|
بحث قدمه الشيخ علي الحكيم في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
إن هذا البحث نابع من معايشة للواقع العراقي، واستلهام من كلمات السيد الشهيد (قدّس سرّه) ومن معايشتي للواقع، ودراسة معطياته، كما رأيناه في العراق. وبالتالي إذا كان العراق يمر الآن بمرحلة هامة وحساسة على صعيد ما يرسم على ملامح المستقبل العراقي، بتنوع ألوان الخارطة السياسية، وتكاثر ألوان وأطياف المعارضة العراقية، تتشابك الأيدلوجيات, والأولويات, والاهتمامات, ولكن بملاحظة دراسة التاريخ العراقي في القرن الأخير (القرن العشرين) وتطورات الوضع، وخاصة في العقدين الأخيرين، الثمانينات والتسعينات, إذا قمنا بتمحيص دقيق لجميع الإمكانيات والقابليات للطاقات الموجودة في العراق، نستطيع أن نخلص إلى القول: إن هناك خطين يتأرجحان ويتجاذبان الصراع حول مستقبل العراق. خطان متوازيان, وكل منهما يريد أن يسيطر على مستقبل العراق. هذان الخطان يسيران بشكل متوازٍ، ولا أعني بالموازاة ذلك النمط من التعبير الرياضي، بحيث إن اللقاء بينهما مستحيل، إنما أريد أن أقول: إن هناك لقاء أيضاً, كما أن هناك نقاط افتراق ما بين هذين الخطين المتوازيين:
الخط الأول:
هو الخط العلماني الذي يستمد مقومات وجوده من وجود ودعم قوات الاحتلال، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية. وهو خط يتخذ من الحضارة الغربية أنموذجاً يحتذى به في الحياة السياسية، ولذلك قد يطرح على مستوى الشعارات، المشاركة السياسية, الديموقراطية, والتعددية الدينية, والتعددية السياسية، وحرية التعبير، وحرية الصحافة والإعلام, وربما يتطرف في طرحه الليبرالي حتى يصل إلى مستوى المداهنة والصلح مع الكيان الصهيوني، والاعتراف به ككيان قائم وشرعي.
إن شعاره الأساسي هو العلمانية, والعلمانية هي فصل الدين، وفصل اسم الله عن كل دور وحضور في الحياة السياسية, وبالتالي تتمثل هذه القيم والشعارات في دولة علمانية، يسمونها ديموقراطية ذات توجهات ليبرالية (وسمّها أنت ما شئت).
الخط الثاني:
ما لا أريد أن أسميه خطاً إسلامياً فحسب، لأنه يمكن أن يغطي حتى الذين لا ينتمون إلى الدين الإسلامي, لذلك نسميه (الخط الإسلامي الوطني). هذا الخط يستمد مبررات وجوده من تاريخ العراق, وحضارته العريقة، وقيمه وثقافته الأصيلتين, ودينه العظيم, (الإسلام). يستمد من كل هذه الأمور مقومات وجوده، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى دعم وإسناد من قوات الاحتلال أو غيرها. كل ما يحتاجه هو ذكاء في التعامل, وحكمة في الطرح، وكيفية التنسيق والتعاون مع القوى الفاعلة في المنطقة الإقليمية وفي العالم.
هذا الخط يطرح برنامجه على أنه يريد إقامة حكومة وطنية، وليست بالضرورة حكومة إسلامية, أي إقامة حكومة يعتبر فيها رأي الشعب، ولو أن يكون لكل عراقي صوت واحد، وبمشاركة جميع الطوائف والأعراق والقوميات والأديان أيضاً. ويشارك حينئذ الشعب العراقي بجميع أفراده ـ ولا أقول بمجموع، وإنما بجميع أفراده، والانحلال هنا انحلال استغراقي يشمل كل فرد ـ في تعيين نوعية الحكم وشكله، بل وحتى في انتخاب القيادة المستقبلية, الحاكمة للعراق. وهذه الحكومة يجب أن تكون ثابتة وبعيدة عن كل تدخل أجنبي، وبعيداً عن كل ألوان الهيمنة الخارجية والاحتلال الأجنبي.
ومن محاسن الصدف أنه لا بد لهذين الخطين أن يتعاونا، على الأقل في مستوى الواقع المنظور الآن، لأنه ـ بحسب تحليلي ـ لا بد أن نعيش الآن مرحلة تعاون وتنسيق, ولا أقول: إن هذا التوازي سوف ينفصل ويتحول إلى اندماج، بل يبقى موجوداً، لكن لا بد لهم من التنسيق، لأن أي حالة مواجهة ما بين هذين الخطين سوف تؤدي إلى تضاؤل مصالحهما، وبالتالي تخسر المجموعة الكبيرة التي جاءت بكل قواها، ووضعت كل إمكانياتها. وأي حرب شاملة ما بين هذين الخطين سوف تقضي على مصالحهما وستنهي وجودهما, وأعني بالتحديد الخط العلماني، لأنه هو الذي سوف يكون الخاسر الأكبر، لأنه وضع كل إمكانياته ووجوده وموارده, وجاء من أقصى الدنيا، مؤملاً الاستثمار والريع والربح الاقتصادي، وإقامة الشركات، ومناطق آمنة للاقتصاد والتبادل الحر. أن يضع كل هذا على محك التجربة وينفيها بين ليلة وضحاها فهذا ليس من مصلحته.
ومن هنا فإن من يقول: إن الإسلاميين لا يريدون أماناً ومنطقة آمنة في العراق، فهذا غير صحيح. وأنا ألاحظ ذلك من كلام السيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) في كتاب المرجعية الدينية حيث يقول: (نحن نود أن نواصل الطريق الذي نؤمن به، نتخذه على أساس استقلالنا في إرادتنا وتفكيرنا وحركتنا السياسية. هناك هدف أساسي لحركتنا السياسية لا يمكن التنازل عنه، وهو أن تكون هناك منطقة آمنة)(1) أي: لا بد أن تكون هناك منطقة آمنة واستقرار في العراق، لكن ليس لمجموعة معينة من الناس، بل لكل الشعب العراقي.
والآن قد يكون الطرح لدى الخط العلماني هو إيجاد منطقة آمنة لمجموعة من المعسكرات، والكليات العسكرية، والوجودات الأمريكية، لكن هذا سوف يضر بهم وبمصالحهم. يقول (قدّس سرّه): (هذه قضية أساسية وهدف مركزي لحركتنا، فإن الغربيين يعارضون ويقاومون هذه الحركة).
قد يراد هناك استقرار وثبات، لكن الخط الإسلامي الأصيل لا يراد له الأمان والاستقرار في العراق. وتحول العراق إلى كانتونات طائفية لا يوافق عليه أي أحد في المنطقة. كل أطراف النزاع، ودول الجوار، لا ترضى بتقسيم العراق، ولا بوجود حالة من اللاثبات وعدم الاستقرار واللاأمن في العراق، لأن تحويل العراق إلى مسرح لتصفية الحسابات السياسية والإقليمية والدولية، يعني تحوله إلى ساحة حرب أهلية, و(لبنان) ثانية. وذلك يعني خسارة أخرى لدول التحالف، وسوف يعانون من نفس ما عانوه في لبنان. فقد دخلوا وأرادوا أن يسموه تحريراً، فخرجوا مندحرين... دخلوا وأردوا أن يجعلوا من شعب لبنان رهينة، فأصبحوا هم مرتهنين بوجود أفراد لهم في لبنان.
كما يعني عدم استقرار أيضاً، تحول العراق إلى بؤرة للإرهاب والجماعات المتطرفة، وهذا ما يضع المنطقة كلها على عتبة الانفجار، لأن الإرهاب لا يفرق بين الأخضر واليابس، والفتنة تأكل الجميع.
إذن مستقبل العراق مرهون بالتعاون والتنسيق ما بين هذين الخطين. وأي نجاح لهذا الخط على حساب ذلك يعني تثبيتاً لهذه الرؤية في مقابل تلك.
أسأل الله تعالى التوفيق لي ولكم، والرحمة لشهدائنا الأبرار
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
____________
1- لم يرد هذا النص في كتاب المرجعية الدينية، وربما اقتبسه المتحدث من مصدر آخر قريب من هذا الاسم.
|