|
بحث قدمه الدكتور طارق نجم عبد الله في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهدي بحثي لأستاذي الشهيد الحكيم (قدّس سرّه)، الذي تتلمذت عليه في كلية أصول الدين، وكان مشرفاً على بحث التخرج الذي قدمتُه للكلية.
عند الإشارة إلى الدلالة اللغوية لكلمة الأمة، ورد أنها مأخوذة من مادة لغوية معناها القصد، ولهذا يقال: تَيمّمتُ الصعيد للصلاة، أي تعمدت وتوخيت.
قال ابن السكيت في قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْدَاً طَيِّبَاً}(1) أي اقصدوا لصعيد طيب. ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم اسماً علماً لمسح الوجه واليدين بالتراب.
وقد درس الدكتور علي شريعتي في كتابه (الأمة والإمامة) كلمات مثل: القبيلة، والقوم، والشعب، والطبقة، والمجتمع، والطائفة، وغير ذلك من الكلمات، ووجد أن كلمة (الأمة) مأخوذة من (أَمَّ)، بمعنى قصد، وهذا المعنى يتركب من ثلاثة معانٍ، هي: الحركة، والهدف، والقرار الواعي، لأن (أَمّ) تنطوي في أصلها على مفهوم التقدم.
لهذا أقول: إن الهادفين من أبناء هذه الأمة، يرتبطون ارتباطاً وثيقاً
بأمتهم، ويحركهم مدلولها اللغوي بحركة هادفة تمتلك القرار الواعي والاختيار.
ومن هؤلاء الأفذاذ في مسيرة ذات الشوكة، أستاذنا شهيد المحراب، آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، الذي نذر نفسه للأمة الإسلامية، مجاهداً في ساحات الجهاد المختلفة، وكان واحداً من القلائل الذين بحثوا عن الأسلوب الأنجع للنهوض بأمتهم، وقد هداهم هذا التفكير الخالص لوجهه تعالى، إلى أسلوب الحركة الإسلامية المنظمة، وأنها الطريق الموصل إلى الهدف المشترك، فكانوا جامعة إنسانية, التفَّ بعضهم حول بعض، وتحركوا باتجاه هدفهم بثبات ورؤية واضحة المعالم، واستمر (قدّس سرّه) في جهاده بأساليب ورؤى عدة تهدف في جميعها إلى غاية سامية، وكان له تراث ضخم.
ومن بين ما تيسر لي أن أطلع عليه من أبحاث، سبعة أبحاث تخص الأمة. ووقع الاختيار على هذا العنوان.
وملخص ما أستطيع قوله بشأن هذا الاختيار: إن عراق المقدسات يمر الآن في مرحلة جهادية جديدة، تلزمنا أن ندرك مفاهيم مرتبطة بالحالة السياسية، والصراع السياسي الذي تعيشه أمتنا هناك، ومن هذه المفاهيم: الشورى، وخلافة الإنسان في الأرض، ودراسة دور الأمة في بناء العراق.
فدرست أولاً دلالة كلمة (الأمة) في كتب اللغة، والآيات التي وردت فيها الكلمة في القرآن الكريم، ومن ثم عرضت بشيء من الإيجاز ما ورد في بحث السيد الشهيد الذي بدأ بمقدمة بيَّن فيها أن البحث يحظى بأهمية خاصة لأسباب عقائدية وتشريعية وسياسية وواقعية، فمن الناحية العقائدية يرى أنه لا بد من معرفة حدود الدور الحقيقي الذي منحه الإسلام للأمة في إدارة الحياة الاجتماعية والسياسية، في مقابل فكرتين، تقول الأولى: إن الإنسان لا دور له في إدارة الحياة السياسية، إلا الطاعة لله تعالى. وترى الثانية أنه تعالى وضع القانون العام للإنسان، وترك له بصورة مطلقة إدارة حياته السياسية والاجتماعية.
وخلص إلى أنه يرى أن الإسلام يتبنى نظرية وسطى بين هاتين الفكرتين, هي أنه تعالى منح الإنسان دوراً رئيساً في مجال إدارة الحياة الاجتماعية، ولكن ضمن إطار خاص، وضمانات محددة، ويرى أن مدارس الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية على اختلافها، اعتمدت فكرة وجود دور أساس ومهم للأمة في إدارة الحياة الاجتماعية، وإن اختلفت في صياغة القوانين والتشريعات التي تعبر عن ذلك، وأن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أعطت هذا الموضوع أهمية خاصة، ولذا نجد أن أبرز موضوعين وردا في دستور الجمهورية الإسلامية هما: (الأمة والإسلام).
ويرى أن الأهمية السياسية لهذا الموضوع مردها إلى أن العالم في هذا العصر يتجه بصورة واسعة إلى اعتماد فكرة دور الأمة في الحياة السياسية والاجتماعية.
وبعد المقدمة بحث (قدّس سرّه) فكرة حكم الشعب إسلامياً، وقال: يمكن أن نتبين ذلك من خلال عدة نقاط(2):
الأولى: أن الله تعالى قد جعل الإنسان خليفة له في الأرض، بدلالة آية سورة البقرة التي سأشير إليها.
الثانية: أن الخلافة تعني أنه تعالى قد أناب الجماعة البشرية في قيادة الكون وإعماره.
الثالثة: أن إطار الحكم الذي تمارس البشرية من خلاله حكم نفسها, إطار مفتوح، أو محدد منه تعالى في صيغ معينة، وأشار إلى وجود آيات كريمة عدة تحدد هذا الإطار. ولا بد من صياغة الإطار ضمن حدودها، وهي الآيات التي تعني الانتماء إلى محور واحد في الولاء والطاعة (عقيدة التوحيد) والآيات الدالة على ضرورة إقامة العلاقات الاجتماعية على أساس هذا الانتماء، وما يحث على تجسيد روح الأخوة الإنسانية العامة، ومحو جميع ألوان الامتيازات والاستغلال والتسلط البشري، والآيات التي تنمي روح المسؤولية والإحساس بالواجب تجاه العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى من البشرية، وما يدل على أن الإنسان كائن حر مختار يتمتع بالإرادة, إذ لا معنى للمسؤولية دون هذه الحرية والاختيار مع إدراك أن هذه الحرية مسؤولة وليست مطلقة.
وبعد أن عرض السيد الشهيد (قدّس سرّه) الأساس النظري لفكرة الحكم ودور الأمة في ذلك, انتقل لبيان أسلوب وشكل وممارسة الأمة لدورها في تعيين الحاكم. ومن هذه الطرق: طريقة القهر والغلبة، وطريقة الانتخاب الطبيعي للأصلح، والانتخاب الإرادي للحاكم.
ثم بين دور الأمة المباشر, حيث يرى أن دورها يتحدد في انتخاب الخبراء، من أهل الحل والعقد، وعليها اختيار الأشخاص الذين يقومون بمهمة إدارة الأمور المعاشة.
وختم البحث ببيان آفاق البحث في دور الأمة، المتمثلة في الأفق التاريخي، وأبعاد دور الأمة في الحكم، والضمانات الواقعية التي تم اشتراطها في القيادة، وهي المواصفات التي يجب أن تتوافر في القيادة، والعلاقة المباشرة مع الأمة، والالتزام بمنهج الاستشارة، وحرية التعبير، والانتقاد، والولاء السياسي.
وبعد عرضي هذا لبحث السيد الشهيد, أوردت اثنتي عشرة ملاحظة على البحث، أوجز فيما يلي بعضاً منها:
1 ـ أنه (قدّس سرّه) يتمتع برؤية علمية واضحة بشأن دور الأمة لأنه صاحب تجربة سياسية واجتماعية أهّلته لأن يكون من قادة المسيرة الإسلامية البارزين.
2 ـ إن هذه الرؤية الواضحة جعلته يعالج في أبحاثه عن الأمة مسائل ذات بعد حضاري، يواكب الأحداث ويتفاعل معها. وأن هذه الأبحاث قد جاءت وفق منهج علمي سليم.
3 ـ أثبت في بحثه أن الله تعالى قد أناب البشرية في قيادة الكون وإعماره وإدارته بناءً على نصوص قرآنية سأشير إليها.
4 ـ مصلحة الأمة هي الحاكمة في كثير من الأمور السياسية والاجتماعية.
5 ـ يرى أن الموقف الفقهي إزاء المنهج الذي تم بموجبه اختيار الخلفاء الأربعة الأُول، بعد انتقال الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى، يقول بشرعية المنهج إذا كان يعبر عن إرادة الجماهير حقاً, وبصورة واقعية وشاملة دون امتياز وتزوير للإرادة. وبدون ذلك لا يمكن قبول هذا المنهج فقهياً كطريقة انتخاب، إذ لا يوجد أي دليل على ذلك سوى سكوت الصحابة. والسكوت لا يدل على شرعية الطريقة، لأن النتائج التي تُقبل كأمر واقع قد تكون لمبرر آخر، كدفع المفسدة.
6 ـ علماء الإمامية مجمعون على أن تعيين الحاكم بصفاته لا بشخصه، ووافقهم عليه أكثر علماء الجمهور، ولذلك لا بد من وجود أشخاص من أهل الخبرة، بإمكانهم معرفة الشخص الذي سيتولى الحكم. ولهذا السبب أُسس مجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية في إيران.
ثم بحثت مسألتين، هما: خلافة الإنسان في الأرض، والشورى. فعن الخلافة بينت أولاً الدلالة اللغوية للكلمة، ثم الدلالة في القرآن الكريم التي وردت بلفظ خليفة في موضعين. وخلائف (جمع خليفة) في أربعة مواضع. وخلفاء ـ التي قيل: إنها جمع خليف ـ في ثلاثة مواضع. وللإيجاز سأشير هنا إلى آيتين كريمتين فقط، هما:
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}(3) حيث اختلف العلماء بشأن دلالة كلمة خليفة فيها.
وقوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}(4).
وقد بينت أن الدراسة المتأنية للآيتين والآيات الأخرى، تبين أن المقصود بالخلافة، هو الإنسان الذي سكن هذه الأرض. وكان السيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) قد أكد في بحثه أن الخلافة المعنية هي للجماعة البشرية، لا لشخص آدم (عليه السلام) وهو ما ذهب إليه الشهيد الصدر (قدّس سرّه).
ثم بحثت بنفس المنهج آية سورة الشورى.
أكتفي بهذا الملخص، وأسأل الله تعالى أن نوفق جميعاً لتحقيق الأهداف السامية التي استشهد لأجلها الشهيد الحكيم (قدّس سرّه).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________
1- النساء: 43، المائدة: 6.
2- دور الأمة في إدارة المجتمع الإسلامي للشهيد الحكيم (قدّس سرّه): ص7 وما بعدها.
3- البقرة: 30.
4- ص: 26.
|