|
بحث قدمه الدكتور شمران العجلي في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
لقد تهيأت للفقيد الشهيد أجواء فكرية وسياسية وأسرية، قلّما تتهيأ لغيره. فقد كانت مرجعية والده العظيم الإمام الحكيم (قدّس سرّه) تظلله ببركاتها، وتكسبه قوة اجتماعية ودينية كبيرة. وظهور جماعة العلماء في سماء النجف الأشرف العلمي، فتح أمامه آفاقاً واسعة في الوعي والحركة والتنظيم. واحتضان الإمام العظيم، السيد الشهيد، محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) له وجّه فيه طاقته ووظف كفاءته. فكان سماحته محصلة لتلك القوى التي تفاعلت لتنتج شخصية (محمد باقر الحكيم). فكان عضداً قوياً للسيد الشهيد الإمام الصدر (قدّس سرّه). لذا فقد كان يبادر ويسارع إلى كل مشروع إسلامي، ينطلق من جماعة العلماء، أو من مدرسة الإمام الصدر.
ومن تلك المشاريع، كلية أصول الدين، فكان رافداً معطاءً، وعضواً أساسياً في كيانها. وكنت أراه يقدم من النجف إلى بغداد، ليلقي دروسه في علوم القرآن على طلبتها، ويعود في نفس الليلة إلى النجف، ولم يتخلف يوماً عن الحضور، وفي وقته المحدد، طيلة السنوات التي قضيتها في الكلية، إذ كنت طالباً فيها من سنة 1965 إلى سنة 1969.
إن هدفي مما ذكرت، أن السيد الشهيد الحكيم كان يأخذ الأمر والعمل بقوة، دون تردد أو تهاون، وهو كذلك في كثير من أعماله، وفي علوم القرآن كتب كثير من العلماء والباحثين منذ قرون، ولكنك لا تجد في أكثرها روح القرآن وحركته، ولكن في بحوث السيد الشهيد الحكيم ترى
شيئاً جديداً تتحرك حروفه وكلماته بوحي القرآن وروحه، وتجد فيه الهدفية واضحة في كل عبارة وفقرة. إنه صادر من مدرسة القرآن, ومن مدرسة الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، إذ خرّجت تلك المدرسة ورسمت تياراً فكرياً تضرب أبعاده في عمق المجتمع الإسلامي، وتتجسد في السلوك الثوري، والكتاب الممنهج الهادف، والوعي السياسي الفاعل، حتى عجزت الطواغيت المتتابعة على التسلط، أن تمحو معالمه، وتدرس آثاره، فعاد أقوى مما كان، وأنضج مما مضى: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(1).
ويفرض علي الوقت المتاح أن أتحدث بإيجاز كبير، وضغط شديد، لكيفية تعامل الشهيد الحكيم مع علوم القرآن، إذ إني وضعت منهجاً للبحث تناول محاور متعددة في الموضوع، منها التطرق إلى مفهوم علوم القرآن، واختلاف العلماء المختصين به، وإيراد رأي السيد الحكيم فيه، وملاحظتي عليه.
ومنها: امتياز تأليف السيد الحكيم في علوم القرآن عن غيره من العلماء.
ومنها: مصادره في التأليف، وخاصة في التفسير، وموقفه من الصحابة، سواء كان في الأخذ منهم، أم نقدهم، وهل هو متطرف في التعامل معهم؟ أو هادف إلى وحدة الأمة؟ وما موقفه ممن ألف في مفردات علوم القرآن ومن المفسرين؟ وما موقفه من المستشرقين؟
ومن المحاور: عدم تأثره بالذهنية العامة عند الحديث عن مصحف علي (عليه السلام) ومصحف فاطمة (عليها السلام)، وعن سلامة النص القرآني.
ومن المحاور أننا نجد من معالم منهجه، أنه يتابع الحقيقة، ويقف عندها.
ومنها: أن صورة القرآن المقدسة ترتسم دائماً في ذهنيته، فتراه مشدوداً إليها في كل خطواته خلال البحث.
ومن المحاور، آراؤه المختارة التي اجتهد فيها في الكثير من مفردات علوم القرآن، وناقش وحاور فيها صاحب الميزان العلامة الطباطبائي (قدّس سرّه) والسيد الخوئي (قدّس سرّه) والسيد الشهيد الصدر (قدّس سرّه) والشيخ الطبرسي (قدّس سرّه) وغيرهم.
ومن المحاور: أنه أخذ سورة الفاتحة نموذجاً للمقارنة بين منهجه في التفسير، وكيفية تناوله السورة المباركة، وبين منهج السيد الخوئي والسيد الطباطبائي والسيد السبزواري، وسنجد معالم جديدة على مستوى الإبداع، وإيراد مباحث عصرية هادفة، توحي إليك أنه يريد أن يخلق سلوكاً في القارئ والسامع، وتلك هي مهمة ورسالة الإنسان المسلم التغييرية.
هذا إلى غير ذلك من المحاور التي وددت أن يتاح لي الوقت الكافي لأعرضها على الباحثين من العلماء، ومريدي السيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) وتلامذته. إذ إن كثيراً منهم ممن يتواجد هنا، وفي بريطانيا، قد جلس تحت منبره المعطاء، في كلية أصول الدين في الكرادة الشرقية ببغداد، ولكني سأكتفي ببعض الملاحظات التي تنسجم والوقت المخصص على أمل أن البحث سيطبع مع مجموعة أبحاث تخص هذا المؤتمر.
مصطلح طبيعة الأشياء:
يتردد هذا المصطلح في بحوث السيد الشهيد، ويقصد به: مجموعة الظروف والخصائص الموضوعية والذاتية المسلّمة واليقينية، التي عاشها النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمون والقرآن أو اختصوا بها.
قال (قدّس سرّه) ذلك حينما أراد البرهنة على تدوين القرآن وجمعه في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) فاستقرأ تلك الظروف، وما يمثل طبيعة الأشياء من العناصر، ثم وصل إلى نتيجة أن أهمية القرآن، والخطر في تعرضه للتحريف بدون التدوين، وإدراك النبي (صلى الله عليه وآله) هذا الخطر، ووجود إمكانيات التدوين، وحرص النبي (صلى الله عليه وآله) على القرآن، والإخلاص له، هي التي تكوّن اليقين أن القرآن الكريم قد تم جمعه وتدوينه في عصر الرسالة.
هذا اللون من البحث، هو أحد معالم المنهج العلمي الحديث، التي تقوم بجمع العناصر أو الظواهر الجزئية، ثم محاولة الربط بين هذه العناصر والجزئيات الصغيرة، ربطاً مبتكراً باستخدام عنصر الخيال العلمي.
وقال بعض الـمُحدَثين: إن الفروض في البحث، هي التي تنشئ العلم حقيقة وتدعمه، فترى السيد الشهيد (قدّس سرّه) في أبحاثه أحياناً، يفترض افتراضات مبنية على الخيال العلمي، ثم يسوق لها الأدلة العلمية الموضوعية ليصل إلى النتيجة القريبة من الحقيقة، من خلال اختياره في المحكم والمتشابه. فقد جاء بمصطلح (تفسير المعنى) وقال فيه: هو تجسيد المعنى في صورة معينة، ومصداق خاص، وأن التشابه يكون في تجسيد صورة المعنى، وتحديد مصداقه الواقعي الموضوعي، لا في نطاق التشابه في العلاقة بين اللفظ ومفهومه اللغوي. وتفسير المعنى هو ما يقوم عليه علم الدلالة اليوم (The meaning of meaning).
وما أشار إليه السيد الشهيد من اختيار ليس جديداً, إذ أشار إليه الراغب الإصفهاني في نفس النص الذي نقله (قدّس سرّه) في اتجاه الراغب. إذ يقول الراغب: فالمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تُتصور لنا إذا كان لا يحصل في نفوسنا صورة، ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحس.
وقال الراغب في التأويل: وأكثر ما يستعمل التأويل في المعاني، كتأويل الرؤيا، وذلك لأن أكثر الرؤيا يقتضي ظاهره أمراً وباطنه غيره.
وقال: والتأويل نوعان, الأول أن يكون لفظ عام، فيخصص في بعض ما يدخل تحته، نحو قوله تعالى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}(2) حمل على علي أبن أبي طالب (عليه السلام) فقط.
فالراغب فيما تقدم، أوضح أن تفسير المتشابه هو تحديد المصداق في الخارج، لذا فعندما نعجز عن تحديد الصورة في الخارج، نردّ أمرها الله تعالى، فنؤمن بالمحكم والمتشابه. وأشار إلى (صالح المؤمنين) في تعديل المصداق الخارجي في التأويل وكذلك في الرؤية.
وقد اهتم الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) بتفسير المعنى في تحديد منهجه في التفسير، في أول تفسير سورة الحمد، إذ قال: الاهتمام بجانب (تفسير المعنى)، إلى جانب (تفسير اللفظ).
ثم يقول: (وفي هذا الاهتمام نحتاج إلى التفتيش عن أوسع الآفاق للمصاديق القرآنية وأدقها، سواء على مستوى الواقع الذي نزل فيه القرآن الكريم، أو الواقع الإنساني العام).
وهذا ينسجم وما جاء في علم اللغة، من أن النص لفظ نطق به في زمن وظرف معين، ومكان معين، يشترك فيه المتكلم والسامع، والأفعال التي يقومان بها ذلك الوقت، والأشياء والأحداث الخارجية، ونحن لا نستطيع فهم النص في ذلك الوقت دون الإشارة إلى العناصر ذات العلاقة بالوضع.
هذا ما أحببت أن أتحدث به في هذه العجالة، وإن كان هناك رأي آخر، أو آراء أخرى فيما تحدثت فيه من محاور متعددة، في البحث الذي أود أن يطبع مع مجموعة البحوث التي ستخرج قريباً إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
____________
1- يوسف: 21.
2- التحريم: 4.
|