الفكر السياسي لدى الشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
في ضوء كتابه
(الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق)

الدكتور عبد الحسن هادي   
 
 
 
 

بحث قدمه الدكتور عبد الحسن هادي في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م


بسم الله الرحمن الرحيم


مقدمة

لا يخفى أن الصراعات بين بني البشر صراعات قديمة أفراداً وجماعات, وآية ذلك الصراع بين ولد آدم، وهي الظاهرة الأولى السيئة التي أشقت البشرية. وقد اتخذت بعض أنواع الصراعات صوراً مأساوية تفوق حد الوصف, وجلبت الكثير من الأحزان والمآسي.

وليس من المستبعد أن يكون السر في بعث الأنبياء والرسل لحسم هذه المشكلة والقضاء عليها, وتقويم الإنسان في تنمية عوامل الخير الكامنة فيه، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى ما خلق الإنسان ليكون شريراً عابثاً مخرباً، فكانت التعاليم الدينية والكتب السماوية بواسطة مبلغيها، أولئك الأنبياء العظام لتكون الأداة الطبيعية في تربية البشرية ووضعها في الطريق الصحيح الذي أراده الله، والذي يتجلى في إعمار الأرض والمحبة والسلام. كذلك فإن ظاهرة الصراع قد لفتت أذهان الفلاسفة والمفكرين والمصلحين, فكان جل همهم الكشف عن سبل ووسائل القضاء على هذه الظاهرة, وتبلورت بعض أفكارهم في النظام الذي يكفل للبشرية خيرها ورخاءها وسعادتها. وكلنا يعلم ماذا حصل في بقاع كثيرة من العالم, على الأقل في القرون الأربعة أو الخمسة الماضية، حيث كانت الفتن والصراعات على أشدها, ونحت منحىً مأساوياً, وبالأخص في الدول الأوربية والبلدان الأمريكية. فتصدى المفكرون للكشف عن النظام الذي يجنب مجتمعاتهم تلك الفتن، واهتدوا إلى أسلوب الديمقراطية ـ على الرغم من قدم هذا الأسلوب ـ اهتدوا إلى هذا الأسلوب الذي ينبع من فكرة سيادة الشعب، وحقه في ممارسة السلطة. وما الحكام إلا أدوات لتنفيذ إرادة الشعب. وتم لهم ما أرادوا في إقامة النظم السياسية التي تمتعت بشيء من الاستقرار، تمخض عنه تحقيق قدر من التنمية والرفاهية والتقدم في مجال مختلف العلوم.

وفي تاريخنا الإسلامي حصلت صراعات دموية لا يمكن التستر عليها، وإذا استثنينا فترة حكم العهد النبوي, أي حكومة النبي (صلى الله عليه وآله) وهي فترة ذات خصوصية, وفترة تغيير شامل في كل جوانب الحياة, فترة التغيير إلىسبيل الله، إذا استثنينا ذلك نجد أن الصراعات بدأت تطل برأسها حتى في عهد الخلافة الراشدة، ومع ذلك لا يمكن قياس ومقارنة هذه الصراعات بما تلاها من صراعات في العهدين الأموي أو العباسي, وما أعقب هذين العهدين.

ولا بد للباحث، إذا أراد الحكم المجرد النزيه للوقوف على أسباب هذه الصراعات, أن يترك وراءه الفكر المتحيز, والعواطف النابعة من هذا الفكر، وأقدر الآن بعد هذه المرحلة التاريخية الطويلة أن تلك الصراعات قامت على أساسين:

الأساس الأول: الالتباس في فهم النصوص الإسلامية وأهدافها.

والأساس الثاني: الالتباس في فهم وتشخيص الأفراد ذوي القدرات الاستثنائية في قيادة الأمة.

تلك الأمور كانت أهم عوامل الصراعات التي حصلت في الأمة الإسلامية في سائر مراحل تطورها.

ولا يخفى أن ثمة عوامل أخرى لها شأنها في هذا المجال, كانخفاض مستوى فهم الإسلام, وضعف مستوى الحالة الايجابية, والنزعات المصلحية النفعية, والعوامل الخارجية التي لا تريد للإسلام خيراً.

ومع صعوبة وتعقيد التاريخ الإسلامي في خضم تلك الأحداث كانت ثمة محاولات لإيجاد أو اكتشاف النظام الذي يحقق للأمة رفاهيتها واستقرارها في نطاق المبادئ الإسلامية الرئيسية, بعيداً عن النقل المشوه, وبعيداً عن المحاكاة التي لا تغني ولا طائل فيها.

وبناء على هذه المقدمات, واستناداً إلى المقولات النظرية والوقائع المادية التي مرت بها الأمة, فقد انقسم المفكرون الإسلاميون إلى مدرستين فكريتين هما مدرسة النص ومدرسة الشورى.

ومن المفكرين المحدثين الذين ينتمون إلى مدرسة النص, الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه). وقد شب هذا العالم الجليل في مدرسة علمية عريقة, شهدت الأفذاذ من العلماء الأجلاء الذين أغنوا الفكر الإسلامي ببحوثهم وآرائهم العميقة الغور. وفضلاً عن الجانب الفكري لهذه المدرسة فقد كان ـ ولا يزال ـ لها دورها المشهود في مختلف جوانب الحياة ومنها الجانب السياسي, على الصعيدين النظري والعملي. فليس غريباً أن يكون الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) من المتصدين المجاهدين في الميدان السياسي, بل الغريب عكس ذلك، ويكفيه فخراً وعزاً أن تختم حياته بالشهادة في سبيل طموحاته لإقامة النظام السياسي القائم على العدل والمساواة وكرامة الإنسان وحريته وسعادته, وهي قيم نابعة من النظام الإسلامي العريق.

ومن الجوانب الفكرية السياسية في حياة السيد الحكيم محاولته للكشف عن النظام السياسي المستند إلى نظرية الحكم في الإسلام، فكان واحداً من كتاباته كتاب (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق).

ولا يخفى أن السيد الحكيم مارس الحياة السياسية عملياً, حيث تصدى للدكتاتورية في باكورة حياته, وهو أحد طلبة الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) الذي ملأ الآفاق بجهاده الفكري والعملي, حتى ختمت حياته بالشهادة التي طالما سعى إليها وتمناها، فحياة الإمام محمد باقر الحكيم السياسية والدينية جزء من حياة الإمام محمد باقر الصدر في هذه الميادين وغيرها من الميادين الأخرى, كما شهد الاثنان بذلك.

وحيث إن لهذا البحث عرفاً محدداً, وهو إلقاء الضوء على فكر السيد محمد باقر الحكيم في المجال السياسي, فسوف يكون ذلك في ضوء كتابه المشار إليه، ولما كانت الدراسة المقارنة ذات أهمية في هذا المجال من مجالات العلوم فسوف تكون هذه الدراسة كذلك وفقاً للخطة التالية:

المطلب الأول: نظرية الحكم في النظم الوضعية.

المطلب الثاني: نظرية الحكم في الشريعة الإسلامية.


المطلب الأول
نظرية الحكم في النظم الوضعية

مرّت النظم السياسية الوضعية بمراحل متعددة من التطور عبر تاريخ البشرية الطويل، واصطبغت هذه المراحل بصراعات فكرية تحولت في الكثير من الأحيان إلى صراعات دموية, دفعت فيها البشرية أثماناً باهضة وتضحيات كبيرة. ومن أبرز ملامح الكثير من هذه الصراعات الجانب غير الإنساني, فتحقيق المجد والسيطرة يبدوان وكأنهما الهدف الأسمى لهذه الصراعات. وبعد ذلك التاريخ الطويل من المآسي, اهتدت تلك الدول التي كانت مسرحاً للأحداث, إلى نظم سياسية تمتعت بشيء من الاستقرار, أو حققت شيئاً من التقدم والتطور في جوانب شتى من جوانب الحياة بحيث أصبح من أبرز ملامحها بأنها الدول المتقدمة في مقابل الدول المتخلفة.

والفكرة الأساسية التي قامت عليها تلك النظم هي فكرة الديمقراطية وسيادة الشعب. وعلى الرغم من قدم هذه الفكرة التي نجد جذورها في الفكر اليوناني القديم، إلا أن فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر ألبسوها لباساً جديداً وتصويراً جديداً أكسبها قدراً من العلمية والواقعية والقبول. وما فكرة العقد الاجتماعي إلا مظهر من مظاهر تلك الأفكار التي أثمرت تلك النظم القائمة على أساس سيادة الشعب وحريته في اختيار الحكم, وتقييدهم بقواعد اتسمت بشيء من القداسة والإلزام، وأصبح الصراع في داخل هذه النظم يتمثل في أحزاب محدودة تتنافس فيما بينها لتقديم أفضل الخدمات للشعب, وهي في كل ذلك محكومة بمرجعية قانونية لا يصح تجاوزها.

ولا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أن تلك النظم هي النظم المثالية, إلا أن الأنصاف يدعو إلى القول بأنها نظم حققت التنمية, وحققت شيئاً من الرفاهية لشعوبها, ولا وجه للمقارنة بينها وبين النظم الدكتاتورية.

واستعجالاً منا قبل مكانه نقول: إن النظرية الإسلامية في الحكم جديرة بأن يتمخض عنها نظام سياسي لا ترقى إليه النظم السياسية الديمقراطية المعاصرة، وذلك بالعمل المخلص وفق أحكام الشريعة الإسلامية, والتربية التي تكفل تكوين الأناس بمستوى القيم الإسلامية السامية. وأهم ما يتبادر إلى الذهن بهذه المناسبة هو أن لا يكون ثمة تعارض بين النظرية الإسلامية في كافة مجالات الحياة, وسلوك الإنسان المسلم, سواء كان حاكماً أم محكوماً.

وعودة إلى النظم السياسية الوضعية التي المحنا إلى شيء من معالمها العامة, ونزيد هنا عرضاً جزئياً لبعض ملامحها التفصيلية, قامت هذه النظم ـ كما ذكرنا ـ على فكرة سيادة الشعب. ومفاد ذلك أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة. أما الحكام فلا يعدون كونهم يمارسون وظيفة معينة نيابة عن الشعب. وبذا تم الفصل بين السلطة وبين من يمارس هذه السلطة، فلم تعد السلطة عندهم امتيازاً شخصياً للحكام، وهو ما يسمونه (نظرية تأسيس السلطة) والحكام بهذه الصورة مقيدون بقواعد قانونية يعتبر الخروج عليها سالباً للشرعية, مستحقاً للعزل. فشأن الحكام هنا شأن سائر الأفراد في الخضوع لأحكام الدستور والقواعد القانونية القائمة على أساس هذا الدستور, وهو ما يطلق عليه (نظام الدولة القانونية).

ولنظام الدولة القانونية عناصر وضمانات يجب مراعاتها, فحيث يتخلف عنصر من هذه العناصر, أو ضمانة من هذه الضمانات, ينهار هذا النظام من أساسه ويتحول النظام إلى لون من ألوان الحكم الفردي, سواء أكان هذا الحكم استبدادياً أم بوليسياً حسب الأحوال. وتلك الضمانات والعناصر تتمثل في (وجود دستور، تنظيم رقابة قضائية، الفصل بين السلطات، الاعتراف بالحقوق الفردية، خضوع الإدارة للقانون، تدرج القواعد القانونية).

ولم تقف تلك النظم عند حد المبادئ العامة بل استغرقت في التفاصيل، عارضة تطور الفكر السياسي عبر عصور التاريخ المختلفة، مبينة أصل نشأة الدولة, وأساس السلطة فيها, وأشكال الدول, ومجالات السلطة وأهدافها، كذلك عرضت مفهوم الحكومة وأشكال الحكومات وكيفية إسناد الحكم. ومن جهة أخرى ركزت الكلام عن مركز الفرد في الدولة وحقوقه وحرياته والالتزامات المترتبة عليه، كل ذلك مسايرة لتطور الفكر البشري واستجابة لمتطلبات الحياة المتطورة والمتغيرّة بشكل دائم ومستمر.

كل ذلك حدث والمسلمون منشغلون بأمور أخرى أقرب ما تكون إلى الجدل المستند إلى مقولات ونصوص تاريخية, الشك في صحتها قائم, والشك في مصداقية قائلها ثابت. وعدم تشخيص القيادات النزيهة والمقولات الصادقة سمة من سمات الفكر السياسي الإسلامي، وهي أزمة عدم الاعتراف بها، وسيظل المسلمون يراوحون مكانهم والأمم الأخرى تتنافس في سبيل أفضل النظم التي تحقق أفضل حياة للشعوب.

ولا ينبغي أن يفهم من هذه المقولة بأنها مدعاة لليأس والإحباط، فالإسلام دين الله. وثبتت صلاحياته في بعض المراحل، والله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ أحكامه, وتكفل أيضاً بصيانة الأشخاص الرساليين من مقولات الافتراء، وقد يكون تاريخنا الراهن يبشر بنهضة إسلامية حضارية تستجيب للواقع وتتطلع للمستقبل وتحافظ على تراث الماضي، والأدلة حول هذه المقولة مشاهدة وثابتة، فقد تصدى بعض علماء المسلمين في العراق وفي إيران وفي بعض البلدان الإسلامية لمجابهة واقع النظم السياسية الفاسدة, وكلفهم ذلك تضحيات ضخمة ومعاناة أضخم, فكانت الثورة الإسلامية في إيران من أبرز المظاهر النهوضية في تاريخنا المعاصر, وكانت تضحيات علمائنا في العراق أمثال السيد الشهيد الصدر الأول والصدر الثاني والشهيد السيد محمد باقر الحكيم وغيرهم من العلماء الأفذاذ والطليعة المؤمنة، كان كل ذلك شاهداً مادياً باعثاً على الأمل في إقامة النظم السياسية التي تصدر عن مبادئ الإسلام السامية أو الحفاظ على قيم الإسلام حتى في ظل النظم السياسية التي لا تصدر عن تلك المبادئ.


المطلب الثاني
نظرية الحكم في الشريعة الإسلامية

قبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع نود الإشارة إلى أن بحث الشهيد السيد الحكيم لم يكن بحثاً مقارناً موسعاً بالنظم الوضعية, حيث أشار إشارات عابرة إلى ذلك, وكانت هذه الإشارات ذات دلالة وذات أهمية، وكان كتابه الذي أشرنا إليه عرضاً للنظرية الإسلامية في الحكم ومجال تطبيقها في النظام السياسي لجمهورية إيران الإسلامية, فكانت هذه الدراسة موفقة لما اتسمت به من حياد وموضوعية وعلمية.

ونعود إلى الموضوع, حيث ظهر الإسلام ـ كما هو معلوم ـ في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي, وقد سبقت ظهوره نبوات ظهرت لإصلاح شأن البشرية، كما كانت ثمة حضارات ونظم من صنع العقل البشري, ولم تكن البشرية في تلك الحقب الزمنية في وضع من الصلاح والاستقرار بوجه عام, فالأنبياء جاؤوا بما فيه خيرهم وصلاحهم, إلا أن الأغلبية من بني البشر وقفت موقفاً سلبياً ومعادياً لتعاليم السماء, أما النظم الوضعية فكانت في غالبيتها صادرة عن فلسفات تتخبط بين الحق والباطل, والملامح البارزة لتلك النظم هي ملامح الطغيان وتأليه القوي مادياً أو فكرياً أو لأي اعتبار آخر، ولم يكن شأن جزيرة العرب يخرج عن هذا المعنى, ووصل الأمر بمجتمع هذه البقعة الجغرافية أن عبدوا الأحجار, وفلسفوا هذه العبادة بما أوحت به عقولهم, ومارسوا ممارسات مطبوعة بطابع القسوة والغلظة, كما في شأن وأد البنات, وهم يفلسفون هذه الظاهرة السيئة فلسفة لا تقوم على منطق.

ومع كل سلبيات مجتمع الجاهلية كانت ثمة ممارسات صالحة, وآية ذلك أن الإسلام أقرها بعد ظهوره, إلا أنها لا تقوى على كونها حجة لصلاح ذلك المجتمع, فكان ظهور الإسلام في تلك البقعة من الأرض, وفي تلك الحقبة الزمنية فحسب, مبشراً لأوضاع يتحقق معها خير الإنسان, وتتحقق كرامته وحريته وسعادته, لا لإنسان تلك البقعة الجغرافية أو الحقبة الزمنية, بل للبشرية جمعاء غير محدد بمكان أو زمان، وكانت شريعة الإسلام كاملة, وأحكامه متقنة شاملة، وآيات القرآن الكريم فيها المحكم وفيها المتشابه وفيها المنسوخ وفيها واضح الدلالة, وفيها ما يحتاج إلى العلم الثاقب والبصيرة النيرة للوقوف على دلالتها. وأما عن المسلمين فمنهم من أسلم ولم يؤمن, ومنهم من أسلم وآمن, ومنهم دون ذلك.

وهذه الأسباب مجتمعة كانت ـ ولا تزال ـ السبب في عدم اجتماع المسلمين, وعدم وضوح نظرتهم في الحكم، وهي السبب أيضاً في عدم تشخيص القيادة المؤهلة لتحمل الأمانة العظيمة (أمانة الحكم) وحيث تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ الشريعة الإسلامية وذلك بحفظ القرآن الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(1) وحيث لا يتسنى هذا الحفظ إلا عن طريق أفراد عرفهم الله وعرفوه وهيأهم لمثل هذه المسؤولية العظيمة، فكان ذلك متمثلاً بالأئمة الهداة، والصالحين من هذه الأمة والفقهاء الذين نذروا نفوسهم للوقوف بوجه مظاهر الانحراف والفساد في كل مكان وزمان... {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(2).

أما الادعاءات قديمها وحديثها, والتي تقول بأنها الحق، وما دونها الباطل وأنها القيّمة على الإسلام وعلى شريعته وأحكامه, فإنها ادعاءات تحتاج إلى دليل، فالفرد أو الجماعات التي تخضع لحكم الفساد، ولا تتصدى له بأية درجة من درجات التصدي، لا يحق لها أن تكون ممن شملتهم الآية المباركة المذكورة، فالحقّ بين والباطل بين, والأتقياء أهل الإسلام وحماته تعرفهم بسيماهم، فالجدل حول الأشخاص, والجدل حول النصوص, قد لا يكون إلا بدافع العاطفة والهوى, وهو ما لا يغني ولا يثبت حقاً ولا يدفع باطلاً. ومن الثابت لدى المسلمين عموماً أن الخلاف بينهم حصل بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بشأن من يخلفه، فكان ثمة اتجاهان:

الاتجاه الأول: يرى أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى بمن يخلفه في مكان معين, وزمان معين, وشهود بعينهم.

الاتجاه الثاني: منقسم على نفسه إلى موقفين: الأول ينكر هذه الوصية، والثاني يفسرها بما لا يفيد الخلافة، وجملة هذا الاتجاه تبلور في نظرية الشورى. والأحداث التالية أثبتت عدم التقيد بهذه النظرية, حيث أوصى الخليفة الأول إلى الخليفة الثاني, ورشح الخليفة الثاني ستة من أهل السابقة في الإسلام, وانحصرت المفاضلة في الاختيار بين اثنين فقط, هما علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعثمان بن عفان، وكان العقد بيد أحد الستة, والذي رجح عثمان بن عفان بعد ما شرط من شروط، وهذه الطريقة الغريبة، التي لا هي من الوصية ولا هي من الشورى, ترتبت عليها أحداث, بل مآسٍ يعرفها المسلمون جميعاً.

ويمكن القول ـ وهو ما يدخل في باب التسامح ـ إن شأن نظام الخلافة الراشدة كان إلى خير, قياساً على ما تلته من أحداث وانقلاب جوهري, حيث تحول النظام السياسي الإسلامي إلى نظام ملكي في عهد الأسرتين الأموية والعباسية، وكانت ثمة فتن جلبت الكثير من المآسي والأحزان.

ونحن الآن بعد هذا الفاصل الزمني الطويل, لا بد لنا أن ندرس هذا الأمر دراسة موضوعية علمية ننأى بها عن العواطف, ونجردها من أحداث الماضي. أما أن ندرس تلك الأحداث ونبحثها بحثاً عاطفياً مبنياً على اعتبارات فكرية حاكمة مسبقاً، فإن مثل هذا المنهج لا ينسب إلى العلم, ولا يقوم على منطق سليم، فكل نظام سياسي لا بد أن يقوم وينشأ مبتغياً أهدافاً معينة لخدمة الشعب, كل الشعب, مؤسساً على مبادئ العدل, وقيم الأخلاق, متجنباً كل مظاهر التمييز التي تتنافى مع كرامة الإنسان, معتمداً الرجال الصالحين الذين يذوبون في هذه القيم.

والإسلام ما ظهر إلا ليحقق تلك القيم ويرتفع بالإنسان إلى مدارج الكمال، فالإسلام بمبادئه ومثله يهدف إلى إعمار الأرض التي هي في خدمة الإنسان، ويهدف وبدرجة أعلى إلى إعمار الإنسان من داخله, والارتقاء به إلى المستوى الذي يتحدى به مقولة الملائكة {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}(3).

ولنأت الآن إلى نظام الحكم في الإسلام في جانبيه النظري والتطبيقي في نقطتين:


أولاً
الجانب النظري في الحكم الإسلامي

الإسلام ـ كما هو معلوم ـ عقيدة وشريعة، دين ودولة، وبالفعل لقد أقام النبي (صلى الله عليه وآله) دولة في المدينة بكل مقوماتها وخصائصها، فكان القرآن الكريم دستور هذه الدولة المباركة، وكان قول النبي (صلى الله عليه وآله) وفعله وتقريره قانوناً ملزماً، ذلك لأن القرآن الكريم لم يعرض تفاصيل شؤون الحياة, بل جاء بمبادئ وقواعد عامة. وآيات القرآن الكريم التي تناولت أمر الحكم قليلة جداً قياساً إلى الآيات التي تناولت شؤون الحياة بوجه عام، وبطبيعة الحال لم يواجه المسلمون مشكلة في مسألة الحكم, ذلك لوجود النبي (صلى الله عليه وآله) بوصفه مرجعاً في شؤون الدين, ومرجعاً في أغلب شؤون الحياة الخاصة والعامة.

وقد برزت مسألة الحكم وأثارت جدلاً لا تزال آثاره إلى الآن وذلك بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وتبلور هذا الجدل في فكرتين, هما: فكرة النص, وفكرة الشورى, وهو ما نقوم بعرضه الآن في نقطتين حسب الترتيب المذكور:


1 ـ فكرة النص:

إن أهم ما في مسألة الحكم هو إسناد السلطة الرئاسية أي اختيار رئيس الدولة. فمتى ما تمّ هذا الإسناد تصبح الأمور الأخرى أكثر سهولة وأيسر في شكلها وموضوعاتها، كذلك مسألة أخرى جديرة بالانتباه هي أن الإسلام دين سماوي وأن السلطة المطلقة لله، ولا يصح لأي فرد أن يدعي خلاف ذلك، وممارسة السلطة يلزم أن تكون في إطار هذا المعنى, وذلك من أكبر ضمانات استقرار الأوضاع السياسية ـ والاجتماعية.

والاتجاه الذي تبنى فكرة النص استند في ذلك على جملة أحداث في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) لعل أبرزها حدث غدير خم المشهور لدى كافة المسلمين, باستثناء القلة التي فسرت ما جاء في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) على غير دلالته, والقلة الأخرى ضمن هذه القلة أنكرت الحديث جملة. وليس من مهام هذا البحث الدخول في تفاصيل هذا الحدث وأمثاله, حيث يمكن الرجوع إلى ذلك في مراجعه المختلفة، لكن الذي ينبغي الإشارة إليه هو أنه من غير المعقول أن يترك النبي (صلى الله عليه وآله) هذه الدولة الوليدة, وذلك الدين المنزل للبشرية كافة دون أن يرشح من هو أهل لقيادة هذه الدولة, وتحمل مسألة إرشاد الناس للدين الجديد. وهي مسؤولية كبيرة تحتاج إلى مؤهلات خاصة وقدرات استثنائية، الله ورسوله أعلم بها، ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أن النظام الإسلامي نظام ملكي وراثي, فالفرق كبير بين أهلية قيادة الأمة سواء أكان الشخص قريباً أم بعيداً وبين النظام الوراثي, سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى, فما قام به النبي (صلى الله عليه وآله) هو بأمر الله بكل تأكيد, وأشارت إلى هذا المعنى آية التبليغ كما هو ثابت.


2 ـ فكرة الشورى:

استند القائلون بالشورى في إسناد الحكم إلى آيتين فقط وردتا في القرآن الكريم، وهما قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(4) وكذلك قوله {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ...}(5) حيث يرى أصحاب هذا الرأي أن هاتين الآيتين تدلان بوضوح على لزوم اختيار من يخلف النبي (صلى الله عليه وآله) عن طريق الشورى, ذلك لأن الأمة هي صاحبة الحق في الحكم, فلا بد من الرجوع إليها لإسناد الخلافة إلى من تراه أهلاً لها، وقد كان لأصحاب هذا الرأي دور في حسم مسألة الخلافة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كما هو ثابت في سقيفة بني ساعدة, ذلك الحدث المشهور. إلا أن الملفت للنظر أن ما تم في هذا المكان لم يكن يشكل المعنى الحقيقي للشورى, فالأنصار منقسمون, والمهاجرون لم يحضر منهم إلا أربعة أشخاص فقط، وتحول هذا المجلس إلى خصومة وادعاءات مبنية على أسس قبلية، وتمت البيعة في هذا الجو الذي أوشك أن يكون ساحة قتل لولا بقية من عقل وبقية من حكمة.

ومن أبرز معالم المآخذ على هذه الطريقة أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدرب المسلمين على ممارستها, حيث تستحق مثل هذا التدريب, لأنها تتعلق بأهم وظيفة وأسمى مكانة في إدارة شؤون الأمة.

فقد يكون الأقرب في دلالة آيات الشورى هي أنها تتعلق بشؤون الأمور الدنيوية التفصيلية, حيث من المستحب استخراج آراء الآخرين في قضية معينة، كذلك قد تكون دلالة هذه الآيات إذا ما استشار النبي (صلى الله عليه وآله) المسلمين، بأن هذه الاستشارة تشعر المسلمين بأهمية رأيهم, وهو ما يترتب عليه زيادة أواصر الألفة وتقرير الثقة, وهي أمور لا غنى عنها في سائر العلاقات، مع العلم إن النبي (صلى الله عليه وآله) في غنى عن استشارة الآخرين في أي شأن من شؤون الحياة, ودليل ذلك الآية التي تقول: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ...}(6) ثم من المهم في هذا المقام أن الطريقة التي اتبعها الخلفاء في تولية من يخلفهم لا شأن لها بأسلوب الشورى, فهي طريقة استخلاف بالتحديد الذاتي، حتى في أمر الستة الذين رشحهم الخليفة الثاني, حيث انحصرت الشورى بيد واحد من الستة, وبعبارة أخرى كان ثمة مستشار واحد فقط.


ثانياً
الجانب العملي في الحكم الإسلامي

من الأمور البديهية أن أية نظرية غير قابلة للتطبيق, لا يمكن اعتبارها إلا كونها أفكاراً مثالية, فهدف النظرية أن يكون لها ميدان للتطبيق لتنتج آثارها المقصودة سواء أكان ذلك في العلوم الإنسانية أم العلوم الطبيعية أو في أي مجال من مجالات العلم.

وقد تبين لنا أن المسلمين اختلفوا في نظرية الحكم بين النص والشورى، وكل له حججه وأسانيده، وقد تبين لنا أيضاً أن المؤيدين لنظرية الشورى لم يطبقوها كما هي، فكانت مواقفهم مستندة إلى اعتبارات عملية لا شأن لها بالنظرية, كذلك فإن القائلين بنظرية النص واجهت نظريتهم ظروفاً جعلت من النظرية محل جدل, وتمثلت هذه الظروف في غياب الإمام الثاني عشر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

وفي تقديري إن نظرية الشورى، كما فهمها أصحابها، أفرغت نظرية الحكم الإسلامي من محتواه ذي الطبيعة الخاصة الإلهية إلى لون من ألوان الممارسة السياسية, كما نفهمها اليوم, فكانت مظاهر القوة والغلبة سنداً للحكم, وأحيطت هذه المظاهر بهالة من التقديس مستندة إلى تبريرات شرعية مصطنعة أبلغ درجات الاصطناع وفنون الصياغة والصنعة، وآية ذلك أن تحول النظام السياسي الإسلامي إلى نظم ملكية مطلقة تارة ومقيدة تارة أخرى بقيود مصطنعة، ولهذه الاعتبارات وصل إلى الحكم أفراد لم يحترموا تعاليم الإسلام, ولم يلتفتوا إلى مشاعر المسلمين, فكان سلطان الحكم هدفاً مقصوداً بذاته.

أما عن نظرية النص فظل أصحابها متمسكين بها, وشكلوا ما يسمى (حكومات ظل) في مصطلح اليوم، فكانت لهم مدارسهم وممارساتهم وأقضيتهم البعيدة عن السلطان, واصطدمت هذه النظرية باعتبارات عملية مفادها التساؤل عن نائب الإمام(عليه السلام) وما هو سند هذه النيابة؟ ولماذا هذا النائب دون ذاك؟

مثل هذه التساؤلات تقترب كثيراً من الماديات المحسوسة, وتبتعد عن الغيب والحكمة الإلهية، فشاء الله أن يبتلي الأمة بجملة ابتلاءات, وهذه واحدة منها، الأمة التي لا تهتدي إلى معرفة القيادة الحقة بعد الأدلة الساطعة والبراهين الناصعة قد تبتلى بقيادات سيئة. ولا يخفى في هذا المقام أن الكثير من الفلسفات القديمة, وأخص بالذكر منها الفلسفة اليونانية, قد أكّدت أن حكم الفلاسفة العقلاء الحكماء هو الضمانة الأكيدة لعدم الانحراف بالسلطة, وهو العامل الأكيد في استقرار الوضع السياسي, بما فيه خير الجماعة وسعادتها، فلماذا ننكر على الفلسفة الإسلامية عندما تؤكد هذا المعنى؟ سيما وأن الأمم والشعوب قد ابتليت بحكام جهلة ناقصي الخبرة, يوجههم الهوى, وتتحكم فيهم العواطف.

والتاريخ قديمه وحديثه يشهد بهذه الحقيقة, فالسياسة حكمة, والحكمة تقتضي عقلاً كبيراً وتجربة كبيرة وتجرداً ونزاهة بمستوى المسؤولية. هذه خلاصة الرأي القائل بحكومة الفقهاء أهل العلم والتقوى، فإن لم يكن القائد بهذه المواصفات فلا ينبغي له التصدي لأمانة الحكم.

ومن الناحية العملية، فإن تلك المواصفات لا يمكن أن تخفى أو يمنعها حجاب, لأنها من الأمور المحسوسة, وفي حالة التزاحم يمكن للشعب الواعي أن يختار من بين هؤلاء الفقهاء أحدهم أو مجموعة منهم، أو أنه يرد الأمر إلى الفقهاء أنفسهم ليختاروا من بينهم فرداً أو مجموعة أفراد.

وهذا ما أكده الشهيد السيد محمد باقر الحكيم في كتابه المشار إليه في مقدمة هذه الصفحات مع التفاصيل التي عرضها، حيث أشار بكل وضوح، أن دور الأمة يتجلى في الكشف عن الفقيه المجتهد، لولاية أمر المسلمين, وهو دور لا يتعدى الكشف إلى الإنشاء فالأمة لا تسند السلطة بوصف هذه السلطة للأمة أو للمجتهد الفقيه, إنما تكشف عن أهلية من يتحمل هذه الأمانة العظيمة بوصفه امتداداً لخط الأنبياء وامتداداً لخط الأئمة. وعلى الرغم من أن الآية المباركة تقول: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}(7) إلا أن هذا الخليفة لا بد أن يكون ذا مواصفات تتناسب مع عظم المسؤولية، وليس من المعقول أن يتولاها أي فرد. فالالتباس الحاصل اليوم في هذه المسألة لا يخرج عن كونه التباساً ناتجاً عن عدم استيعاب الإيمان بالغيب الذي صرحت به آيات كثيرة، وحصل نوع من الخلط بين ما هو مادي محسوس وبين ما هو غيبي غير محسوس، كذلك ثمة عدم وضوح صورة الآثار المترتبة على ولاية من هم دون هذه الأمانة العظيمة (أمانة الحكم).

ونعود هنا لنقف على حقيقة بعينها, ماثلة حتى في النظم الوضعية، وهي أن تحديد نوع وطبيعة أي نظام سياسي تتمثل في مجالاته وأهدافه، فالنظام السياسي الذي يخرج عن مجالاته ولا يحقق أهدافه سوف لن يكون إلا عبئاً على الأمة، ويكلفها الكثير, ويوقف مسيرة تنميتها. وأكثر من ذلك سوف يفقد شرعية وجوده.

ورب معترض يرى أن لا فرق بين أسلوب الانتخاب في إسناد السلطة بين النظرية الإسلامية والنظم الوضعية, حيث تنتهي النظرية الإسلامية إلى أسلوب الانتخاب, سواء تعلق الأمر باختيار أعضاء المجالس التشريعية أم اختيار القيادة، وإذا استطلعنا حقيقة مثل هذه الاعترافات سوف نصل إلى حقيقة بارزة هي أن هذه الآراء لا تفرق بين النظام الذي مصدره العقل البشري, وبين النظام الصادر من السماء، وهو خلط يكمن أساسه في مصدر السلطة وصاحب السيادة المطلقة، وبطبيعة الحال يترتب على هذا الأصل أمور تفصيلية تتمثل في قيم وخصائص معينة, وهذه القيم وتلك الخصائص هي المميز الأساسي في الحكم على طبيعة النظام الإسلامي والنظم الوضعية.

وقد يقال: إن النظم الوضعية كذلك تشتمل على قيم معينة, قد تلتقي مع القيم الإسلامية، فإذا صحت هذه المقولة يبقى ثمة فارق بارز بين هذه وتلك, ذلك بأن الرقابة على السلوك في النظامين الإسلامي والوضعي تختلف اختلافاً بيناً, فالرقابة في النظام الإسلامي رقابة ذاتية ورقابة خارجية, والرقابة الذاتية أساسها خشية الله، وأن ثمة عقاباً وثواباً على سلوك الإنسان, وهو ما يشكل ضمانة حقيقية لتقويم السلوك. إضافة إلى ذلك فهناك رقابة مبعثها عدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية والتي يترتب عليها عقاب دنيوي، أما في النظم الوضعية فالرقابة واحدة, تتمثل في الخشية من مخالفة القوانين, وقد تكون هناك ثغرات في القانون تتم المخالفة من خلالها, أو قد يكترث الإنسان في مخالفة القوانين متمثلاً نتائج مخالفته هذه.

ومن هنا فإن النشاط السياسي في ظل النظام الإسلامي محاط بضمانات أقوى من تلك الضمانات التي تحيط بالنظم الوضعية.

ففي مجال الانتخابات مثلاً, إن الناخب يدلي بصوته بأمانة, ولا يتأثر بالضغوط, مهما كان نوع هذه الضغوط وذلك خشية الله، وأن هذا النشاط يدخل في مجال سبيل الله. كذلك المرشح لأي مركز, فإنه لا يتنافس مع الآخرين تنافساً يخالف فيه المبادئ الإسلامية والقيم الإسلامية. وقد ينسحب إذا رأى المرشح المقابل أكثر منه كفاءة وأقدر منه في إدارة شؤون المركز الذي يتولاه. وبوجه عام فإن الإنسان المسلم, وفي أي موقع, يضع أمامه الثواب والعقاب الأخرويين من المقام الأول, ولا تأخذه في الله لومة لائم. كل ذلك مؤسساً على القيم الإسلامية, وهو ما يؤدي في النهاية إلى خدمة الشعب وتحقيق المصلحة العامة.

وكل تلك الأمور وغيرها عرضها السيد الشهيد آية الله الحكيم (قدّس سرّه) بأسلوبه العلمي المتماسك، وهو لم يغفل أن يستجلي ما كرسه دستور جمهورية إيران الإسلامية في تكريس تلك القيم، وهو ما يؤكد قدرته البارزة في مناقشة القضايا القانونية وفنون صياغة نصوصها، وهو في كل ذلك صدر عن حالة من الحياد والتجريد واضحة المعالم، ولم أر شيئاً من الاستغراب أن استفتاه أحد طلبة الماجستير في العلوم القانونية في قضية التحكيم, فكان رده مطولاً مبنياً على مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها الخالدة بمرونة واضحة تستجيب للواقع الراهن, وتحافظ على الأصالة.

ولا يسعني هنا إلا أن أختم كلامي هذا بالقول: إن الشهيد الحكيم جاهد جهاداً كبيراً منذ مطلع حياته, وذلك على المستويين الفكري والميداني, وآية ذلك أن ختمت حياته بالشهادة, ليلحق بموكب الشهداء الأفذاذ من مدرسة آل البيت (عليهم السلام) وغيرهم ممن نذر حياته لتكون كلمة الله هي العليا, وليعلو صوت الحق بوجه ألوان المظالم التي تعاني منها البشرية.

____________

1- الحجر: 9.

2- التوبة: 122.

3- البقرة: 30.

4- الشورى: 38.

5- آل عمران: 159.

6- أل عمران: 159.

7- البقرة: 30.