دور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في مسيرة المسلمين
في ضوء آراء السيد الشهيد
محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)

الشهيد الأستاذ عز الدين سليم (الحاج أبو ياسين)   
 
 
 
 

بحث قدمه الشهيد الأستاذ عز الدين سليم (الحاج أبو ياسين) في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م


بسم الله الرحمن الرحيم


تمهيد

من الأمور التي امتاز بها فقيدنا الغالي, الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) استيعابه لخط آل محمد (عليهم السلام) وفهمه لخصوصياته، وحرصه على حيثياته. وتمثل ذلك في وعيه، وفكره، وقلمه. وقد واكبته قرابة ربع قرن من الزمان, فما وجدته قد تلكأ يوماً في رعاية هذا الخط الإلهي والمتميز، ولا توانى في نصرته ودعمه وبلورة مفاهيمه، وإرساء قواعدها فيمن حوله من إخوانه والعاملين معه.

وفي مختلف مناسبات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام, كان الفقيد العزيز (رضوان الله عليه) يحرص على بلورة خط آل الرسول في أذهان الناس في خطبه، وأحاديثه، وكلماته التي كان يلقيها في هذه المناسبة أو تلك، دون ملل، ولا كلل، في ظروف قاهرة عاشها في غربة عن الوطن، يعلم الكثيرون من إخواننا خصوصياتها ومرارتها.

لقد ترك السيد الشهيد (قدّس سرّه) تراثاً فكرياً ضخماً في هذا السبيل وغيره, أرجو أن ينتفع به المؤمنون السائرون على خط آل الرسول، ففيه وضوح تام لمكانتهم، وموقعهم الذي خصهم الله تعالى به دون خروج عن الحد الذي خصوا به، ولا مغالاة أبداً.

ومن خلال متابعتي لنشاطه الثقافي في هذا لسبيل ـ وأنا مطلع على أكثر ما كتب، وتحدث فيه حول أهل البيت (عليهم السلام) ومن المعجبين به ـ فإني أعتبر كتابه: (دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة)، من أروع ما كتب في العقدين الأخيرين عن آل محمد، ودورهم في حياة الأمة، مما ينفعنا إن شاء الله تعالى في العراق الجديد على وجه الخصوص، وأنا أدعو كافة الإخوة المثقفين أن يطلعوا على ما خلفه يراعه العبقري في هذا السبيل وغيره، رغم ضيق وقته، وانشغاله بمحنة العراق الدامية، ومشاكل ساحتنا المعقدة، مما يعلم الكثير من إخواننا الشيء الكثير عن ذلك.


أهل البيت (عليهم السلام)
مصدر الإلهام المركزي عند الشهيد الغالي

في مختلف كتابات السيد الشهيد، آية المجاهد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، ودراساته، وخطبه، يؤكد الفقيد الغالي على أن أئمة أهل البيت امتداد النبوة في خط الإمامة، وولاة الأمر الذين أوجب الله طاعتهم، وولايتهم، ومودتهم، كما أنهم عدل القرآن الكريم في منطق رسالة الله الخالدة، فهم الثقل الثاني بعد القرآن العزيز، الذي لا يفترق عنهم.

وآل محمد (صلى الله عليه وآله) هم العالمون بحقائق التنزيل، وترجمان حقائقه، والذين يبقرون العلم بقراً، ويستنبطون أسراره وهداه، ويفيضونه على البشرية خيراً وبركة وهداية ونوراً.

وأهل البيت (عليهم السلام) في نداءات السيد الشهيد (قدّس سرّه)، وكتاباته حملة السنة النبوية الأصيلة بعد حملهم لعلوم القرآن الكريم, يحيطون بتفاصيل السنة الشريفة ومصاديقها، ويحيطون بحقائق تؤول إليها آيات الكتاب الكريم، والأحاديث الشريفة في حاضرها ومستقبلها.

وآل محمد (صلى الله عليه وآله) هم الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة في المنهج السليم، وكمال المسؤولية، والصبر على المكاره، والاستقامة وسعة الصدر وحسن الخلق والعدل ونصرة المظلومين في الأرض.

إن هذه الخصائص التي خص بها أهل البيت عليهم الصلاة السلام، هي التي جعلتهم يحتلون مقام الركن الأساسي في الرسالة الإلهية الخاتمة, بل أبرز أركان تلك الرسالة وأهمها, لأنهم مصدر الهداية، والأدلاء على بقية أركان الرسالة.

يقول السيد الشهيد بهذا الصدد ما يلي:

(إن هذه الأبعاد والخصائص التي يرتبط بعضها بالآخر تؤكد أهمية هذا الطرح الإسلامي، وفي الوقت نفسه توضح ما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) من أنهم يمثلون أحد الأركان الأساسية، التي بني عليها الإسلام, بل هم الركن الأهم فيها، وهذا الامتياز وذلك الموقع الخاص لأهل البيت (عليهم السلام) حقيقة يكاد أن يجمع عليها جميع المسلمين، وإن اختلفوا بعد هذا في الكثير من التفاصيل، سواء في عمقها أو سعتها أو وضوحها.

ويكشف عن هذه الحقيقة أيضاً ـ مضافاً إلى نصوص الآيات الصحيحة المتواترة والكثيرة ـ مشاعر التقدير والاحترام والتسليم والحب والولاء التي يكنها جميع المسلمين ـ عدا النواصب ـ لأهل البيت (عليهم السلام).

مع أنّ مجرى الأحداث التاريخية التي عاشها أهل البيت (عليهم السلام) كانت بالاتجاه المعاكس والمضاد لوضوحها والاعتراف بها، لأنّ ما تعرض له أهل البيت (عليهم السلام) من قتل وتشريد ومحاصرة مادية ومعنوية, وبشكل متواصل, طيلة قرون من الزمن على يد الأمويين والعباسيين والعثمانيين، كان يفرض القضاء ـ أو فرض العزلة على الأقل ـ على مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في المجتمع الإسلامي.

ولكن نلاحظ ـ مع ذلك كله ـ هذا الواقع المعنوي الواسع الذي يتمتع به أهل البيت (عليهم السلام) في (أصل) النظرية الإسلامية، من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية، وإدراك المسلمين لها من ناحية، والجهود والخدمات العظيمة التي قام بها أهل البيت (عليهم السلام) للإسلام والمسلمين، بحيث فرضت نفسها على الواقع التاريخي على رغم كلّ العوامل المضادة.

كما أن هذا الواقع الإيجابي من المسلمين تجاه أهل البيت (عليهم السلام) هو الذي يفسر لنا هذا العدد الكبير من الدراسات والكتب والأبحاث الخاصة، التي تناولت هذا الموضوع الإسلامي من قبل علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم، أو وجود الاعتراف بهذه الحقيقة في مطاوي كتب المعارف الإسلامية في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ وغيرها، بحيث لا نكاد نستثني منها أي كتاب.

ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة التاريخية ـ بكل ملابساتها ـ بصورة منطقية ومقبولة إلا على أساس العقيدة الإمامية الاثنى عشرية في أهل البيت(عليهم السلام)حيث يرون فيهم(الركن الأساس)الذي يقوم عليه بناء الإسلام (الرسالة الخاتمة)الذي تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظه وبقائه، وأهل البيت (عليهم السلام) يمثلون الامتداد الطبيعي والاستمرار والبقاء لهذه الرسالة في مضمونها ومسؤوليتها وإن لم يتصف هذا الامتداد بالنبوة، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».


دور أهل البيت (عليهم السلام)
في الرسالة ومسيرة الأمة

وفي هذا الضوء وهذه الحقيقة يطرح السيد الشهيد (قدّس سرّه) في أحد مؤلفاته المهمة هذا السؤال، ثم يمضي في الإجابة عليه رويداً رويداً: ما هي حقيقة الدور الذي قام به أهل البيت (عليهم السلام) فعلاً في الحياة الإسلامية مع وجود هذا الموقع المتميز الخاص لهم (عليهم السلام) في النظرية الإسلامية عند المسلمين؟

وهو بصدد الإجابة على هذا التساؤل الهام، والحيوي يقول (قدّس سرّه): يكون الجواب عادة بذكر دورين رئيسين:

الأول: الخلافة وولاية الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

الثاني: (المرجعية) الفكرية والدينية في كلّ الشؤون ذات العلاقة بفهم الرسالة وتفاصيلها).

ولكن السيد الشهيد (قدّس سرّه) مع تقديره لهذه التصورات عن دور الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، كما اعتاد على بلورته كثير من الدراسات والأبحاث, إلا أن السيد الشهيد الغالي (قدّس سرّه) يرى أن هذا النوع من الحصر لدور الأئمة (عليهم السلام) محدود جداً، ولا يحقق الغاية المتوخاة من وجودهم المقدس في أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، ولذا فهو يبذل وسعه من خلال دراساته المعمقة من أجل إضافة أبعاد واقعية أخرى إلى دورهم صلوات الله عليهم أجمعين، هو أهم بكثير من تلك الأدوار التي توقف عندها كثير من الباحثين القدامى والمحدثين، حيث يمضي في بلورة دورهم الرسالي والواقعي في مسيرة الإسلام والمسلمين، وحياة البشرية كلها, لذا فإن السيد الشهيد (قدّس سرّه) يرسم الحقائق التالية حول دور الأئمة من آل الرسول (صلى الله عليه وآله) في دنيا الإسلام والمسلمين، ومسيرة الناس من حـولهم، فيـقـول: (ولـذلك فنـحن بحاجة ـ من أجل تفسير هذا الواقع المتميز لأهل البيت (عليهم السلام) من النظرية الإسلامية ولدى المسلمين ـ إلى (تطوير نوعي) في الأبحاث والدراسات حول أهل البيت (عليهم السلام) يهتم اهتماماً خاصاً باكتشاف جميع أبعاد دور أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الإسلامية من ناحية، والتركيز على جانب علاقة هذه الأبعاد بالنظرية الإسلامية من ناحية أخرى.

وهنا يحسن بنا أن نشير إلى بعض هذه الأبعاد في الدراسات المتطورة:

الأول: توضيح جميع الأهداف الإسلامية من وراء إرساء فكرة أهل البيت (عليه السلام) في الرسالة الإسلامية بحيث تؤكد من خلالها مبدأ خاتمية الرسالة الإسلامية، ومبدأ تحقيق هذه الرسالة لأهدافها عملياً، ولو تحقيقاً إجمالياً.

الثاني: توضيح جانب الارتباط بين هذا (الركن الأهم) للإسلام والأركان الأخرى بحيث يظهر التكامل في أركان النظرية الإسلامية، والانسجام في البناء والأهداف والنتائج.

الثالث: إيضاح الارتباط بين المواصفات الخاصة، ونقاط الامتياز العقائدية والفكرية التي يختص بها مذهب أهل البيت (عليهم السلام) دون بقية المذاهب الإسلامية، وبين هذا الفهم للنظرية الإسلامية التي تقوم على أساس فكرة أهل البيت (عليهم السلام) ودورهم في الحياة الإسلامية.

فمثلاً, ما هو الارتباط بين أمور العصمة والتقية والشفاعة والتأويل والبداء والخمس في أرباح المكاسب وزواج المتعة، وغيرها من الأفكار والتشريعات الإسلامية التي اختص بها مذهب أهل البيت (عليهم السلام), وبين هذا الركن الأساس في النظرية الإسلامية؟

وهل الاختلاف هو مجرد اختلاف في رأي عقائدي أو فقهي، ثم تحول إلى صراع سياسي عقائدي، أو لهذه القضايا والأفكار ارتباط وثيق بأصل النظرية فانعكس ذلك على المجتمع الإسلامي؟

الرابع: بحث الارتباط العلمي ـ على أساس المصالح الإسلامية والأهداف العالية ـ بين المواقف والنشاطات التي قام بها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في العهود المختلفة للمجتمع الإسلامي.

فإن أهل البيت (عليهم السلام) لما كانوا فكرة وأطروحة إلهية للرسالة الخاتمة، فلا بد أن نفترض ـ والأمر كذلك ـ أنهم يتحركون من رؤية واحدة للأفكار والأحداث والحقائق الاجتماعية (المصالح والمفاسد الواقعية) التي تترتب عليها المواقف، فهم في هذا الجانب كالأنبياء الذين نفترض فيهم أنهم لو اجتمعوا في زمان واحد، لما اختلفوا في رؤاهم, ولا في أقوالهم وأفعالهم ومواقفهم...).

وبعد أن يسجل السيد الشهيد (قدّس سرّه) هذه الحقائق التي أشرنا إليها، يعزز حديثه ذلك بقوله: إن أهل البيت (عليهم السلام) كما كانوا أطروحة إلهية للرسالة الخاتمة، فلا بد أنهم يتحركون من رؤية واحدة للأفكار والأحداث والوقائع الاجتماعية، فهم في هذه القضية كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين يفترض فيهم أنهم لو وجدوا في زمن واحد لما اختلفوا في رؤاهم ولا أقوالهم، وفعالياتهم اليومية التي يباشرونها في إطار تلك الرؤى والمفاهيم.

وحيث إن الأئمة (عليهم السلام) موزعون على ظروف مختلفة، وأحداث متباينة، فحالهم حال الأنبياء (عليهم السلام) المتفاوتين في أزمانهم وأقوالهم وظروفهم، من ناحية ما يطلقون من مفاهيم، وما يباشرون من مواقف, تبعاً لاختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية, التي يعيشها هذا الإمام (عليه السلام) دون غيره، أو مجموعة من الأئمة (عليهم السلام) دون مجموعة أخرى.


دور أهل البيت (عليهم السلام)
في حياة المسلمين

يقرر السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) أن مهمة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) تتمحور حول مجموعة من القضايا، والمهام حددها السيد الشهيد (قدّس سرّه) في المحاور المركزية التالية:

1 ـ الخلافة الإلهية، أو(ولاية الأمر) أو(قيادة الحكم الإسلامي).

2 ـ المرجعية الفكرية والدينية للمسلمين.

3 ـ الدفاع عن الإسلام (العقيدة الإسلامية, الكيان السياسي للإسلام).

4 ـ الدفاع عن الأمة الإسلامية والمحافظة على وجودها وخصائصها ووحدتها.

5 ـ بناء الجماعة الصالحة والصفوة المنتخبة التي تتحمل المسؤوليات الخاصة)(1).

بيد أن المشاغل الكثيرة التي كانت تستقطب كلّ وقته (قدّس سرّه)، حالت بينه وبين الكتابة في تلك المهام الكبرى بشكل مفصل، فقد اهتم ببلورة دور الأئمة (عليهم السلام) في بناء الكتلة الشيعية في إطار المحيط المسلم، واصطلح عليها السيد الشهيد (قدّس سرّه) (الجماعة الصالحة) حيث ترك للأمة كتاباً رائعاً، يشكل منهجاً إسلامياً تربوياً لصنع الأمة الهادفة التي تنهل من منهل آل محمد (صلى الله عليه وآله) وتندمج في خطهم، وتحمل رايتهم الخالدة.

يقول (قدّس سرّه): (ولكني وجدت نفسي مسوقاً للكتابة ابتداء في الهدف الخامس(2)، وهو الجماعة الصالحة، ولعل السبب في هذا الاختيار للبداية هو إحساسي بالحاجة الفعلية ـ من خلال الممارسة العملية ـ لوجود تصور كامل (نظري وتطبيقي) للجماعة الصالحة، ليكون مثالاً واقعيا,ً ويقدم للعاملين في ميادين العمل السياسي والاجتماعي يتأسون به ويقتدون بهداه...).


الجماعة الصالحة
بين أهدافها، وخصائصها

كان عمل الأئمة من آل البيت (عليهم السلام) في إطار المجتمع الإسلامي، قد اتخذ بعدين اثنين وفي دائرتين متداخلتين، كما هو رأي السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) الذي استلهمه من أطروحة السيد الشهيد الإمام السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) في هذا المجال كما أعلم....

وهذان البعدان في عمل الأئمة (عليهم السلام) تبلورا على الشكل التالي:

1 ـ العمل ضمن الدائرة العامة للأمة, حيث تفاعل أهل البيت (عليهم السلام) مع عموم الأمة واتجاهاتها المختلفة، بالتوجيه، والرعاية، والتبني لمشاكلها وهمومها، والدفاع عن مصالحها. وفي هذه الدائرة من عمل الأئمة (عليهم السلام) لم يتميز شيعة أهل البيت (عليهم السلام) عن غيرهم من الفرق والاتجاهات، إلا بمقدار الاقتراب الروحي والفكري والعاطفي المتمثل بالولاء العقائدي والسياسي والحب والالتزام الأخلاقي تجاه أهل البيت (عليهم السلام) من قبل هذه الجماعة من الأئمة، والطاعة لأوامرهم.

2 ـ العمل في دائرة النخبة من المسلمين الذين يتفاعلون مع أهل البيت (عليهم السلام) ويتبنون أطروحة التمسك بحبلهم، والسير تحت رايتهم، والاندماج بخطهم. وهذه الدائرة هي التي نمت وترعرعت حتى صارت فيما بعد، وعبر عهود من تاريخ المسلمين, تشكل ما أطلق عليه (شيعة أهل البيت (عليهم السلام)) وهذه الدائرة نمت واستمرت في نموها, برعاية الأئمة (عليهم السلام) عبر مسيرتهم التاريخية المباركة، واحداً بعد الآخر.

وقد مرت هذه الدائرة المتبناة بشكل مخطط ومدروس، عبر مراحل عديدة في وضوح هويتها الفكرية، حتى ظهرت إلى الوجود كتيار صالح فاضل, ضمن دائرة الأمة الإسلامية، ولكنها مميزة في وعيها وولائها والتزامها بخط آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، وذوبانها فيه فكرياً وروحياً وسلوكياً وعاطفياً.

أهداف الجماعة الصالحة في الحياة:

اختار السيد الشهيد (قدّس سرّه) مصطلح (الجماعة الصالحة) للتعبير عن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) الذين انضووا تحت راية الهداة من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدلاً من استعماله لمصطلح (الشيعة) وربما أراد من ذلك أن لا يوحي هذا الاصطلاح بالمقابلة مع الفرق الأخرى التي أَلٍف الباحثون والمؤرخون أن يفعلوا ذلك إذا باشروا عملية دراسة السائرين على خطى آل محمد (صلى الله عليه وآله).

وقد حدد السيد الشهيد مجموعة من الأهداف والمقاصد التي رسمها أهل البيت (عليهم السلام) لأتباعهم من أجل السعي لتحقيقها في حياتهم ومسيرتهم، ونحن نقتبس أهمها على الشكل التالي:


1 ـ المساهمة في قيادة التجربة الإسلامية:

من الضروري أن نسجل هنا أن من أهداف الأئمة من آل البيت (عليهم السلام) هو قيادة التجربة الإسلامية، والوصول بها إلى أعلى درجات التكامل من الناحية الروحية والفكرية والسياسية والخلافة والحكم والعلاقات والتنظيم، بيد أن ظروفاً قاسية حالت بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين قيادة التجربة, ما عدا فترة محدودة جداً، كأيام حكم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشطراً من حياة الإمام أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام).

وكان هذا الإقصاء للأئمة الهداة (عليهم السلام) عن مواقعهم الطبيعية في قيادة الأمة ناجماً عن الانحراف، وسوء الفهم، وسوء الاختيار، وسيطرة الأهواء الشخصية والسياسية، حيث فقدت البشرية جمعاء أفضل الفرص للوصول إلى الهدى والتقدم والرفاه، والانسجام مع مهمة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) في الأرض، ما وفر الكثير من فرص التداعي، والإحباط والتخلف.

ومنذ فقد رسول الله (صلى الله عليه وآله), وآل البيت (عليهم السلام) يعملون وسعهم لإعادة الحق إلى نصابه، وكان من أهم وسائل إعادة هذا الحق إلى أهله، هو بناء الكتلة الصالحة، وتحديد دورها الرسالي في قيادة المحيط الإسلامي عامة نحو الخير والمعروف والهدى، وهكذا عمل علي (عليه السلام) وسعه لخلق النخبة الصالحة المندكّة بإمامته، وهو ما فعله الإمام الحسن (عليه السلام) والشهيد الإمام الحسين (عليه السلام) ومن بعده أبناؤه الهداة (عليهم السلام).

وكانت خطط الأئمة (عليهم السلام) يكمل بعضها بعضاً, مع مراعاة الظروف النفسية والعقائدية والسياسية والاجتماعية التي تحيط بالمسلمين.

ولذا نجد أن خطط الأئمة (عليهم السلام) وبرامجهم مختلفة في صورها تبعاً لتلك الحالة من (المراعاة) التي تشكل أعلى درجات الحكمة والمرونة والفهم الواقعي لطبيعة المراحل التي يعيشها الناس من حولهم.


2 ـ المحافظة على المجتمع الإسلامي:

وكان من أهداف الأئمة من آل البيت (عليهم السلام) من وراء بناء الكتلة الصالحة في دنيا المسلمين، إضافة إلى توفير العدد المناسب من دعاة الهدى والمعروف الداعين إلى قيام الأئمة (عليهم السلام) بقيادة المجتمع الإسلامي، إضافة لكل هذا، كان من أهداف الأئمة (عليهم السلام) أن تهتم الجماعة الصالحة التي أسسوها في المجتمع بالمحافظة على وجود المجتمع الإسلامي من الانهيار أمام التيارات السياسية والفكرية التي تهب على المجتمع من خارج إطاره، أو من داخله بتأثير الانحراف الفكري والسياسي.

وهكذا نقرأ الاهتمامات الفائقة التي أبداها أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمسلمين عامة من ناحية فكرية وروحية ومالية وفي رد الشبهات، والدفاع عن المظلومين, وحماية بيضة الإسلام عبر سيرته الطاهرة كلها، وهو عين ما فعله جميع الهداة من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، كلّ من موقعه، وفي إطار ظروفه التي عاشها.

وهكذا بذل أتباع أهل البيت (عليهم السلام) قصارى جهودهم للحفاظ على وحدة المسلمين أو الدفاع عن الإسلام وبلاد المسلمين، وحفظ الكيان العام للأمة بكل ما أتيحت لهم من فرص وإمكانات. وقد رأينا كيف كان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فيما مضى, وفي الظروف الحاضرة, يقدمون كلّ ما بوسعهم من أجل الإسلام وكرامة المسلمين، خصوصاً في قضايا المسلمين المصيرية، كما في الحروف الصليبية، والغزو الغربي لبلاد المسلمين، والمواقف من قضية فلسطين، وفي الاهتمام بوحدة الأمة, مما لا ينكره إلا الحمقى والمعاندون.

ولنا في هذه التوجيهات التي أطلقها الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ووجّه بها أتباعه، دليلاً على الاهتمام بوحدة الأمة، وحفظ كيانها، ورعاية مبادئها.

فقد روى الكليني بسند صحيح عن صفوان بن يحيى عن أبي أسامة زيد الشحام, قال: (قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «اقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام، وأوصيكم بتقوى الله عز وجل، والورع في دينكم، والاجتهاد لله, وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (صلى الله عليه وآله) أدُّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برّاً أو فاجراً، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صلوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم, وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدّى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري، فيسرني ذلك ويدخل علي منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر. وإذا كان على غير ذلك دخل علي بلاؤه وعاره, وقيل: هذا أدب جعفر. والله لحدثني أبي (عليه السلام) أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي (عليه السلام) فيكون زينها، آداهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث, إليه وصاياهم وودائعهم، تُسأل العشيرة عنه فتقول: من مثل فلان؟ إنّه آدانا للأمانة، وأصدقنا للحديث»)(3).


3 ـ الإنسانية والعالمية:

ومن الأهداف التي رسخها الأئمة من آل البيت (عليهم السلام) في نفوس أتباعهم وعقولهم هو مبدأ العالمية والإنسانية، وعدم انحصارهم في إطار جغرافي أو قومي أو عنصري، وإنما امتدوا لمختلف الآفاق، طالما هناك إنسان يحمل الصفة الإنسانية.

وقد التف الناس من أجل ذلك حولهم، حين رأوا منهم هذه الروح الرفيعة المتميزة، فقد كسبوا قلوب أهالي البلاد التي فتحت حديثاً, كبلاد فارس وغيرها، بينما كانت تلك الأمم قد عانت من التفرقة العنصرية على أيدي الأمويين, الذين ميزوا العنصر العربي على الموالي, بينما وجد الموالي في أطروحة الأئمة من آل البيت (عليهم السلام) ضالتهم المنشودة, حيث التسامح والمساواة والمحبة، وهكذا صار الكثير من سكان البلاد المذكورة موالين حقيقيين لآل الرسول (صلى الله عليه وآله), حيث اندمجوا بخط الجماعة الصالحة تحت ظلال الإيمان والوحدة، والشعور بالكرامة, التي حمل لواءها الهداة من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله).


4 ـ الحرية الفكرية:

ومن معالم الواقفين تحت راية أهل البيت (عليهم السلام) هو حرصهم على الحرية الفكرية، والاجتهاد في الرأي، واحترام الرأي الآخر، وقبول الرأي الآخر، والحوار الفكري، وما إلى ذلك من مظاهر الحرية الفكرية.

إن هذه المفردة التي اختص بها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) منذ البداية, هي التي خدمت المدرسة الفكرية التي تبنوا أفكارها ورؤاها، حيث شاع في صفوف هذه الجماعة من المسلمين حالة التدبر والوعي والانفتاح على الآخر، وعدم التزمّت، وعدم التحجر على أطر معينة من التفكير.

ومن أجل ذلك شاع بين صفوفهم حالة الانفتاح على المدارس الفكرية المختلفة، والثقة بالنفس في محاورتها، والتصدي للفكر الخاطئ بالحجة وقوة البيان.

وهكذا طوروا كثيراً من العلوم والأفكار والنظريات, كعلم الكلام والمنطق والفلسفة والعرفان وعلم الأصول والفقه والنحو والصرف، وما إلى ذلك من علوم، كما ظهر فيهم نوابغ في علوم الطبيعيات والرياضيات والطب، والفلك وما إليها، ومن يقرأ تأريخ الثقافة الإسلامية يقرأ صفحات مزينة بالفخر في مساهمات أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في الثقافة الإسلامية والإنسانية المتعددة الجوانب.

إن هذه الميزة هي التي ميزت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عن غيرها، وأعطتهم صفة الاستمرارية والخلود مع الزمان، مع أن غيرهم من الطوائف اختفت وبادت مع تقادم الأيام, كإخوان الصفا، والمعتزلة، وسواهم.

ولا يزال عطاء هذه المدرسة الإسلامية الإنسانية الأصيلة مستمراً وفاعلاً في حياة الناس بشكل لا نظير له في الحياة الفكرية للمسلمين, وكل ذلك بفعل الجذور الأصيلة، والمنابع الثرة التي يستقي منها أتباع أهل البيت (عليهم السلام.


5 ـ العبادة والزهد:

ومن الخصائص التي ميز بها الأئمة من آل البيت (عليهم السلام) أتباعهم، هي ظاهرة الزهد والتنسك، وكثرة العبادة لله عز وجل، امتاز بها التابعون الصادقون لآل رسول الله (صلى الله عليه وآله)... وقد روى السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) هذه البرامج التي حدد آفاقها الأئمة من آل الرسول (عليهم السلام) حول هذه الظاهرة: منها ما عن أبي جعفر (عليه السلام) في رواية أبي المقداد قال: «يا أبا المقداد، إنما شيعة علي (عليه السلام) الشاحبون الناحلون, ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم، متغيرة ألوانهم، مصفرة وجوههم، إذا جنّهم الليل اتخذوا الأرض فراشاً واستقبلوا الأرض بجباههم، كثير سجودهم، كثيرة دموعهم، كثير دعاؤهم، كثير بكاؤهم، يفرح الناس وهم محزونون...»).

ومنها رواية الإرشاد للمفيد والأمالي للطوسي: (روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خرج ذات ليلة قمراء فأقام بالجبانة، ولحقه جماعة يقفون أثره، فوقف عليهم ثم قال:

«من أنتم؟»

قالوا: شيعتك يا أمير المؤمنين. فتفرس في وجوههم ثم قال:

«فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة؟!»

قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟ فقال:

«صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من البكاء، حدب الظهور من القيام، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، عليهم غبرة الخاشعين»).

وقد ورد عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «ينبغي لمن ادّعى هذا الأمر في السر أن يأتي عليه ببرهان في العلانية».

قلت: وما هذا البرهان الذي يأتي به في العلانية؟ قال:

«يحل حلال الله, ويحرم حرام الله، ويكون له ظاهر يصدق باطنه».

وعنه (عليه السلام) أيضاً أنه قال: «ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا, وعمل أعمالنا، أولئك شيعتنا».

وروى الكشي بسند صحيح عن داود بن فرقد قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إن أصحابي أولو النهى والتقى فمن لم يكن من أهل النهى والتقى فليس من أصحابي».


مصادر البحث

1 – دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة / مجلدان / للسيد الشهيد محمد باقر الحكيم(قدّس سرّه).

2 – ثورة الإمام الحسين (عليه السلام): (النظرية ـ الموقف ـ النتائج) / للسيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه).

3 – الزهراء (عليها السلام) ودور المرأة في المجتمع الصالح / للسيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه).

4 – الإمام الكاظم دروس وعبر واستلهام / للسيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه).

5 – الإمام الجواد(عليه السلام) المولود المبارك / للسيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه).

____________

1- هذه خمسة محاور ذكرها الباحث الشهيد عز الدين سليم، في حين أن الأهداف الاجتماعية من أطروحة أهل البيت (عليهم السلام) التي قررها السيد الشهيد (قدّس سرّه) هي سبعة أهداف. راجع: دور أهل البيت 1: 18 ط 2، دار الحكمة.

2- في الطبعة الثانية: في الهدف السابع.

3- الوسائل 8: 398 ح 2.