يوكل إليها إدارة الأمور الحياتية التفصيلية للناس وتطبيق السياسات والقوانين العامة والخاصة، وهي مساحات الجواز وتقديم الأولويات.

الثالث: تقديم المشورة لمعرفة الواقع وتشخيص المصالح والمفاسد العامة ذات العلاقة بهذا الواقع الموضوعي، فإن الحاكم وإن كان مقيداً بالحكم الشرعي الذي يحدد المصلحة الواقعية، ولكن في موارد رعاية ملء منطقة الفراغ ومساحات الجواز أو في موارد تطبيق الحكم الشرعي, لا بد له من رعاية المصلحة الواقعية ذات العلاقة بمصالح الناس وحياتهم، ويمكن للأمة أن تشير على الولي والحاكم بذلك، وكان هذا الدور مما تقوم به الأمة في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهذا الدور الأساس الذي يقوم به مجلس الشورى الإسلامي وهيئة الدولة.

الرابع: الرقابة العليا على سلامة المسيرة العامة وعلى حسن الإجراء والتطبيق، أي الرقابة على القيادة والإدارة معاً، حيث إن للأمة حق الرقابة على حسن الالتزام من القيادة بالأحكام الشرعية، وعلى سلامة المسيرة العامة في الجانب الإداري، وعلى حسن الإجراء والتطبيق.

الخامس: الدعم والإسناد للقيادة والإدارة لتحقيق القدرة على التطبيق من خلال الطاعة والبيعة لها، وإعداد القوة والتعبئة العامة التي تعبّر عن مظهر من مظاهر الطاعة والالتزام للقيادة، كما أن الهدف من هذه الطاعة والولاء هو تجسيد القوة من ناحية، ووحدة المجتمع الإسلامي من ناحية أخرى، ولذا أصبح الإيمان بهذه الولاية والطاعة لها من أهم الأركان العبادية.

ويمكن أن نجد الضمانات الواقعية التي وضعها الإسلام في الأمور التالية:

أ ـ المواصفات الموضوعية التي تم اشتراطها في القيادة, سواء كانت في العلم بالإسلام، أم العلم بالحياة الاجتماعية والسياسية، أم في مستوى مواصفات التقوى والالتزام والتقيد بالحكم الإلهي، أم المصلحة الواقعية للجماعة، أم في مستوى المواصفات الشخصية كالشجاعة والحكمة وحسن التدبير.

وهذه الضمانة تعتبر أهم الضمانات الواقعية، والتي اختصت بها الرسالة الإسلامية, واهتم بها الدستور الإسلامي، حيث إنها لم تكتف بالضمانات التشريعية وحدها، وإنما وضعت إلى جانبها ضمانات واقعية تعتمد على المواصفات والالتزام الأخلاقي والمواثيق الإلهية وحرصت على التأكد من وجودها.

ب ـ العلاقة المباشرة مع الأمة من خلال اللقاءات العامة والخاصة, والقنوات الشعبية, كالعلماء والوكلاء وأئمة الجمعة، أو نصب الممثلين في الدوائر الحساسة والعامة، أو الرسائل والتقارير، ولهذه العلاقة المباشرة آثار سياسية واجتماعية كثيرة, وهي علاقة تميزت النظرية الإسلامية بتأكيدها، وتجعل القيادة تحت رقابة الأمة بصورة واقعية وطبيعية ومسؤولة أمامها بعد الله تعالى من جهة، كما تجعل القيادة قادرة على تعبئة الأمة وتوثيق العلاقة بالحكم والإدارة.

ج ـ الالتزام بمنهج ومبدأ الاستشارة والرجوع للأمة بمختلف قطاعاتها العامة في جميع المجالات العامة والخاصة، لتشخيص الواقع والحاجات والمصالح، وهذا المبدأ يعد من أهم المبادئ الإسلامية التي وردت فيه النصوص الكثيرة ومنها النص القرآني السابق، وله أبعاد عديدة تناولناها بالتفصيل في كتابنا: الحكم الإسلامي.

د ـ حرية التعبير عن الرأي, والنقد, وإيجاد الفرص المنظمة وغير المنظمة لتجسيد هذه الحرية مع الالتزام بالمسؤولية، وبذلك تفترق هذه الحرية عن الحرية الديمقراطية كما أشرنا إلى ذلك في بحثنا عن الحرية في الإسلام.

هـ ـ الولاء السياسي الديني المقرون بالحب والتقديس والميثاق للقيادة, الذي يعبّر عـن الطاعة والانقياد الذي يقوم علـى أساس الإيمان بالله والانقياد للحكم الشرعي, كما أنـه في الوقت نفسه يعبّر عـن التزام وعهد وميثاق ونصرة للقائد، وهو المسمى بـ (البيعة).

ومن أجل تجسيد هذه الضمانات عملياً لا بد من إيجاد المؤسسات الدستورية التي تتطابق مع هذه الضمانات لتصبح هذه الضمانات مقننة وليست مجرد ضمانات واقعية، وهذا جانب آخر من البحث تناولناه في بحثنا حول (دور الأمة في إدارة الحكم في خلال رؤية الدستور الإسلامي) (10).


المشروع السياسي العسكري لمستقبل العراق

وضمن هذا العنوان الهام من عناوين التحرك السياسي، كتب الشهيد السيد الحكيم:

(لابد لأي حركة سياسية تريد الوصول إلى أهدافها أن يكون لديها منهجية عمل واستراتيجية تتضمن تصوراتها الحالية والمستقبلية، فالمشروع السياسي العسكري الذي تبنيناه وعرضناه, حاولنا جمع أطراف المعارضة عليه, وأثبتنا صلاحيته بالتوضيحات والأدلة والبراهين، ونحن سائرون في دربنا ونهجنا, ولدينا العزم على مواصلة الطريق، وعندما تلتف المعارضة العراقية حول هذا المشروع ـ وهذا ضمن سعينا وأملنا ـ ففي هذه الحالة تكون هناك قفزة كبيرة في مواجهة النظام وإسقاطه، وخصوصاً أن الأمة والشعب مستعدان للبذل والعطاء والقتال، وأُلخص ما تضمنه هذا المشروع بالنقاط التالية:


أولاً ـ الأمة:

يجب الاستمرار بحركتنا الجهادية توسيع التشكيلات الجهادية في الداخل من أجل إضعاف النظام, خصوصاً أنه الآن يفقد سيطرته على الجنوب والشمال, وأيضاً بدأ يفقد سيطرته الكاملة حتى على الوسط، وواجه النظام حقائق الرفض الجماهيري للشعب.

نحن نفهم ما في قلوبهم، إنهم يخشون المعارضة, لأنهم يرون ويسمعون كل يوم عمليات جهادية, وهم يتلقون كل يوم ضربات هنا وهناك, دون أن يتمكنوا من السيطرة على الوضع الأمني, لأن هذه الضربات ليست محددة بشخصية أو جماعة أو فئة معينه، بل إن كافة الأمة والشعب تقوم بهذه الأعمال الجهادية, وعندما أقولُ هذا, لا يعني أن نضع رأسنا على وسادة، كلا، بل يجب علينا أن ننصر شعبنا, وأن نواصل هذا الطريق في حركة دائمة في تحقيق أهدافنا، وأن لا تنتابنا حالة الغرور والاتكال على الآخرين، وهذه الحقيقة لا يستطيع أحد نكرانها, بل اعترفوا بها بعد أن أوضحتها بالأدلة والشواهد والأرقام، فالأمة ودورها وجهادها أصبح حقيقة واضحة تفرض نفسها على الواقع الداخلي والخارجي.


ثانياً ـ الجيش:

فالتكامل بين الجيش والشعب واقع لا بد منه, لأن أفراد هذا الجيش من أبناء الشعب, ولم يكن هذا الجيش مستورداً من الخارج، وكما أن وجود العناصر المجرمة في الجيش لها بالمقابل وجود في الشعب، وبهذا التكامل سوف ينهار النظام ويواجه المصير الأسود الذي ينتظره.

وبالرغم من وجود بعض العناصر, من أعداء الحركة الإسلامية, التي تضع العراقيل بوجه الاتصال بالجيش, ويتصورون أنهم بعملهم هذا يقفون في وجه الإسلام ويمنعونه من الوصول إلى أهدافه، لكن الذي لمسناه, ولدينا الثقة به، هو تجاوب الجيش معنا لأنه يثق بالإسلاميين.


ثالثاً ـ المعارضة العراقية:

نحن نؤكد ونسعى إلى وحدة المعارضة العراقية بكافة فصائلها، فمن أراد سقوط صدام يجب أن يتحد مع الآخرين, ومن لم يرد ذلك فإنه يريد بقاء صدام في الحكم ليذبح أبناء العراق، ونرى أن تُبنى وحدة المعارضة العراقية على أسس ثابتة، من أهمها أن يكون للأمة حق اختيار الحكم والحاكم، وكان سعينا على هذا الأساس, وتمكنا بجهد ثلاث سنوات أو أكثر أن نخطو بالمعارضة العراقية خطوات كبيرة في سبيل وحدتها، ولكن ظهرت بعض المستجدات كتطور حالة المعارضة في الداخل من حالة محددة في مجموعات معينة إلى حالة جماهيرية واسعة، وهناك كثير من الشخصيات التي كانت لا تعارض النظام أصبحت تعارضه، كذلك كان بالأمس أناس غير متصدين للنظام أصبحوا اليوم في مواجهته، فهل نمنع هؤلاء من معارضة النظام والتصدي له؟ طبعاً لا، وإنما نقول لهم: أهلاً وسهلاً، ونرحب بهم، وبكل من يعارض النظام ويسعى لإسقاطه، ولكن نضع أمامه الأُسس التي نؤمن بها، وهذا هو منطقنا ومنهجنا في العمل.


رابعاً ـ التعاون مع دول المنطقة:

العراق دولة لها علاقات مع دول المنطقة, ولا يمكن أن يكون في يوم من الأيام بمعزل عن الحياة الإقليمية والدولية، خصوصاً أن الدول المجاورة للعراق دخلت معه في أوضاع ومشاكل كثيرة، كالحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات وما رافقها من تبعات، وغزو الكويت وتهديد والسعودية, وما رافقها من حرب مدمرة، وكذلك سوريا والمشكلة القائمة مع النظام الحاكم طيلة عشر سنوات، وتركيا وقضية الأكراد، وأنابيب النفط التي تمر عبر السعودية وسوريا وتركيا.

فعلينا أن نرتب الوضع الإقليمي بطريقة صحيحة بحيث يخدم قضية شعبنا, وندرأ الأخطار التي يمكن أن تحدث إذا لم نتخذ المواقف الإقليمية الصائبة، ولكن لا يتحول العراق إلى ميدان للصراع بين هذه الدولة أو تلك, أو هذا الحزب أو ذاك, أو هذه المجموعة أو تلك، فنحن ندرك ذلك, ونسعى بجد إلى ترتيب العلاقات الإقليمية من أجل خدمة شعبنا.

فعلينا أن نكون بمستوى المسؤولية لدفع هذه الأخطار، ومن اهتماماتنا الأولى في هذا المشروع التعاون الإقليمي. وبحمد الله بعد جهد دؤوب, ولعدة أشهر, توصلنا إلى نتائج إيجابية في هذا الإطار، فقد تم عقد اجتماعات ثنائية وثلاثية ورباعية بين الدول الإقليمية, ومن المقرر أن تستمر لكي لا يكون العراق طعمة سائغة لهذا البلد أو ذاك, أو منطقة صراع لدول المنطقة والآخرين.


خامساً ـ التحرك الدولي:

ويتمثل بالتحرك على مستوى المنظمات الدولية، وعلى مستوى الرأي العام العالمي, من أجل إيصال قضية هذا الشعب ومظلوميته، وقد بذل أشخاص مجهولون جهوداً وأتعاباً كبيرة منذ سنين, ونرى اليوم نتائج هذه الأعمال الخيرة واضحة, من قبيل إصدار قرارات دولية من الأمم المتحدة لصالح الشعب العراقي, رغم أنها لم تنفذ لحد الآن, لكننا بعون الله سنسعى إلى تنفيذها. وإن قرارات الأمم المتحدة تحتاج إلى تمهيدات كثيرة لإصدارها وتنفيذها, من قبيل إرسال الوفود, وتقديم التقارير, والمستندات والوثائق والشهود, فلا يتصور البعض أن المسألة بسيطة، فمثلاً, عندما التقينا بديكويلار كان لديه تصور كامل عن مجمل التقارير والوثائق والمستندات التي قدمناها له, وذكرته ببعضها, من قبيل عدوانية النظام على جيرانه، وإذا لم يردع هذا النظام فإنه خطر يهدد المنطقة والعالم.

فنحن بحاجة كبيرة إلى حركة شعبية كبيرة مساندة, وإلى وحدة صف المعارضة العراقية, وإلى التحرك الإقليمي الذي يسندنا في مواقفنا السياسية, لكي يمكننا من إصدار قرارات لصالح الشعب العراقي, وتنفيذها من خلال مساعدة الدول المجاورة، من قبيل عمليات الإغاثة للشعب العراقي, وإيصال المواد الغذائية والطبية إليه, أو من قبيل إيجاد مناطق آمنة في العراق, أو غير ذلك مما يحتاج إلى حركة دؤوب على كافة الأصعدة والمستويات.


متطلبات الوضع الراهن لتغيير النظام

يجب السعي في هذه المرحلة لتحقيق بعض المتطلبات, وتحتاج منا إلى السعي والجهد المتواصل, من أجل توليد ضغط سياسي وعسكري, وعلى المستويين الداخلي والخارجي للتعجيل في تغيير وإسقاط النظام الحاكم, ومن أهم هذه المتطلبات:


1 ـ إيجاد منطقة آمنة:

إن بذرة هذه المنقطة موجودة الآن سواء في الشمال أم الجنوب، ويجب أن نسعى إلى توسيع هذه المنطقة الآمنة وتقويتها وتطهيرها من أزلام النظام، وعندما نحقق ذلك لأبناء شعبنا في الداخل نكون قد تمكّنا من تقديم خدمة لهم بحمايتهم من عنف قمع النظام، والمجاهدون يتحملون المسؤولية الكبرى في تحقيق هذا الهدف, خصوصاً أن الظروف السياسية مناسبة، حيث لم يكن ممكناً تحقيق ذلك في الماضي بسبب تهديدات النظام باستخدام أسلحة الدمار الشامل كالأسلحة الكيمياوية والجرثومية وغيرها, أو القيام بعمليات واسعة من الإبادة.

ونعتقد أن تحقيق هذه المنطقة يكون بأسلوبين:

أ ـ إيجاد ضغط جهادي مستمر في الداخل على النظام, يمنع من فرض سيطرته على الشعب, بعد أن تمكن الشعب من تحطيم حاجز الخوف وكسر القيود والأغلال.

ب ـ القيام بعمل سياسي منظم في الداخل, لاستيعاب الأوضاع النفسية والسياسية والثقافية, ويكون غطاء مناسباً للعمل الجهادي المذكور.

ولا بد لهذا العمل السياسي المنظم من أن يتبنى طرحاً سياسياً واضحاً, يتفاعل مع حاجات الشعب ومتطلباته, ويطرح قضية المطالبة بالحقوق السياسية للشعب كأهم قضية, مثل الحرية والاستقلال والمشاركة في القرار السياسي وإدارة البلاد والأمن والاستقرار وغير ذلك من الحقوق الأساسية.


2 ـ القصاص العادل من المجرمين:

ويتم ذلك بتشخيص العناصر التي ارتكبت الجرائم الوحشية بحق الشعب تشخيصاً دقيقاً، ومن ثم التحقيق في الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب بصورة دقيقة, وبعد إجراء التحقيق القانوني تتم تصفيتها، ويجب أن لا تجرى عمليات القصاص عشوائياً دون دراسة, لأن ذلك يترك انعكاسات سلبية على سمعة الحركة الإسلامية، إذ لا يصح تصفية كل من ينتمي للدولة ومؤسساتها, أو حتى للحزب, فإن الكثيرين منهم ليسوا مع النظام، فلقد رأينا النظام اعتمد في أيام الانتفاضة على مجموعة من العناصر المجرمة للوقوف بوجه أبناء الشعب, ولم يعتمد على الجيش كجيش، لأنه لم يقف معه, ولا يصح الوقوع في التقييم الخاطئ الذي ينظر إلى الجيش عامة بأنه عدو للشعب، ويقوم أبناء شعبنا في الوقت الحاضر بعمليات القصاص من المجرمين، وفي مناطق كثيرة في العراق, ولكنها تحتاج إلى الدقة في التخطيط والتنظيم.


3 ـ الحاجة إلى مشروع سياسي لمستقبل العراق:

فنحن بحاجة إلى مشروع يرسم الحالة السياسية لهذا المستقبل حسب فهمنا لطبيعة الأحداث، ويجب أن يتبنى هذا المشروع أطروحة سياسية متكاملة تكون البديل الملائم بعد سقوط النظام، وتتوقف الكثير من الأعمال والنشاطات على هذا المشروع البديل، إذ إن هناك سؤالاً كبيراً مطروحاً أمام الشعب والرأي العالمي: ما البديل عن نظام صدام؟ هل هو النظام أو الفوضى؟ الفوضى مرفوضة من قبل شعبنا في الداخل والخارج، وحالة غير مرغوب فيها وليست مقبولة في الأوساط الدولية والإقليمية، ويرفضها كل العقلاء، ولذا فلا بد من أن يتعين البديل لئلا يسقط العراق في فوضى.

فيجب السعي لإيجاد مشروع سياسي واضح ومقبول في الداخل والخارج, وهذا ما يؤمن حقوق كافة قطاعات الشعب بقومياته وأقلياته واتجاهاته, ويحفظ مستقبلها، ولقد عرفنا من خلال تجربة الانتفاضة أن هناك بعض الأوساط تشعر بالخوف على مستقبلها، وقد وقفت إلى جانب النظام وهي غير راغبة فيه، فإذا لم تشعر بالاطمئنان على وجودها السياسي, ولها الدور في مستقبل العراق, فإنها تظل على موقفها السابق, أو تقف موقف المتفرج, وهذا مما يعرقل عملية التغيير بلا شك.

فالمشروع السياسي أمر مهم, ولا بد منه, خاصة في هذا الظروف, ويجب أن يقوم هذا المشروع على أساسين مهمين:

أ ـ استيعاب كافة الحقائق الدينية والمذهبية والقومية وغيرها من الخصوصيات المرتبطة بساحة الصراع.

ب ـ أن يأخذ هذا المشروع بنظر الاعتبار الأوضاع السياسية القائمة في المنطقة والعالم، وأن يضع الحلول الكفيلة لمنع تحول العراق إلى مسرح للصـــراعـات الدوليـــة أو الإقـليـميـة، وبـالتـالي يتــحــول إلى مـا يـعرف بـ (الكانتونات) أو حالة صراع ونفوذ لهذه الدولة أو تلك.


4 ـ التحرك الخارجي:

يجب علينا أن نتحرك من أجل توليد ضغط خارجي على النظام, وعلى المستويين الرسمي والرأي العام العالمي, لإدامة عزل النظام عن المجتمع الدولي، وعندما نطرح محاكمة صدام كمجرم حرب, لا يراد من ذلك المحاكمة القضائية بالمعنى المتعارف عليه، بل يراد من ذلك الطرح عزله سياسياً، بحيث لا يمكن للمجتمع الدولي التعامل معه.


5 ـ العمل العسكري:

وهو القيام بحركة عسكرية في داخل العراق, عن طريق تحريك بعض القطعات العسكرية, للانقضاض على النظام, مع إسناد شعبي واسع لها، أو القيام بحرب تحرير شعبية واسعة لتخليص الشعب من هذا النظام، ويجب أن ننظر إلى هذا الأمر كعملية إنقاذ العراق من هذه المأساة التي يعيشها الآن. فللعمل الجهادي دور عظيم في المستقبل, لأنه هو الذي يشكل الضمانة الحقيقية لكي يفرض الشعب رأيه في الأحداث والمواقف، فلا يمكن أن نخوض حرباً تحريرية بدون هذا الخط الجهادي, ولا يمكن أن يشعر أبناء الشعب بالطمأنينة إلا بوجود قوة فعالة تعمل في الداخل والخارج ضد النظام، لإرغامه على التراجع والانكفاء والوقوف بذلّ أمام الشعب وحركته, وعندما يدرك أزلام النظام وجود هذه القوة الجهادية فإنهم سيغيرون مواقفهم حتماً، وهذا ما حصل بالفعل, حيث بدأوا في كثير من المناطق بالتزلف والتودد للمجاهدين لشعورهم بقوة العمل الجهادي ونفوذه في الوسط الجماهيري. لذلك نعتبر العمل الجهادي الأول في كلّ الأولويات بدون استثناء، ولا يمكن التسامح أو التهاون به(11).


تحليل واستقراء

بالتأكيد إن المطالعة والدراسة الدقيقتين لهذه النصوص والمقتبسات وأخرى غيرها كثيرة مما كتبه أو تحدث به الشهيد المظلوم السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) سوف تعرّفنا بالملامح العامة, وحتى الجوانب التفصيلية, لمنهجية التحرك السياسي التي كان يعتمدها في المرحلة الواقعة بين هجرته إلى خارج الوطن عام 1980م وبين سقوط صنم الطاغية في قلب بغداد في 9 نيسان 2003م، فأهدافه الاستراتيجية تمثلت بالسعي لتعبيد الناس لله تعالى لكي يتخلّصوا من عبودية الآخرين، وذلك من خلال العمل من أجل تحقيق حرية العبادة والمعتقد للمؤمنين, وإقامة النظام الذي أراده الخالق تعالى وضمان حق العيش الكريم للشعب والأمة.

وأهدافه المرحلية تمثّلت بالإطاحة بنظام صدام المتفرعن, والعمل من أجل ضمان مشاركة الشعب العراقي في صنع وتنفيذ ومراقبة القرار السياسي من خلال مؤسسات دستورية مستقرة، والاحتفاظ بقوة الوجود الإسلامي السياسي والثقافي والجهادي في العراق، إضافة إلى التأكيد على قضية الحرية والمطالبة بحقوق المظلومين من العراقيين, وفي طليعتهم أتباع أهل البيت (عليهم السلام) والإخوة الكرد, والكرد الفيلية, والتركمان, والآشوريين وغيرهم.

وللتحرك باتجاه تلك الاستراتيجية والعمل على تحقيق الأهداف المرحلية، طرح منهج التحرك السياسي للشهيد السيد الحكيم، المرجعية الدينية وإطارها العام محوراً لقيادة التحرك والأمة, وبيّن الخصائص الفريدة لهذا الإطار القيادي, ودوره التاريخي وقدرته على استيعاب مختلف الطاقات وتعبئتها في ميدان الصراع, ومن ثم في معركة البناء، ولم يكن مثالياً في نظرته لهذا الإطار، بل طرح تصوراً شاملاً وواقعياً عن أهمية وكيفية إصلاح الحوزة العلمية, وهي البنية التحتية للمرجعية الدينية, وبالتالي ضمان ارتفاع المرجعية الدينية الموجودة إلى مستوى الرسالة والأحداث والتحديات، خاصة وأن أول أهداف سلطة صدام كانت تدمير المرجعية الدينية, والحوزة العلمية, وجهاز الوكلاء, ومخططات البعث العفلقي الهادفة إلى مسخ الشخصية العراقية وتدمير مقومات الإرادة الوطنية والهوية الحضارية وروح المقاومة والعزة والاستقلال.

وطرح المنهج أيضاً الطرف الثاني من جناح الوجود الإسلامي الذي لا يمكن للمرجعية الدينية أن تحلّق بدونه في سماء التحرك والعمل والصراع وصيانة المنجزات, ألا وهو (الأمة)، فأشار الشهيد السعيد إلى الدور الحيوي والمركزي للأمة, سواء في انتخاب القيادة الإسلامية أم في انتخاب الإدارة الميدانية التي تدير الأمور الحياتية أم في تقديم المشورة لمعرفة الواقع وتشخيص المصالح، إضافة إلى الرقابة على سلامة المسيرة العامة وحسن الإجراء والتطبيق, وأخيراً وليس آخراً، الدعم والإسناد للقيادة الشرعية, والإيمان بدور أساسي للأمة يؤثر كثيراً في طبيعة المنهج للتحرك السياسي, ويختلف عن نهج من يبنون مشاريعهم السياسية فقط على دور محوري للنخب السياسية أو الثقافية أو حتى الاقتصادية.

ثم يصل الشهيد إلى خلاصات منهج تحركه السياسي عندما يستعرض ويفصل في مفردات المشروع السياسي الإسلامي, الذي يعتبره محصلة تفاعل وتكامل بين خمسة عناوين أساسية, هي: الأمة والجيش والمعارضة العراقية (آنذاك) والتعاون مع دول المنطقة, فضلاً عن التحرك الدولي الهادف, لينتهي أخيراً إلى متطلبات حسم قضية التغيير (وذلك قبل سقوط النظام) فيؤكد على أهمية المنطقة الآمنة, والقصاص العادل من المجرمين, وأهمية توضيح صورة البديل السياسي القادم في العراق بعد سقوط صدام, الذي يؤكد فيه على أهمية أن يراعي هذا البديل حقائق الواقع العراقي الداخلي, وحقائق الواقع السياسي الدولي والإقليمي، لكي يقطع الطريق على الدوائر السياسية المشبوهة التي تخيف الرأي العام العراقي والإقليمي والدولي, من خلال الزعم بحصول فراغ في النظام السياسي في حالة سقوط الدكتاتور.

بالتأكيد كان لسقوط النظام في نيسان الماضي, وبروز واقع الاحتلال, ودخول الشهيد وعودته إلى أرض الوطن, واستقراره في قلب الحوزة العلمية والمرجعية الدينية في النجف الأشرف، والمستجدات المرتبطة بذلك، تأثيرات محسوسة على منهج التحرك السياسي المعتمد، وهذه التأثيرات والتغيرات خارج بحثنا هذا, وعسى أن نوفق لدراستها في فرصة قريبة قادمة إن شاء الله تعالى.

بقي أن نقول: إن معرفة أهمية وقيمة مفردات منهج التحرك السياسي للشهيد السيد الحكيم (قدّس سرّه)، إنما تأخذ مداها الكامل من خلال معرفة سياقاتها التاريخية, وطبيعة الظروف التي كانت محيطة بها، فلا يخفى أن التحرك الإسلامي العراقي حاله كحال أي كائن حي, إنما تدرّج في نموه ونضجه ومعاناته. فتبني مشروع إسقاط السلطة الدكتاتورية إنما نعرف قيمته الحقيقية عندما نتذكر أن الأجواء السائدة في المرجعيات الدينية في العراق لم تكن تتبنّى (ولأسباب متنوعة) ليس فقط تغيير السلطة, وإنما حتى الضغط عليها سلمياً (وربما كان الشهيد السيد الصدر أول من طرح في آخر عمره الشريف شعار تغيير السلطة)، وهكذا قضية التعاون مع دول المنطقة أو التحرك الدولي، حيث كانت مثل هذه المفردات, ووفق الذوق الإسلامي العراقي السابق عموماً, تقع ضمن منطقة المحرمات.

ونكرر ثانية في ختام هذه الدراسة, أننا لم نتناول فيها تقييم الجانب العملي من مسيرة تلك النظرية السياسية, وأسباب الموفقية أو عدمها، فيجب أن يكون لذلك الموضوع فرصة أخرى وبحث مستقل والله المستعان.

____________

1- هزيمة الأنظمة العربية على يد الكيان الصهيوني عام 1967.

2- اغتالته فيما بعد مخابرات النظام في بيروت عام 1980.

3- الأعراف: 32.

4- انتفاضة الشعب العراقي ـ الناشر: قسم الإعلام في الوحدة العسكرية ـ وتم نشر هذا البحث أيضاً في كراس مستقل.

5- جماعـة العلماء المجاهديـن في العراق ـ الأهداف والمبادئ ـ محمد باقر الحكيم صدرت الطبعة الأولى عام 1402هـ.

6- الحج: 39.

7- جماعة العلماء المجاهدين في العراق ـ الأهداف والمبادئ ـ للشهيد الحكيم (قدّس سرّه).

8- الحوزة العلمية وحركة الإصلاح، السيد محمد باقر الحكيم، من أبحاث ندوة الإمام الحكيم العلمية الأولى ـ3 ربيع الثاني 1418 هـ. صدرت الأبحاث في كتاب عن مركز دراسات تاريخ العراق الحديث عام 1993م.

9- سورة المائدة: 44.

10- بحث عـن دور الأمة في إدارة المجتمع الإسلامي / السيد محمد باقر الحكيم / ملتقى الفكر الإسلامي في لندن، بتاريخ 9/7/2000م / مجلة شؤون إسلامية ـ العدد 5 / السنة الثانية ـ رجب 1421هـ.

11- انتفاضة الشعب العراقي ـ من كلمات السيد محمد باقر الحكيم. الناشر: قسم الإعلام ـ الوحدة العسكرية.