|
بحث قدمه الدكتور محمد علي آذر شب في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
دراسة الفكر التقريبي للسيد الشهيد محمد باقر الحكيم تتطلب:
ـ معرفة هذا الفكر ضمن سياق تاريخ الفكر التقريبي.
ـ ومعرفة الظروف الخاصة التي أحاطت بالسيد الحكيم في العراق وإيران.
ـ ثم بيان المرتكزات التي بنى عليها السيد أفكاره وآراءه في هذا المجال.
ولا يمكن الإحاطة بهذه الأمور في مقال. ولذلك نكتفي بإشارات عابرة إليها لندخل في دراسة مباشرة لفكر السيد في حقل التقريب.
نظرة في تاريخ التقريب
المقصود بالتقريب هنا, الجهود المبذولة على اختلاف أنواعها, لتقريب وجهات النظر بين أهل السنة والشيعة.
اتخذ مفهوم التشيع ومفهوم التسنن تعاريف مختلفة على مر التاريخ, دخلت فيه عناصر تاريخية وسياسية وفقهية وعقائدية ونفسية, ولا يمكن اختزال الأمر في مسألة الخلاف بين الإمامة والخلافة, ولا في الخلافات الفقهية, بل تدخلت عوامل عديدة لتجعل المسلمين ينقسمون إلى سنة وشيعة كان بينهما خصام أدّى إلى نزاعات وفتن, وتخلل ذلك محاولات لإحلال الوئام بين الفريقين.
ارتبط تاريخ التسنن غالباً ـ لا دائما ـ بالسلطة الحاكمة في عصور الخلافة الإسلامية, كما ارتبط تاريخ التشيّع غالباً ـ لا دائماً أيضاً ـ بالثورات التي طالبت بإعادة الحق إلى نصابه في المجال السياسي والاقتصادي.
وأبرز ظاهرة بعد سقوط الخلافة العباسية سنة 656هـ على يد المغول في العلاقة بين السنة والشيعة ظهور الدولة العثمانية, التي تولّت مسؤولية الخلافة والدفاع عن أهل السنة, وما رافقها من ظهور الدولة الصفوية التي تبنّت الدفاع عن الشيعة, والعلاقة بين الدولتين كان يسودها الخصام السياسي غالباً, الذي ترك أثره في تأجيج نيران الخصومات بين أهل السنة والشيعة.
وكان من المفروض أن يخفّ الخلاف الطائفي هذا بعد سقوط الدولتين العثمانية والصفوية. لكن العالم الإسلامي دخل بعد ذلك عصر الاستعمار, وهو عصر تكرست فيه الطائفية بشكل واضح لسببين:
الأول ـ أن المصلحة الاستعمارية اقتضت التفريق لاستتباب الهيمنة.
الثاني ـ أن الهزيمة النفسية تخلق عادة حالة من الذل, والتشبث بالصغائر, والابتعاد عن الأهداف الكبيرة.
وبلغ النـزاع الطائفي في هذه المرحلة ذروته بعد ظهور الوهّابية, لكن الساحة لم تخل من محاولات للتخفيف من هذا النـزاع, وإزالة التوتر بين الفريقين. من تلك المحاولات محاولة محمد علي باشا, وابنه إبراهيم باشا في مصر, ومحاولات السيد جمال الدين الأفغاني وتلاميذه في مصر وفي أرجاء العالم الإسلامي, ومحاولات الأزهر وقم والنجف.
ولعل أوسع مشروع تقريبي ظهر في القرن الماضي كان مشروع (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية) في القاهرة.
هذا المشروع ـ وان كان قد حقق إنجازات باهرة ـ لم يقض على حالة
النزاع الطائفي السنّي الشيعي, وقد عانى رجال الدار الأمرّين من الحساسيات الموجودة لدى الجانبين, لأن العامل الطائفي يتغذّى من العقد التي خلقتها حالة الهزيمة النفسية والتخلف في العالم الإسلامي, وهي قائمة حتى يومنا هذا.
الأجواء التي أحاطت بالسيد الحكيم
لما للظروف الاجتماعية من تأثير على تبلور فكر الأفراد, نقف باختصار عند ما يرتبط بالتقريب في البيئة التي عاش فيها السيد الحكيم في العراق وإيران.
لعل الاستعمار لم يحاول تكريس الحالة الطائفية في بلد من البلدان كما حاوله في العراق. لقد غذّى روح التعصّب لدى الفريقين, وخطط لمواصلة بقاء هذا التعصب حتى بعد نزوحه.
غير أن الصحوة الإسلامية في هذا البلد وضعت أمام المنتمين إليها آفاقاً واسعة من الأهداف الرسالية جعلتهم تلقائياً يميلون إلى التفكير بالأمة الإسلامية وقضايا تخلفها, وسبل استئناف مسيرتها الحضارية, وعودتها إلى ساحة التاريخ, وبذلك تضاءلت تلقائياً أيضاً الحساسيات الطائفية في نفوسهم.
واجهت هذه الصحوة عقبات كثيرة طبعاً من القابعين في إطارهم الضيق من السنة والشيعة, ولكن رجل هذه الصحوة الكبير, وأعني السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) كان حكيماً كل الحكمة في مواقفه, فلم يتصدّ لمعالجة الطائفية مباشرة, بل تصدى لها عن طريق طرح المشروع الإسلامي الكبير للعودة إلى الحياة الإسلامية بلغة العصر, وعلى مستوى احتياجات العصر, مما جعل الحالة الطائفية مهمّشة بل مرفوضة في وعي المنتمين إلى الصحوة الإسلامية.
والسيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) من وجوه الصحوة، ومن الذين عايشوا مدرسة الشهيد الصدر فكرياً وعملياًَ, ومن الطبيعي أن يرتفع إلى مستوى هموم الأمة وآمالها وآلامها, رغم ما تعرض له من لوم اللائمين القابعين في دائرة مصالحهم الشخصية الضيقة.
ثم انتقل السيد الحكيم إلى إيران ليعيش في ظل دولة إسلامية فتية لها أهداف واسعة على ساحتها الداخلية والخارجية. ورغم أنه ظلّ في إيران يعيش الهم العراقي بالدرجة الأولى, لكنه كان يعيش في خضم أحداث الجمهورية الإسلامية ومؤسساتها, لذلك بقي محافظاً على همومه الكبيرة, ولم تدفعه المعاناة الإيرانية العراقية خلال أكثر من عقدين إلى الانطواء على نفسه, بل واصل جهوده العلمية والعملية بكل جدّ ومثابرة. وظهر اهتمامه التقريبي في إيران بوضوح من خلال نشاطاته وكتاباته كما سيأتي.
أسس الفكر التقريبي عند السيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه)
أ ـ المعالجة العلمية للخلاف المذهبي.
ب ـ المعالجة الأخلاقية للخلاف.
ج ـ المعالجة النفسية لمسألة الخلاف.
د ـ عقد الأمل على مستقبل التقريب.
هـ ـ ارتباط التشيع بالتقريب.
و ـ تنفيذ المشاريع العملية في التقريب.
ز ـ التفريق بين الدائرة الشعبية والدائرة السياسية في قضية الخلاف المذهبي.
أ ـ المعالجة العلمية للخلاف المذهبي:
الحالة الطائفية ذات جذور نفسية ـ كما سيأتي ـ ترتبط بحالة التخلف وما يرافقها من حالة عشائرية في عالمنا الإسلامي. وقد تتخذ الطائفية طابع مجادلات علمية, لكنها لا تنتمي في الواقع إلا إلى روح عشائرية, والدليل على ذلك أنها تتجه إلى تكريس الخلاف, لا إلى تقصّي حقائقه العلمية, ولا أدلّ على ذلك من أن الطائفيين لا يحملون أبداً هماً رسالياًً إسلامياً, بل يعيشون فقط في دائرة همومهم المذهبية.
والمعالجة العلمية للطائفية هي نقل الخلاف إلى دائرة علمية موضوعية لمعالجة حقائقه وفق منطق مقبول لدى علماء الفريقين, يؤدي في النتيجة إلى اتفاق بين الجانبين أو إلى اختلاف اجتهادي طبيعي بعيد عن التعصب والنـزاع.
وهذه العملية العلمية ـ في رأي السيد الحكيم ـ تنتهج السبل التالية:
1 ـ (الاهتمام بالبحث عن الحقائق لكل مذهب من المذاهب الإسلامية, فكل مذهب له متبنيات خاصة, سواء في الجانب العقائدي أم في حقل تفسير التاريخ وفهم التاريخ).
وهذه الدعوة تعود إلى أن (حقائق كل مذهب قد اختلطت ـ مع الأسف ـ باتهامات ونسب باطلة).
من هنا فان (التقريب بين المذاهب يفرض أولاً الأخذ بمتبنيات كل مذهب من لسان أصحابه. وهذا أساس هام من أسس التقريب, لفرز الصحيح عن المفتعل والمفترى عليه في كل مذهب).
2 ـ في كل مذهب آراء فقهية وعقائدية شاذة, لا يجوز أن يحمل المذهب أوزارها, بل المنهج العلمي يقتضي(التمييز بين الرأي السائد والرأي الشاذ داخل كل مذهب. فآراء رجال المذاهب بعضها يمثل الرأي السائد, وبعضها شاذ يختلف عن متبنيات المذهب السائدة. والباحث الذي يسند رأياً إلى مذهب معين لا بد أن يأخذ بنظر الاعتبار الرأي السائد ولا يتشبث بالآراء الشاذة. نعم، يمكن أن ينقل هذه الآراء الشاذة وينسبها إلى أفرادها, لا إلى المذهب بشكل عام).
3 ـ المرجعية العلمية التي تحكم مسائل الخلاف بين السنة والشيعة تشكل السند القويم لحل هذا الخلاف. والسيد الحكيم يعتقد أن المسلمين متفقون نظرياً على هذه المرجعية, لكنهم لا يلتزمون بها عملياً في التحكيم بمسائل الخلاف. وهذه المرجعية تتمثل في (القرآن والسنة).
يقول: (المسلمون يتفقون جميعاً على هذا الكتاب الموجود الآن بين المسلمين, ويعتبرونه وحياً نازلاً على الرسول الكريم بنصه دون زيادة أو نقيصة. ولا قيمة لما ينسب إلى الشيعة من القول بتحريف القرآن, فهي نسبة باطلة وغير صحيحة, وآراء علماء الشيعة منذ الصدر الأول وحتى عصرنا الراهن هي الاعتقاد بسلامة النص القرآني من أي تحريف. وهذا هو الرأي السائد.
إذن هناك اتفاق على الرجوع إلى القرآن الكريم, وهكذا بالنسبة للسنة النبوية. كل المسلمين بكل مذاهبهم يعتقدون بأن ما جاء عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) حجة لا يمكن لأي شخص أن يجتهد أمامه. ومذهب أهل البيت (عليه السلام) يركز على هذه المرجعية, مرجعية القرآن والسنة. وقد بينّا أهمية هذه المرجعية في بحثنا عن: التفسير عند أهل البيت).
ولا يفوت السيد الحكيم وهو يتحدث عن مرجعية القرآن والسنة أن يبين أسلوب الرجوع إلى القرآن والسنة, حتى لا تكون هذه المرجعية عامل خلاف كما حدث في التاريخ. فيؤكد على ضرورة التتلمذ على القرآن والسنة. أي أن يأتي المسلم إليها تلميذا ً لا معلماً, مستفتياً لا مفتياً, خالياً من المواقف المسبقة, لا أن يحاول تبرير مواقفه المسبقة بآية أو حديث.
يقول: (عندما يختلف المسلمون في رأي من الآراء, فليرجعوا إلى المتفق عليه بينهم وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة, دون اتخاذ موقف تفسيري مسبق تجاه القرآن والسنة يناصر رأي هذا المذهب أو ذاك).
ثم يذكر السيد الحكيم ملاحظة بصورة عابرة على غاية من الأهمية, هي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضع للناس المرجعية, ووضع الضمان لعدم الاختلاف في العودة إلى هذه المرجعية وهي (أهل البيت).
من هنا فإن السيد الحكيم يفهم (الثقلين) بأنهم السبيل الصحيح لفهم القرآن والسنة, وأن ما حدث من خلاف بين المسلمين في فهم هذه المرجعية الرسالية إنما هو بسبب عدم التزامهم بهذا الضمان الذي ركز عليه النبي الأعظم في مناسبات متعددة ومنها حجة الوداع التي أوصى فيها بأهم أسس استمرار المسيرة الإسلامية على نهجها الصحيح.
يقول: (ولقد اهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الأمر ـ أي بأمر الأسلوب الصحيح في العودة إلى مرجعية القرآن والسنة ـ حين وقف ينصح المسلمين في حجة الوداع بعدة أمور, كان من جملتها نصيحتهم بالعودة إلى الثقلين, وهذا الفهم لدور الثقلين في توحيد المسلمين وإبعادهم عن الاختلاف نجده عند كبار العلماء من السنة والشيعة, وأشير ـ على سبيل المثال ـ إلى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني, في كتاب مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار, فهو يرى أن كل ما أصاب المسلمين من تفرق في الفروع والأصول إنما يعود إلى ابتعادهم عن الرجوع إلى الثقلين).
ب ـ المعالجة الأخلاقية للخلاف:
وأقصد بالمعالجة الأخلاقية الالتزام بأدب الاختلاف وأدب الحوار بين المختلفين, وكتب المهتمون بتوحيد المسلمين في هذا المجال، وبينوا موقف النبي (صلى الله عليه وآله) والصحابة والتابعين وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) من الرأي الآخر.
يقول السيد الحكيم في هذا المجال:
(لا بد أن تسود الحالة العلمية في المواقف والحوار بين العلماء, نعم, الاختلاف طبيعي, والدفاع عن الرأي والاستدلال على صحته حق لكل عالم, ورد الرأي الآخر باستدلال علمي حق أيضاً. ولكن تارة يكون الرد بروح الاتهام والتحامل, وتارة يكون بروح احترام رأي الطرف الآخر وأفكاره).
ويرى السيد الحكيم أن العالم الحق هو الذي يستهدف كشف الحقيقة, ويهمه الوصول إلى النتيجة, أياً كانت النتيجة, حتى ولو كانت مخالفة لفرضياته. وهذا هو السائد في حقل العلوم التجريبية والفكرية والثقافية. ومن هنا يدعو السيد الحكيم إلى أن ينتهج علماء المذاهب نفس المنهج المعرفي في دراسة العلوم الأخرى.
يقول (قدّس سرّه): (يجب أن يكون تبادل الأفكار والآراء والمناقشات بين علماء المذاهب تماماً كما هو الحال بين علماء العلوم التجريبية والفكرية والثقافية, حيث يكون ردّ العالم على الآخر غالباً بروح الاحترام للرأي الآخر, باعتبار أنه يردّ على جهة علمية بذلت جهوداً حتى توصلت إلى هذا الرأي.
بنفس هذا النَّفَس من الاحترام المتبادل يجب أن يسير الحوار بين علماء المذاهب, إذا شاؤوا التقريب بينهم).
ج ـ المعالجة النفسية في دائرة التقريب:
لا نبالغ إذا قلنا: إن أسباب الخلاف بين المسلمين تعود في معظمها إلى عامل نفسي, فالحالة النفسية في عالمنا الإسلامي هي على العموم بائسة. والإنسان المسلم ـ غالباً ـ يشعر بالضعف والدونيّة أمام جبروت الغرب, كما أنه يفتقد الأمل غالباً في مستقبل أفضل, ولا يشعر بعزّة في هويته وشخصيته وانتمائه الديني والوطني والقومي. وهذه الحالة لها إفرازاتها في الحياة العملية. وأهم هذه الإفرازات فيما يرتبط بالتقريب هو أن يبحث كل فرد وكل جماعة عن سبيل لإثبات شخصيته بسبل موهومة. وهذا التمترس وراء الدفاع عن هذه الطائفة, أو الهجوم على هذه الطائفة بالأساليب العنيفة المعروفة إنما هو إفراز للحالة النفسية السائدة.
الحالة الطائفية إذن وليدة حالة ركود ثقافي وحضاري لا يمكن إزالتها إلا باستئناف حركتنا الحضارية. ولكن بقدر ما يتعلق بالتقريب لا بد من معالجتها بالتخفيف من حدّتها والتقليل من تبعاتها. ويقترح السيد الحكيم في هذا المجال ما يلي:
1 ـ طرح الهموم الكبيرة: وهذه العملية من شأنها أن ترفع التطلعات والأهداف إلى مستوى رفيع بحيث تصغر الخلافات الجانبية. لأن الصغائر تكبر عادة في جوّ الهموم الصغيرة والأهداف الصغيرة. ولهذا نرى الطائفية تتضخم عادة في البيئات التي تعيش هموم متاع الحياة الدنيا, وتتضاءل تلقائياً عند الرساليين. ولقد رأينا أثر الصحوة الإسلامية في التقريب المذهبي كما رأينا آثار كتابي (اقتصادنا) و (فلسفتنا) في التقريب المذهبي, رغم أنهما لم يعالجا خلافات مذهبية, بل طرحا أهدافاً رسالية كبرى تتعلق بالكون والحياة من وجهة نظر الإسلام، كما رأينا أثر انتصار الثورة الإسلامية في التقريب المذهبي خاصة خلال السنوات الأولى, لأنها طرحت المشروع الإسلامي للحياة على الساحة العملية.
يقول السيد الحكيم في هذا الصدد:
(لا بد ـ من أجل التقريب بين المسلمين ـ من وضع القضايا الهامّة في رأس قائمة الاهتمامات والمناقشات. وسيكون ذلك عاملاً على التقريب, بل على الوحدة. لأن القضايا مهما كبرت فإن الاتفاق بشأنها يكبر أيضاً. وكلما دخلنا في التفاصيل والجزئيات أكثر اتجهنا إلى الهامش أكثر).
2 ـ التأكيد على المشتركات: فالحالة النفسية البائسة تنبش في الاختلافات, من أجل أن تخلق حالة تبريرية للتناطح والاصطدام. والتأكيد على المشتركات يخفف من تضخّم الخلافات في النفوس. ومن هنا فإن التقريبيين مدعوون لأن يشدّوا الأنظار إلى المشتركات في العقيدة وفي الفقه وفي الآمال والتحديات.
ويقول السيد الحكيم في هذا الصدد: (صحيح أن هناك اختلافاً بين المذاهب الإسلامية في مختلف المجالات, ولكن الاشتراك بينهم هو أكثر وأهم مما به الاختلاف. المهم أن التوجّه والاهتمام, تارة يكون نحو المشتركات, وتارة يكون نحو إبراز الخلافات وإثارة النزاعات. نقاط الاتفاق بين مذاهب المسلمين مهمة جداً, تعبر عن وحدة الأمة الإسلامية وعن هويتها وشخصيتها, فهم يحجون جميعاً حجاً واحداً ويقفون على صعيد مشاعر واحدة, وهذه نعمة كبيرة من نعم الله على الأمة الإسلامية. وهكذا الصلوات الخمس قد اتفق عليها المسلمون, وصوم شهر رمضان، وغيرها مما لا يحصى من المسائل الرئيسية المتفق عليها بين المسلمين, ولا بد من إبراز مواضع الاتفاق هذه باعتبارها أساساً من أسس التقريب).
وبشأن التأكيد على التحديات المشتركة يقول:
(فالاختلاف هنا يعني ضعف الأمة وتمزقها وهيمنة أعدائها عليها. لذلك أعتقد أن من أهم أسس التقريب توحيد موقف المسلمين تجاه القضايا الرئيسية والمركزية، والتوحيد في موقف المسلمين مطلوب في المجالات السياسية وفي المواقف الاجتماعية, كما حدث بالفعل ضمن إطار المؤتمرات التي عقدت أخيراً لمعالجة المشاكل الاجتماعية, مثل مؤتمر القاهرة, ومؤتمر بكين, ومؤتمر فيينا, وكل هذه المؤتمرات عالجت مسائل حساسة هامّة مثل مسألة الأسرة والمرأة. والمسلمون مطالبون باتخاذ موقف موحد تجاه هذه القضايا. وهو عامل على تقريب المسلمين بكافة مذاهبهم, وعلى وحدة الأمة).
د ـ عقد الأمل على مستقبل التقريب:
والأمل عنصر مهم من عناصر استمرار المسيرة. وحين يرى الإنسان وضع العالم الإسلامي وما فيه من أحداث طائفية تتكرر باستمرار على شكل مناوشات كلامية وتراشق بالتهم والتكفير, بل ويبلغ الأمر أن تسفك الدماء وتزهق الأرواح في المساجد والمجالس الدينية بدوافع طائفية... حين يرى هذه الأحداث, ويرى معاول الهدم تفعل فعلها باستمرار وبجدّ واجتهاد لتركيز الحالة الطائفية, يكاد يساوره اليأس من إمكان نجاح دعوة التقريب ومواصلة مسيرتها. لكن دعاة التقريب ينظرون إلى الزوايا المضيئة التي تبعث الأمل في نفوس التقريبيين. وأعتقد أن السيد الحكيم فكر في هذا الأمر طويلاً, إذ ما إن سألناه عن إمكان نجاح جهود التقريب في العالم الإسلامي الذي تكاثرت فيه معاول التخريب الداخلية والخارجية, راح يعدد الجوانب المضيئة من الطريق, ويتفاءل بمستقبل واعد للتقريب. ومن النقاط التي أشار إليها:
1 ـ (السنة التاريخية التي تحكم حركة التاريخ والمجتمع الإنساني, هذه السنة تقول: إن الحق يعلو لا محالة, وإن الباطل زاهق لا محالة. وقضية تقريب المذاهب ووحدة المسلمين هي قضية حقه, ولابد أن تنتصر في حركة السنن التاريخية والكونية التي تحكم حركة الإنسان وحركة المجتمع الإنساني). إنها مسألة غيبية نؤمن بها, وركز عليـها القرآن في مواضع كثيرة, منها قوله سبحانه: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}(1), ومنها قوله سبحانه: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَضِ}(2).
2 ـ (القضية الأخرى التي يجب أخذها بنظر الاعتبار هي وجود هذا الكيان المبارك القائم على الساحة الدولية اليوم, المتمثل بالجمهورية الإسلامية. فقضية التقريب وقضية الوحدة الإسلامية أصبح لها أم وأب يرعيانها, ويهتمان بها ويتبنيانها. والدولة الإسلامية المباركة لها وجود كبير على الساحة الدولية, وتتبنى أسساً راسخة قوية في العقيدة التوحيدية, وتنطوي على معنويات عالية مدعومة بتضحيات غالية ودماء زكيه. وهذه الدولة اليوم تشكل رصيداً هاماً لوحدة المسلمين, لأنها تطالب بعزم وإصرار باستعادة عزة المسلمين وكرامتهم, وما ضاع حق وراءه مطالب. وهي مسألة هامة جداً يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار في تقويم مستقبل حركة التقريب).
3 ـ (الأمر الثالث الذي يمكن أن يذكر في هذا الصدد هو أن الوعي الإسلامي العام الموجود لدى الأمة الإسلامية, حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد, وهناك صحوة إسلامية, وهناك وعي عام قائم لدى الأمة الإسلامية, وهناك اهتمام لدى الأمة في العودة إلى الله, والعودة إلى الهوية والشخصية الإسلامية, والالتزام بما أمر الله سبحانه به, وهذا الوعي يوحد بين فصائل المسلمين, ويوجّه عواطفهم واهتمامهم نحو هدف واحد).
4 ـ (الأمر الرابع في هذا الموضوع, هو التطور العلمي والتقني الذي يمكن أن يساهم مساهمة كبيرة جداً في تحقيق هذا التقريب. حيث إنني قلت: إن أحد أسس التقريب هو التفتيش عن حقائق كل مذهب. ووجود هذا التطور الكبير في وسائل الارتباطات ونقل المعلومات يوفّر فرصة كبيرة للكشف عن هذه الحقائق ومعرفتها).
5 ـ (والأمر الخامس, هو التطور في الجانب الإنساني على الساحة العالمية. رغم أن السلوك العام شهد عالمياً تدهوراً وتدنياً في الجانب الأخلاقي, إذ ازداد الظلم والعدوان والتجاوز وبلغ حداً كبيراً, وشكلاً مفزعاً استخدمت فيه الأسلحة الكيمياوية والنووية الفتاكة. رغم ذلك فهذا التدهور مقرون بتطور ونمو وتكامل في الرؤية للقضية الأخلاقية, بما يعبر عنه بحقوق الإنسان والإحساس بضرورة الدفاع عن هذا الحق, وهذه الظاهرة سنة طبيعية تحتاج إلى حديث عن حركة التاريخ والمجتمع, فهناك دائماً حالة توازن بين التدهور الأخلاقي والوعي الأخلاقي, تؤدي إلى انفجار تغييري نسميه (الثورة والتغيير الجذري) , ونحن اليوم نشاهد أيضاً تدهوراً في الحالة السلوكية العالمية, وإلى جانبها تطوراً في الناحية النظرية, وفي الوعي على الحالة الأخلاقية, فيما يرتبط بحقوق الإنسان, والرأي المتبادل, وقضايا الحرية, وقضايا التفاهم والتعارف, وغيرها من الأمور التي يمن أن تكون عاملاً مساعداً في خدمة التقريب وقضية وحدة الإنسانية. ولذلك نشاهد الآن كثيراً من المشاريع الوحدوية المطروحة في العالم على المستوى الإقليمي والعالمي نتيجة وجود الوعي في هذا الاتجاه).
6 ـ (والنقطة السادسة والمهمة ـ في تصوري ـ هي حاجة الأمة الإسلامية اليوم إلى التقريب والوحدة. فالأمة تعيش صراعاً مصيرياً, والتقريب والوحدة من العناصر الهامة في كسب المعركة في هذا الصراع المصيري. والحاجة ـ كما يقولون ـ أمُّ الاختراع. فعند الإحساس بالحاجة الحقيقية للوحدة والتقريب ستتحرك الأمة لسد حاجتها. ولذلك فإن الفرص كبيرة لنجاح مشروع التقريب, ونجاح أطروحة التقريب بين المذاهب ووحدة الأمة.
من هنا نجد أن الأصوات الداعية للتقريب هي الأقوى, والأصوات الداعية إلى الاختلاف والتمسك بالفرعيات والتشبث بالجزئيات أصبحت هي الأصوات الخافتة, وأضحت هذه الأصوات السلبية تتحدث بطريقة ملتوية بعيدة عن الواقع, تحاول أن تخفي حقيقة مواقفها، وتحاول أن تتخذ موقف النفاق، وحالة النفاق تعبر عن بداية الانتصار. أي عندما يبدأ الحق بالانتصار والباطل بالانهزام, يعلن الباطل عن نفسه أولاً بشكل واضح ويدخل في الصراع, وعندما يمنى بالهزيمة يحاول أن يدخل في حالة النفاق. وهذه الحالة مشهودة في بداية الدعوة الإسلامية, وفي تاريخنا المعاصر إبان الثورة الإسلامية, حيث كان العلمانيون والملاحدة والمنحرفون والمرتدون يواجهون الثورة علنياً في البداية. وعندما هُزموا أخذوا يواجهونها بطريقة نفاقية. وعلى أي حال, فالإحساس بالحاجة الماسة بين المسلمين للتقريب هي بذاتها عامل على فتح الطريق لتحقيق هذا الهدف).
هـ ـ ارتباط التشيع بالتقريب:
من المحاور التي أكد عليها السيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) في خطابه التقريبي هو إبراز التوجه التقريبي في مدرسة أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله). لقد أكد هذا في كتابه: (الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين) وفي ثنايا دراساته ومقابلاته المختلفة. وينهج في بيانه الأسلوب النظري, وبيان المواقف العملية.
أحسب أن السيد الحكيم كان يريد من هذا التركيز على التقريب في مدرسة آل البيت أمرين:
الأول ـ أن يقول للشيعي: إن التقريب هدف أساسي من أهداف مدرسة أهل البيت, فإذا كنت من أتباع مدرسة أهل البيت حقيقة فعليك أن تكون من دعاة التقريب المذهبي, وهو بذلك يرد على أولئك الذين يتخذون مواقف معادية من التقريب تحت لافتة الولاء لأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله). ويعملون على إثارة الفرقة والحزازات بين المسلمين تحت عنوان التولّي والتبرّي.
الثاني ـ أن يقول للسني: إن دعوة التقريب في مدرسة أهل البيت هي دعوة مبدئية قائمة على أساس وجوب حفظ وحدة المسلمين, لأن حفظ وحدة المسلمين مقدمة واجبة لحفظ عزّتهم وكرامتهم ووجودهم. والتقية ـ لو فُهمت فهماً صحيحاً ـ ليست سوى اتخاذ ما يلزم لصيانة وحدة المسلمين واتقاء ما يفرقهم, ولا تقتصر على مسائل حفظ النفس.
يقول السيد الحكيم:
(أنا أعتقد أن قضية التقريب في نظرية أهل البيت قضية أساسية ورئيسية, وواجب من الواجبات الشرعية.
وأول من رفع شعار التقريب بين المسلمين هم أهل البيت (عليهم السلام). ولم يرفعوه شعاراً يتحدثون عنه فحسب, بل جسدوه أيضاً حالة عملية وخارجية وتطبيقية, وقدموا على طريقه تضحيات كبيرة جداً على المستوى الشخصي لهم, وعلى مستوى الجماعة والفئة التابعة لهم, والملتزمة بسلوكهم ومسيرتهم. ولقد تحدثت عن مواقفهم هذه في كتاب: الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين. وهناك مجموعة من المبادئ الرئيسية المعروفة لدى مذهب أهل البيت تجسّد هذه الحالة, مثل مبدأ التقية. هذا المبدأ هو مبدأ تقريبي, ولو طالعنا نصوصه مطالعة واعية لوجدنا أنه لا يقتصر على الجانب الأمني, بل يشمل أيضاً البعد التقريبي, والبعد الوحدوي, وهو بعد مهم غفل عنه كثير من الباحثين. وأشرت في كتابي المذكور إلى نصوص التقية التي تكرس هذا البعد التقريبي الوحدوي.
وثمة مبدأ آخر غفل عنه كثير من الباحثين هو مبدأ التعايش بين المسلمين. وقد نادى أهل البيت (عليهم السلام) بهذا المبدأ, وهو من خصائص مدرستهم.
هناك تيارات الخوارج, وتيارات الجهاز الحاكم, وتيارات الانتهازيين, وتيارات الثوريين المنتسبين لأهل البيت (عليهم السلام) مثل تيار الزيدية الذي تبناه بعد ذلك الحسنيون بعد زيد وأولاده.
وتمتاز مدرسة أهل البيت بين كل هذه التيارات بدعوتها إلى مبدأ التعايش السلمي بين المسلمين. ونرى مصاديق هذا المبدأ في دعوة أهل البيت للاشتراك في صلوات الجماعة, وزيارة المرضى, والاهتمام بالأمور الاجتماعية, مثل تشييع الجنائز, والوفاء بالعقود, وغيرها من المسائل التي دعوا المسلمين جميعاً إليها, من أجل أن يؤكدوا مسألة التعايش.
وهذا مبدأ مهم لم يدرس بشكل كامل ـ مع الأسف ـ في أبحاثنا السياسية والاجتماعية.
لقد تبنى أمير المؤمنين (عليه السلام) مبدأ الحرية السياسية, ومبدأ التعددية السياسية في المجتمع الإسلامي, وهو تبنٍّ فريد يمتاز به عن بقية الحكام, وظل أهل البيت يتبنون هذا الرأي. وهي ظاهرة سياسية مهمة. فالإمام (عليه السلام) يعتقد أن الخوارج على خطأ, وأن الزبير وطلحة وأم المؤمنين عائشة على خطأ في موقفهم, لكنه لم يتخذ موقفاً قمعياً لإسكاتهم, وإنما ترك لهم الحرية في أن يتحركوا. وكان يكتفي بإدانة مواقفهم. وبقوا يتحركون حتى رفعوا السلاح بوجه الإمام علي (عليه السلام). عندئذٍ لجأ إلى ما يحافظ على وحدة المسلمين. وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) تبنوا أيضاًََ مقولة: (لأسلِّمَنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصةً) وهي مقولة ذات دلائل وحدوية. وهذه هي مبادئ التشيع وأفكاره. وفي تاريخنا القديم والحديث صور كثيرة تعبر عن الموقف العملي لهذه الحالة الوحدوية).
ويرى السيد الحكيم أن مدرسة أهل البيت كانت في مواقفها العملية على مر التاريخ تتخذ المواقف العملية المجسدة لمبدأ التقريب, والعصر الحديث شهد استمرار هذه المواقف.
والواقع أن الحوزة العلمية في مدينة قم كان لها مواقف رائدة في هذا المجال في العصر الحديث, وخاصةً في زمن زعامة آية الله البروجردي, فمواقفه النظرية والعملية ومنهجه الدراسي والعلمي كان يقوم على أساس تحرّي مسائل الخلاف, وإزالة ما علق في الأذهان من أوهام, والتأكيد على الجانب العملي في التعاون بين المسلمين. أما النجف الأشرف فحاول بعضهم أن يراها متخلفة عن ركب التقريب, ويرى أن خطابها المذهبي يغلب على خطابها الإسلامي, فيتصدى السيد الحكيم لهذه الشبهة، ويعدد المواقف المعاصرة لحوزة النجف من القضايا الإسلامية, مؤكداً أنها كانت تضع القضايا الإسلامية الكبرى نصب عينيها في مواقفها, دون أن يغلب عليها الاتجاه المذهبي, ومما يذكره رضوان الله عليه في هذا المجال:
1 ـ (الموقف من دخول الانجليز إلى العراق, فالعراق هو البلد الوحيد الذي اجتمع فيه المسلمون جميعاً لمواجهة الغزو البريطاني. وقاد هذه المواجهة العلماء في العراق. فأصدر علماء النجف فتوى الجهاد ضد الانجليز, ووقفوا إلى جانب الدولة العثمانية لصد هذا الغزو. على أن الدولة العثمانية كانت تتبنى مواقف مذهبية متشددة قمعية تجاه غير أتباع المذهب الحنفي, من أجل فرض هذا المذهب على كل المسلمين. بالرغم من ذلك وقف علماء النجف هذا الموقف الوحدوي).
2 ـ (وهكذا الأمر في ثورة العشرين, نجد أن الشعار المطروح هو إخراج البريطانيين من العراق, دون التفكير في البديل الحاكم, هل سيكون سنياً أو شيعياً. بل إن علماء النجف ذهبوا وجاؤوا بحاكم سني من الحجاز. علماء النجف وشيعة العراق هم الذين قاتلوا, وهم الذين قدموا التضحيات, ولكن كان همهم الأول الإسلام, ولم يكن لهم هم طائفي مذهبي. ولذلك اختاروا حاكماً سنياً على شرط أن يحكم بالإسلام, وحينما نقض هذا الحاكم مبادئ الإسلام نهضوا بوجهه بدافع إسلامي أيضاً).
3 ـ (وفي الحرب العالمية الثانية كان للمرجعية موقف معروف في مساندتها للحركة الوطنية الرامية لتحرير العراق من الهيمنة البريطانية, فقد وقف السيد أبو الحسن الإصفهاني إلى جانب الثوار من أجل الإطاحة بالسلطة العميلة للبريطانيين).
4 ـ (وموقف علماء النجف من حركة الإلحاد في العراق معروفة, فقد وقفوا بوجه التيار الشيوعي واليساري الذي حاول أن يهيمن على مقدرات العراق. وعلماء النجف قدموا في سبيل ذلك تضحيات جسيمة, رغم أن الظروف السياسية كانت تفرض أن لا يقفوا هذا الموقف, بل يحصلوا على مكاسب في العهد الجمهوري بعد عهود من الاضطهاد الطائفي. فالعهد الجمهوري يمثل انفراجاً للوضع الطائفي في البلد، وأعطى فرصة للشيعة كي يكونوا في جهاز الحكم وفي الأوساط العسكرية والاقتصادية, لكن علماء النجف وقفوا ضد نظام عبد الكريم قاسم المساند لتيار الإلحاد, بل وقفوا ضد هذه الحالة من الانفراج, ليحققوا مكسب وحدة المسلمين في مواجهة تيار الإلحاد الشيوعي).
5 ـ (وموقف علماء النجف من قضية أكراد العراق ـ وهم من أهل السنة ـ واضح, فقد أصدر العلماء فتوى تحريم سفك دماء الأكراد, وتحريم أي عدوان عليهم. بينما وقف علماء السلطة ضد الأكراد. علماء الشيعة وقفوا إلى جانب صيانة دم الأكراد وأعراضهم, بينما وقف علماء السلطة إلى جانب العمليات القمعية ضد الأكراد).
6 ـ (أضف إلى كل ما تقدم موقف علماء النجف من قضية فلسطين. فقد واصلوا هذا الموقف في كل مراحل القضية, وأفتوا بجواز إنفاق الأموال والحقوق الشرعية لمناصرة العمل الفدائي ضد الصهاينة. ولا يزال هذا الموقف المبدئي من هذه القضية ومناصرتها قائماً حتى اليوم).
7 ـ (ثم إن موقف علماء النجف من الاشتراكية المعلنة في العراق, قد جسد مبدئيتهم في عدم الانجراف نحو الشرق ولا نحو الغرب. فقد وقفوا بوجه التيار الاشتراكي الذي أريد له أن يكون بديلاً للتيار العلماني الديمقراطي. مؤكدين رساليتهم في هذا الموقف, ودخلوا في صراع كبير لم يدخله غيرهم).
8 ـ (ومسألة التقريب بين المذاهب, بُذلت جهود كبيرة في النجف الأشرف لطرح ثقافة التقريب, ولتأليف الكتب الدراسية التقريبية, ولجعل مادة الفقه المقارن مادة دراسية في الحوزات العلمية, وهذا ما حدث في النجف الأشرف لأول مرّة, حيث أصبح كتاب: الأصول العامة للفقه المقارن, للسيد محمد تقي الحكيم, كتاباً دراسياً في النجف, وفي كلية أصول الدين ببغداد, هذه الكلية التي كانت برعاية المرجعية الدينية. ولقد شهد تاريخ الحوزة العلمية في النجف قديماً وحديثاً تأليف مثل هذه الكتب الفقهية المقارنة مثل كتاب: تحرير المجلة, للمرحوم الإمام الشيخ كاشف الغطاء في أيام الحكم العثماني. ومن قبل ألف الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) كتاب الخلاف, والعلامة الحلي ـ وهو من علماء مدرسة النجف ـ ألف كتاب التذكرة, وكتاب المختلف, وهكذا حتى عصرنا هذا, دأب العلماء في النجف على السير على هذا النهج التقريبي ونهج توحيد المسلمين).
9 ـ (وهناك نشاطات لدى علماء النجف من أجل إقامة علاقات مع علماء الأزهر الشريف, وخاصةً شيوخ الأزهر, وكان من نتائج تلك النشاطات التقريبية أن أصدر المرحوم الشيخ شلتوت, شيخ الأزهر, فتواه المعروفة. وكان لسماحة آية الله العظمى السيد البروجردي (قدّس سرّه) في قم مسعىً خاص في هذا المجال, ولكن التطورات السياسية في إيران والعراق أدت إلى أن تتواصل جهود التقريب مع الأزهر عبر علماء العراق.
ولا بأس أن تعرفوا أن فتوى الشيخ شلتوت صدرت في زمن عبد الناصر, وكانت علاقات عبد الناصر بنظام الحكم في إيران آنذاك متوترة, بينما كانت حوزة النجف تخوض آنذاك حرباً مريرة ضد الشيوعيين, مما قرب الحوزة العلمية في النجف من سائر علماء الإسلام, وخاصةً علماء الأزهر.
ولا بأس أن أذكر شاهداً يمكن أن يعتبر مصداقاً لهذا التقارب الذي حدث آنذاك, حين اعترف نظام الشاه بإسرائيل, وفتح الكيان الصهيوني مكتباً له في طهران، أرسل شيخ الأزهر الشيخ شلتوت برقية إلى الإمام الحكيم (قدّس سرّه), وأصدر الإمام الحكيم على أثر ذلك استنكاراً على ما أقدم عليه نظام الشاه).
10 ـ (ومن اهتمامات مرجعية النجف في حقل التقريب, إرسال مصادر كتب الشيعة الهامة إلى المكتبات المركزية في مصر ولبنان وسورية والسودان وغيرها من البلدان الإسلامية).
11 ـ (ومن اهتمامات علماء النجف في حقل التقريب حضور المؤتمرات العلمية التي عقدت في القاهرة و مراكش وتونس, واللقاء فيها بعلماء المسلمين والمفكرين من جميع أرجاء العالم الإسلامي. وكان التمثيل على أعلى المستويات العلمية, حضر بعض هذه المؤتمرات المرحوم الشيخ المظفر, وحضر بعضها السيد محمد تقي الحكيم).
12 ـ (وهناك بعد آخر من هذه النشاطات التقريبية يتمثل في إقامة علاقات بين الكليات والمعاهد العلمية الدينية في النجف الأشرف وبغداد, والكليات المماثلة في العالم الإسلامي, أهمها كليات الشريعة في القاهرة. وكان للسيد محمد تقي الحكيم, والعلامة السيد مرتضى العســكري, نشـاط خاص, ومساع ٍجادة في مجال التقريب على هذا البعد).
و ـ تنفيذ المشاريع العملية في التقريب:
لا يكفي الإيمان بالتقريب على المستوى النظري, والسيد الحكيم إذ يبين إيمانه المبدئي بالتقريب يوجه سؤالاً عما فعله هو من مشاريع عملية في التقريب, ويجيب هو على هذا السؤال ويعدد نشاطاته التقريبية كما يلي:
1 ـ نشر ثقافة التقريب, فلا يمكن أن نقطع أية خطوة على طريق توحيد المسلمين دون أرضية ثقافية تحوّل قضية التقريب إلى ثقافة متبنّاة من قبل المسلمين بكافة مذاهبهم. وأعتقد أن أفضل إطار لنشر هذه الثقافة هو إطار أهل البيت (عليهم السلام) بما كانت لهم من أفكار وآراء ونشاطات استهدفت توحيد صفوف المسلمين كما ألمحنا إليه سابقاً.
ومن الواضح أن هذه النشاطات أثمرت عن عاطفة جيّاشة يحملها المسلمون في مختلف عصور التاريخ وحتى يومنا هذا تجاه هذا البيت الكريم. وليس هناك من لم يحمل هذه الحرمة وهذه العاطفة تجاه آل البيت من المسلمين, سوى نفر قليل من النواصب عُرفوا ببغضهم لآل البيت, وهي حالة شاذّة, لم تدم طويلاً, فقد انقرض هؤلاء.
جدير بالذكر أن أهل البيت عاشوا مجتمعاً مليئاً بالتناقضات الحادّة والصراعات التي تحولت أحياناً إلى شكل مواجهة دموية كما حدث في واقعة كربلاء. ومع ذلك كان موقف آل البيت من هذا المجتمع موقف الدعوة إلى الوحدة والتآلف والتعايش والتعاون. مما جعل هذا البيت الكريم ينال كل هذه الحرمة بين المسلمين. حتى يزيد بن معاوية الذي ارتكب هذه الجريمة الشنعاء, ما كان يجرؤ على الاستمرار بالتظاهر في عداء أهل البيت, بل أظهر بشكل وآخر ندمه على فعلته.
مما تقدم نفهم أن أفضل طريق لجمع مودّة المسلمين على صعيد واحد, هو تعريف أهل البيت للمسلمين بمضمونهم الفكري والثقافي والأخلاقي.
فإذا تمكنّا أن نعرض فكر أهل البيت وطريقتهم ومواقفهم وأخلاقهم في مختلف القضايا, فذلك أفضل طريق لتقريب المسلمين حول محور واحد. ولكن هذا لا يعني أن المسلمين جميعاً سيلتزمون بالضرورة بمدرسة آل البيت, بل يعني أنهم سيقفون جميعاً موقف الاحترام من المشروع المطروح. وعلى هذا الأساس قمت بعدة خطوات:
أ ـ (تأليف كتب تعرض نظرية أهل البيت في المجالات الحساسة الهامة, من أجل نشر ثقافة التقريب ـ كما ذكرت ـ من هذه الكتب: (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق). فقد عرضت مضمون نظرية أهل البيت في الحكم على الصعيد النظري, ودرست التطبيق العملي الراهن لهذه النظرية في إطار الدولة الإسلامية القائمة في إيران. كما ألفت كتاب: (الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين). وهو ـ على ما أعتقد ـ من المؤلفات النادرة في موضوعه. وفيه حاولت أن أستخرج نظرية الإسلام في الوحدة, مستنبطة من القرآن الكريم, ومن السنة, ومن أخبار أهل البيت).
2 ـ (الاهتمام بالقرآن الكريم على مستوى التفسير, أو على مستوى الدراسات القرآنية, وهو اهتمام يصبّ في حقل التقريب, لأن القرآن الكريم موضع احترام واتفاق جميع المسلمين. وكلما ازداد الاهتمام بهذا المحور من قبل جميع المسلمين ازداد تقاربهم وتفاهمهم. ولا بأس أن أشير إلى أن مدارسنا وحوزاتنا العلمية, بسبب ظروف متعددة بعضها سياسية وبعضها اجتماعية وبعضها تنظيمية، لم تولِ الدراسات القرآنية الاهتمام اللازم. ومع أن علماء الشيعة ألفوا قديماً وحديثاً أسفاراً هامة في التفسير, أذكر منها في عصرنا الحديث تفسير الميزان, لكن الاهتمام بالدراسات القرآنية ضمن مناهج الدراسة في الحوزة العلمية ضعيف. لذلك بذلتُ جهوداً خاصة في حقل القرآن في النجف الأشرف ومدرستها العلمية. فقد دونت دروساً في علوم القرآن, وألقيت فيها محاضرات في المعاهد العلمية التي أسست لتنظيم دراسات الحوزة العلمية في النجف, وواصلت هذا العمل العلمي في إيران, بعد الهجرة التي حدثت بسبب الظروف السياسية).
3 ـ (مساهمتي في المؤتمرات. فقد اشتركت في مؤتمرات عقدت لقضية فلسطين, ومؤتمرات الوحدة الإسلامية التي عقدت لدراسة مسائل التقريب, كما حضرت عدداً من المؤتمرات التي عقدت في أرجاء العالم الإسلامي).
4 ـ (عملي في مواسم الحج, حيث إن الإمام الحكيم (قدّس سرّه) أول من بادر لتأسيس بعثة حج دينية في موسم الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة, وكنت مسؤول هذه البعثة لمدة تسع سنوات, وكانت البعثة تعمل في أوساط أتباع أهل البيت وأوساط عامة المسلمين).
5 ـ (المساهمة الجادّة في تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية, وفي كل نشاطات هذا المجمع, وتقديم أطروحات علمية, أعتقد أنها ـ لو نفذت ـ سوف تساهم مساهمة كبيرة في موضوع التقريب, منها):
أطـروحة الروايات المشتركة بين السنة والشيعة, المروية عن النبي(صلى الله عليه وآله). فهناك كمية كبيرة جداً من هذه الروايات ذات مضامين رائعة هامة مشتركة بين الفريقين. وإصدار مؤلفات تضم هذه الروايات المشتركة سيجعل المسلمين أمام واقع لم يعرفوه, وهو أنهم قريبون جداً من بعضهم دون أن يعرفوا ذلك.
وهكذا التأليف حول الرواة المشتركين, إذ هناك عدد كبير من الرواة المشتركين يعتمد عليهم أهل السنة والشيعة, والكشف عن هذه الحقيقة يساهم مساهمة جادّة في التقريب, لأنه يوضح للمسلمين بأنهم كانوا في السابق على وضع أفضل مما عليه في الوقت الراهن.
وكذلك التوجه لتحقيق الأصول المعتمدة عند أهل السنة والشيعة معاً تحقيقاً تقريبياً. كأن يطبع كتاب البخاري ـ وهو من صحاح أهل السنة ـ بطريقة تقريبية, وذلك أن توضع في هامش الكتاب الروايات الواردة من طرق أهل البيت المتفقة مع روايات البخاري. أو تضاف إلى روايات البخاري تعليقات وشروح تقرب الرؤى تجاه هذه النصوص. وقد بدأ العمل بالفعل في تنفيذ هذه الأطروحات.
(على المستوى الفقهي كتاب ابن رشد مثلاً, وهو (بداية المجتهد) من الكتب المعروفة لدى إخواننا أهل السنة، ويقوم المجمع الآن بتحقيق هذا الكتاب, ووضع الفقه الشيعي استدلالاً إلى جانب ما يعرضه ابن رشد).
6 ـ (المساهمة في تأسيس جامعة المذاهب الإسلامية على مستوى وضع المناهج وبيان الهيكلية وأمور التنفيذ).
7 ـ (مجلة رسالة التقريب, أعطيت من وقتي لمتابعة إصدارها والإشراف على موضوعاتها. وهي مجلة رائدة في مجال التقريب, آمل أن تتطور أكثر على طريق أداء رسالتها في المستقبل).
(هذا إلى جانب خطوات ومشاريع أخرى يطول الحديث عنها. ولا بد من التأكيد على أن ما قمت به حتى الآن هو قليل بحق هذا الهدف الكبير والمشروع الكبير, ونسأل الله التوفيق لأداء المزيد من الأعمال الصالحة في هذا المجال).
ز ـ التفريق بين الدائرة السياسية والدائرة الشعبية في قضية الخلاف بين السنة والشيعة:
على مر التاريخ تدخلت مصالح الحكم لإثارة النـزاعات الطائفية. كثير من الحكام اضطهدوا السنة باسم التشيّع, وأكثر منهم من اضطهد الشيعة باسم الدفاع عن أهل السنة, والواقع أن مصالح الحكم هي التي أملت عليهم هذه المواقف. وهذه حقيقة يجب أن يفهمها أهل السنة والشيعة كي لا تستفزهم المواقف السياسية, وتدفعهم لاتخاذ مواقف عدائية من هذا المذهب أو ذاك.
والسيد الحكيم إذ اكتوى بنار الطائفية التي أججها حكام العراق, يتخذ موقفاً صارماً في التفريق بين الموقف السياسي والموقف الشعبي من هذه المسألة. يقول رحمه الله:
(العراق ـ كما هو واضح ـ له تاريخه الخاص وتركيبه الاجتماعي والثقافي الخاص, وهو بهذه الخصوصية يعتبر من البلاد الفريدة في العالم الإسلامي. وأخذاً بنظر الاعتبار هذه الخصائص, فإن نموذج التقريب لو نجح في العراق فسيكون له تأثير كبير على كل العالم الإسلامي. هذا البلد نِسَب التقسيم المذهبي فيه تكاد تكون متقاربة, كما أنه ينطوي على التعددية القومية إضافة إلى التعددية المذهبية, أضف إلى ما سبق تاريخ العراق بما له من عراقة, وما كانت له من مركزية في العالم الإسلامي, حيث كانت بغداد عاصمة المسلمين السياسية, كما كانت الكوفة والبصرة عاصمتي المسلمين الفكرية, ومدرسة الكوفة بشكل خاص, وتطورها إلى مدرسة النجف لها أهميتها الفائقة في تاريخ هذا البلد, ووجود مراقد أئمة آل البيت (عليهم السلام) في العراق. كل ذلك, وقضايا أخرى تعطي لأرض الرافدين أهمية خاصة. ومن هنا كان العراق مستهدفاً أكثر من غيره في التآمر الاستعماري والهجوم الاستكباري.
وعملية التفريق والتمزيق في العراق أريد منها تصوير حالة التمزق في جميع الأمة. والانجليز كرسوا اهتمامهم في العراق بعد هيمنتهم عليه لإيجاد التفرقة المذهبية والطائفية بين أبناء الشعب العراقي, تماماً كما فعلوا في شبه القارة الهندية, حيث أسفرت خططهم بين المذاهب والطوائف, بل حتى بين أبناء الطائفة الواحدة في شبه القارة الهندية عن تمزّق فظيع, ولا تزال هذه الحالة قائمة حتى الآن, ويسقط جرّاءها بين آونة وأخرى القتلى والضحايا باستمرار. نفس الشيء حاولوا تطبيقه في العراق. لكن علماء الإسلام في العراق, وخاصة علماء النجف, وقفوا ضد هذا المخطط وأفشلوه على المستوى الشعبي).
ويمكن القول الآن: إن العلاقات بين فصائل الأمة في العراق علاقات مودّة وأخوّة, لم يعد الإنسان يشعر بوجود اختلافات طائفية بين أبناء الشعب. فالشيعة يتزوجون من بنات أهل السنة، بل إن بعض العشائر العراقية تجد أبناء عشيرة واحدة نصفها من أهل السنة ونصفها الآخر ينتمي إلى مذهب أهل البيت. والمدن فيها اختلاط بين أبناء المذاهب, وكثير من المؤسسات الثقافية والمشاريع التجارية يشترك فيها أهل السنة وأهل الشيعة. وهكذا في مختلف المجالات نجد هذا الاشتراك موجوداً, وهذا التداخل قائماً. ولا يكاد الإنسان يشعر بوجود اختلاف.
أما على مستوى الحكومة, فالأمر مختلف تماماً ـ مع الأسف ـ فالسياسات الحاكمة تقوم على أساس التفرقة المذهبية والطائفية. وتتطرف هذه السياسات أحياناً إلى حدّ رفع شعار: لا شيعة بعد اليوم!! كما فعل النظام الحاكم السابق في العراق. فقد حاول هذا النظام أن يقضي على كل معالم أهل البيت في العراق. فقتل العلماء, وألغى المؤسسات, ومنع طباعة الكتب ونشرها. وأصدر قائمة في الكتب المحظورة تزيد على الألف كتاب, بينها كتب يعود تأليفها إلى أحد عشر قرناً خلت, مثل مؤلفات الشيخ الطوسي, ومؤلفات الشيخ الصدوق. وتدخّل النظام في تفاصيل حياة الناس لإحداث الفجوة بين أبناء الشعب, وليثبت وجوده من خلال عملية التمزيق.
لقد حاولوا أن يستثيروا أبناء السنة في العراق, بل أبناء السنة في العالم الإسلامي, ضدّ شيعة العراق, بأساليب مختلفة, من أجل أن يعطوا الصراع فيه طابعاً مذهبياً طائفياً وكأنة صراع بين أهل السنة والشيعة. بعد أن فشل النظام في سياسته العلمانية الموجهة لكل علماء الإسلام, ولكل التراث الإسلامي. حاول أن يعطي لحربه الظالمة ضد الإسلام والصحوة الإسلامية والتراث الإسلامي, طابعاً مذهبياً.
لقد بذلنا جهوداً كبيرة من أجل فضح هذا المخطط, وأسفر ـ والحمد لله ـ عن انفضاح النظام, وأصبح الموقف الشعبي داخل العراق موحداً من النظام, فقد تبين أنه ليس سنياً, بل ولا هو عراقي أصلاً. اتضح أنه يعادي الجميع, ويبطش بالجميع, لا يفرق بين سني وشيعي, بل إنه مستعد أن يبطش بأعضاء الحزب, وأن الحاكم الطاغي يبطش حتى بأولاده وأصهاره وأقرب الناس إليه من أجل أن يبقى على الحكم. وجهودنا في هذا المجال امتدت إلى العالم الإسلامي لتوضيح هذه الحقائق.
لقد احترقت ورقته الطائفية بعد أن حاول أن يلعب بها زمناً, كما حاول أن يلعب بالورقة القومية في حربه ضد الجمهورية الإسلامية, بأن يعطي الحرب حالة صراع بين العرب والفرس. لقد انكشفت كل الأوراق, والحمد لله رب العالمين, وأصبحت طبيعة النظام واضحة في الداخل والخارج, ولا نزال نبذل الجهود في هذا المجال).
تلخيص واستنتاج
السيد الشهيد الحكيم توفّرت له في النجف وإيران أجواء الارتفاع بفكره وهمومه ومشاريعه إلى مستوى رسالي إسلامي. ومن هنا نظر إلى التشيّع باعتباره مدرسة رسالية إسلامية لا طائفة مقابل طائفة أخرى.
كان السيد الشهيد ينظر إلى تفرق الأمة بقلب دامٍ, ومن هنا كان جاداً في مسألة التقريب, وصادقاً فيه, ومخلصاً في طروحاته وآرائه ومشاريعه. أدى به التفكير الطويل في هذه المسألة إلى أن يحيط بها من كل جوانبها النفسية والعلمية والأخلاقية, وعلى الرغم من كل مسؤولياته السياسية والجهادية خصّص جزءاً كبيراً من وقته لقضية التقريب, لأنه رأى فيها قضية الأمة الكبرى وقضية عراقه الجريح.
وهنا لا بد أن نشير إلى ما يواجه وحدة الأمة من تحديات تستهدف تمزيقها طائفياً, ولا بدَّ من اتخاذ موقف حكيم من ذلك... وكان موقف الحكيم حكيما ً حقاً, فهو انتهج أسلوباً نأى عن الإثارات التاريخية, ووجه جلّ اهتمامه إلى معالجة الواقع واستشراف المستقبل ومخاطبة العقل والعاطفة, والتأكيد على الهمّ الإسلامي والمشروع الإسلامي. انتهج أسلوب ما أسماه (إشاعة ثقافة التقريب), وهذا هو المنهج الذي نحتاج إليه في التقريب.
مصادر البحث
1 ـ قصة الطوائف, الإسلام بين المذهبية والطائفية, فاضل النصاري, دمشق, 2000م.
2 ـ مقدمة فكرية لحركة المشروطة, علي أكبر ولايتي, ترجمة: محمد علي آذرشب, المستشارية الثقافية بدمشق, 2001.
3 ـ الخلاف السني الشيعي, محاولات التقريب المذهبي في القرن العشرين, عدد خاص من (أمتي في العالم), الكتاب الخامس، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة, 2001م.
4 ـ ملف التقريب, محمد علي آذرشب, المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية, طهران 1421 هـ.
5 ـ رسالة التقريب, مجلّد 9/العدد 10ـ11, المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية, طهران 1417 هـ.
6 ـ مفاتيح الأسرار, ومصابيح الأبرار, تفسير الشهرستاني, تحقيق محمد علي آذرشب, مركز إحياء التراث المخطوط, 1طهران.
7 ـ أدب الاختلاف في الإسلام, 13, طه جابر العلواني, المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
8 ـ مسألة التقريب بين أهل السنة ـ الشيعة, ناصر القفاري, 3 السعودية 1424 هـ.
9 ـ خطاب الوحدة الإسلامية, 16, زكي الميلاد, 17, دار الصفوة, بيروت 1417 هـ.
10 ـ رسالة الإسلام, مجلة دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة.
____________
1- الإسراء: 81.
2- الرعد: 17.
|