الفكر السياسي لدى الشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
في ضوء كتابه
(الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق)(1)

الدكتور عبد الحسن هادي   
 
 
 
 

بحث قدمه الدكتور عبد الحسن هادي في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورحمة الله على شهدائنا الأبرار، شهداء الأمة الإسلامية. لا سيما الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه).

اطّلعت على هذا النتاج العلمي بعنوان (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق) وبطبيعة الحال، فإن موضوع تدخلي هو الفكر السياسي لدى هذا العالم الجليل. فهناك فرق بين الفكر السياسي، وبين النظام السياسي. وبين النظم الدستورية، وبين الفلسفة السياسية. كل هذه الموضوعات تلتقي عند نقطة معينة وتفترق باتجاهات معينة. فالفكر السياسي بوجه عام ينصبّ على السلطة السياسية. ما هي هذه السلطة؟ وما هي طبيعتها؟ ولمن تكون؟ وما هي حدودها؟ وكيفية التعامل مع من تمارس عليهم؟ وما هو مركز الأفراد في مواجهة السلطة الحاكمة تحت عنوان (الحقوق والحريات)؟

فالسيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) تناول الفكر السياسي بمنهجه العلمي. ولمستُ روح الموضوعية والعمق العلمي. وعَكَس هذه الأفكار على نموذج تطبيقي يتمثل في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وناقش النصوص الدستورية التي تتعلق بالحكم مناقشة العالم للأوجه القانونية لها.

وهناك منهجان في الفكر السياسي:

1 ـ المنهج الإسلامي.

2 ـ المنهج الوضعي.

فالمنهج الوضعي يبحث عن السلطة. وكأن السلطة مجهولة في منهج البحث الوضعي، أما في المنهج الإسلامي، فالسلطة واضحة، والسيادة واضحة، لا يتكلف الباحث البحث عنهما.

فالبحث في السلطة في المنهج الوضعي يختلف اختلافاً بيناً عن البحث فيها في المنهج الإسلامي. فالمنهج الوضعي يبحث عن السلطة، ومنذ القديم تساءل الأفراد: لماذا يخضع المحكومون للحكام؟ وهم من طبيعة واحدة؟ وهذه الطبيعة طبيعة بشرية، فلماذا يخضع المحكوم للحاكم؟

والقرآن الكريم لفت النظر لهذه النقطة بآيات كثيرة منها: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ}(2)، وغيرها من الآيات. فتساءل الناس: لماذا الخضوع للحكام ونحن من طبيعة بشرية واحدة؟ فأنتج الفكر البشري فكرة السلطة. والسلطة ليست شخصية، إنما تتركز في شخص معنوي مجرد، هو الدولة. وتم الفصل ـ بعد أن كانت السلطة شخصية ـ بين السلطة، وبين من يمارسها، والمتمثل في الدولة.

ولذلك تجد دساتير الدول تقول: السلطة للشعب، والحال أن السلطة للدولة، فخلطوا بين الشعب وبين الدولة، وكأن الشعب ذاب في الدولة وليس له وجود. فالسلطة للدولة وفق المفهوم الفلسفي لهذه النظريات.

أما المنهج الإسلامي فلا يتكلف المرء البحث عن السلطة، والسلطة المطلقة والسيادة لله.

إذن ما هو الفرق بين المنهج الوضعي والمنهج الإسلامي؟

الفرق بين المنهجين أن الباحث الإسلامي يتتبع مواصفات معينة لمن يمارس السلطة. ولا يتكلف في البحث عن السلطة، فهي مبتوت بها وواضحة: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لله}(3)، وآيات أخرى كثيرة تبين ذلك، فلماذا إذن يتكلف المرء البحث عن السلطة؟ إنه لا يتكلف ذلك، وإنما المطلوب منه أن يبحث عن مواصفات الحاكم.

وهذه النظرية هي التي قام عليها النظام الإسلامي في إيران, حيث قام على نظرية (ولاية الفقيه) فليس البحث عن السلطة، وإنما عن مواصفات معينة لتسند السلطة لهذا الشخص الذي يتحلى بهذه الصفات.

إذن هناك فرق كبير بين منهج البحث في الإسلام ومنهج البحث في النظم الوضعية، فالغرض أن الإسلام لما حدد وبين معالم السلطة، وبين سند السلطة، ومن هو صاحب السلطة؟ تبقى الأمور الأخرى فرعية، ولذلك عندما يأتي الباحث، ويناقش فكرة الشورى، وفكرة النص، التي قالت بها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يجد نفسه أمام نوع من الخلط بين مصدر السلطة، وبين الطابع الرباني والإلهي لها، وبين الطابع الدنيوي للسلطة في فكرة الشورى.

وأجد نفسي أمام حرج ودقة في البحث، فعندما يأتي القرآن ويقول: السلطة لله، وآتي أنا وأقول: الشورى! فالشورى لا تخلق السلطة ولا تنشئها، إنما تكشف عن مواصفات صاحب السلطة. هذه النقطة يجب أن نركز عليها. ويجب أن نسير في منهج علمي واضح وفق هذا الخط، وإلا سوف نشطّ ونخطئ ونتنكب الطريق.

فالسلطة في الإسلام لله، والباحث الإسلامي لا يتكلف مصطلحات ووسائل أخرى كالشورى وغيرها. وأنا لا أطعن في الشورى، لأن لها مجالاً آخر. والسيد الحكيم (قدّس سرّه) بيّن هذا المجال. فالشورى لها نطاق ومجال معين، وتمارس الآن في إيران في أنطقة ومجالات، ومؤسسات معينة، لكن لا يمكن لعاقل أن يدّعي أن الشورى تخلق سلطة.

ولدينا كثير من الأمثلة في هذا المجال. في المجال السياسي، وفي المجال القانوني كذلك. ففي المجال القانوني لدينا أمثلة كثيرة، فهناك فرق بين العمل الذي ينشئ المركز، وبين العمل الذي يكشف عن المركز، وهذه نظرية ثابتة في القانون.

وأورد على ذلك مثالاً واحداً: عندما يعين موظف ما في دائرة (بقرار)، فإنه يخلق له مركز معين. ولكن لو ارتكب جريمة, وصدر قرار آخر بفصله، فإنه يصدر بناء على المركز الأول. فالقرار الثاني لم يخلق مركزاً, ولا موقعاً قانونياً، إنما كشف عن مركز معين.

وفي المجال السياسي يمكن أن نستعين بهذه الأفكار، ونؤيد وندعم فكرة النص بالنسبة لمدرسة آل البيت (عليهم السلام) وهو ما ركز عليه الإمام محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه).

فخلاصة كلامي أن الفكر الإسلامي لا ينشئ سلطة، إنما يكشف عن مواصفات محددة معينة. والناخب الإسلامي لا ينتخب برنامجاً, ولا شخصاً, بل ينتخب مواصفات معينة، ويترتب على هذه المواصفات برامج وأهداف, هي الأهداف والقيم الإسلامية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

____________

1- كان للدكتور عبد الحسن هادي بحث حول الموضوع ذاته حصلنا على نسخة منه وأثبتناها ضمن البحوث السابقة تحت رقم (1)، كما حصلنا على شريط فيديو يحتوي على بيان للموضوع ذاته، ولكن مع إضافات وزيادات مهمة، فآثرنا نشره هنا تحت رقم (2) إتماماً للفائدة.

2- المؤمنون: 34.

3- الأنعام: 57.