|
بحث قدمه حجة الإسلام السيد رياض الحكيم في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد تميزت شخصية آية الله الشهيد السيد الحكيم (قدّس سرّه) بمميزات انعكست على حركته الجهادية ومنهجه الريادي في العمل السياسي الإسلامي، يجدر بكل العاملين الإسلاميين الاسترشاد والاقتباس منها.
إن انعقاد مؤتمركم هذا فسح الفرصة لإلقاء الضوء على معالم هذه الشخصية, والمنهج الذي اعتمدته في المسيرة الطويلة والشائكة لحين استشهاده مع العشرات من المؤمنين بجوار مرقد الإمام علي (عليه السلام) في الجمعة الدامية، وذلك من خلال النقاط التالية:
1 ـ الإقدام والشجاعة
حيث تميّز الشهيد بالشجاعة الفائقة منذ بدايات شبابه، كما يتجلى ذلك من خلال مواقفة ومواجهاته مع السلطات الغاشمة المتعاقبة في العراق، خاصة حكم البعث، واعتقالاته المتكررة من جانب البعثيين، وكذلك صموده في غرف التحقيق متحملاً أنواع التعذيب والقسوة التي كانوا يمارسونها معه، حتى انعكس ذلك على أزلام النظام وتذمرهم من صمود الشهيد وصلابته منذ بدايات السبعينات.
ومن مواقفه المعبّرة عن شجاعته موقفه المشهود في أحداث زيارة أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) وتوجيهاته للمشاة إلى كربلاء ـ في ذلك
الظرف العصيب ـ مما أوجب سخط النظام, حيث أدى إلى اعتقاله والحكم عليه بالسجن المؤبّد، علماً أن الطاغية صدام كان يصرّ على حكم الإعدام في حقه، إلا أن الجناح الآخر في السلطة ارتأى الحكم بالسجن المؤبد رعاية للظروف آنذاك.
وتوالت مواقف الشهيد البطولية والشجاعة بعد خروجه من العراق، ليكون أبرز الشخصيات المعارضة لنظام الطاغية، وأكدتها مشاركاته الجريئة في جبهات القتال, وصموده في المواقف الصعبة، وكذلك سفرته الأخيرة إلى العراق بدافع الشعور بالمسؤولية, رغم علمه بما تنطوي عليه من مخاطر،كما أظهره لعدد من المقربين إليه.
2 ـ الاستعداد للتضحية
اعتبر الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) أن القضية التي جاهد من أجلها تستحق التضحية بكلّ غالٍ ونفيس, مما جعله يقدّم القرابين الزكية في سبيل ذلك، فبالإضافة لاستعداده شخصياً إلى التضحية والفداء, لم يثنه تهديدات النظام بالفتك الجماعي بالعلماء والأفاضل من أسرته.
فبـالرغم من أن اعتقال السادة آل الحكيم من جانب النظام عام 1983م إنما كان بسبب رفضهم الرضوخ لضغوط النظام، ودعمه في سياساته العدوانية, خاصة إصراره على حضورهم في (المؤتمر الإسلامي الشعبي) الذي عقده النظام لتلميع وجهه الكالح, وإضفاء الشرعية على حربه العدوانية على الجمهورية الإسلامية في إيران، إلا أن النظام عرض بعد ذلك مساومة على الشهيد الحكيم بتخفيف سطوته على الأسرة في مقابل أن يكف الشهيد عن معارضته الصريحة وتحدّيه للنظام، فرفض الشهيد ـ بإصرار ـ تلك المساومة, حتى سقط العشرات من العلماء والأفاضل من الأسرة الكريمة في درب الشهادة.
3 ـ المثابرة والنفس الطويل
مما ميز شخصية الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) مثابرته وتصميمه على مواصلة حركته الجهادية في أحلك الظروف وأصعبها, والأمل الذي لم يفارقه رغم تعقيدات القضية العراقية والدعم العالمي والإقليمي غير المحدود لنظام الطاغية في العراق.
ففي مقابل موجة اليأس والإحباط التي عمّت الساحة العراقية لسنوات طويلة, كان الشهيد الحكيم يلوّح دائماً بالأمل بالله تعالى والتفاؤل والتصميم على مواصلة الجهاد والفعاليات المختلفة حتى بلوغ الهدف المنشود.
4 ـ وعيه لتداعيات وإفرازات التصدي وضريبته
فقد كان السيد الشهيد واعياً لكل تلك التداعيات والإفرازات، وعلى جميع الأصعدة, بما في ذلك السلوك الشاذ الذي كان يمارسه العديد من الأشخاص والجماعات. فكان يواجه ذلك بصدر رحب مؤكداً أن كل ذلك (ضريبة التصدي) لا بدّ من تحمله والتعايش معه.
وكان موقفه هذا هو السبب في تخفيف حالة التوتر والتداعيات نسبياً في الساحة السياسية العراقية, مما ميّزتها عن ساحات سياسية أخرى.
5 ـ التزام الضوابط الشرعية والأخلاق الإسلامية في العمل السياسي والاجتماعي
إنّ مما ميز شخصية الشهيد الحكيم ومنهجه التزامه بالضوابط الشرعية والأخلاق الإسلامية في تعامله مع أعدائه وحاسديه ومناوئيه، وهي حالة نادرة في ميدان العمل السياسي، حيث نجد أن الكثير من العاملين في هذا المجال يلتزمون الضوابط الشرعية في شؤونهم والتزاماتهم الخاصة, إلا أنهم يتجاوزون كل تلك الضوابط والأخلاقيات في ساحة العمل السياسي، ولذلك كان الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) يؤكد ضرورة الاهتمام بما يسميه بـ (التقوى السياسية) والتنظير لها, وتثقيف الأمة بها إلى جانب التقوى الفردية التي يهتم بها الكثير.
وقد ضرب الشهيد الحكيم الأمثلة الحية في التزام التقوى السياسية في كل مراحل عمله الجهادي وتعقيداتها. والذي عايش الشهيد الغالي في سنوات المهجر, وتابع مواقفه مع خصومه السياسيين, يلاحظ هذه الحقيقة الناصعة رغم ما عاناه من الآخرين من مهاترات ومحاولات تسقيط وتشهير وأباطيل. فكان هذا المجال من المجالات التي يعتبر فيها رائداً متألقاً.
6 ـ الانطلاق والحركة على أساس المسؤولية الشرعية
حيث يلاحظ ذلك كلّ متابع لحركة السيد الحكيم وسيرته ومواقفه، وكان (رحمه الله) يؤكد على هذه النقطة في كل أحاديثه وتوجيهاته للأمة والعاملين معه. وقد أكسبه ذلك مزيداً من القوة والتصميم والشجاعة.
إن الكثير من العاملين الإسلاميين يبدؤون حركتهم على أساس المسؤولية الشرعية, إلا أنهم قد يتيهون في خضمّ مسيرته الشائكة, وتتجاذبهم الأهواء والاتجاهات والمواقف, مما يدفعهم إلى ممارسات واندفاعات انفعالية وتعصبية بعيدة عن المنطلق الذي بدؤوه، بينما كان الشهيد الحكيم مقيداً ومراعياً ومندفعاً على أساس تلك المسؤولية بداية وإدامة وانتهاء. فكان هذا مما ميز شخصيته ومسيرته.
7 ـ العمق الفقهي
نشأ الشهيد السيد محمد باقر الحكيم في بيت شامخ في ظل مرجعية والده المرجع الأعلى السيد الحكيم (قدّس سرّه) وتدرج في الدراسة الحوزوية حتى بلغ مرتبة الاجتهاد منذ شبابه ـ بشهادة أحد أعلام الحوزة العلمية آنذاك(1) ـ مما أكسبه عمقاً فقهياً كان له دور فاعل في مسيرته الجهادية انعكس على مفردات مواقفه ومفاصل حركته، خلافاً لكثير من الإسلاميين الذين يفتقدون هذا العمق الفقهي, ويندفعون على أساس العاطفة الدينية, أو النظريات غير المتأصلة.
وعلى خلفية هذا العمق الفقهي كان الفقيد السعيد يناقش باستمرار خصوصيات الجوانب الفقهية مع العلماء وأساتذة الحوزات العلمية لضمان التوجيه الفقهي لكل المفاصل والمفردات، وقد كان لهذه النقطة انعكاسات إيجابية برزت من خلال:
أ ـ حفظ المسيرة من الانحراف والالتقاطية.
ب ـ توثيق العلاقة بين الشهيد والمرجعيات الدينية وأساتذة الحوزات العلمية.
ج ـ اعتماد ثقة المرجعيات الدينية والشخصيات العلمائية البارزة.
ولذلك لاحظنا مشاعر الحزن والأسى والإحساس بالفراغ الذي خيّم على الحوزات العلمية وكبار مراجع الدين ـ رغم اختلاف اجتهاداتهم ـ بسبب استشهاد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه)، فكان هذا من خصائصه التي يفتقدها غيره من المتصدين.
وينعكس هذا الارتباط الوثيق مع الحوزات العلمية والمرجعيات الدينية على أتباع خط الشهيد الحكيم والمنتسبين إليه بوضوح بسبب تثقيفه للكادر العامل معه وتأكيده المستمر على هذه النقطة.
8 ـ وضوح الرؤية
إن من أهم ما يقوي موقف القائد وعزيمته وضوح الرؤية بمنهجه وهدفه الذي يسعى إليه ويضحي من أجله، وهذا ما يتضح بجلاء من خلال مواقف الفقيد الراحل وأطروحاته، حيث كان على بصيرة تامة من موقفه، حصنته من حالات التذبذب والتردد، كما حفزته على العطاء والتضحيات السخيّة.
9 ـ المشروع المتكامل
كان الشهيد الحكيم يمتلك رؤية دقيقة ومشروعاً متكاملاً للتغيير, ولم يكتف بأهداف مرحلية محدودة، ولذلك استطاع التعامل مع متغيرات الحالة العراقية. كما لم يقتصر اهتمام السيد الشهيد على البعد السياسي ومقاومة الطغيان, وإنما شمل الجانب التربوي والتثقيفي والاجتماعي، فهو مشروع نهضوي متعدد الأبعاد.
10 ـ الانسجام بين التنظير والواقعية
تعاني الساحة السياسية, خاصة الإسلامية, إشكالية الانسجام بين التنظير والواقع، فهناك من يتعمق في التنظير ويبتعد عن الواقع ومقتضياته، وهناك من يندفع عاطفياً لتغيير الواقع الفاسد من دون رؤية تنظيرية عميقة, فيقع في إشكاليات علمية وشرعية. أما الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) فكان إلى جانب قدرته التنظيرية وعمقه الفقهي والسياسي معايشاً للواقع ومتفاعلاً معه, حيث كان يتابع تفاصيل الموقف السياسي ومتغيراته, كما يساهم ميدانياً في العمليات العسكرية المعقدة، حيث كان أول عالم ديني عراقي يقود عمليات عسكرية منظمة. كل ذلك مكنه من الاطلاع والانسجام مع إشكاليات الواقع وتعقيداته.
11 ـ احترام الرأي والموقف المخالف
إن ما يثار عادة على التيار السياسي الإسلامي الحدية ورفض الرأي الآخر، بسبب إيمانه بأن الحاكمية والولاية لله تعالى، وأن التيار الإسلامي يمثل امتداداً لهذه الحاكمية. وقد أدّت هذه النظرة إلى حالة من تقديس الذات أو الجماعة لدى العديد من الشخصيات والاتجاهات انعكس ذلك على رفضهم النقد, وردودهم العنيفة على النقاد, تجاوزت في كثير من الحالات التجريح إلى العنف (الثوري) مما أوجب هاجساً لدى الآخرين من سيطرة الإسلاميين على المجتمعات خوفاً من ردود الفعل تلك. بينما نجد الشهيد الحكيم بعيداً تماماً في مواقفه وتوجيهاته للكادر العامل معه عن انتهاج هذا الأسلوب، فرغم التجريح الظالم, والتجاوزات الكثيرة التي مارسها معه مناوئوه ومخالفوه, وقدرته على رد الصاع بصاعين, إلا أنه كان متسامحاً جدّاً مع أولئك, بل متعايشاً مع بعضهم ضمن دائرة تشكيلاته, رغم نفاد صبر الكثير من أتباعه وإصرارهم على الردّ بالمثل.
وكان (قدّس سرّه) يستند في هذا الموقف ـ بالإضافة إلى سماحته الشخصية ـ إلى النهج الذي اعتمده الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) مع المخالفين والمناوئين والمرجفين ـ غير المسلحين ـ وكان يعتبر ذلك نهجاً إسلامياً للحاكم المسلم ليتعايش مع المخالفين والمعارضين، لأنه إذا كان دم المعارض للنبي (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) مصوناً فمعارض الحاكم الإسلامي من بعده مصون بطريق أولى.
12 ـ عمق تحليله للأحداث السياسية
كثيراً ما يؤخذ على التيار الإسلامي انغلاقه, واستغراقه في الماضي, وسطحية رؤيته السياسية, وعدم قدرته على قراءة الواقع المعاصر, وعدم استيعاب متغيراته وتحدياته. إلا أن السيد الحكيم كان يمثل حالة نادرة في متابعته وعمق تحليله للأحداث وموازين القوى المعاصرة, حتى أثار إعجاب الشخصيات السياسية الإقليمية والدولية. ومنح التيار الإسلامي ـ خاصة العراقي ـ منه زخماً إقليميا وعالمياً، وكان المعارض الوحيد الذي يدعى ويحاور من جانب القادة والرؤساء.
13 ـ الانفتاح والمرونة في العمل السياسي
تميز موقف الشهيد الحكيم بالمرونة والشفافية مع متغيرات القضية العراقية التي تعتبر من أعقد القضايا الدولية المعاصرة، واستطاع التعامل النزيه مع العامل الدولي المؤثر, وأكد فاعلية التيار الإسلامي رغم مراهنة القوى الدولية على تهميشه واستبعاده، في موقف عبر عن الشفافية والشجاعة الفائقة, مما أثار إعجاب العراقيين وانتعاش آمالهم، مع المحافظة الدقيقة على المبدئية ورعاية المصلحة العراقية العليا، كما أكدت ذلك مواقفه في المفاوضات وجلسات الحوار وأطروحاته قبل سقوط النظام وبعده، حيث بقي حريصاً متمسكاً بهذا المنهج إلى آخر خطبة له قبيل استشهاده بدقائق في الجمعة الدامية بجوار حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
14 ـ الانسجام والتكامل مع المرجعية الدينية في النجف الأشرف
راهن الكثير من المراقبين ـ وكذلك هاجس الكثير من المحبيّن ـ على فرضية الصراع والاصطدام بين الشهيد الحكيم والمرجعيات الدينية الفاعلة في النجف الأشرف على أسس وافتراضات غير واقعية، بعيدة عن فهم شخصية الشهيد ونهجه، ومعرفة المبدأ الذي آمن به وتحرك على أساسه، إلا أن السيد الحكيم استطاع منذ أول دخوله إلى العراق وخطاباته وتوجيهاته للأمة أن يبدد هذه الهواجس والفرضيات من خلال الانسجام الكامل، والتنسيق المطلق مع المرجعية الدينية في النجف الأشرف، حتى أصبح الظهير القوي والمشاور المعتمد لدى المراجع هناك, وملأ الفراغ الواسع الذي كان هاجس المرجعية الدينية، وهذا ما يفسر مواقف المرجعيات الدينية هناك, والصدمة المروعة التي خلفها استشهاد هذا الشهيد الكبير على نفوس الجميع داخل الحوزة العلمية وخارجها. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
إن هـذه الخـصائص والمميزات في شـخصية وحـركة السـيد الشهيد (قدّس سرّه) ـ والتي خفيت على كثير من الأصدقاء ـ لم تكن تخفى على أعداء العراق وشيعة آل البيت (عليهم السلام)، ولذلك كان (قدّس سرّه) في مقدمة من استهدف بهدف تغييبه وإيجاد الفراغ الواسع في العراق الذي يمر بمرحلة تاريخية حرجة تُرسم فيها معالم العراق الجديد على كل الأصعدة السياسية والثقافية والعلمية والاجتماعية، وهو أحوج ما يكون إلى مثل شخصية هذا القائد الحكيم، والذي نأمل أن لا يكون مظلوماً بعد استشهاده كما ظلم في حياته.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو المسدّد والمعين
____________
1- وهو آية الله العلامة الشيخ مرتضى آل ياسين (قدّس سرّه).
|