|
بحث قدمه آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م
بسم الله الرحمن الرحيم
عندما يقرأ أبناؤنا تاريخ هذه المرحلة عليهم أن يعرفوا من أي مضيق في التاريخ عبر آباؤهم, حتى وصل الدور إليهم في حمل أعباء هذه الرسالة.
وليس تدوين تاريخ هذه المرحلة من العذاب والمعاناة, لكي يرث الأبناء أمجاد الآباء, وإنما ليعرفوا قيمة التراث الحضاري والثقافي والسياسي الذي انتقل إليهم عبر المحن, فيحافظوا عليه.
عليهم أن يعرفوا الكثير عن رحلة العذاب الطويلة والقاسية التي دامت أكثر من خمس وثلاثين سنة، لم تبق خلالها في العراق أسرة لم تلحقها هذه الكارثة أو شظايا منها, ولم يدخلها الحريق.
وحدّث ولا حرج, عن عذاب السجون, والإعدامات, والمطاردة, والإرهاب, والرعب, والعوائل التي تشرذمت من الهجرة, والآباء والأمهات الذين سلبهم الطاغية أبناءهم واحداً تلو الآخر, والشباب الذين سرق النظام شبابهم, والكفاءات التي أعدمها النظام في الحروب وفي السجون, وفي المهاجر, وفي المطاردة, والملاحقة, وفي وجبات الإعدام.
وحدث ولا حرج، ورغم أننا قد مررنا بالمحن الصعبة والاضطهاد في تاريخنا, منذ الاضطهاد الأموي لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) إلى اليوم, ولكني لا أعرف اضطهاداً وعذاباً ومحنة واستئصالاً أوسع وأضرى وأبشع من هذه المحنة.
وهذا التاريخ ليس أمجاداً للأجيال القادمة, بقدر ما هو منهاج عمل
سياسي وثقافي للأجيال التي تأتي فيما بعد.
وقد عاش الفقيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) هذه الفترة الصعبة بكل معاناتها وعذابها, تحمل السجن والتعذيب والمطاردة والهجرة، وشهادة أشقائه وأفراد أسرته, ولم يطأطئ رأسه للمحنة, وبقي شامخاً إلى أن لقي الله تعالى بمصرعه.
لقد أخذ من المحنة الكثير, ولم يعط للمحنة شيئاً قطّ, إلا ما استلبته المحنة منه قهراً من أشقائه وأحبائه واستقراره.
خسرنا بمصرعه خبرة أكثر من أربعين سنة من العمل السياسي والاجتماعي. فقد كان منذ حياة والده الإمام الحكيم (قدّس سرّه), في كنفه وإلى جانبه, في موقع القرار والمسؤولية, واستمر في هذا الموقع بعد وفاة الإمام الحكيم (قدّس سرّه) إلى أن لقي الله تعالى يوم مصرعه في النجف الأشرف.
وقد أكسبه هذا العمل السياسي المتصل خبرة سياسية واجتماعية كبيرة ونادرة, لا يتيسر لأحد إلا بعد جهد ومعاناة طويلة.
ولقد كانت هذه الفترة التي عاشها الشهيد (قدّس سرّه) في مواقع القرار السياسي, ومراكز المسؤولية, من أشق الفترات وأصعبها في تاريخ العراق المعاصر, قبل الهجرة وبعد العودة إلى العراق.
وتلك المحنة القاسية, وهذه الخبرة الطويلة، والحضور في الساحة السياسية , جعل من الشهيد السعيد| الحكيم (قدّس سرّه) وجهاً سياسياً وقيادياً بارزاً في الساحة الإسلامية, وركناً من أهم أركان وأعمدة العمل السياسي في العراق. فكان بحق صرخة العراق قبل سقوط النظام, وأمل الجمهور, وثقته بعد سقوط النظام.
وكانت الخسارة بمصرعه (رحمه الله) كبيرة. نسأل الله تعالى أن يعوضنا عنها بفضله ورحمته.
كان الشهيد السيد الحكيم (قدّس سرّه) يؤمن بضرورة المشاركة الفعالة لعلماء الدين في الأمور السياسية, والتصدي لشؤون الناس السياسية والاجتماعية, ويؤمن أن هذا التصدي جزءٌ لا يتجزأ من مسؤولية العالم الديني.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة المعروفة بالشقشقية: «...وما أخذ الله على العلماء ألا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم...» فليس العالم هو من يختزن في نفسه وعقله علماً كثيراً أو قليلاً, وإنما هو من يوظّف علمه لخدمة الناس, والعمل السياسي وما يترتب عليه، من هذه الخدمة.
ومما يبعث الاطمئنان والثقة في نفوس الناس إذا عرفوا أن هناك رجالاً أمناء وثقات يتصدون لشؤون الساحة, رقابة وإشرافاً وتخطيطاً وقراراً وتنفيذاً.
والعمل السياسي والاجتماعي ـ بطبيعة الحال ـ يُدخل صاحبه في معركة مواجهة ومنافسة في الساحة, ولا تخلو الساحة السياسية قط من المنافسات الحادة وتضارب المصالح, وعندما يدخل العالم الديني إلى هذه الساحة يتعرض ـ بطبيعة الحال ـ للكثير من الأخذ والرد والتراشق والمصادمات والافتراء والاتهامات الظالمة.
وهذا هو الذي حصل بالفعل للشهيد السعيد السيد الحكيم (قدّس سرّه) في ساحة المعارضة، وتحمل الشهيد (قدّس سرّه) هذه المواجهات, التي بلغت حدوداً مؤسفة وظالمة جداً, بصبره وسعة صدره, مؤمناً أن المواجهات والمشاكسات هي ضريبة لا بد منها في العمل السياسي, وأن من يدخل العمل السياسي عليه أن يعدّ نفسه لتلقي أمثال هذه الموجهات, وكان بوسعه أن يتجنب الدخول في هذه الساحة, ويحفظ لنفسه ما يطلبه الناس لأنفسهم من الاحترام والتقدير. ولكنه آثر أن ينهض بالمسؤولية على أن يحفظ لنفسه هذه الحرمة التي جعلها الله تعالى حقاً لكل إنسان مسلم على كل إنسان مسلم.
ويبقى أن أقول في هذا السياق: إن هذا الذي ذكرته من ضرورة حضور العالم الديني في الساحة، أحد وجهي القضية, والوجه الآخر تكليف الجمهور في إسناد ودعم العالم الديني المتصدي، ولا يمكن فصل هذا الجانب عن ذلك, وإذا كان حضور العلماء في الساحة السياسية بحكم التكليف الشرعي, فإن إسناد ودعم هذا الحضور من قبل الجمهور الذي يتفهم مواقفهم وأعمالهم, من التكليف الشرعي أيضاً.
ولا يقتصر الأمر على حضور العالم الديني في الساحة السياسية والساحة الاجتماعية، بل يشمل ضرورة هذا الدعم والإسناد من قبل الجمهور للحضور الفاعل لكل الشرائح الأمنية والمخلصة والصالحة في الساحة.
إن الساحة لا تبقى شاغرة, ولا يبقى الفراغ طويلاً في المواقع الاجتماعية, وإذا خلت هذه المواقع من الصالحين المخلصين الأمناء, فإن البديل الطبيعي للصالحين هو شريحة المجرمين والانتهازيين. وقد وجدنا هذه الحقيقة في العراق خلال أربعة عقود, ودفعنا ضريبة هذا الإهمال, أقسى وأفظع ما تكون الضريبة. ولست أقصد بالإهمال, الإهمال في مكافحة الظالمين, فقد ضحينا في جهاد الظالمين بأعز أبنائنا في سبيل الله, ولكنني أقصد بالإهمال, إهمال حضور العناصر الصالحة في الساحة, ودعمهم وإسنادهم. وهاتان المسألتان متكاملتان.
إن منهج جهاد الظالمين ومكافحة الفاسدين جزء أساس من هذا الدين, ولكن ما لم ينضمّ إلى هذا الجزء, الشرط الأخير من المنهج السياسي والحركي للأمة, لا يتكامل المنهج, وذلك هو دعم وإسناد العناصر الصالحة المتصدية للعمل السياسي والحركي والاجتماعي.
وهذا الأخير يحوجنا إلى الترفّع عن المسائل الصغيرة, التي نختلف فيها فيما بيننا, ولست أقول: لا نتحاور ولا نتفاهم فيما نختلف فيه, ونستسلم للآخرين من هذه الشريحة بدون حوار ونقاش, ولكني أقول: أن لا نتوقف عند نقاط الاختلاف, إذا لم نتمكن أن نصل إلى التفاهم فيما بيننا, ولا نعطل حركة الأمة بسبب الاختلاف في وجهات النظر, أو في أمر المواقع. وإذا كنا نطاوع نحن بعضنا بعضاً عند اختلاف وجهات النظر, عندها ينبغي علينا الوصول إلى رأي واحد. أقول: إذا كنا يطاوع بعضنا بعضاً عن رغبة وتنازل لم نكن نُرغَم على تحمل نظام كافر جائر فاسق ظالم أربعين سنة.
إن طريقة التعامل بيننا في الساحة السياسية بحاجة إلى إعادة نظر جدّية, وإن أخلاقية التعامل فيما بيننا في العمل السياسي تجعلنا نعيد النظر في واقعنا السياسي.
ولست مجانباً للحقيقة إذا قلت: إن سبب بعض الظلم الذي يقع علينا في هذه الفترة على الأقل, من ناحية الأنظمة الظالمة والجائرة، يعود إلى طريقة التعامل فيما بيننا في الساحة السياسية.
وانتهت حقبة طويلة من الظلم والفساد على يد العصابة المجرمة التي حكمت العراق قرابة أربعين سنة, صادروا فيها كل شيء, وهتكوا كل حرمة, وأفسدوا كل شيء, وأهلكوا الحرث والنسل, ولم يبقوا على حرمة, وأشاعوا فيها الفساد في البر والبحر, وأفسدوا على الناس أخلاقهم وثقافتهم, وسرقوا ونهبوا ثروات أرض الرافدين وتراثها. ولست أدري كيف أتحدث عما صنع هؤلاء في هذه الحقبة من الجرائم, وانتهت الحقبة, وانجلى الليل بفضل الله تعالى.
وأمامنا الآن ساحة واسعة بكل مشاكلها ومتاعبها, ولكن, قبل كل شيء يجب أن نعرف كيف يتعامل بعضنا مع بعض. إن الساحة رغم كل الخراب والدمار الذي حصل فيها خلال هذه المدة, ورغم الاحتلال, ساحة مفتوحة واسعة تَسَع كل الطاقات, وكل الكفاءات, شريطة أن نعرف كيف نتكامل ولا نتقاطع, نتفاهم و نحوّل التنافس فيما بيننا إلى التكامل والتعاون.
وإذا كانت ساحات العمل في فترة المعارضة محدودة, وتؤدي بشكل قهري إلى حالة التزاحم في العمل, فإن الساحة اليوم مفتوحة وواسعة, تتسع لكل الطاقات.
ولا بد من الرؤية الشاملة الدقيقة المتكاملة للمسائل السياسية, وتحديد دور العاطفة والشعارات الإعلامية في سلوكنا السياسي, لئلا يحجبنا الشعار عن واقعنا السياسي الذي يجب أن نفهمه بشكل دقيق, بكل موضوعية, وبكل تعقل, ومن خلال المقاييس والموازين الشرعية.
والشعار ضرورة في العمل السياسي والحركي بالتأكيد, ويعبّر الشعار عن استراتيجية الحركة السياسية البعيدة المدى, لا شك في ذلك، ولكن بشرط أن لا يحكمنا الشعار, وإنما تحكمنا المصلحة القريبة والبعيدة لشعبنا وأمتنا طبقاً للموازين الشرعية بعناوينها الأولية والثانوية.
وقد لاحظنا أن مواقف الشهيد السيد محمد باقر الحكيم(قدّس سرّه) السياسية خلال هذه الأشهر الأخيرة تتسم بالموضوعية والعقلانية, وتتعهد في نفس الوقت بالشعارات السياسية التي نلتزم بها في سلوكنا السياسي, ولكن من خلال مشاركة فعالة في الساحة السياسية, وفي المشاريع الموجودة على الأرض, وفي الحدود الشرعية.
إن الموقف السلبي المطلق, والوقوف موقف المتفرج من على التل, موقف غير مسؤول وغير منتج, ويتيح الفرصة لأعدائنا أن يهمِّشوا حضور الشرائح الصالحة في الساحة, وفي نفس الوقت الانسياق وراء المشاريع من دون تحديد الموقف والخطوط الحمراء, أمر غير جائز وغير صحيح.
وشتّان بين مشروع يفرضه الاحتلال علينا, ومشروع نفرضه نحن على الاحتلال، ويبقى المشروع ـ على كل حال ـ مشروع الاحتلال, ولا نريد أن نسمي الأشياء بغير أسمائها, ولكن بينهما فرق, ومن لا يفرق في طريقة التعامل بين المشروع الذي يفرضه الاحتلال والمشروع الذي تفرضه الساحة الإسلامية والشيعية على الاحتلال, لا يستطيع أن يوظف الواقع القائم لخدمة ومصالح هذا الجمهور الذي طاله الاضطهاد والظلم.
وقد كان الشهيد السيد الحكيم دقيقاً في تشخيص حدود الشعار السياسي ومتطلباته ـ وهو حق ـ وبين التعامل المرن مع الواقع السياسي القائم وتوظيفه لخدمة الجمهور, الذي طال عذابه, وطالت محنته, خلال نصف قرن أو أكثر من الاضطهاد السياسي والطائفي في العراق.
وهذا الوعي السياسي المتعادل والمتوازن والموضوعي والعقلاني, وفي نفس الوقت, المنسجم مع الموقف الشرعي، نحتاجه اليوم في ساحتنا أكثر من أي شيء آخر.
وما دمنا تعرضنا للاضطهاد الطائفي في العراق, فلا بد أن نشير إلى مسألة هامة في هذه الدائرة، وهي طريقة التعامل والتعايش بين المسلمين الشيعة والسنة في العراق, وفك هذه المسألة بالكامل عن المسألة الطائفية التي عانى منها العراق طويلاً.
إن الساحة الإسلامية السنية في العراق ليست بالضرورة مسرحاً للتحرك الطائفي, وقراءة دقيقة للمشروع السياسي الطائفي منذ العصر العثماني إلى اليوم كفيلة في فك هذه المسألة عن تلك.
ولا بد في أي مشروع سياسي لإبعاد الطائفية عن مستقبل العراق التأكيد على طبيعة التعايش الإسلامي الإيجابي بين الشيعة والسنة في العراق, وضرورة تأكيد وتعميق وتوثيق هذه العلاقة, والإصرار على الالتزام بشعار الوحدة والتفاهم والتعاون بين الشيعة والسنة في العراق, وفي نفس الوقت التحذير من عودة الطائفية السياسية إلى العراق.
وهو موقف دقيق لا بد من الالتزام به, ولا نسمح للعناصر المشبوهة أن تثير فتنة طائفية بين الشيعة والسنة, وتاريخ ثمانين سنة من التعامل الإسلامي بين الشيعة والسنة في العراق يؤكّد أن هاتين الطائفتين الإسلاميتين تتمتعان بدرجة عالية من الوعي والنضج السياسي في العراق تكفي لحفظهم من الفتن الطائفية العمياء.
رحم الله الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم الذي اغتالته أيدي الإجرام, وغيبته من موقعه القيادي الرائد والراشد في الظروف الحرجة والحساسة التي نعيشها اليوم.
ومعذرة إلى الشهيد السعيد، وإلى الإخوة الحاضرين إذ استدرجنا الحديث في هذا الاجتماع الذي انعقد باسم الشهيد إلى همومنا السياسية, فإن هذه الهموم كانت هموم الشهيد واهتماماته.
ورحم الله شهداء الإسلام في العراق, وفي مقدمتهم الشهيد الصدر, تغمده الله برحمته ورزقنا الله شفاعتهم ووعيهم والسير على هداهم.
والسلام عليكم ورحمة الله بركاته.
|