|
|
بحث قدمه الدكتور عبد الهادي الحكيم في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م
بسم الله الرحمن الرحيم
ألفَت النجف الأشرف أن تنعم بالهدوء والسلام والأمن والأمان, وهي تحضن بين ذراعيها مرقد أميرها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). وألف زائروها أن ينعموا بالاطمئنان الروحي تحت قبته وفي حضرته. فكانوا كلّما دهمهم داهم، أو باغتهم طارئ، أو عنت لهم مشكلة، أو ألمت بهم نازلة، لاذوا به وركنوا إلى جواره, كي يغدق عليهم الأمن والأمان والدفء والسكينة والاطمئنان.
ولم يكن هذا اللجأ إليه ابن عصرنا وزماننا, ولا ابن عصر ابن بطوطة وزمانه فحسب, بل هو سليل زمن سابق, وماضٍ عتيد، فمنذ ما يقرب من ألف وثلاثمائة سنة عرفته طيور الوحش, واعتادته غزلان الفلوات ملاذاً وملجأ وواحة أمان. فقد روى المؤرخون أن الخليفة العباسي هارون الرشيد (خرج ذات يوم إلى ظاهر الكوفة يتصيد, وهناك حُمُر وحشية وغزلان، فكان كلما ألقى الصقور والكلاب عليها لجأت على كثيب رمل هناك، فترجع عنها الصقور والكلاب, فتعجّب الرشيد من ذلك ورجع إلى الكوفة, وطلب من له علم بذلك فأخبره بعض شيوخ أهل الكوفة أنه قبر علي بن أبي طالب (عليه السلام)).
ولم يقتصر طلب الأمن والأمان والسكينة والسلام والاطمئنان في النجف, على ساكني النجف وقاصديها وزائريها, ممن يتمتعون بنعمة الحياة فحسب, بل شمل ذلك الأموات منهم طمعاً في صفاء بعد الموت لا يشوبه كدر, وهدوء لا يشوبه خوف, وأمن لا يشوبه قلق, وراحة لا يشوبها تعكير.
ولعل في تسمية مقبرتها الكبرى منذ القدم بـ (وادي السلام) ما يوحي بسلام أرواح ساكنيها, وتخفيف معاناتهم, وإسقاط عذاب البرزخ عنهم, وما إلى ذلك من شدائد ومحن وأهوال ومصاعب تعتريهم، ومصائب ومخاوف تنتابهم, وهو ما يفسر كون مقبرة النجف الأشرف ووادي سلامها من أكبر المقابر الإسلامية سعة, وأفسحها لقبور الوافدين مكاناً ومرقداً ومثوىً. وكيف لا تكون كذلك وقد اتخذها خليل الرحمن وأبو الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) مسكناً بعد شرائها من أربابها كما في (معجم البلدان), ورغب في أن يحشر منها كما في (علل الشرايع).
وفيها ـ كما أورد المؤرخون ـ مقام آدم ونوح وهود وصالح (عليهم السلام). وفيها بعد مرقد أمير المؤمنين, وإمام المتقين, علي بن أبي طالب (عليه السلام) العديد العديد من مراقد الأولياء والشهداء والعلماء والفقهاء والشعراء والخطباء والعباد الصالحين {وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيْقَاً}(1).
بيد أن سلام (وادي السلام) وطمأنينته وهدوءه وأمنه وأمانه, اغتيل في يوم (الجمعة الدامية) على يد أشرار لم يرعوا للمكان الطاهر، ولا للشهر الحرام حرمة, ولا للمسجد الآمن قداسة, ولا لأرواح الأبرياء الصالحين من مصلي الجمعة والجماعة وزناً, ولا لدم إمامهم الشهيد الخارج من محرابه توّاً, والصائم ذلك اليوم تقرباً لربه وزلفى, حرمة واعتباراً.
أما لماذا استهدف الجناة إمام الجمعة والجماعة وشهيدهما, ورئيس مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية, الموصوف بالحكمة والاعتدال في طروحاته السياسية ومواقفه الفكرية, الصلب الذي لا يلين أمام ضغوط الظالمين, المحبوب بين أبناء شعبه وأمته, المضحي في سبيل معتقده, الشديد في موضع الشدة, اللين في موضع اللين. العَصيّ على الأعداء. الرفيق بالأطفال والضعفاء؟ وهل لاستهدافه بعد صلاة الجمعة علاقة ما بمواقفه الأخيرة، وطروحاته ورؤاه السياسية، وتطلعاته العلمية، وحركته الدؤوب ونشاطه الدائم منذ نعومه أظفاره وحتى يوم استشهاده ليحتل الرقم الثالث والستين من شهداء أسرته؟ فهذا ما ستحاول إلقاء الضوء عليه هذه القراءة لخطبه في يوم الجمعة التي اغتيل إثرها في غرة رجب من هذا العام.
يستطيع المتأمل في خطب الجمعة للشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (رضوان الله عليه) في الروضة الحيدرية المطهرة منذ خطبته الأولى في الثامن والعشرين من ربيع الأول من عام 1424 هـ المصادف ليوم 30/5/2003م وحتى خطبته الأخيرة قي غرة رجب الحرام من عام 1424هـ المصادف ليوم 29/8/2003م أن يلحظ تأكيده فيها على المحاور الآتية:
الموقف الشرعي من الوضع الراهن في العراق
تؤكد خطب الجمعة في أكثر من موضع, وبخاصة في خطبة صلاة الجمعة الخامسة في 27/6/2003 م على أن الرؤية الإسلامية للموضوع العراقي الراهن, تتمثل من حيث المبدأ في الرفض المطلق للهيمنة الأجنبية والعدوان الخارجي واحتلال أراضى الغير بالقوة, مع مراعاة عنصري القدرة والمصلحة في تحديد أسلوب الرفض, منطلقاً من أن الحكم الشرعي تابع للقدرة من ناحية, وللمصالح والمفاسد من ناحية أخرى. ونتيجة لتطبيق هذين العنصرين ينتهي الشهيد إلى أن الموقف الشرعي السياسي من الوضع الراهن في العراق (مرحلياً) يتمثل في الأمور التالية:
1 ـ مقاومة الاحتلال الأجنبي مقاومة سلمية, باعتماد كافة الأساليب المتاحة في التصدي والتحدي السلمي لقوات الاحتلال من خلال الكلمة والحوار والتظاهر والاحتجاج, والحضور الفعلي للجماهير في الساحة, والاعتصام والإضراب, وصولاً إلى العصيان المدني, لإرغام المحتل على تنفيذ مطالب الشعب في الحرية والاستقلال والتخلص من الهيمنة الأجنبية.
2 ـ التأكيد على سيادة العراقيين على أرضهم ومقدراتهم وقراراتهم وشؤونهم, وهو ما يكفله لهم قرار مجلس الأمن المرقم 1483 مع العمل الحثيث على إزالة كل ما من شأنه عرقلة التسريع في إنهاء الاحتلال الأجنبي.
3 ـ اتخاذ الإجراءات العملية للقيام بانتخابات عامة في أسرع وقت ممكن، مما يعجل بزوال الاحتلال ورحيله عن أرض الوطن.
الموقف من العمليات المسلحة الحالية في العراق
إن قتل الأبرياء, وضرب البنى التحتية للشعب العراقي, وتعطيل منشآت الكهرباء, وخزانات المياه, وأنابيب ضخ البترول, وتفجير الجسور, وتخريب المنشآت العامة, وزرع الألغام في الطرق والممرات, وحرق وسرقة دوائر الدولة, ونهب مرافق القطاع العام, يضرّ بمصالح الشعب العراقي, ويؤجل رحيل قوات الاحتلال, ولذلك فقد أدانت خطبه وتصريحاته هذه الأعمال, ودعت إلى الحدَّ منها ومن آثارها المدمرة على الشــعب والوطن. فتراه يقول في خطبته الثالثة عشرة في 22/8/2003 م: إن تفجير مقر الأمم المتحدة, وقتل الأبرياء داخله, وفي مقدمتهم ممثل الأمين العام, الذي كان (من أفضل أصدقاء الشعب العراقي, والذي سعى بجدًّ من أجل إنهاء الاحتلال وتفعيل دور الأمم المتحدة, وتسهيل عودة اللاجئين العراقيين إلى وطنهم, يدل? دلالة واضحة أن وراءها أزلام النظام البائد, وخط الإرهاب السياسي والتطرف الفكري. ونحن إذ نقدم التعازي للأمين العام للأمم المتحدة بفقد هذا الصديق للشعب العراقي, نحمَّل الأمين العام بعد قوات الاحتلال, مسؤولية العمل على تغيير السياسة الأمنية الفاشلة التي تتبعها قوات الاحتلال في حفظ الأمن للشعب العراقي ولقوات التحالف نفسها فضلاً عن توفيره للآخرين).
الموقف من الوضع الأمني
إن استمرار العمليات المسلحة يكشف عن أنّ قوات الاحتلال عاجزة عن توفير الأمن والاستقرار في العراق, وبخاصة بعد عجزها عن توفير الأمن لمثل مقر الأمم المتحدة الذي هو من الأهداف الواضحة التي يجب تأمين الحماية لها.
ومن هنا فهو يدين موقف قوات الاحتلال المتساهل, حيث تهتم بحفظ الأمن لنفسها ـ ولا تستطيعه ـ ولا تهتم بتوفير الأمن للعراقيين وضيوفهم وأصدقائهم, ويرى أن هذه القوات غير قادرة على توفير الأمن للعراقيين, لجهلها وعدم معرفتها بالعدو والصديق, ولتقديمها مصالحها وأمنها على أمن الشعب العراقي ومصالحه, ولأن الشعب العراقي لا يتعاون تعاوناً كاملاً مع قوات الاحتلال لكونها قوات احتلال. لذلك فإنه يطالب في خطبة الجمعة الثالثة عشرة في 22/8/2003 م بسياسة أمنية للمرحلة الانتقالية تعتمد على الأمور التالية:
1 ـ إعطاء الدور الرئيس في حفظ الأمن للشعب العراقي.
2 ـ أن يكون للقوى الوطنية المخلصة التي لها نفوذ في أوساط الشعب العراقي دور حقيقي في حفظ الأمن.
3 ـ أن تتحمل القوى المخلصة لعملية التغيير في العراق, مسؤولية الأمن وإدارة البلاد, فقضية الأمن يجب أن يتولاها العراقيون أنفسهم.
4 ـ القبض على بقية أزلام النظام البائد, ممن تلطخت أيديهم بالجرائم, وتقديمهم لمحاكمة علنية لكشف مستوى الظلم والإجرام الواسع لهؤلاء القتلة, الذين كان لبعضهم دور في المقابر الجماعية, والضربات الكيمياوية, وتنفيذ عمليات الإعدام الظالم بحق المواطنين, وغير ذلك من الجرائم, ومما يؤسف له أن بعض هؤلاء لا زال يتواجد في مواقع حساسة حتى الآن وهو أمر مريب وغريب.
الموقف من الدستور
أكدت خطب الجمعة على موضوعة الدستور كثيراً, ونظراً لأهميتها فقد تناولتها أكثر من خطبة جمعة, بل اعتبرته خطبة الجمعة السادسة في 4/7/2003م أهم موضوع تواجهه ساحتنا العراقية, وكان مطروحاً على مستوى القوى السياسية قبل بدء الحرب, وهو مطروح الآن على مستوى الحوار السياسي مع قوات الاحتلال, كما اهتمت به المرجعية الدينية اهتماماً بالغاً, ثم تأكيداً لأهميته عادت فتناولته الخطبة الثانية عشرة في 15/8/2003 م منوهة إلى أهمية القيام بعملية تثقيف واسعة, يتولاها العلماء والخطباء والأدباء والمثقفون وبقية النخب الأخرى, ومشيرة إلى ضرورة التركيز على المبادئ والقضايا الرئيسية في الدستور, وعدم الانشغال بالقضايا الهامشية, معتبرة أن الهوية الإسلامية للشعب العراقي, والانتماء الإسلامي والعربي له, مع احترام الأقليات الدينية الأخرى, من القضايا التي يجب أخذها بعين الاعتبار, وعدم التغاضي عنها أو إغفالها, مثلها مثل وحدة العراق, والحرية والعدالة, وتركز الحكم بيد شخص أو أشخاص بنحو يسلب الاختيار عن الناس...) (ونطالب بنوع من اللامركزية للمحافظات, وهكذا احترام خصوصيات الشعب العراقي كالشيعة والسنة والأقليات الدينية الأخرى).
أما فيما يتعلق بالآلية الصحيحة لصياغة الدستور, فهي انتخاب المجلس الدستوري بالطرق المناسبة, والتصويت عليه من أبناء الشعب العراقي, وبدون ذلك سوف يتم الطعن بالدستور شرعياً وقانونياً, حيث لا يوجد أي مبرر قانوني لتدوين الدستور من قبل جماعة معينة دون أخذ رأي الشعب, تجنباً لتكرار المشكلات السابقة التي عاشها العراق في سنينه السابقة.
الموقف من مجلس الحكم
تناولت أكثر من خطبة جمعة الموقف من مجلس الحكم, الذي يسعى لملء الفراغ السياسي والإداري في عراق اليوم. ففي خطبة الجمعة الحادية عشرة في 8/8/2003م ركز على أن من المبادئ المقرة لدى الأمم المتحدة مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها, بيد أن المجتمع الدولي والإقليمي لا يلتزم بهذه الحقوق إلا بالقدر الذي يحقق له مصالحه وأغراضه, فالمجتمع الإقليمي (لا يحترم حق الشعب العراقي وأبنائه في تشكيل مجلس الحكم, فنراه يعترف بشرعية النظام البائد الذي لم يحظ بأي تأييد من الشعب العراقي, ومارس أبشع أنواع الاضطهاد والقمع والتشريد, وحينما ينبري العراقيون ليبادروا إلى خطوة تساهم في إنهاء الاحــتلال, يقف المجتمع الإقليــمي موقف الشــك والريبة من هذا المشروع).
ثم يستطرد في خطبة الجمعة موضحاً موقفه أكثر، ومؤكداً عليه فيقول: (في الوقت الذي يواجه العراق احتلالاً بصورة واسعة, وتطاولاً على أبناء شعبه من قوات الاحتلال, ومداهمة للمقرات والمراكز الدينية, واعتقال للعلماء, يقف المجتمع الإقليمي موقف المشاهد) وحين يسعى أبناؤه إلى ملء الفراغ السياسي والإداري لتقصير عمر الاحتلال, وتقليص صلاحياته بتشكيل مجلسهم, يقف الإخوان والأشقاء من هذه الخطوة موقف الشك والتردد, فلا يساعدون إخوانهم الممتحنين بالاحتلال للخلاص منه تدريجياً.
وفي خطبة الجمعة الثانية عشرة في 15/8/2003 م يطلب من مجلس الحكم أن (يتمسك بهوية الشعب العراقي الإسلامية والعربية على مستوى الحكم), منبهاً إلى أن (قوى الاحتـلال تعمل لتهميش هذه الهوية) ويطلب منه كذلك الحرص على الاستقلال والحفاظ على عراقيته, وعدم خضوعه لحق النقض والهيمنة الأجنبية، مؤكداً بضرس قاطع على أنه لا بد لمجلس الحكم أن يثبت هذا الاستقلال. ويظل هاجس الاستقلال يؤرقه, فيطلب من المجلس في خطبة جمعة أخرى الالتزام بالأمور التالية:
1 ـ ملاحظة مصالح العراقيين والشعب العراقي, والإسلام والمسلمين, قبل مصالح الآخرين.
2 ـ الحرص على التعبير عن الهوية الإسلامية.
3 ـ التحدي الأهم هو ما يسمى بـ (حق النقض) الذي ابتدعه الاحتلال, وهو حاجز حقيقي أمام إرادة الشعب العراقي, ولا أساس له قانوناً ولا شرعاً, فسلطة الاحتلال سلطة غاصبة وغير شرعية, ولذا فليس لها الحق في استخدام حق النقض, وإذا استخدمته فهو بالقوة، ورغم إرادة الشعب العراقي. وللشعب أن يعرف بأن قراره هو القرار الحقيقي والشرعي، ويجب عليه أن يعمل جاداً لتطبيق قراراته هو لا قرار السلطة الغاصبة.
4 ـ لا بد للمجلس أن يسعى للقضاء على أهم سمات النظام البائد, وهي: (الدكتاتورية والطائفية والعنصرية), التي طالما عانى الشعب منها الويلات والمصائب.
الموقف من الوزارة والوزراء
حددت خطبة الجمعة الحادية عشرة في 9/8/2003 م الموقف من الوزارة والوزراء, داعية إلى تشكيل الوزارة بالنحو الذي يمثل جميع مكونات الشعب العراقي ومركزة على الأمور التالية:
1 ـ اعتماد الكفاءة العالية والجدية في العمل للوزراء, من دون التركيز على الانتماءات السياسية. ولا مانع من أن ينتمي الوزير إلى هذه الجهة السياسية أو تلك, ولكن يجب أن يكون الأساس في الاختيار هو الكفاءة.
2 ـ أن يضع الوزراء المصالح العامة لأبناء الشعب العراقي نصب أعينهم, ويقدموها على المصالح الخاصة والفئوية والحزبية والطائفية والقومية, ويركزوا على المصالح المشتركة للعراقيين, كل العراقيين.
3 ـ يجب أن تهتم الوزارة بإعادة الحياة الطبيعية لأبناء الشعب العراقي, وإخراج العراق عن الحالة المأساوية الفعلية القائمة الآن.
4 ـ اتصاف الوزراء بالصلاح وحسن السيرة والماضي النـزيه.
5 ـ لا بدّ للوزراء أن يدفعوا باتجاه الحرية والعدالة, مطالباً في أكثر من خطبة جمعة بحقوق الأقليات القومية, كالتركمان والأكراد الفيليين الذين لم يمثلوا في المجلس, فينبغي التعويض عنه في الوزارة, وكذلك يطالب بحق المجاهدين, كالبدريين الذين كانت لهم مواقف عظيمة وكبيرة في الوقوف إلى جانب الشعب العراقي ومواجهة النظام, داعياً جميع القوى العراقية من دينية وسياسية واجتماعية وغيرها, إلى ممارسة دورها في الرقابة والإشراف والنقد والتوجيه والتقويم للوزارة ومجلس الحكم.
الموقف من الطائفية
تتكرر في أكثر من خطبة قضية محاربة الطائفية, والدعوة إلى نبذها, والحث على محاربتها وتخليص الشعب العراقي من أدرانها وسلبياتها ومساوئها, وإعطاء جميع أبناء الشعب الواحد فرصاً متساوية في الحقوق والواجبات من دون تفضيل مذهب على مذهب, أو طائفة على أخرى, أو دين على ديــن.
فيقول مثـلاً في خطبته الثامنة في 18/7/2003 م: إننــا (عندما نتحدث عن الاضطهاد الطائفي, نريد من ذلك المساواة مع كل الطوائف والديانات الموجودة في العراق, و إعطاء الفرصة المتساوية لها جميعها لتحقيق أهدافها. وليس معنى تأكيدنا على محاربة الطائفية هو هيمنة الطائفة الشيعية, واضطهاد الطوائف الأخرى كالطائفة السنية. إننا نؤكد على المساواة بين الطوائف, بل ندافع عن حقوقها جميعاً, وهذا هو عهدنا منذ زمن الإمام الراحل السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) حيث كان منذ ذلك التاريخ يدافع عن الأكراد, وهم سنة, وعن السنة العرب عندما مروا بظروف صعبة, كما يدافع عن الطائفة الشيعية, ونحن بدورنا ندافع عن الطوائف كلها) محذراً في الوقت نفسه من وجود عمل دؤوب يصب في إطار بعض من ينصبون العداء لأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم في الداخل, والذين يريدون التفريق بين صفوف الشعب العراقي, كما أن هناك سياسات بغيضة في المنطقة تريد زرع الفتنة والفرقة بين الشيعة والسنة, ولكن هذا الأمر لن يكون, متى توحدت الكلمة, وتراصت الصفوف لبناء مجتمع عراقي موحد ومتحاب ومتكاتف.
ويخصص مجالاً كبيراً من خطبته التاسعة في 25/7/2003 م للحديث عن الوحدة بين أفراد الشعب الواحد, ومحاربة الطائفية, داعياً (جميع مكونات الشعب العراقي شيعة وسنة, عرباً و كرداً و تركماناً, مسيحيين وصابئة وأقليات أخرى, أن يتبنوا هذه الوحدة, ويقفوا أمام الجهال والمضلين, ويؤشروا بوضوح على المندسين والمتسللين).
الموقف من الفقر المتفشي والفقراء
تؤكد خطب الجمعة في أكثر من موضع على ضرورة المعالجة الجذرية لحالة الفقر والفقراء, الناتجة عن سياسات النظام البائد والحروب المتعددة التي تركت بصماتها على الشعب المنكوب المضطهد (بحيث أصبح هذا الشعب مستعبداً فقيراً يعيش الآلام والمحن, ولذلك لابد لنا أن نتعاون لحل هذه المشكلة) مستشهداً بقوله تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}(2). كما أن هناك الملايين من عوائل الشهداء والمفقودين والمشردين والمستضعفين الذين يعيشون في بلدنا ويحتاجون إلى الرعاية والاهتمام في مختلف المجالات, مشدداً على أن رعاية هذه الطبقة المستضعفة والفقيرة من أفضل الأعمال عند الله عز وجل, ومطالباً (أن لا تسيّس هذه القضية الإنسانية, فتتحول إلى شعار تتداوله الأوساط السياسية والدولية من دون أن يكون له تأثير فعلي حقيقي على الارتقاء بمستوى هؤلاء المستضعفين).
الموقف من المرأة، وتمكينها من أخذ دورها في المجتمع
حظي الحديث عن ضرورة النهوض بدور المرأة العراقية, وتمكينها من لعب دورها على الصعد كافة, بمساحة واسعة من خطب الجمعة العديدة, فقد دعا في خطبته الثانية عشرة في 15/8/2003 م إلى تمكين المرأة من دورها الاجتماعي والإنساني في المجتمع, ضمن الأطر والالتزامات الشرعية, معتبراً ذلك من أهم مصاديق المعروف الواجب على المسلم الالتزام به, كما شدد في الخطبة الحادية عشرة على الدور المهم للمرأة في الحياة الإسلامية في كافة الأصعدة, واقترح على مجلس الحكم تخصيص يوم ولادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يوماً للمرأة العراقية, تكريماً لها وتقديراً لجهودها في الأسرة والمجتمع كأم وزوجة وبنت ونُخَب.
الموقف من القضية الفلسطينية
ورد الحديث عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني في أكثر من خطبة جمعة, ففي خطبة الجمعة السادسة في 4/7/2003 م أفرد لها مبحثاً خاصاً تحدث فيه عن خارطة الطريق, وما توقعه لها منذ أكثر من سنة ونصف, وقال: (إن القضية الفلسطينية لا تخص الشعب الفلسطيني فحسب, بل هي قضية العالم العربي والإسلامي برمته, ولذلك فإني لا أرى حلاً غير إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية, وبدونه لا يكتب لأي مشروع النجاح في معالجة الأزمة الراهنة. كما أدعو إلى ضرورة الاحتفاظ بالموقف الموحد للقوى الفلسطينية, إذ إن موقف الدول العربية والإسلامية بعمومه كان موقفاً متفرجاً, سوى بعض الدول والقوى التي ساندت القضية الفلسطينية. ومن الواجب الشرعي والسياسي والأخلاقي المحافظة على هذه الوحدة للموقف, لأنه هو الذي يشكل القوة الحقيقية في مواجهة الخطر الصهيوني).
هذه أهم الأمور التي تناولتها خطب جمعة الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) وهناك أمور سياسية أخرى أقل أهمية منها كما أرى, لم يتسنَّ لي الحديث عنها لضيق المجال المخصص لذلك.
رحم الله الشهيد السعيد, وحشره مع آبائه الطاهرين, وأجداده الميامين, {وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيْقَاً}(3).
والحمد لله رب العالمين, نحمده في السراء, والضراء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
____________
1- النساء: 69.
2- المائدة: 2.
3- النساء: 69.
|
|