دور أهل البيت(عليهم السلام) في بناء المجتمع الإسلامي الصالح
في تراث الشهيد الحكيم(قدّس سرّه)

الدكتور عبد الكريم الزبيدي   
 
 
 
 

بحث قدمه الدكتور عبد الكريم الزبيدي في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م


بسم الله الرحمن الرحيم

لم تكن في الأمة الإسلامية جماعة حظيت بعناية العلماء والباحثين المسلمين كما حظي بذلك أئمة أهل البيت (عليهم السلام). وقد بلغت المؤلفات والأبحاث التي كتبت في أئمة أهل البيت منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا عدداً كبيراً لا يمكن حصره.

ويمكن القول: إن هذه الكتب والأبحاث التي ألفت في أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تعد مكتبة ضخمة تضم الموسوعات الكبيرة إلى جانب الكتب والأبحاث المتوسطة والصغيرة.

ويرى السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) أن غالبيه الأبحاث والدراسات والكتب التي ألفت في أهل البيت ركزت على أمرين:

الأول: الخلافة وولاية الأمر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).

والثاني: المرجعية الفكرية والدينية في شؤون الرسالة الإسلامية(1).

وقد برز من الباحثين من يرى أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم يكن لهم دور سياسي بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، وليس لديهم برنامج سياسي متميز في بناء المجتمع الإسلامي، وأنّ وظيفتهم منحصرة في الجانب الفكري والشرعي الذي يخصّ تعليم أتباعهم العلوم الإسلامية، والتصدي للأفكار المنحرفة عن الإسلام، والإفتاء بالمسائل الشرعية محلّ الابتلاء.

إن هذا المنحى في الأبحاث والدراسات حول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد غيب دور الأئمة في كثير من نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية في المجتمع الإسلامي، ولم يعطهم حقهم الكامل فيما فعلوه للإسلام والمسلمين باعتبارهم القادة المصطفين لقيادة التجربة الإسلامية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخاصّة في الفترة التي أعقبت استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).

وقد لاحظ السيد الحكيم (قدّس سرّه) أنه قد أصاب البحثَ في التراث الفكري والتاريخي والعقائدي الموروث عن أهل البيت, كثيرٌ من الركود والجمود، وأنه لم يتطور بالقدر الذي تطورت به الأبحاث الفقهية والأصولية والرجالية، وأشار إلى أن ما بدأه السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) في الكتابة وإلقاء الدروس حول أهل البيت كان خطوة في اتجاه التجديد والتطوير في الأبحاث في هذا الموضوع، ولكن يد الإجرام الصدّامية اغتالته ولم تمكنه من إتمام هذا المشروع العظيم(2).

إن السيد الحكيم (قدّس سرّه) كان يرى أن الأبحاث والدراسات في أهل البيت ينبغي أن تتناول الأبعاد التالية:

الأول: بيان الأهداف الرئيسة لوجود أطروحة أهل البيت في الرسالة الإسلامية نظرياً وتطبيقياً.

الثاني: بيان وتفسير المواقف التي قام بها كل واحد من أئمة أهل البيت وإيجاد الارتباط بين هذه المواقف وعلاقتها بالأهداف الرئيسة.

الثالث: تناول القضايا الفكرية والعقائدية والشرعية التي تميز بها مذهب أهل البيت, من ناحية ارتباطها بالنظرية الإسلامية في أهل البيت.

الرابع: سيرة أتباع أهل البيت بعد غيبة الإمام الحجة (عج)، وبيان دورهم في تحمل المسؤوليات الكبرى التي تتصل بالنظرية الإسلامية في أهل البيت(3).

إن دراسة أطروحة أهل البيت في ضوء الأبعاد السابقة تهدي الباحث إلى معرفة دور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في المجتمع الإسلامي، وكان السيد الحكيم (قدّس سرّه) يرى أن دور أئمة أهل البيت يتحدد في الأمور الخمسة التالية(4):

1 ـ قيادة الحكم الإسلامي أو ولاية الأمر.

2 ـ المرجعية الفكرية والدينية للمسلمين.

3 ـ الدفاع عن الإسلام.

4 ـ الدفاع عن الأمة الإسلامية.

5 ـ بناء الجماعة الصالحة التي تتحمل المسؤوليات الخاصة(5).

إن دور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في المجتمع الإسلامي الذي جسده فكر السيد الحكيم (قدّس سرّه)، يعد انطلاقه رائدة لكل الباحثين الإسلاميين، سواء كانوا من المؤلفين في سيرة أهل البيت عموماً، أم من الباحثين الذين يتناولون أحد أئمة أهل البيت بالدراسة والبحث، أو يتناولون موقفاً من مواقفهم بالدراسة والبحث، لتوظيفه في تقويم مواقف الأمة من القضايا الإسلامية والسياسية المعاصرة، ولإنارة الطريق الصالح أمامها، كي تسلكه للوصول إلى بر الأمان.

إن النقاط الخمسة(6) التي حدد فيها السيد الحكيم (قدّس سرّه) دور أهل أئمة أهل البيت في المجتمع الإسلامي كانت منطلقة من نظرته لدورهم العام في الحياة الإسلامية. وفي الحقيقة إن لأئمة أهل البيت دوراً عاماً في المجتمع الإسلامي مارسوه قبل استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، ولهم دور خاص مارسوه في المجتمع الإسلامي بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).

أما الدور العام الذي مارسوه في المجتمع الإسلامي قبل استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) فيمكن إجماله بالأمور التالية:

1 ـ قيادة الحكم الإسلامي، أو رئاسة الدولة الإسلامية.

2 ـ تدبير شؤون الأمة الدينية والدنيوية.

3 ـ الحفاظ على الإسلام الأصيل والدفاع عنه وهداية الناس إليه.

وقد مارس هذا الدور بأبعاده الثلاثة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد مبايعة الأمة له بالخلافة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ومارسه الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) بعد أبيه حتى حصول الصلح بينه وبين معاوية، ذلك الصلح الذي أفضى إلى تنازله (عليه السلام) عن رئاسة الدولة الإسلامية إلى معاوية.

أما بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) فإن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد أُقصوا عن رئاسة الدولة الإسلامية، وتدبير شؤون الأمة الدينية والدنيوية على أسس الإسلام الأصيل الذي جاء به رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) من الله تعالى، وتعرضوا هم وأتباعهم إلى أشد أنواع الاضطهاد السياسي والقمع الجسدي من قبل السلطات التي تسلمت رئاسة الدولة الإسلامية، فضيقت هذه السلطات عليهم، وحاصرتهم، وفرضت عليهم رقابة شديدة، وسجنت بعضهم في سجون انفرادية، وقتلتهم بالسم أو بالقهر السياسي. وقد نتج عن ذلك كله أمران مهمان:


الأمر الأول:

ظهور خط إسلامي منحرف عن الإسلام الأصيل الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله). وقد نشأ هذا الخط عن الاجتهادات الشخصية للأشخاص الذين تولوا قيادة التجربة الإسلامية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تلك الاجتهادات التي تأطرت بإطار الإسلام وصارت جزءاً منه. ثم قام هذا الخط على البدع المصطنعة والأفكار الخاطئة في التشريع وأصوله, وفي الفرائض والسنن, وفي الفكر والتصور عن الله عز وجل والنبي والإمام, وعن طريقة الحكم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وفي الأحكام الممالئة للسلطان المحافظة على أركان حكمه، ثم أحكم هذا الخط بقطع صلة أتباعه ـ وهم أكثر الأمة ـ عن مصدر الإسلام الأصيل ومنبعه الصافي المتجسد بأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فصارت أكثرية الأمّة تأخذ الإسلام من علماء وأئمة لا يؤهلهم عمق وجودهم في الإسلام إلى أن يكونوا مصادر التشريع والفكر الإسلامي للأمة، أو من وعاظ السلاطين والعلماء الذين أخلدوا إلى الدنيا، واشترى السلطان ضمائرهم وعقولهم.


والأمر الثاني:

هو تفرق المسلمين إلى طوائف وفرق، وتصدع وحدتهم وضعفهم، وتسلط الظالمين عليهم، ومعاناتهم من الاضطهاد والقمع والظلم والفقر والتشرد، وطمع أعدائهم المشركين والكفار بهم، وتداعي هؤلاء عليهم كما تداعى الأكلة إلى الوليمة الفاخرة.

وعلى الرغم مما حدث، وما نتج عن إقصاء أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن قيادة التجربة الإسلامية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنّ الله تعالى كان قد وعدهم أن يجعل الإسلام الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) دين الناس جميعاً في الأرض كلها، وأن يكون ظاهراً على الأديان كلها {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه}(7) وأعلمهم أن هذا الوعد يتحقق على يدي الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت المعصومين في آخر الزمان.

وبسبب إقصاء الأئمة (عليهم السلام) عن قيادة التجربة الإسلامية وتدبير شؤون الناس الدينية والدنيوية، وتنصيب مرجعية للأمة بديلة عن مرجعية الأئمة، وقبول أكثرية الأمة بهذه المرجعية، وبسبب ما تعرض له أئمة أهل البيت وأتباعهم من تقتيل وتشريد وسجن واضطهاد، وبسبب وعد الله تعالى لهم أن يجعل دولتهم في آخر الزمان على يدي الإمام الثاني عشر، وأن يجعل الإسلام الأصيل الذي أرسل به رسوله محمداً (قدّس سرّه) دين الناس جميعاً في دولتهم، وبسب معرفتهم بما يتطلب لتحقيق ذلك الوعد الإلهي، كل هذه الأسباب فرضت عليهم أن يحصروا وظيفتهم ودورهم بعد استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) في الحفاظ على الإسلام الأصيل إلى أن يأذن الله بتحقيق وعده على يدي الإمام الثاني عشر (عليه السلام).

إن وظيفة الحفاظ على الإسلام الأصيل كان الأئمة (عليهم السلام) قد حققوها بالوسائل التالية:

1 ـ الحفاظ على وجود الإمام المعصوم الذي يحمل الإسلام الأصيل على طول الزمان، حتى يأذن الله للإمام المعصوم بإقامة دولة الإسلام الأصيل.

2 ـ وجود جماعة من المسلمين تؤمن بالإمام المعصوم، وتحمل فكره على طول الزمان، وتكون رحماً يضمّ الجماعة التي تنصر الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وتؤازره حين يأذن الله له بالخروج لإقامة دولة الإسلام العالمية.

3 ـ تأكيد مرجعية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الفكرية والفقهية للأمة، وفرض إمامتهم من هذه الناحية، لكي ترجع الأمة في أخذ أحكام الإسلام في شؤون حياتها إلى حملة الإسلام الأصيل.

وكان من الخطوات التي خطاها الأئمة (عليهم السلام) لتحقيق هذه الوسيلة إقامة حلقات الدرس التي يلقون فيها علومهم للدارسين الذين كان منهم علماء بارزون، وأئمة مذاهب معروفون، وإقامة ندوات عامة يجيبون فيها عن أسئلة الناس واستفساراتهم، وإقامة المناظرات مع غيرهم من العلماء في القضايا الإسلامية، لتأكيد إمامتهم وأنهم وحدهم حملة الإسلام الأصيل. ومنها أيضاً الإجابة عن المشكلات الفقهية والفكرية التي يحيلها إليهم السلاطين من ملوك عصرهم, بعد أن يعجز عن الإجابة عنها العلماء السائرون في ركبهم.

4 ـ إمداد الأمة بالطاقة اللازمة لممارسة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإبقاء على ضمير الأمة حيّاً في الدفاع عن الإسلام حين يتعرض إلى خطر المصادرة والتمييع من قبل الحكام المنحرفين أو الكفار أو المشركين، وفي إنكار الظلم ورفض الاضطهاد والقهر السياسي(8).

إن وجود الجماعة المسلمة الصالحة التي تؤمن بالإمام المعصوم، وتحمل فكره على طول الزمان يعد نواة وأصلاً للمجتمع الإسلامي الصالح، ولذلك أولاها السيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) عناية خاصة في تفكيره وأبحاثه، لأنه أراد أن يقدم للعاملين في ميادين العمل السياسي والاجتماعي مثالاً واقعياً يتأسون به ويقتدون بهداه(9).

وقد صدر له كتاب خاص في ذلك أسماه (دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة). وقد اعتمدت على هذا الكتاب في بحثي هذا الذي يكشف عن فكر السيد الحكيم (قدّس سرّه) وجهوده في البحث والدراسة حول (دور أئمة أهل البيت في بناء أصل المجتمع الإسلامي الصالح)، ذلك الأصل المتجسد في الكتلة أو الجماعة الإسلامية الصالحة، وهم أتباع أهل البيت وشيعتهم.

وسأحاول في هذا البحث أن أسلط الضوء على فكر السيد الحكيم (قدّس سرّه) فيما يخصّ أهداف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) التي أرادوا تحقيقها من وراء بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، والأسس التي شيدوا عليها بنيان هذه الجماعة.

أهداف أئمة أهل البيت من وراء بناء أصــل المجتمع الإســلامي الصالح (الجماعة الإسلامية الصالحة):

لقد تلمس السيد الحكيم (قدّس سرّه) أربعة أهداف أراد الأئمة تحقيقها من وراء بناء أصل المجتمع الإسلامي الصالح المتجسد بالجماعة الإسلامية الصالحة، ويمكن تلخيصها بما يلي:


الهدف الأول
المساهمة في قيادة التجربة الإسلامية (تسلم الحكم الإسلامي)

إن الأئمة (عليهم السلام) حين أقصوا عن قيادة التجربة الإسلامية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حاولوا أن يعيدوا الحق إلى نصابه ـ كما يرى السيد الحكيم ـ وخططوا لتسلم القيادة، وكان أحد معالم هذا التخطيط بناء الجماعة الصالحة التي يمكن أن يكون لها دور في المساهمة في تسلم الحكم الإسلامي.

وقد استدل السيد (قدّس سرّه) على دور هذه الجماعة بأمثلة كثيرة في حياة الأئمة الثلاثة الأوائل (عليهم السلام)، فذكر أن الإمام علياً (عليه السلام) قد تمكن من بناء هذه الجماعة وتربيتها، وبناء الوضع الروحي والتنظيمي لها، وأنه كان لهذه النخبة الدور المتميز في الصراع الذي خاضه الإمام علي مع مناوئيه. وذكر أن الإمام الحسن (عليه السلام) عمل على الحفاظ على هذه الجماعة، وأنها وقفت معه في صراعه مع معاوية، وقاتلت إلى جانبه في هذا الصراع. وذكر أن هذه الجماعة كان لها دور مهم ورائد في زمن الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد طلبت منه التوجّه إلى العراق للقيام بتسلم قيادة التجربة الإسلامية، ولكن المأساة المروعة قد حصلت وانتهت بقتل الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وصحبه(10).

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أمرين:


الأول:

أن الإمام علياً (عليه السلام) لم يطلب من أتباعه وشيعته أن يساندوه في تسلّم السلطة ممن تولاها بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأنه (عليه السلام) حين رأى الأمة قد رضيت بغيره خلفاء وقادة، خلى بينها وبين من رضيت بهم، وانصرف إلى أتباعه وشيعته المخلصين, يربيهم ويزكيهم ويُعدّهم لحمل الإسلام الأصيل، وأنه (عليه السلام) حين جاءته الأمة قضّها وقضيضها مبايعة له بالخلافة والقيادة, شمر عن ساعديه للقيام بقيادة التجربة الإسلامية، وتدبير شؤون الأمة الدينية والدنيوية، وإصلاح ما فسد من أمورها، وإقامة ما اعوج من سبلها. وأن الإمام الحسين (عليه السلام) تسلّم قيادة التجربة الإسلامية وخلافة الناس ببيعة الأمة له بعد أبيه علي (عليه السلام)، وأن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يأت إلى العراق بطلب من الجماعة الصالحة فحسب لتسلّم الحكم وقيادة التجربة الإسلامية، بل أسهم في هذا الطلب بمجيئه(عليه السلام) إلى العراق أكثرُ الأمة في ذلك البلد.


الأمر الثاني:

أن أئمة أهل البيت بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) جعلوا من الجماعة الإسلامية الصالحة، وسيلة من وسائل الحفاظ على الإسلام الأصيل حتى يأذن الله لوليه الإمام الثاني عشر بتحقيق وعده الكبير.


الهدف الثاني
المحافظة على المجتمع الإسلامي

يرى السيد الحكيم (قدّس سرّه) أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) سعوا إلى تحقيق هدف آخر من وراء بناء الجماعة الإسلامية الصالحة, وهو المحافظة على المجتمع الإسلامي، وذكر أنهم (عليه السلام) حققوا هذا الهدف من خلال عدة أمور:

أ ـ دفع شيعتهم إلى مواجهة حركات الإلحاد والزندقة ومحاولات التفسخ الأخلاقي في كل المدن والأماكن التي كانوا يقيمون بها على امتداد العالم الإسلامي. وأشار إلى أن شيعة أهل البيت كان لهم دور كبير في صدّ عمليات الغزو الأجنبي التي واجهها العالم الإسلامي في المرحلة المتأخرة من الدولة العباسية، كما يظهر من مواقف الحمدانيين في بلاد الشام، والأدارسة في شمال أفريقيا.

ب ـ وتربية شيعتهم تربية حسنة ليجعلوا منهم قدوة صالحة للمسلمين.

ج ـ وتربيتهم على التقية، ليحققوا بذلك الوحدة في المجتمع الإسلامي.

د ـ وتربيتهم على الالتزام بالمبدئيّة والمثل العليا، لكي يحفظوا تلك المثل في المجتمع الإسلامي.

هـ ـ وتربيتهم على إشاعة روح الأخوة الإسلامية بين المسلمين، كي لا يشيع مفهوم العنصرية والقومية بين مكونات المجتمع الإسلامي.

و ـ وإذكاء روح التضحية والفداء ورفض الظلم والطغيان(11).

وأودّ أن أشير هنا إلى أنّ القصد من عقد الدراسات والندوات والمؤتمرات حول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو الإفادة من مواقف الأئمة وأتباعهم لتقويم مواقف الأمة الإسلامية عامة، والكتلة الإسلامية الصالحة خاصة من القضايا المعاصرة، ولإنارة الطريق أمامهم للوصول إلى الموقف الصحيح الذي يحقق مصلحة الإسلام والمسلمين.

وبناء على ما ثبته السيد الحكيم (قدّس سرّه) من سعي أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لتحقيق المحافظة على المجتمع الإسلامي عن طريق تربية أتباعهم وشيعتهم للقيام بالأمور السابقة، فإنه يجب علينا أن نقوّم مواقفنا المعاصرة من كثير من الأحداث السياسية التي تعصف بالمجتمع الإسلامي.

وعلى سبيل المثال: إذا أراد أعداء الإسلام والمسلمين أن يغزوا بلاد المسلمين، تحت حجة توافق مصلحة لنا، فهل يكون موقفنا صحيحاً بالوقوف معهم؟ أو بدعوتهم للقيام بذلك؟ أو بتقديم المساعدة لهم لتحقيق ذلك؟ أو بتقديم المشورة والنصح لهم وتنبيههم إلى أمور تمكنّهم من رقاب المسلمين؟ وهل يكون موقفنا صحيحاً إذا نظرنا إلى مصلحتنا، في الوقت الذي تتضرر فيه مصلحة الإسلام والمسلمين عموماً، أو تضعف فيه شوكة الإسلام والمسلمين؟ أو نسهم بتقديم موضع قدم لأعداء الإسلام في أرض المسلمين؟ وهل يكون موقفنا صحيحاً إذا طلبنا العيش الرغيد لأنفسنا دون بقية المسلمين؟ أو نقول لبقية المسلمين: دعونا نعيش بسلام ليست لنا علاقة بكم، وليست لكم علاقة بنا؟ أو إذا رأينا شعباً من المسلمين يتعرض إلى الظلم والاضطهاد، نقول لأنفسنا: دعهم يذهبون إلى الجحيم ما دمنا سالمين؟


الهدف الثالث
حفظ الشريعة الإسلامية من التحريف

حاول السيد الحكيم (قدّس سرّه) أن يتلمس هدفاً ثالثاً سعى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى تحقيقه من وراء بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، وهو حفظ الشريعة الإسلامية من التحريف. وكان السيد الحكيم يرى أن الأئمة حققوا هذا الهدف بالأمور التالية:

أ ـ حث شيعتهم على الالتزام بمبدأ مقاومة الظالمين ومواجهتهم، وبذلك حفظوا الشريعة من محاولات التحريف والتضليل التي فعلها المحدّثون والفقهاء التابعون للسلطات الحاكمة, من خلال إشاعتهم الأحاديث التي تبرر الاستسلام للظالمين، والقبول بحكمهم وسلطانهم.

ب ـ وضع أسس مبدأ الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية ضمن الضوابط والأسس التي تعتمد أساساً على الكتاب والسنة.

ج ـ تربية شيعتهم على الحرية في التفكير, والتأمل في مختلف القضايا الفلسفية والكلامية. وقد أسهم هذا الأمر في جعل شيعتهم قادرين على الإبداع والتطور في فهم القضايا الفلسفية والكلامية.

د ـ تربية شيعتهم على التقوى والعدالة في الشهادات والقضاء وقبول رواية الراوي على أساس الوثاقة، بغض النظر عن انتمائه السياسي.

هـ ـ حث شيعتهم على تدوين وحفظ الأحاديث والنصوص في جميع الموضوعات الشرعية. وقد أسهم هذا الأمر في حفظ النصوص الشرعية(12).


الهدف الرابع
التمهيد للظهور

وجد السيد الحكيم (قدّس سرّه) هدفاً رابعاً سعى أئمة أهل البيت إلى تحقيقه من وراء بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، وهو التمهيد لظهور الإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وقد حقق الأئمة هذا الهدف من خلال طرح فكرة الإمام المهدي في أحاديثهم إلى شيعتهم، والتبشير به، وذكر أوصافه وعلامات خروجه، حتى صار هذا الأمر أحد أسس الفكر لشيعة أهل البيت، وقد نتج عنه فكرة التمهيد لظهور الإمام المهدي، وأصبحت هذه الفكرة أساساً لعمل الشيعة في عصر الغيبة(13).

لقد أشرت سابقاً أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) انحصرت وظيفتهم في الحفاظ على الإسلام الأصيل، وأنهم (عليهم السلام) قد حققوا ذلك بعدة وسائل، وكان من تلك الوسائل بناء الكتلة الإسلامية الصالحة التي تحمل الإسلام الأصيل. وبناء على هذا فإنه يمكن القول بأن الأهداف الأربعة السابقة التي ذكرها السيد الحكيم (قدّس سرّه) هي في الحقيقة وحدات بنائية شيد بها أئمة أهل البيت جسم الجماعة الإسلامية الصالحة التي جعلوها وسيلة من وسائل تحقيق وظيفتهم في الحفاظ على الإسلام الأصيل.


أسس الجماعة الإسلامية الصالحة

المقصود بأسس الجماعة الإسلامية الصالحة تلك الوحدات الأساسية التي يقوم عليها الهيكل العام لهذه الجماعة، والتي بوجودها مجتمعة توجد الجماعة الإسلامية الصالحة، وإذا فقد بعضها أو عطل أو غيب انتفت صفة الصلاح عن هذه الجماعة، ثم انتفت الغاية من وجودها. ويمكن التعرف إلى تلك الوحدات بدراسة آثار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في إيجاد الجماعة الإسلامية الصالحة, وبدراسة آثار تلك الجماعة في نفسها وفي المجتمع الإسلامي، وقد استطاع السيد الحكيم (قدّس سرّه) أن يتعرف أربعة من تلك الأسس، ذكرها في الباب الثاني من كتابه الموسوم بـ (دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة)، تحت عنوان: (القواعد والأسس)، وهي: الفكر والعقيدة، والجانب الأخلاقي، والجانب الثقافي، والجانب الروحي والمعنوي. وقد تعرفت أسساً أخرى لم يشر إليها السيد (قدّس سرّه) باعتبارها أسساً شيد عليها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بنيان الجماعة الإسلامية الصالحة. وسأعرض الأسس التي ذكرها السيد (قدّس سرّه)، والتي لم يذكرها بإيجاز كما يلي:


الأول
الأساس العقديّ والفكري

حرص أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على إنشاء الجماعة الإسلامية الصالحة على أساس العقيدة الإسلامية الصحيحة، لأنّ سلوك أيّ إنسان في الحياة هو نتيجة حتمية لعقيدته في الكون والحياة والإنسان. وقد جعل الأئمة (عليهم السلام) القرآن الكريم والسنّة الشريفة المنبع الأصيل للعقيدة الإسلامية الصحيحة، والفكر الإسلامي المستقيم. وكان السيد الحكيم (قدّس سرّه) يرى أن أساليب الاحتجاج والمناقشة للأفكار الأخرى التي صدرت عن الأئمة (عليهم السلام) وتضمنت أدلة من القرآن والسنة الشريفة تعدّ دليلاً واضحاً على جعلهم القرآن الكريم والسنة الشريفة أصلاً للأساس الفكري والعقدي لبناء الجماعة الإسلامية الصالحة(14).

ويمكن أن نتلمس أهم جوانب العقيدة الصحيحة التي قام عليها بناء الكتلة الإسلامية الصالحة فيما يلي:


1 ـ توحيد الله تعالى:

وهو يعني إخلاص العبودية لله عزّ وجلّ، والتحرر من كلّ عبوديات الدنيا، كعبودية المال والسلطان والجاه والهوى وغيرها من عبوديات الأرض. وقد جعل الأئمة (عليهم السلام) من توحيد الله تعالى أساساً لشرح العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بصفات الله تعالى وأفعاله، وخلق الإنسان والكون، وفيما يتعلق بالعدل والجبر والاختيار والقدر، وفيما يتعلق بالموت والمعاد، وغير ذلك.


2 ـ النبوة:

وتعني الإيمان بأن الله تعالى أرسل الأنبياء الذين كان خاتمهم محمد (صلى الله عليه وآله) لغرض هداية الإنسان إلى الله تعالى، رحمة من الله بالإنسان. وقد جعل الأئمة من النبوة أساساً لشرح العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بالغرض من خلق الإنسان الذي هو الاستخلاف في الأرض، وما يتعلقّ بالأنبياء كالوحي إليهم، وعصمتهم من الخطأ، وما يتعلق باصطفاء الله تعالى أئمة مهديين لقيادة التجربة الإسلامية بعد رسوله محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو ما اصطلح عليه بـ (الإمامة) الذي يعني اصطفاء الله تعالى اثني عشر إماماً ليقودوا التجربة الإسلامية بعد رسوله محمد (صلى الله عليه وآله).

وقد أشار السيد الحكيم (قدّس سرّه) إلى هذه الجوانب في حديثه عن (الشمول والعقائد)، فذكر أن تناول الأئمة (عليهم السلام) للجانب العقدي كان شاملاً لمختلف القضايا العقدية، ولم يتركوا فراغاً يتصرف فيه المجتهدون بآرائهم واجتهاداتهم واستنباطاتهم، وقال: (إنّ أهل البيت لم يقتصروا في طرحهم للجانب العقائدي على أصول العقائد الإسلامية كالتوحيد والنبوة والمعاد فحسب، بل شمل المجالات المختلفة، مثل قضايا العدل، والإمامة، والجبر والاختيار, والقدر، والكفر والإيمان وعلاقتهما بالعمل، والعصمة والعدالة، والموت والحياة، وسنن التاريخ, والابتلاء، والولاء والحب والبغض، والأخلاق، وظهور المهدي في آخر الزمان، ومعالم الآخرة، كالبرزخ، والبعث والنشور، والحوض والصراط، والرؤية والحساب والشفاعة، والجنة والنار، والعذاب والخلود في النار والجنة، والحسن والقبح، والوحي الإلهي، والعقل) (15).


الثاني
الأساس الأخلاقي

اهتم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأن تكون الأخلاق الإسلامية أساساً من الأسس التي يقوم عليها بناء الجماعة الإسلامية الصالحة. وكان السيد الحكيم (قدّس سرّه) يرى أن الأئمة (عليهم السلام) قد أقاموا الأساس الأخلاقي من عدد من الوحدات الأخلاقية، أهمها:

1 ـ كون الإنسان مدركاً بفطرته للحسن والقبح، وهذا الإدراك هو الذي يهديه إلى محاسن الأخلاق، ويهديه أيضاً إلى كثير من الحقائق الإلهية التي منها: إدراك الإنسان بأن الحكم الشرعي الصادر من الله تعالى يعبرّ عن المصالح المرتبطة بحياة الإنسان، ومسيرته التكاملية في هذه الحياة، فهو ـ أي الحكم الشرعي ـ ذو بعد أخلاقي، وفي هذا الصدد يشير السيد (قدّس سرّه) إلى أهمية المعركة الكلامية التي خاضها الأئمة (عليهم السلام) وحددوا فيها البعد الأخلاقي في الأحكام الشرعية من خلال قضية الحسن والقبح في الإرادة الإنسانية، ومن خلال طرح (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين) في علاقة الإرادة الإنسانية بالإرادة الإلهية(16).

2 ـ إعطاء الإيمان الحقيقي بعداً عمليّاً، لإخراجه من حالة الاعتقادية المجردة إلى الممارسة السلوكية والعملية والتطبيقية، وذكر أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يربون أتباعهم على أنّ درجة إيمان الشخص تقاس بدرجة تطبيق هذا الإيمان في سلوك وتعامل الشخص تطبيقاً عملياً.

ويرى السيد (قدّس سرّه) أن الأئمة استطاعوا بذلك أن يوثقوا العلاقة بين الالتزامات السلوكية والأخلاقية وبين الإيمان(17).

3 ـ كون الجماعة الصالحة قدوة لعموم المسلمين، وفي هذا الصدد يقول السيد الحكيم (قدّس سرّه): (ولا شكّ أنّ الأخلاق والمثل والقيم والالتزامات السلوكية المنسجمة معها هي التي يمكن أن تعطي هذا الدور للجماعة الصالحة في المجتمع الإسلامي)(18).

4 ـ كون الجماعة الصالحة تتصف بالعدالة في إدلاء أفرادها بشهاداتهم في الخصومات، وقضايا الطلاق وغيرها، وفي حالات الإفتاء والقضاء، وإمامة الناس في الصلوات وغيرها. وفي هذا الصدد يقول السيد (قدّس سرّه): (أصبح للعدالة في ذهنية أتباع أهل البيت وأوضاعهم النفسية والروحية موقع خاص، ولها تأثير عميق في موقفهم من المجتهدين والقضاة والمتصدّين للأعمال السياسية والنشاطات العامة)(19).

5 ـ كون جهاد النفس مع الهوى والشهوات صفة واجبة في أفراد الجماعة الإسلامية الصالحة. وذكر السيد (قدّس سرّه) في هذا الصدد أن الأئمة عملوا على تثبيت جهاد النفس في أتباعهم عن طريق تقوية الارتباط بالله تعالى، واستخدام العقل الذي يهدي إلى الحق، وعن طريق التقوى وإصلاح النفس، وعن طريق الصبر على الطاعة، والالتزام بالواجبات، ومحاسبة النفس، ومراقبة الأعمال والنشاطات التي يقومون بها، وعن طريق الإنابة والتوبة إلى الله تعالى عند الخروج عن الاستقامة والعدل، عن طريق تشخيص مواضع ضغوط الهوى، مثل حب النفس والشهوات وغير ذلك، وعن طريق إيجاد الحصانة والمناعة في النفس من الوقوع في الخطأ أو الخروج عن الاستقامة(20).


الثالث
الأساس الثقافي

اهتمّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأن تكون الثقافة أساساً من الأسس التي يقوم عليها بناء الجماعة الإسلامية الصالحة.

إن دراسة جهود الأئمة (عليه السلام) في بناء هذا الأساس تظهر أنهم كانوا يعملون على تأسيسه على ركيزتين، وأنهم أعطوا لكليهما اهتماماً متساوياً.


الركيزة الأولى ـ المناهج الثقافية والتعليمية:

وكان السيد الحكيم (قدّس سرّه) قد وجد أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا قد حققوا هذه الركيزة بالعمل في أربعة خطوط أو اتجاهات:

1 ـ حرية الفكر والاجتهاد، أي الحرية في الفكر، والحرية في التعبير، والحرية في الاختيار. وأكد الأئمة (عليهم السلام) على أن تستمد هذه الحرية وجودها من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ومن مرجعية أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، لأنهم يمثلون المرجع المختار من الله تعالى بعد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في تبليغ الإسلام وأحكامه.

2 ـ الحث على طلب العلم، خصوصاً علوم الشريعة. ويعدّ وجود النصوص الكثيرة الصادرة من الأئمة لأتباعهم في حثهم على طلب العلم، والعلم الشرعي خصوصاً، أحسن دليل على جهود الأئمة (عليهم السلام) في هذا الخط. وقد أكد الأئمة على أن يكون العلم الذي حثوا أتباعهم على طلبه مؤطراً بالأخلاق من جهة، وبالمنهج العلمي في البحث الذي يؤدي إلى الوصول إلى الحقيقة واليقين من جهة ثانية، وبتدوين العلم, سواء كان ممثلاً بالقرآن الكريم وعلومه، أم الحديث وعلومه من جهة ثالثة، وببذل العلم وتعليمه لمن يطلبه من جهة رابعة.

3 ـ التنوع في أساليب التثقيف والتعليم، كما تقتضيه المرحلة الزمنية والحالة السياسية والاجتماعية للأمة. وقد وضع الأئمة (عليهم السلام) دليلاً مرشداً لهذا الخط وهو الدعاء، والوصية، والرسائل، والبيانات، والزيارات التي يزار بها الأئمة، والمجالس التي منها المجالس الحسينية.

4 ـ التنوع في الثقافة والتخصصات العلمية. وقد ظهر هذا الخط جلياً في حث الأئمة (عليهم السلام) أتباعهم على أهمية التنوع في مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية. وقد برز من أتباع أهل البيت ـ نتيجة لهذا التوجه ـ علماء مختصون بعلم الكلام، مثل هشام بن الحكم، ومختصون في القرآن، مثل أبان بن تغلب، وفي الفقه، مثل زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وفي التاريخ، مثل أبان الأحمر البجلي، وسليم بن قيس، ولوط بن يحيى، وفي العلوم الطبيعية، مثل جابر بن حيان(21).


الركيزة الثانية ـ المؤسسات الثقافية والعلمية:

اهتمّ الأئمة بإيجاد هذه المؤسسات، ليكتمل الأساس الثقافي للجماعة الصالحة، لأنّ المناهج التعليمية والثقافية تحتاج إلى مؤسسات علمية تنفذ فيها. وقد وجد السيد الحكيم (قدّس سرّه) نوعين من المؤسسات الثقافية والعلمية أوجدها الأئمة (عليهم السلام) لتنفيذ مشروعهم الثقافي والتعليمي في أتباعهم:


1 ـ المدارس العلمية:

وقد اشتهر منها:


أ ـ مدرسة الكوفة:

قامت هذه المدرسة منذ الأيام الأولى لانتقال الإمام علي (عليه السلام) من المدينة المنورة إلى الكوفة، بعد أن تولى الخلافة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، واكتملت شخصية هذه المدرسة، ووقفت على قدميها أيام الإمام الصادق (عليه السلام)، فقد طارت شهرتها في الآفاق، وانتشر تلاميذها الذين درسوا على الإمام الصادق (عليه السلام) في جميع البلدان الإسلامية، وكلّ يقول: (حدّثني جعفر بن محمد الصادق).


ب ـ مدرسة بغداد:

وامتدّ عطاء مدرسة الكوفة إلى بغداد في عصر الإمام الحسن العسكري، وعصر الغيبة الصغرى للإمام الحجة بن الحسن، وأصبح لهذه المدرسة صفات تميزت بها في عصر الشيخ المفيد، والمرتضى، والشيخ الطوسي.


ج ـ مدرسة النجف

الأشرف: وانتقلت مدرسة بغداد في عصر الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف.


د ـ مدرسة الحلة.


2 ـ الشعائر الحسينية:

أوجد الأئمة (عليهم السلام) الشعائر الحسينية كالزيارات والمجالس الحسينية وغيرها، لتكون مساندة للمدارس العلمية. وقد كان لهذه الشعائر دور كبير في تثقيف أتباع أهل البيت، واتخذها الأئمة(عليهم السلام)قاعدة لتحركهم داخل الأمة(22).


الرابع
الأساس الروحي والمعنوي

اهتمّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأن يكون الجانب الروحي والمعنوي أساساً من الأسس التي أقاموا عليها بنيان الجماعة الصالحة. ويتكون هذا الأساس من المشاعر والأحاسيس الروحية والمعنوية التي يتأثر بها سلوك الإنسان مباشرة. وقد وجد السيد الحكيم (قدّس سرّه) أن الأئمة (عليهم السلام) قد أوجدوا مشاعر وأحاسيس روحية ومعنوية في أتباعهم بصفة مستمرة عن طريق الفعاليات التالية:


أ ـ الدعاء:

استعملوا الدعاء باعتباره فعالية ترقى بالفرد من أتباعهم إلى الدرجات العليا في التزود بالطاقة الروحية والمعنوية. ويدلّ على عناية الأئمة (عليهم السلام) بالدعاء ما تركوه من العدد الكبير من مختلف الأدعية القصيرة والطويلة في الأيام المختلفة من السنة، والمواسم الإسلامية.


ب ـ الصلوات المستحبة:

حثّ الأئمة (عليهم السلام) أتباعهم على أداء الصلوات المستحبة في اليوم والليلة، كنافلة الليل، ونوافل الصلوات الخمس، والصلوات المستحبة في المناسبات الإسلامية.


ج ـ الوصايا والمواعظ:

استعملها الأئمة (عليهم السلام) لتقوية الطاقة الروحية والمعنوية في أتباعهم.


د ـ ربط الجماعة الصالحة بثورة الإمام الحسين (عليه السلام):

استطاع الأئمة (عليهم السلام) أن يمدوا أتباعهم بالطاقة الروحية والمعنوية بصفة مستمرة، من خلال ربطهم بثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، وما جسدته هذه الثورة من أسمى مصاديق إنكار الظلم، والتضحية والتنازل عن الدنيا وشهواتها من أجل الدين والعقيدة والمبدأ (23).


الخامس
ولاية القيادة الإلهية المصطفاة

اهتم الأئمة (عليهم السلام) بترسيخ أساس ولاية الإمام المعصوم الذي اصطفاه الله تعالى في بناء الجماعة الإسلامية الصالحة. ويعني هذا الأساس أن هذه الجماعة يجب أن تطيع الإمام المعصوم، لأنه مصطفى من الله تعالى، وتطيعه وتنصره. وقد كان الأئمة (عليهم السلام) لا يتوانون عن ترسيخ هذا الأساس في أتباعهم وشيعتهم بالقول والفعل, ومن ذلك ما روي عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية».

قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟

قال:

«الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن، والولي هو الدليل عليهن...»

ثم قال:

«ذروة الأمر, وسنامه ومفتاحه, وباب الأشياء, ورضا الرحمن, الطاعة للإمام بعد معرفته. إن الله عز وجلّ يقول: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}(24). أما لو أن رجلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله عزّ وجلّ حق في ثوابه، ولا كان من أهـل الإيمان»(25).

ولم يجعل السيد الحكيم (قدّس سرّه) ولاية القيادة الإلهية المصطفاة أساساً من أسس بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، ولكنه قد أشار إلى ذلك في بحث (التكامل بين العقيدة والمذهب)، وذكر أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يراعون التكامل المذهبي والعقائدي في بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، وذلك بالتأكيد على أنّ الإمامة لها بعد إلهي يشبه بعد الرسالة ومسؤولياتها، باستثناء الوحي، لأنّ الامام منصوب من قبل الله تعالى, كما أن الرسول مبعوث ومرسل منه تعالى(26).

وقال في موضع آخر: (فقد سلك أهل البيت (عليهم السلام) في ترسيخ الإيمان والعقيدة والالتزام بالمذهب الصحيح على مستوى الجانب الروحي والمعنوي, منهج تصعيد درجة الحب والولاء لهم، وتعميق جذوره وأصوله... ولم يقتصروا في ذلك في الأدلة والبراهين والبيانات الصحيحة، بل استخدموا المشاعر والعاطفة في ترسيخ ذلك)(27).

وذكر في موضع آخر دور ولاية أهل البيت في بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، وأشار إلى أربع نقاط، هي:

1 ـ التأكيد من أهل البيت (عليهم السلام) لدور الولاية في بناء المجتمع الإسلامي، وإقامة العدل والصلاح.

2 ـ التأكيد على درجة حب أهل البيت في الخلاص والنجاة يوم القيامة.

3 ـ التأكيد منهم (عليهم السلام) على أن التشيع الحقيقي لأهل البيت إنما هو بالالتزام بنهجهم والأخذ بطريق الورع والتقوى والاجتهاد في تطبيق الحكم الشرعي.

4 ـ التأكيد على أن حبّ أهل البيت عامل من عوامل الوحدة للأمة الإسلامية، والرابط المتين بين الجماعة الصالحة وبقية الأمة(28).


السادس
البراءة من أعداء الله تعالى

أهتم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأن يجعلوا البراءة من أعداء الله تعالى أساساً في بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، وذلك لأجل حمايتهم من أعداء الله ومحاولاتهم المستمرة في حرف المسلمين عن الإسلام الأصيل. وقد كان لهذا الأساس دور فاعل في حفظ بناء تلك الجماعة، وتحصينها من تأثيرات مناهج أعداء الله وثقافاتهم.

إنّ السيد الحكيم (قدّس سرّه) لم يجعل (البراءة من أعداء الله تعالى) أساساً من أسس بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، ولكنه أشار إليه في بحث (المنطلقات والخطوط السياسية)، وذكر أن أهل البيت (عليهم السلام) وضعوا عدة منطلقات للحركة السياسية التي تكون الإطار السياسي الذي تتحرك فيه الجماعة الصالحة، وتنطلق منه رؤاها للأحداث والمواقف، وجعل (البراءة من أعداء الله وأهل البيت) من تلك المنطلقات.

وقال في هذا الصدد: (فلا يكفي الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، وحبهم والإيمان بولايتهم لتشخيص المسار السياسي، بل لا بد من أن ينظم إلى ذلك الالتزام بمنهج وسياسة التبرؤ والمعاداة لأعداء الله، وأعداء الإسلام، وأعداء أهل البيت. ومن هذا المنطلق يأتي الموقف الذي عرف عن أهل البيت في معاداة الظالمين، وحرمة معاونتهم، وضرورة مقاومتهم بشتى الطرق والوسائل، بعيداً عن المنافع الخاصة، والمصالح الضيقة)(29).

وبناء على ما ذكره السيد (قدّس سرّه) فإن ولاية القادة المصطفين، والبراءة من أعداء الله وأعدائهم, أساسان مهمان في بناء الجماعة الإسلامية الصالحة، ولذلك جعلتهما أساسين من الأسس التي شيد عليها بنيان شيعة أهل البيت. وقد أولاهما الأئمة (عليهم السلام) عناية ورعاية شديدتين في بناء أتباعهم وشيعتهم، وجعلوا منهما علامة فارقة للجماعة الإسلامية الصالحة، تتميز بها عن غيرها من الجماعات الإسلامية التي والت غير أئمة أهل البيت.

وإذا رجعنا إلى قول السيد الحكيم (قدّس سرّه): (ومن هذا المنطلق يأتي الموقف الذي عرف عن أهل البيت في معاداة الظالمين، وحرمة معاونتهم، وضرورة مقاومتهم بشتى الوسائل، بعيداً عن المنافع الخاصة، والمصالح الضيقة(فإنه يجب علينا ـ باعتبارنا شيعة أهل البيت ـ أن نستفيد من قول السيد (قدّس سرّه) الكاشف عن دور أهل البيت في تأسيس بنيان شيعتهم على (البراءة من أعداء الله)، وأن نجعل مواقفنا مطابقة لموقف أهل البيت (عليهم السلام) في البراءة من أعداء الله تعالى، وأن نقوَّم مواقفنا من الأحداث التي تعصف بالمسلمين في وقتنا الحاضر في ضوء الأسئلة التالية:

هل أظهرنا البراءة من أعداء الله, وأعداء أهل البيت, الذين يريدون بالإسلام والمسلمين شراً؟

هل نعادي أعداء الله وأعداء الإسلام, أو نظهر لهم المودة والرضا، ونأمل منهم أن يغيروا حالنا إلى أحسن حال؟

هل حرّمنا على أنفسنا معاونتهم في قول أو فعل أو تقديم نصح أو مشورة لهم, أو بادرنا مسرعين بمد يد العون إليهم، مع علمنا أن ذلك يمكنهم من رقاب المسلمين، ويثبت أقدامهم في أرض المسلمين؟

هل قدمنا مصلحة الإسلام والمسلمين على مصالحنا الضيقة في تعاملنا مع أعداء الله وأعداء الإسلام؟

وباعتبارنا شيعة أهل البيت، فهل نحن الجماعة الإسلامية الصالحة التي حرص أهل البيت على بنائها، إذا ظهرت فينا مظاهر الولاء والمودة لأعداء الله وأعداء الإسلام والرضا بهم؟ أو إذا برزت فينا مظاهر الاستعانة بأعداء الله في تدبير شؤون حياتنا؟ أو إذا برزت فينا مظاهر تقديم مصالحنا الخاصة الضيقة على مصلحة الإسلام والمسلمين؟


السابع
العزة والكرامة

أكد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على أن يؤسس بنيان الكتلة الإسلامية الصالحة على أساس العزة والكرامة، ويعني هذا الأساس من جهة السلب: الامتناع عن الذل والهوان والخنوع والشعور بالضعف مهما كانت الحوادث والأيام، ومهما تعرض أفراد هذه الكتلة إلى الاضطهاد والقهر السياسي، وإلى الحرب في الأرزاق، وإلى مصادرة الحقوق في التعبير عن الرأي، والعيش بأمان، ومهما تعرضوا إلى الملاحقة والمطاردة والسجن والقتل. ويعني من جهة الإيجاب الامتلاء بالشعور بالأصالة والريادة والقيادة والانتماء إلى القوة المطلقة التي وعدتهم بالنصر {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً}(30).

إنّ السيد الحكيم (قدّس سرّه) لم يجعل (العزة والكرامة) أساساً من الأسس التي شيد عليها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بنيان الجماعة الإسلامية الصالحة، ولكنه أشار إلى ذلك في حديثه عن (ثورة الإمام الحسين (عليه السلام))، وعن الجانب الروحي في الجماعة الصالحة، وخاصة في حديثه عن التضحية والفداء والمحنة والروح المعنوية والمقاومة والصبر، وجعل (العزة والكرامة) صفة ثابتة في الجماعة الإسلامية الصالحة(31).

والحق أن العزة والكرامة تعد أساساً مهماً من الأسس التي شيد عليها الأئمة (عليهم السلام) بنيان الكتلة الصالحة، لأنّ الجماعة التي يمتلئ كيانها بالعزة والكرامة هي الجماعة المؤهلة للقيام بوظائفها في المجتمع الإسلامي، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والدفاع عن الإسلام والمسلمين، وبذل التضحيات الكبيرة من أجل دين الله. وهي الأمة الحية التي يبقى ضميرها حياً في إنكار الظلم، والدفاع عن المظلومين، وإغاثة الملهوفين، والوقوف إلى جانب المستضعفين، واستشعار الخطر الداهم على الإسلام من أي جهة تحاول تشويه الإسلام، أو مصادرته في حياة الناس، أو تمييعه في نفوسهم، أو عزله عن الحكم في الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للأمة.

إن الجماعة التي تفقد العزة والكرامة تلبس ثياب الخضوع والخنوع والذل، ولا تكون صالحة للقيام بالوظائف السابقة.

وفي ضوء الحقيقة التالية: (الجماعة التي يمتلئ كيانها بالعزة والكرامة هي الجماعة المؤهلة للقيام بوظائفها السابقة في بناء المجتمع الإسلامي الصالح) يجب علينا ـ باعتبارنا شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ـ أن نقوَّم مواقفنا من الأحداث التي تمر علينا خاصة، وعلى الأمة الإسلامية عامة، لنحدد الإجابة عن السؤال التالي، في ضوء الحقيقة السابقة: هل نحن فعلاً الجماعة الإسلامية الصالحة التي بناها أهل البيت (عليهم السلام) لتقوم بوظائفها الخاصة في بناء المجتمع الإسلامي الصالح؟


الثامن
الإيمان بالإمام المهدي (عج) والإيمان بالوعد الإلهي بالنصر

أكد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومون (عليهم السلام) واحداً بعد آخر على الإيمان بالإمام المهدي، والوعد الإلهي بالنصر للجماعة الإسلامية الصالحة، وجعلوا هذا الأمر أساساً من الأسس التي شيدوا عليها بنيان هذه الجماعة. والدليل على أهمية هذا الأساس أن الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة من بعده قد أولوه عناية كبيرة، حتى أصبحت قضية الإمام المهدي تكليفاً شرعياً يؤديه كل إمام لشيعته وأتباعه في عصره.

إن السيد الحكيم (قدّس سرّه) لم يجعل (الإيمان بالإمام المهدي (عليه السلام) والوعد الإلهي بالنصر) أساساً من الأسس التي شيد عليها الأئمة (عليهم السلام) بنيان الكتلة الصالحة، ولكنه أشار إلى قضية الإمام المهدي (عج) في حديثه عن (الجانب الروحي والمعنوي للجماعة الإسلامية الصالحة). وكان السيد (قدّس سرّه) قد جعل هذا الجانب الأساس الرابع من أسس بناء الجماعة الإسلامية الصالحة(32).

إن أهمية هذا الأساس تظهر في الوظائف التي يحققها في الكتلة التي تؤمن بالإمام المهدي(عج) وأهم هذه الوظائف:

1 ـ استشعار الكتلة الصالحة وجود الإمام المعصوم إلى جانبها في كل زمان، وهذا الأمر يحقق لهذه الكتلة الشعور بالقوة، ويمدها بالقدرة اللازمة على الثبات على الحق. ولذلك كان الأئمة (عليهم السلام) يؤكدون على أن الإمام الثاني عشر، الملقب بالمهدي (عليه السلام) يبقى حياً طول الزمان، ولكن الله تعالى يغيبه عن الأنظار، وقد تطول غيبته إلى أن يأذن الله له بالظهور ليحقق على يديه وعده بالنصر للإسلام وحملته الحقيقيين.

2 ـ تركيز مفهوم كون هذه الكتلة تمثل الحق، وذلك من خلال شعور الفرد المنتمي لهذه الكتلة بأنه يمارس واجباته وتكليفاته الشرعية والدينية تحت راية الإمام المعصوم الحي، ورعايته وتسديده.

3 ـ الإمداد بروح الصبر والثبات، وذلك من خلال شعور أفراد هذه الكتلة بالانتماء إلى إمام معصوم حي، يطلع باستمرار على فعاليات ونشاطات أتباعه، فيكون شاهداً عليهم أمام الله تعالى يوم القيامة، وفي الحياة الدنيا يكافئ من يصبر على الحق بالدعاء له أن يكون من أصحابه حين يأذن الله له بالخروج لإقامة دولة الحق.

4 ـ الإمداد بالأمل، وطرد اليأس، من خلال شعور أفراد هذه الجماعة بأن الله تعالى وعدهم بأن الإمام المهدي هو الذي يؤسس بمعونتهم ونصرتهم دولة لحق والعدل في الأرض كلها، وفي ظل هذه الدولة ينعم الناس جميعاً بالعدل والأمن والغنى والحياة السعيدة.

وعلى هذه الأسس مجتمعة شيد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بنيان الجماعة الإسلامية الصالحة التي سميت بأتباع أهل البيت وشيعتهم، وإذا تقوض أساس من تلك الأسس تفقد هذه الجماعة صفة (الصلاح)، وتفقد انتماءها إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وبالآخر لا تستحق أن تكون أصلاً للمجتمع الإسلامي، ولا أهلاً لحمل الإسلام الأصيل، ولذلك يجب على أفراد هذه الجماعة أن يراجعوا أنفسهم ومواقفهم باستمرار في المجتمع الإسلامي، لكي يحافظوا على تلك الأسس، ويستحقوا اسم الجماعة الإسلامية الصالحة.

والله الموفق، وهو الغاية.

____________

1- السيد محمد باقر الحكيم, دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة, المجمع العالمي لأهل البيت, قم، 1997 م ـ 1418 هـ, 1: 12 ـ13.

2- المصدر السابق 1: 15.

3- نفسه 1: 17.

4- ثم أنهاها السيد الشهيد بعد ذلك إلى سبعة أمور. راجع دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة 1: 18، الطبعة الثانية / دار الحكمة 1424 هـ.

5- نفسه 1: 18.

6- السبعة.

7- الصف: 9.

8- د. عبد الكريم الزبيدي, وظيفة الأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام), بحث منشور في مجلة البلاغ الصادرة في لندن, العدد 12, لندن 2001م ـ 1422 هـ.

9- السيد محمد باقر الحكيم, دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة 1: 18 ـ 19.

10- المصدر السابق 1: 23 ـ 36.

11- نفسه 1: 37 ـ 43.

12- نفسه 1: 44 ـ 48.

13- نفسه 1: 48 ـ 52.

14- نفسه 1: 83 ـ 84.

15- نفسه 1: 88 ـ 89.

16- نفسه 1: 96.

17- نفسه 1: 100.

18- نفسه 1: 103.

19- نفسه 1: 105.

20- نفسه 1: 107 ـ 111.

21- نفسه 1: 188 ـ 130.

22- نفسه 1: 131 ـ 160.

23- نفسه 1: 165 ـ 193.

24- النساء: 80.

25- أصول الكافي 2: 18.

26- السيد محمد باقر الحكيم, دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة 1: 85.

27- المصدر السابق 1: 170.

28- نفسه 1: 280 ـ 283.

29- نفسه 1: 284.

30- النور: 55.

31- السيد محمد باقر الحكيم, دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة 1: 63 ـ 183.

32- المصدر السابق 1: 194.