|
بحث يتناول آراء جملة من العلماء والمفكرين بخصوص علوم القرآن بشكل عام والتفسير بشكل خاص، ووجه التشابه والاختلاف بين تلك الآراء وما طرحه شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدست نفسه الزكية وأعلى الله مقامه في مراتبه العلية).
مسابقة البحوث العلمية حول السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) بمناسبة يوم الشهيد العراقي التي نظمتها مؤسسة السيدة زينب (عليها السلام) بالتعاون مع مؤسسة تراث الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) في النجف الأشرف.
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
إلى آل العلم والشهادة إلى آل الحكيم، علماء الحوزة وطواويسها الذين بذلوا النفس والمال من أجل الدين والوطن شهيداً بعد شهيد، أُهدي هذا الجهد المتواضع.
مقدمة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما، لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين، الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا، ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون.
وأفضل صلوات الله وأكمل تسليماته على رسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وعلى آله المصطفين الأخيار الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون.
واللعنة الدائمة على أعدائهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.
القرآن الكريم وعلومه الواسعة من الصعب على الباحث الغوص فيها وتحليلها تحليلا علميا دقيقا؛ لما فيها من خفايا لغوية وفصاحة أدبية ومعاني لا يعلم تأويلها إلا الله ومن اصطفاهم بنوره. لذلك لا يتقرب إلى تفسير هذه المعجزة الخالدة إلا العلماء العارفين بالله سبحانه وتعالى ومنهم شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه).
الذي ولد في بيت العلم والزهد والتقوى بيت آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) زعيم الطائفة في عصره، في 25 جمادي الأولى 1358 هـ. ويُعتبر السيد الحكيم (قدّس سرّه) من أبرز العلماء المعاصرين الذين تصدوا لقضية القرآن الكريم بجميع أبعاده وعلومه والدفاع عنه وتنزيهه؛ وذلك بسبب تصديه لتدريس علوم القرآن في كلية الأصول في جامعة بغداد (64 ـ 1975) م، أي قبل أن تصادر الكلية من قبل النظام العفلقي، وأعتقد أنّ ذلك أحدث طفرة نوعية في محاولة دخول الحوزة إلى الجامعات ورفع مستواها إلى أعلى مستوى في البحث عن الأصالة والتجديد.
والمتتبع لمحاضرات السيد الحكيم وخطبه وجلساته، يرى فيها عمق الارتباط بينه وبين القرآن الكريم، فلا تخلو محاضراته أو خطبه من ذكر آية أو سورة إلا واستدلال بها بما يناسب، وكذلك الذي يتتبع كتبه ومؤلفاته في التفسير يرى فيها العمق القرآني الأصيل والبحث الدقيق عن علوم القرآن ومنها:
1. علوم القرآن
2. مقدمة التفسير
3. الهدف من من نزول القرآن وآثاره في منهجه في التغيير
4. القصص القرآني
5. منهج التزكية في القرآن
6. المجتمع الإنساني في القرآن الكريم
7. تفسير سورة الصف
8. تفسير سورة الجمعة
9. تفسير سورة المنافقون
10. تفسير سورة الحشر
11. تفسير سورة التغابن
12. تفسير سورة المجادلة
الظاهرة الطاغوتية في القرآن الكريم
من خلال ما تقدم وما شاهدناه عبر خطاباته ومحاضراته وأبحاثه القيمة (رضوان الله تعالى عليه) نجد أن محاولته في دراسة القرآن الكريم، يحاول أن يقدم مادة دراسية في الفكر القرآني، والعمق الذي يتجلى به محاولا البحث في القرآن وتطبيقه على جميع الأصعدة وخاصة الثقافية كي يستطيع المسلم النهوض من واقعه المرير والرقي بعلوم القرآن إلى قمة الهرم.
(فدراساته القرآنية في كتبه (علوم القرآن، القصص القرآني، التفسير) تدعو إلى تحديد المناهج العامة للقرآن الكريم وجعله أساس ثقافة الإنسان المسلم المعاصر، ليعود إليه ويستنطقه وينهل من مناهله ورؤاه الفكرية، وبذلك يستعيد العقل المسلم مكانته ويظهر دوره ومسؤوليته في واقعه الراهن)(1)
وهنا في هذا البحث المتواضع وإن كنت أعلم مسبقا أني لا أصل إلى قشة في بحر من علم أبسط طلبة العلوم الدينية، لكني حاولت جاهدا أن أوفِّق بين آراء العلماء الذين صنفوا مؤلفات في علوم القرآن وبين رأي السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، عسى أن يوفقنا الله سبحانه وتعالى لمرضاته ونيل شفاعة محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم اجمعين).
محمد الزهيري 24 جمادي الأولى 1427هـ
التفسير والمفسِّرون
التفسير لغة هو مصدر قياسي على وزن (تفعيل)
قال الراغب: الفسر والسفر تتقاربان في المعنى كتقارب لفظيهما لكن جعل الأولى (الفسر) لبيان المعنى، والسفر لبيان الأعيان للأبصار.
أما اصطلاحا: فالتفسير هو علم يفهم به كتاب الله المنزل على الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه بالاستعانه بعلم النحو والصرف واللغة.
ويقول السيد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) في كتاب البيان: (علم التفسير هو إيضاح مراد الله سبحانه وتعالى من كتابه العزيز، فلا يجوز الاعتماد على الظن والاستحسان ولا على أي شيء لم يثبت أنه حجة عن طريق الشرع).
ويقول السيد عبدالله شبر في تفسيره: (إن علم التفسير أقدم العلوم صلة بالتشريع الإسلامي، هذا إذا نظرنا إليه كعلم من علوم الشريعة، أما حينما ننظر إليه من زاوية (أصول الشريعة) فهو أول علومها باعتباره نابعا وملاحقا للقرآن نفسه).
أما السيد محمد باقر الحكيم فيقول في تفسيره سورة الحمد ص22: إن علم التفسير اصطلاحا (هو علم يفهم من خلال كتاب الله وبيان معانيه، وهذا العلم عبارة عن أبحاث تتناول تأثير القرآن الكريم في حياة البشرية بشكل عام والمسلمين بشكل خاص، هذه البحوث التي توضح ما قام به القرآن الكريم من دور في بناء الإنسان).
أما تعريفه لغة فيقول: هو البيان والكشف.
أما المفسِّرون فهناك ضوابط معروفة لدى العلماء في هذا المضمار من العلوم، كالعلم والدراية والمعرفة بأحوال اللغة وغيرها من الأمور التي ذكرت في أغلب كتب التفسير، منها ما يتعلق بالتفسير نفسه ومنها ما يتعلق بالمفسِّر وعلمه.
فعلى المفسِّر أن يجري مع الآية حيث تجري، ويكشف معناها حيث تشير، ويوضح دلالتها حيث تدل، عليه أن يكون حكيما حين تشتمل الآية على الحكمة، وخُلقيا حين ترشد الآية إلى الأخلاق، وفقيها حين تتعرص للفقه، واجتماعيا حين تبحث في الاجتماع، وشيئا آخر حين تنظر في أشياء أخر.
على المفسِّر أن يوضح الفن الذي يظهر في الآية، والأدب الذي يتجلى بلفظها، عليه أن يحرر دائرة معارف القرآن إذا أراد أن يكون مفسِّرا، والحق أني لم أجد من تكفل بجميع ذلك من المفسِّرين.(2)
هناك التفاته لطيفة من الإمام الخميني (قدّس سرّه) في تفسيره حول شروط المفسِّر:
(ما أريد التنبيه إليه هو أنه لا ينبغي للذين لم يصلوا بعد إلى المستويات العالية من النضوج العلمي أن يدخلوا مضمار التفسير، فلا ينبغي للشباب غير المطلع على المعارف الإسلامية اقتحام ميدان تفسير القرآن، وإذا حدث أن تطفل أمثال هؤلاء لغايات وأهداف ما على ميدان التفسير، فلا ينبغي لشبابنا أن يولوا أهمية أو يقيموا وزناً لمثل هذه التفاسير.
فقد ورد في الإسلام نهيٌ صريحٌ عن التفسير بالرأي «من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» كأن يعمد أيٌ كان إلى فرض آرائه على القرآن، فيطبق المادي أفكاره على بعض الآيات القرآنية فيفسر القرآن وفق رأيه، أو أن يعمد أحد أصحاب الآراء المعنوية والروحية إلى تأويل كل ما في القرآن الكريم ويرجعه إلى ما يعتقد هو، إن اللازم هو أن نجتنب كل ذلك فأيدينا ليست مطلقة العنان في هذا المضمار، والباب ليس مفتوحاً على مصراعيه لكي يعمد الإنسان إلى تحميل كل ما يصله عقله على القرآن فيقول هذا ما يقوله القرآن).
ويقول العلامة المحق السيد جعفر مرتضى العاملي في تفسيره سورة الناس: (3)
(لا شك أن لعلم التفسير أصولاً وأسساً ومناهج ينبغي مراعاتها. ورغم وجود عدد من التفاسير الهامة في المكتبة الإسلامية، إلا أنه يمكن ملاحظة غياب ذلك التفسير الذي يسعى لاستنطاق الآية كلمة كلمة بل حرفاً حرفاً، والغوص في دلالاتها ومعانيها، ومقارنة هذه الدلالات مع السياق القرآني العام، دون أن يغيب عن النظر أسباب النزول.
فالقرآن نزل بلغة عربية {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قرآنا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
وهو كتاب الله الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ}.
ومن هنا، ومع وجود الكم الهائل من المفردات والاشتقاقات التي تتمتع بها اللغة العربية، يمكن القول إن هناك عناية خاصة في اختيار المفردات القرآنية وترجيحها على غيرها من المفردات الأخرى، وذلك يكمن فيما يمكن أن تختزنه هذه المفردة من دلالات ومعاني ومفاهيم وعِبر يريد الله لنا أن نلتفت إليها قد لا تدل عليها مفردة أخرى.
من هنا قلنا إنه لابد في التفسير القرآني من استنطاق القرآن بكل مفرداته، مع التأكيد على مراعاة السياق العام ودلالاته أيضاً دون الغفلة عن أسباب النزول. والأهم من ذلك كله تتبع كلمات أهل البيت (عليهم السلام) ليأخذوا بأيدينا في فهم كتاب الله، فإنهم القرآن الناطق وهم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومعدن الوحي والتنزيل.
وهذا المنهج في التفسير والذي قد يروق لنا تسميته بـ (المنهج الاستنطاقي في تفسير القرآن الكريم)).
أما الشروط التي وضعها السيد الحكيم للمفسِّر والتفسير هي: (4).
شروط المفسِّر (أي الركائز والمقدمات التي يمتلكها المفسِّر):
1- يجب على المفسِّر أن يدرس القرآن ويفسره بذهنية (إسلامية) أي ضمن الإطار الإسلامي للتفكير، فيقيم بحوثه دائماً على أساس أن القرآن كتاب إلهي أُنزل للهداية وبناء الإنسانية بأفضل طريقة ممكنة، ولا يخضع للعوامل والظروف والمؤثرات التي يخضع لها النتاج البشري في مختلف حقول المعرفة الإنسانية، فإن هذا الأساس هو الأساس الوحيد لإمكان فهم القرآن وتفسير ظواهره بطريقة صحيحة.
وأما حين يستعمل المفسِّر في دراسة القرآن نفس المقاييس التي يدرس على ضوئها أيَّ كتاب دعوة أخرى أو أي نتاج بشري، فهو يقع نتيجة لذلك في أخطاء كبيرة واستنتاجات خاطئة، فلابد أن يُبنى التفسير على قاعدة سليمة ومفهوم صحيح عن القرآن يتفق مع الإطار الإسلامي للتفكير، لكي يتجه اتجاهاً صحيحاً في الشرح والتحليل.
وأما إذا أقيم التفسير على أساس تقييم خاطئ للقرآن ومفهوم غير صحيح عنه، فسوف ينعكس انحراف القاعدة على التفصيلات، ويفرض على اتجاه البحث انحرافاً في التحليل والاستنتاج.
2- وبعد سلامة القاعدة الأساسية في فهم القرآن وتقييمه يجب أن يتوفر في المفسِّر مستوى رفيع من الاطلاع على اللغة العربية ونظامها، لأن القرآن جاء وفق هذا النظام، فما لم تكن لدينا صورة عن النظام العام للغة العربية لا نستطيع أن نستوعب معاني القرآن، فيحتاج المفسِّر إلى الاطلاع على علم النحو والصرف، المعاني والبيان وغيرها من العلوم العربية، والقدر اللازم توفره من هذا الشرط يختلف باختلاف الجوانب التي يريد المفسِّر معالجتها من القرآن الكريم، فحين يريد أن يدرس فقه القرآن مثلاً، لا يحتاج إلى التعمق في أسرار اللغة العربية بالدرجة التي يحتاجها المفسِّر إذا درس الفن القصصي في القرآن أو المجاز في القرآن مثلاً.
3- ولابد للمفسر أن يحاول إلى أكبر درجة ممكنة الاندماج كلياً في القرآن عند تفسيره، ونقصد بالاندماج في القرآن أن يدرس النص القرآني ويستوحي معناه دون تقييد مسبق باتجاه معين غير مستوحى من القرآن نفسه، كما يصنع كثير من أصحاب المذاهب الذين يحاولون في تفسيرهم إخضاع النص القرآني لعقيدتهم المذهبية، فلا يدرسون النص ليكتشفوا اتجاهه بل يفرضون عليه اتجاههم المذهبي ويحاولون فهمه دائماً ضمن إطارهم العقائدي الخاص.
وهذا ليس تفسيراً وإنما هو محاولة تبرير للمذهب وتوفيق بينه وبين النص القرآني، ولهذا كان من أهم الشروط في المفسِّر أن يكون بدرجة من التحرر الفكري تتيح له الاندماج بالقرآن، وجعله قاعدة لتكوين أي إطار مذهبي بدلاً عن جعل الاتجاه المذهبي المحدد قاعدة لفهم القرآن.
4- وأخيراً لابد للمفسِّر من منهج عام للتفسير، يحدد فيه - عن اجتهاد علمي - طريقته في التفسير ووسائل الإثبات التي يستعملها، ومدى اعتماده على ظهور اللفظ وعلى السنة، وعلى أخبار الآحاد، وعلى القرائن العقلية في تفسير النص القرآني؛ لأن في كل واحد من هذه الأمور خلافاً علمياً، ووجهات نظر عديدة، فلا يمكن ممارسة التفسير دون درس تلك الخلافات درساً دقيقاً، والخروج من دراستنا بوجهات نظر معينة تؤلف المنهج العام للمفسِّر الذي يسير عليه في تفسيره.
أما شروط التفسير فهي:
1. الذهنية الإسلامية:
حيث لابد أن يكون لمن يريد تفسير القرآن الكريم أن يفسره بذهنية إسلامية، ومعنى ذلك أن يكون لدى هذا المفسِّر مجموعة من التصورات الأساسية يعتمد عليها الإسلام وترتبط بالقرآن الكريم.
2. التصور العام عن القرآن الكريم:
أي لابد أن يكون للمفسِّر تصور عام عن القرآن الكريم وكيفية نزوله والأسلوب الذي اتبعه في عملية التغيير، ومنهجه في طرح القضايا والأحداث من قبيل أن يعرف المفسِّر - إجمالا - أنّ في القرآن الكريم ناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها.
3. العقيدة الصحيحة:
يجب أن تكون المتبنيّات للمفسِّر متبنيّات عقائدية صحيحة، والمقصود من العقيدة الصحيحة، هي تلك العقيدة التي تنتهي في سلسلة مراتبها وارتباطاتها واستنباطها إلى القرآن الكريم نفسه.
ولاشك أن القرآن الكريم - الذي هو حي و يجري مجارى الشمس والقمر كما يعبر عنه أهل البيت (عليهم السلام) - يمثل أفضل حل وعلاج لجميع المشاكل إذا تمكنا من تفسيره وتيسيره للناس بالصورة التي تنطبق على حياتهم.
وهناك أسس عامة يجب مراعاتها عند التفسير وهي:
1. توضيح المفردات اللغوية والمفاهيم القرآنية وذلك بالرجوع إلى أصولها اللغوية.
2. عدم الاستغراق في الأمور الفرعية للتفسير ذات العلاقة بالقضايا الأدبية أو النحوية أو اللغوية أو الصرفية أو الفقيهة أو التاريخية، إلا بالقدر الذي يرتبط بتكوين الصورة القرآنية.
3. الاهتمام بجانب تفسير المعنى إلى جانب تفسير اللفظ، وهو ما كان يصنعه المفسِّرون منذ البداية، ولكن هذا الاهتمام بدأ يتضاءل بعد ذلك بسبب نمو وتطور الاهتمامات الفرعية التي أشرنا إليها في النقطة الثانية.
4. الاهتمام بالسياق القرآني وترابط الآيات ببعضها الآخر، وكذلك الارتباط بين بعض الفصول والمقاطع في السورة الواحدة.
5. محاولة تصور الظروف التي أحاطت بنزول القرآن الكريم، واستنباطها من القرآن الكريم نفسه.
أنواع التفسير
لقد استخرج المحقّقون بفضل جِدّهم ومثابرتهم حقائق في غاية الأهمية، لم يخطر على بال القدامى من المحقّقين، وهذا دليل واضح على أبعاد القرآن اللامتناهية، وإليها يشير ابن عباس بقوله: إنّ القرآن يفسره الزمان، وهذه حكمة بالغة نطق بها حبر الأُمّة تلميذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأثبتتها التجارب على مرّ الزمان.
والحقّ يقال: إن السير التكاملي للعلوم على مرّ الزمان، لم يمنع علماء الطبيعة فحسب من إمكانية استنباط حقائق هامة وجديدة من القرآن في حقول العلوم الطبيعية، بل وأتاح للمفسِّرين أيضا إمكانية استخراج حقائق قرآنية هامة لم تكن معروفة من ذي قبل، وذلك بفضل تطور المناهج العلمية المتداولة.
إنّ القرآن الكريم صدر من لدن حكيم خبير لا يُحد ولا يتناهى، ومقتضى السنخية بين الفاعل والفعل أن يكون في فعله أثر من ذاته، فإذا كانت ذاته لا متناهية ولا أوّل لها ولا آخر، فاللازم أن ينعكس شيء من كمالات الذات على الفعل أيضاً، وإلى ذلك يشير رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في كلامه، إذ يتحدّث حول أبعاد القرآن وأغواره، فيقول:
«فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدَّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له نجوم، وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، ويتخلّص من نشب، فإنّ التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور»(5).
وهذا هو الوليد بن المغيرة ريحانة العرب، يشيد بالقرآن ويصفه بقوله:
(واللّه لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو وما يعلى عليه).
إنّه سبحانه خصَّ نبيّه بتلك المعجزة الخالدة، وما هذا إلا لأنّ الدين الخالد يستدعي معجزة خالدة، ودليلاً وبرهاناً أبدياً لا يختص بعصر دون عصر، وينتفع كلّ جيل من ثماره حسب حاجاته، وإلى هذا يشير الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) حين سأله السائل وقال: ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلا غضاضة؟ فقال الإمام (عليه السلام):
«إنّ اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد، وعند كلّ قوم غضٌّ إلى يوم القيامة». لذلك نجد هناك من اهتم بتفسير هذا الكتاب الخالد بل إن جلّ المؤمنين من علمائنا الأعلام اهتم اهتماما بالغا بهذا الموضوع لما يمثله القرآن من ثقل في عقيدة المسلمين.
لذلك نجد منهم من قام بتفسير غريب القرآن وتبيين مفرداته، ومجازاته وتفسير جمله وتراكيبه، وردّ متشابهه إلى محكماته، وتمييز ناسخه عن منسوخه، وتفسير آيات أحكامه، وإيضاح قصصه وحكاياته، وأمثاله وأقسامه، واحتجاجاته ومناظراته، إضافة إلى بيان أسباب نزوله، وكلّ ذلك يعرب عن الأهمية الفائقة التي يحظى بها القرآن الكريم.
وفي ظل هذه الجهود المضنية ظهرت تفاسير في كلّ قرن وعصر لو جمعت في مكان واحد لشكلت مكتبة ضخمة لا يستهان بها.
إنّ التفسير الرائج في الأجيال الماضية هو تفسير القرآن حسب السور والآيات الواردة في كلّ سورة(6)، فمنهم من سنحت له الفرصة أن يفسر آيات القرآن برمتها، ومنهم من لم يسعفه الحظ إلا بتفسير بعض السور، وهذا النوع من التفسير الذي يطلق عليه اسم (التفسير الترتيبي) ينتفع به أكثر شرائح المجتمع الإسلامي، وكلّ حسب استعداده وقابلياته.
بيد أنّ هناك لوناً آخراً من التفسير يطلق عليه اسم (التفسير الموضوعي) الذي ظهر في العقود الأخيرة، واستقطب قسطاً كبيراً من اهتمام العلماء نظراً لأهميته، وهو تفسير القرآن الكريم حسب الموضوعات الواردة فيه بمعنى جمع الآيات الواردة في سور مختلفة حول موضوع واحد، ثمّ تفسيرها جميعاً والخروج بنتيجة واحدة، وقد أُطلق على هذا اللون من التفسير بالتفسير الموضوعي.
وأوّل من طرق هذا الباب لفيف من علماء الشيعة عند تفسيرهم آيات الأحكام الشرعية المتعلّقة بعمل المكلف في حياته الفردية والاجتماعية، فإنّ النمط السائد على تآليفهم في هذا الصعيد هو جمع الآيات المتفرقة الراجعة إلى موضوع واحد في مبحث واحد، فيفسرون ما يرجع إلى الطهارة في القرآن في باب واحد، كما يفسرون ما يرجع إلى الصلاة في مكان خاص، وهكذا سائر الآيات.
ثمّ إنّ أوّل من توسع في التفسير الموضوعي هو شيخنا العلاّمة المجلسي، فقد اتّبع هذا المنهج في جميع أبواب موسوعته النادرة (بحار الأنوار) حيث جمع الآيات المربوطة بكلّ موضوع في أوّل الأبواب وفسرها تفسيرا سريعاً، وهذه الخطوة وإن كانت قصيرة، لكنّها جليلة في عالم التفسير، وقد قام بذلك مع عدم وجود المعاجم القرآنية الرائجة في تلك الأعصار.
وكذلك فعل الفاضل المقداد في تفسيره (كنز العرفان في فقه القرآن) حيث يتعرض هذا التفسير لآيات الأحكام فقط، وهو لا يتماشى مع القرآن سورة سورة على حسب ترتيب المصحف، ذاكراً ما في كلّ سورة من آيات الأحكام، كما فعل الجصاص وابن العربي مثلاً، بل طريقته في تفسيره أنّه يعقد فيه أبواباً كأبواب الفقه ويدرج في كلّ باب منها الآيات التي تدخل تحت موضوع واحد، فمثلاً يقول: باب الطهارة ثمّ يذكر ما ورد في الطهارة من الآيات القرآنية، شارحاً كلّ آية منها على حدة مبيناً ما فيها من الأحكام على حسب ما يذهب إليه الإمامية الاثنا عشرية)(7).
ويقول العلامة العروسي الحويزي(8):
(فمنهم من فسر القرآن معتمداً على ذكر عربيته ومعاني ألفاظه، ومنهم من اقتصر على بيان التراكيب النحوية، ومنهم من اقتصر على استخراج المسائل الصرفية، ومنهم من استفرغ وسعه فيما يتعلق بالإعراب والتصريف، ومنهم من استكثر من علم اللغة واشتقاق الألفاظ ومنهم من صرف همته إلى ما يتعلق بالمعاني الكلامية، ومنهم من قرن بين فنون عديدة).
ويقول الإمام الخميني (قدّس سرّه) في تفسيره وبيان أنواع التفسير القرآني:
إن تفسير القرآن ليس من المهمات التي يستطيع أمثالنا أداء حقها بل إن علماء الطراز الأول ـ من العامة والخاصة ـ صنفوا ـ طول التأريخ الإسلامي ـ كتبا كثيرة في هذا الباب ومساعيهم مشكورة بلا شك، ولكن كل منهم لم يقم بأكثر من كشف أحد أغطية القرآن الكريم وفقاً لتخصصه، وحتى في هذا الحد ما من يقين أن التفسير جاء كاملا.
فمثلا عمد العرفاء على مدى قرون عدة إلى كتابة تفاسير عديدة وفق طريقتهم وهي الطريقة المعرفية، أمثال محي الدين ابن عربي في بعض كتبه، وعبد الرزاق الكاشاني في تأويلاته، والملا سلطان علي في تفسيره، وبعضهم أجاد التصنيف وفق هذا الفن ولكن القرآن لا ينحصر فيما صنفوا، فما قاموا به هو إزاحة بعض الحجب عن القرآن الكريم وقراءة بعض أوراقه.
كما قام الطنطاوي وأمثاله وكذلك السيد قطب بتفسير القرآن بطريقة أخرى هي أيضا ليست تفسيرا للقرآن بكافة معانية، فهم أيضا كشفوا غطاء واحدا آخراً عنه. وللكثير من سائر المفسِّرين ـ من غير هاتين الطائفتين ـ تفاسير كتفسير (مجمع البيان) وهو تفسير جيد جامع بين أقوال العامة والخاصة، وحال هذه التفاسير كحال سابقاتها، فالقرآن ليس ذاك الكتاب الذي نستطيع نحن أو غيرنا تصنيف تفسير جامع له يحوي كافة علومه كما هي، ففيه علومٌ هي فوق ما نفهم نحن، نحن نفهم ظاهراً منه ونفسر غطاءً منه، والباقي يحتاج إلى تفسير أهل العصمة وهم المعلمون بتعليمات رسول الله).
المعالم العامة للمنهج التفسيري لشهيد المحراب (قدّس سرّه)
هناك مجموعة من الأسس والمعالم التي اعتمدها شهيد المحراب للمنهج المختار في كتبه للتفسير وهي:
1. الموضوعية: ويقصد بها تناول الموضوعات القرآنية المختلفة بالبحث، ومحاولة معالجة القضايا المعاشة من خلال المفاهيم ونظريات القرآنية.
2. روح القرآن الكريم العامة التي تمثل أصلاً في فهم القرآن والتفاصيل الموجودة فيه.
3. معرفة أن القرآن الكريم يشتمل نوعين من الظهور هما البسيط والمعقد، وسوف نشرح بإيجاز خلال هذ البحث معنى كل منهما.
4. انتباه إلى أن للقرآن الكريم مستويين من التفسير هما تفسير اللفظ وتفسير المعنى، وسوف نشرح بإيجاز خلال هذ البحث معنى كل منهما.
5. ما سنشير إليه في تميز التفسير الترتيبي عن التفسير الموضوعي هو إبراز الطريقة التي عالج بها القرآن الكريم المشاكل الاجتماعية والقضايا المختلفة من خلال النص القرآني والمقطع القرآني المعين مع تطبيقها على الحالة المشابهة لها في هذا العصر.
6. الخلفية العقائدية الصحيحة للمفسِّر، وهي أن نعيش تلك الخلفية العقائدية المستنبطة من القرآن التي تشكل الإطار العام لفهمه.
بعد هذه المقدمة البسيطة حول أنواع التفسير وما تناوله علماؤنا من أنواع في التفسير أود أن أبيّن ما ذهب إليه شهيد المحراب (قدّس سرّه) في هذا الجانب، حيث أبدع كل الإبداع في هذا المضمار في علوم القرآن وله عدة آراء أو تقسيمات منها:
أولاً: التفسير اللغوي والتفسير اللفظي (9).
التفسير كما قلنا مسبقا في اللغة: البيان والكشف في القرآن الكريم، بهذا المعنى قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً}. فتفسير الكلام - أي كلام - معناه الكشف عن مدلوله وبيان المعنى الذي يشير إليه اللفظ.
وعلى هذا الأساس يمكن أن نطرح السؤال التالي:
هل أن بيان المعنى الظاهر من اللفظ الذي يتبادر منه يعتبر تفسيراً، بحيث يصدق عليه لفظ التفسير بمعناه اللغوي أوْ لا؟
فهناك اتجاه يقول: إن الكشف والبيان الذي أخذناه في معنى التفسير يستبطن افتراض وجود درجة من الخفاء والغموض في المعنى ليُكشف ويُزال الغموض عنه بعملية التفسير، فلا يصدق التفسير حينئذ إلا في حالة الغموض والخفاء. فمن يسمع كلاماً له معنى ظاهر يتبادر من ذلك الكلام، فيعلن عن ذلك المعنى لا يكون مفسراً للكلام؛ لأنه لم يكشف عن شيء خفي، وإنما يصدق التفسير على الجهد الذي يبذله الشخص في سبيل اكتشاف معنى الكلام المكتنف بشيء من الغموض والخفاء. وبتعبير آخر أن من أظهر معنى اللفظ يكون قد فسّره، وأما حيث يكون المعنى ظاهراً ومتبادراً بطبيعته فلا إظهار ولا تفسير.
وسيراً مع هذا الاتجاه لا يكون من التفسير إلا إظهار أحد محتملات اللفظ وإثبات أنه هو المعنى المراد، أو إظهار المعنى الخفي غير المتبادر وإثبات أنه هو المعنى المراد بدلاً عن المعنى الظاهر المتبادر، وأما ذكر المعنى الظاهر المتبادر من اللفظ فلا يكون تفسيراً.
وهذا الاتجاه يمثل الرأي السائد لدى الأصوليين. ولكن الصحيح هو أن ذكر المعنى الظاهر قد يكون في بعض الحالات تفسيراً أيضاً وإظهاراً لأمر خفي، كما أنه في بعض الحالات الأخرى قد لا يكون تفسيراً لأنه يفقد عنصر الخفاء والغموض فلا يكون إظهاراً لأمر خفي أو إزالة لغموض.
ومن أجل التعرف على موارد الظهور التي ينطبق عليها التفسير والموارد التي لا ينطبق عليها معنى التفسير نقسم الظهور إلى قسمين:
أحدهما: الظهور البسيط، وهو الظهور الواحد المستقل المنفصل عن سائر الظواهر الأخرى.
والآخر: الظهور المعقد، وهو الظهور المتكون نتيجة لمجموعة من الظواهر المتفاعلة.
ولأجل توضيح هذا التقسيم نضرب مثالاً لذلك بأن يقول شخص لولده: اذهب إلى البحر في كل يوم، أو يقول له: اذهب إلى البحر في كل يوم واستمع إلى كلامه، فالنسبة إلى القول الأول نعتبر الظهور ظهوراً بسيطاً إذ لا يوجد في الكلام إلا صورة واحدة تتبادر إلى الذهن وهي صورة بحر من الماء يطلب الأب من ولده أن يذهب إليه في كل يوم.
وأما بالنسبة إلى القول الثاني فالظهور معقد لأنه مزدوج فهناك نفس الظهور السابق، إذ يتبادر إلى الذهن من كلمة البحر البحر من الماء يذهب إليه الولد في كل يوم، ويقابله ظهور آخر وهو ظهور الاستماع إلى كلام البحر، إذ يتبادر إلى الذهن من ذلك أن البحر ليس بحراً من ماء بل هو بحر من العلم، لأن بحر الماء لا يستمع إلى كلامه لأنه ليس له كلام، وإنما يستمع إلى صوت أمواجه.
وهكذا نواجه في هذه الحالة ظهورين بسيطين متعارضين. وحين نلاحظ الكلام بصورة كاملة متفاعلة يجب أن ندرس نتيجة التفاعل بين ذينك الظهورين وما ينجم عنهما من ظهور بعد تصفية التناقضات الداخلية بينهما، وهذا الظهور الناجم عن ذلك نسميه: بالظهور المعقد أو المركب.
وإذا ميزنا بين الظهور البسيط والظهور المعقد أمكننا أن نعرف أن إبراز الظهور المعقد وتحديد معنى الكلام على أساسه يُعتبر تفسيراً، لأن تعقيده وتركيبه يجعل فيه درجة من الخفاء والغموض جديرة بالكشف والإبانة فيصدق عليه اسم (التفسير).
وأما الظهور البسيط ففي الغالب لا يعتبر إبراز معنى الكلام على أساسه تفسيراً؛ لأن المعنى ظاهر بطبيعته فلا يحتاج إلى إظهار.
والنتيجة أن في صدق التفسير على بيان المعنى في موارد الظهور اتجاهين:
أحدهما: القائل بعدم صدقه مطلقاً سواء كان الظهور بسيطاً أم معقداً.
والآخر: - وهو الاتجاه الصحيح - القائل بأن التفسير ليصدق على بيان المعنى في موارد الظهور المعقد دون بعض موارد الظهور البسيط.
ثانيا: تفسير اللفظ وتفسير المعنى(10).
وتفسير اللفظ عبارة عن بيان معناه لغة، وأما تفسير المعنى فهو تحديد مصداقه الخارجي الذي ينطبق عليه ذلك المعنى.
فحين نسمع شخصاً يقول: إن دول الاستعمار الكافر تملك أسلحة ضخمة. تارة نتساءل: ما هو معنى الأسلحة؟ ونجيب عن هذا السؤال: إن الأسلحة هي الأشياء التي يستعين بها صاحبها في قهر عدوه. وأخرى نتساءل: ما هي نوعية السلاح الذي تملكه تلك الدول؟ ونجيب: إن سلاحها القنابل الذرية.
ففي المرة الأولى فسرنا اللفظ إذ ذكرناه معناه لغة. وفي المرة الثانية فسرنا المعنى إذ حددنا المصداق الذي ينطبق عليه معنى الجملة ويشير إليه. فنسمي المرحلة الأولى بمرحلة (تفسير اللفظ) أو التفسير اللغوي، وهي مرحلة تحديد المفاهيم. وتسمى المرحلة الثانية مرحلة (تفسير المعنى) وهي مرحلة تجسيد تلك المفاهيم في صور معينة محددة.
وأمثلة ذلك من القرآن الكريم كثيرة، فنحن نلاحظ في القرآن أن اللّه سبحانه يوصف بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، ونواجه بالنسبة إلى هذه الكلمات بحثين:
أحدهما: البحث عن مفاهيم هذه الكلمات من الناحية اللغوية، والآخر البحث عن تعيين مصداق تلك المفاهيم بالنسبة إلى اللّه تعالى، فكيف يسمع سبحانه؟ وهل يسمع بجارحة أو لا؟ وكيف يعلم؟ وهل يعلم بصورة زائدة.
والأول: يمثل التفسير اللفظي للآية أو تفسير اللفظ، والثاني يمثل التفسير المعنوي أو تفسير المعنى.
ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} وقوله: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} وقوله: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض}، فنحن نجد هذه الآيات تتحدث عن أشياء قد أُنزلت من قبيل: الكتاب والحديد والماء، وتفسير اللفظ يعني بصدد هذه الآيات أن نشرح معنى (النزول) لغة ونحدد مفهوم كلمة أنزلنا الواردة في الآيات الثلاث ونعرف أنها تستبطن معنى (الهبوط من جهة عالية مرتفعة) وتفسير المعنى هو أن ندرس حقيقة هذا الإنزال ونوع تلك (الجهة العالية) التي هبط منها الكتاب والحديد والماء، وهل هي جهة مادية أو معنوية؟
أهمية التمييز بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى
والتمييز بين تفسير اللفظ على صعيد المفاهيم، وتفسير المعنى بتجسيده في صورة محددة على صعيد المصاديق، يعتبر نقطة جوهرية جداً في تفسير القرآن الكريم. وأداة لحل التناقض الظاهري الذي يبدو بين حقيقتين قرآنيتين وهما:
الحقيقة الأولى: إن القرآن كتاب هداية للبشرية أنزله اللّه سبحانه لإخراجها من الظلمات إلى النور وإرشادها إلى طريقة الأفضل في جوانب حياتها وقد وصف نفسه بأنه (هدى للناس) و(نور مبين) و(تبياناً لكل شيء).
وهذه الحقيقة تفرض أن يجيء القرآن ميسر الفهم وأن يتاح للإنسان استخراج معانيه منه، إذ لا يحتاج للقرآن أن يحقق أهدافه ويؤدي رسالته لو لم يكن مفهوماً من قبل الناس.
والحقيقة الثانية: إن كثيراً من المواضيع التي يستعرضها القرآن أو يشير اليها لا يمكن فهمها بسهولة بل قد تستعصي على الذهن البشري ويتيه في مجال التفكير فيها لدقتها وابتعادها عن مجالات الحس والحياة الاعتيادية التي يعيشها الإنسان، وذلك نظير ما يتعلق من القرآن باللوح، والقلم، والعرش، والموازين، والملك، والشيطان، وإنزال الحديد، ورجوع البشرية إلى اللّه، والخزائن، وملكوت السماء والارض، وما إلى ذلك من مواضيع.
إذن فحقيقة أهداف القرآن الكريم ورسالته تفرض أن يكون مُيسّر الفهم، ومواضيعه لا تستعصي على الفهم ولا يتيه فيها الذهن البشري.
وحل التناقض الظاهري بين هاتين الحقيقتين إنما يكون بالتمييز بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى؛ لأن الحقيقة الأولى وحقيقة أهداف القرآن ورسالته إنما تفرض أن يكون القرآن مُيسّر الفهم بوصفه كلاماً دالاً على معنى، أي بحسب تفسير اللفظ، وهو بهذا الوصف ميسر الفهم سهل على الناس استخراج معانيه. وإنما الصعوبة في تحديد الصور الواقعية لمعانيه ومفاهيمه.
فكل الآيات التي استعرضت تلك المواضيع التي أشرنا إليها في الحقيقة الثانية تعتبر مفهومة من ناحية لغوية، ولا صعوبة في التفسير اللفظي لها، وإنما الصعوبة تكمن في تفسير معنى اللفظ لا تفسير اللفظ نفسه؛ لأن تلك الموضوعات ترتبط بعوالم أرقى من عالم الحس الذي يعيشه الإنسان. فيكون من الطبيعي أن يواجه الإنسان صعوبات كبيرة إذا حاول تحديد المعنى في مصداق معين، وتجسيد المفهوم في ذهن ضمن واقع خاص.
وقد يتساءل هنا عن الضرورة التي دعت القرآن الكريم إلى أن يتعرض لمثل هذه المعاني التي يستعصي تفسيرها على الذهن البشري، فيخلق بذلك صعوبات ومشاكل هو في غنى عنها.
ولكن الواقع أن القرآن الكريم لم يكن بإمكانه أن يتفادى هذه الصعوبات والمشاكل؛ لأن القرآن بوصفه كتاب دين يستهدف بصورة رئيسية ربط البشرية بعالم الغيب، وتنمية غريزة الإيمان بالغيب فيها، ولا يتحقق ذلك إلا عن طريق تلك المواضيع التي تنبه الإنسان إلى صلته بعالم أكبر من العالم المنظور، وإن كان غير قادر على الإحاطة بجميع أسراره وخصوصياته.
ثالثاً: التفسير كونه علم من العلوم(11)
انفرد سماحة شهيد المحراب في هذا الرأي كون القرآن علما يبحث كلام الله من حيث التركيب اللغوي، والفرق بين الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، حيث يقول في كتابه علوم القرآن:
وأما التفسير بوصفه علماً، فهو علم يبحث فيه عن القرآن الكريم بوصفه كلاماً للّه تعالى، وتوضيح ذلك: إن القرآن الكريم له عدة اعتبارات، فهو تارة يلحظ بوصفه حروفاً كتابية ترسم على الورق، وأخرى يلحظ بوصفه أصواتاً نقرأها ونرددها بلساننا، وثالثة يلحظ باعتباره كلاماً للّه تعالى.
والقرآن الملحوظ بأي واحد من هذه الاعتبارات، يقع موضوعاً لعلم يتكون من بحوث خاصة به. فالقرآن من حيث إنه حروف تكتب موضوع لعلم الرسم القرآني الذي يشرح قواعد كتابة النص القرآني. والقرآن من حيث إنه يقرأ موضوع لعلم القراءة وعلم التجويد. والقرآن من حيث إنه كلام اللّه يقع موضوعاً لعلم التفسير.
فعلم التفسير يشتمل على جميع البحوث المتعلقة بالقرآن بوصفه كلام اللّه، ولا يدخل في نطاقه البحث في طريقة كتابة الحرف، أو طريقة النطق بصوته، لأن الكتابة والنطق ليسا من صفات نص القرآن بوصفه كلاماً للّه. إذ ليس لكونه كلاماً للّه دخل في كيفية كتابته أو قراءته، وإنما يدخل في علم التفسير على ضوء ما ذكرناه له من تعرضه للبحوث الآتية:(12)
أولاً: البحث عن مدلول كل لفظ أو جملة في القرآن الكريم، لأن كون هذا المعنى أو ذاك مدلولاً للفظ القرآني من صفات القرآن بوصفه كلاماً للّه، وليس من صفات الحروف أو أصواتها بما هي حروف أو أصوات.
ثانياً: البحث عن إعجاز القرآن والكشف عن مناحي الإعجاز المختلفة فيه، فإن الإعجاز من أوصاف القرآن باعتباره كلاماً دالاً على المراد.
ثالثاً: البحث عن أسباب النزول، لأن الآية حين ندرس سبب نزولها نلاحظها بما هي كلام، أي بما هي لفظ مفيد دال على معنى، لأن ما لا يكون كلاماً ولا يدل على معنى، لا يرتبط بحادثة معينة لتكون سبباً لنزول الآية.
رابعاً: البحث عن الناسخ والمنسوخ والخاص والعام والمقيد والمطلق، فإن كل ذلك يتناول النص القرآني بوصفه كلاماً دالاً على معنى.
خامساً: البحث عن أثر القرآن في التاريخ ودوره العظيم في بناء الإنسانية وهدايتها، فإن أثر القرآن ودوره مردّهما إلى فعالية القرآن بوصفه كلاماً للّه لا بوصفه مجرد حروف تكتب أو صوت أو أصوات تُقرأ.
رابعاً: التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي
قلنا مسبقا إن المذاهب التفسيرية للقرآن الكريم تختلف من مذهب لآخر، وتحدثنا عن أهم تلك التقسيمات والآراء ومنها رأي شهيد المحراب (قدّس سرّه) في هذا الجانب.
إلا أن السيد الحكيم (قدّس سرّه) له تقسيم آخر في تفسير القرآن الكريم، حيث تدخل جميع الأنواع المذكورة ضمنه وهو على منهجين رئيسيين هما: (13)
1. التفسير الترتيبي: وهو المنهج الذي اعتاده المفسِّرون منذ بدايات علم التفسير وحتى عصرنا الحاضر، حيث يفسر القرآن الكريم قطعة قطعة كما هو مدون في المصحف الشريف، فيبدأ المفسِّر بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس، ويرجع تبني هذا النوع من التفسير إلى سبب القدسية للقرآن الكريم وترتيب السور فيه منذ زمن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الوقت الحاضر.
2. التفسير الموضوعي: وُلد هذا المنهج من التفسير في أحضان التفسير على المنهج الترتيبي، وإن لم يكن آنذاك منهجا كاملا شاملا للقرآن، حيث تطرّق القدماء من المفسِّرين إلى هذا المنهج من خلال تفسيرهم لبعض الآيات أو الأبحاث مثل (الإلوهية والتوحيد أو الشفاعة أو التقوى وغيرها) فيفردون له بحثا كاملا يشمل جميع الآيات التي تتحدث بهذ الخصوص، ثم تطور شيئا فشيئا إلى أن أصبح منهجا خاصا له وزنه في التفسير.
وقد اعتمد شهيد المحراب في تفسيره على هذا المنهج، واهتم به اهتماما بالغا منذ أن كان يدرّس في كلية الأصول في جامعة بغداد، معتمداً على أبحاث أستاذه الشهيد الصدر (قدّس سرّه) والتي أكمل شرحها وتفصيلها في ما بعد.
لقد عرف الإسلام - في أنظمته وتشريعاته - طريقه إلى المجتمع من خلال التطبيق ذلك؛ لأن الجانب الاجتماعي من الإسلام لم يطرحه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كنظريات عامة عن المجتمع وعلاقاته المختلفة، ثم جاء التشريع والتقنين بناء فوقياً لها ليشمل جميع مناحي الحياة، وإنما طرحه الرسول الأعظم من خلال التقنين والتشريع وبيان الأحكام المختلفة في قضايا المجتمع التفصيلية.
ومن هنا لا نجد البحث الموضوعي النظري يدخل في الشريعة الإسلامية إلا في العصور المتأخرة من تاريخ المسلمين، لأن المجتمع الإسلامي كان يباشر التطبيق للقانون الإسلامي على أساس أنه تشريع وأحكام من قبل اللّه سبحانه لابد من الالتزام بها ضمن نطاقها المعين وفي حدودها الخاصة بلا حاجة إلى معرفة النظرية التي يقوم عليها الحكم الشرعي وكيفية معالجتها لمشاكل الحياة الاجتماعية.
ويكاد يختص هذا الأمر بالشريعة فقط دون الجانب العقيدي للإسلام فإنه كان ولا يزال مجالاً للبحث النظري بسبب أن جانب التطبيق فيه هو فهم النظريّة والإيمان بها. وهذا ما فعله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه طرح في العقيدة النظرية الإسلامية بشكلها العام.
وحين انحسر الإسلام عن التطبيق في مجتمع المسلمين وواجه النظريات المذهبية المختلفة ظهرت الحاجة الملحة إلى البحث الموضوعي القرآني في مختلف المجالات؛ لأن الإسلام أصبح بحاجة إلى أن يعرض كنظرية مذهبية جاء بها الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق الوحي، وذلك من أجل مواجهة النظريات المذهبية الأخرى، ومن أجل أن يتضح مدى صلاحيته لمعالجة مشاكل الحياة المعاصرة وصلته بتلك النظريات المذهبية. كما أن فهم الإسلام كنظرية عامة هو الذي ييسر لنا سبيل أن نتبناه نظاماً للحياة ندافع عنه ونكافح من أجل تطبيقه وصيانته.
فالحاجة إلى التفسير الموضوعي في هذا العصر تنبع في الحقيقة. من الحاجة إلى عرض الإسلام ومفاهيم القرآن عرضاً نظرياً يتكفل الأساس الذي تنبثق منه جميع التفصيلات والتشريعات الأخرى، حيث من الممكن أن نستكشف النظريات العامة من خلال التشريع والقانون الإسلامي لوجود الارتباط الوثيق بين النظرية والتطبيق(14).
شبهات حول القرآن الكريم
أثيرت حول القرآن الكريم الكثير من الشبهات قديما من قبل الكفر والإلحاد الذي يمثله المشركون واليهود والنصارى في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته من قبل الأمويين ومن لف لفهم، وحديثاً من قبل الاستكبار العالمي والغرب الكافر. ومن هذه الشبهات إعجاز القرآن والتحريف بالقرآن والسحر تضارب الآيات (المحكم والمتشابه) وغيرها وفي هذا البحث سنوضح بشكل موجز ومختصر البعض من هذه الشبهات والرد عليها، ونذكر إبداع الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) في هذا الجانب.
1. تحريف القرآن
لا ريب ولا خلاف في أنّ القرآن المجيد الموجود الآن بين أيدي المسلمين هو كلام الله المنزل على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو المعجزة الخالدة له، وهو الذي أوصى أُمّته بالرجوع إليه، والتحاكم إليه، وأفاد في حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين أنّ القرآن والعترة هما الثقلان اللذان تركهما في أُمّته لئلاّ تضلّ ما دامت متمسّكة بهذين الثقلين.
وأئمّتنا صلوات الله عليهم اهتمّوا بهذا القرآن بأنواع الاهتمامات، فأمير المؤمنين (عليه السلام)أول من جمع القرآن، أو من أوائل الذين جمعوا القرآن، وهو والائمّة (عليه السلام) من بعده كلّهم كانوا يحثّون الأُمّة على الرجوع إلى القرآن، وتلاوة القرآن، وحفظ القرآن، والتحاكم إلى القرآن، وتعلّم القرآن إلى آخره، وهكذا كان شيعتهم إلى يومنا هذا.
والقرآن الكريم هو المصدر الأوّل لاستنباط الأحكام الشرعية عند فقهائنا، يرجعون إلى القرآن في استنباط الأحكام الشرعية واستخراجها.
إذن، هذا القرآن الكريم هو القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، وهو الذي اهتمّ به أئمّتنا (عليهم السلام)، وطالما رأيناهم يستشهدون بآياته، ويتمسّكون بآياته، ويستدلّون بها في أقوالهم المختلفة، فإذا رجعنا إلى الروايات المنقولة نجد الاهتمام بالقرآن الكريم والاستدلال به في كلماتهم بكثرة، سواء في نهج البلاغة أو في أُصول الكافي أو في سائر كتبنا، والمحدّثون أيضاً عقدوا لهذا الموضوع أبواباً خاصة، ولعلّ في كتاب الوافي أو بحار الأنوار غنىً وكفاية عن أي كتاب آخر، حيث جمعوا هذه الروايات في أبواب تخص القرآن الكريم.
إلاّ أنّك لا تجد مثل هذه التعابير في كلمات أهل البيت (عليهم السلام)، لا تجد عن أئمّتنا (عليهم السلام) كلمة تشين القرآن الكريم وتنقص من منزلته ومقامه، بل بالعكس كما أشرنا من قبل، وهذه نقطة يجب أن لا يغفل عنها الباحثون، وأُؤكّد أنّك لا تجد في رواياتنا كلمة فيها أقل تنقيص للقرآن الكريم.
وقد تصدى علماؤنا الأعلام إلى تلك الادعاءات واتهام الشيعة بتحريف القرآن ومنهم زعيم الطائفة الشيخ الطوسي (أعلى الله مقامه) حيث يقول: (15)
(اعلم إن القرآن معجزة عظيمة على صدق النبي عليه السلام، بل هو من أكبر المعجزات وأشهرها، وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها والنقصان منه، فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى (قدّس سرّه)، وهو الظاهر في الروايات.
غير أنه رويت روايات كثيرة، من جهة الخاصة والعامة، بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها، لأنه يمكن تأويلها، ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته، لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه، ورواياتنا متناصرة بالحثّ على قراءته والتمسك بما فيه، وردّ ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه.
وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) رواية لا يدفعها أحد، أنه قال:
«إني مخلف فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».
وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر، لأنه لا يجوز أن يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به. كما أن أهل البيت (عليهم السلام)، ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت. وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته، فينبغي أن نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه ونترك ما سواه).
إلا أن شهيد المحراب أكد في أكثر من مرة على عدم تحريف القرآن المتناول بين أيدي المسلمين وإنما التحريف وقع في التأويل دون النص. ونذكر هنا بعض أقوال وأسماء علمائنا الأعاظم الذين نفوا التحريف للفائدة:
1 ـ شيخ المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الصدوق ـ المتوفّى سنة 381 هـ قال في رسالته التي وضعها لبيان معتقدات الشيعة الإمامية:
(اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك وعدد سوره على المعروف (114) سورة).
ثمّ قال: ومن نسب إلينا أنّا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كذّاب.
2 ـ الشيخ محمد بن محمد بن النعمان، الملقّب بالمفيد ـ المتوفّى سنة 413 هـ قال: (وقد قال جماعة من أهل الإمامة، إنه لم ينقص من كلمة، ولا من آية، ولا من سورة، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأويله، وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز.
وعندي أنّ هذا القول أشبه من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل والله أسأل توفيقه للصواب).
3 ـ الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي، الملقّب بعلم الهدى ـ المتوفّى سنة 436 هـ قال: (إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه في ما ذكرناه، لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتّى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيَّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟!).
وقال: (إنّ العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورةً من الكتب المصنّفة ككتابي سيبويه والمزني، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها، حتّى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعُرِف ومُيّز، وعلم أنّه ملحق وليس في أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء).
وقال: (إنّ القرآن كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعاً مؤلّفاً على ما هو عليه الآن...).
واستدلّ على ذلك بأن القرآن كان يُدرّس ويُحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتّى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنّه كان يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويُتلا عليه، وأنّ جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود واُبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عدّة ختمات.
كل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث، وذكر أنّ من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتدّ بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا بصحّتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته.
ولقد عرف واشتهر هذا الرأي عن الشريف المرتضى حتّى ذكر ذلك عنه كبار علماء أهل السُنّة، وأضافوا أنّه كان يُكفّر من قال بتحريف القرآن، فقد نقل ابن حجر العسقلاني عن ابن حزم قوله فيه: ((كان من كبار المعتزلة الدعاة، وكان إمامياً، لكنّه يكفّر من زعم أنّ القرآن بُدلّ أو زيد فيه، أو نقص منه، وكذا كان صاحباه أبو القاسم الرازي وأبو يعلى الطوسي)).
4 ـ الشيخ محمد بن الحسن أبو جعفر الطوسي، الملقّب بشيخ الطائفة المتوفّى سنة 460 هـ قال في مقدمة تفسيره:
((والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه وفنون أغراضه، وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فممّا لا يليق به أيضا، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله تعالى وهو الظاهر من الروايات.
غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها لأنّه يمكن تأويلها، ولو صحّت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفّتين، فإنّ ذلك معلوم صحّته لا يعترضه أحد من الاُمّة ولا يدفعه)).
5 ـ الشيخ الفضل بن الحسن أبو علي الطبرسي، الملقّب بأمين الإسلام المتوفّى سنة 548 هـ قال ما نصّه:
((... ومن ذلك، الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنّه لا يليق بالتفسير، فأمّا الزيادة فجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً...
والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدّس الله روحه واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات)).
6 ـ السيد أبو القاسم علي بن طاووس الحلّي المتوفى سنة 664 هـ، فقد نصّ على أن القرآن مصون من الزيادة والنقصان، كما يقتضيه العقل والشرع.
واستنكر ما روى العامة عن عثمان وعائشة من أن في القرآن لحناً وخطأً قائلاً:
((ألا تعجب من قوم يتركون مثل علي بن أبي طالب أفصح العرب بعد صاحب النبوّة وأعلمهم بالقرآن والسنّة ويسألون عائشة؟!، أما يفهم أهل البصائر أنّ هذا لمجرد الحسد، أو لغرض يبعد من صواب الموارد والمصادر... ولو ظفر اليهود والزنادقة بمسلم يعتقد في القرآن لحناً جعلوه حجة)).
7 ـ العلاّمة الحلّي المتوفى سنة 726 هـ.
وممّا قاله في بعض أجوبته حيث سُئل: ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز هل يصح عند أصحابنا أنّه نقص منه شيء أو زيد فيه أو غيّر ترتيبه أم لم يصح عندهم شيء من ذلك؟
((الحق أنه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه، وأنّه لم يزد ولم ينقص، ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب التطرق إلى معجزة الرسول عليه وآله السلام المنقولة بالتواتر)).
8 ـ الشيخ زين الدين البياضي العاملي المتوفى سنة 877 هـ:
قال: ((علم بالضرورة تواتر القرآن بجملته وتفاصيله، وكان التشديد في حفظه أتمّ، حتّى نازعوا في أسماء السور والتفسيرات وإنما اشتغل الأكثر عن حفظه بالتفكّر في معانيه وأحكامه، ولو زيد فيه أو نقص لعلمه كلّ عاقل وإن لم يحفظه، لمخالفة فصاحته وأسلوبه)).
9 ـ وألّف الشيخ علي بن عبد العالي الكركي العاملي الملقّب بالمحقق الثاني المتوفى سنة 940 هـ رسالة في نفي النقيصة في القرآن الكريم.
وأجاب عن الأخبار التي تتضمن وجود النقص قائلاً:
((بأنّ الحديث إذا جاء على خلاف الدليل والسُنّة المتواترة أو الإجماع، ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه، وجب طرحه)).
10 ـ وبه صرّح الشيخ فتح الله الكاشاني المتوفّى سنة 988 هـ في مقدمة تفسيره (منهج الصادقين) وفي تفسير الآية المباركة {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون}.
11 ـ وهو صريح السيد نور الله التستري، المعروف بالقاضي الشهيد المستشهد سنة 1019 هـ في كتابه مصائب النواصب في الإمامة والكلام، حيث قال:
((ما نسب إلى الشيعة الإمامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإمامية، إنما قال به شرذمة قليلة منهم، لا اعتداد بهم فيما بينهم)).
12 ـ الشيخ محمد بن الحسين، الشهير ببهاء الدين العاملي المتوفّى سنة 1030 هـ:
قال: ((الصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك، زيادة كان أو نقصاناً، ويدلّ عليه قوله تعالى: {وإنّا له لحافظون}. وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى: {يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ـ في علي}، وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء)).
13 ـ الشيخ محمد محسن، الشهير بالفيض الكاشاني المتوفى سنة 1019 هـ:
قال: ((فلو تطرّق التحريف والتغيير في ألفاظ القرآن لم يبق لنا اعتماد على شيء منه، إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن تكون محرّفة ومغيّرة، وتكون على خلاف ما أنزله الله، فلا يكون القرآن حجّة لنا، وتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتّباعه والوصية به، وعرض الأخبار المتعارضة عليه)).
ثم استشهد (رحمه الله تعالى) بكلام الشيخ الصدوق المتقدّم وبعض الأخبار.
وقال في تفسير قوله تعالى: {وإنا له لحافظون} (من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان).
14 ـ الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي المتوفى سنة 1104:
قال: ((إنّ من تتبّع الأخبار وتفحّص التواريخ والآثار علم ـ علماً قطعياً ـ بأنّ القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر، وأنّ آلاف الصحابة كانوا يحفظونه ويتلونه، وأنّه كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعاً مؤلفاً)).
15 ـ العلاّمة محمد باقر المجلسي المتوفّى سنة 1111 هـ:
قال: ((غير أن الخبر قد صحّ عن أئمتنا (عليهم السلام) أنّهم أمروا بقراءة ما بين الدفّتين وأن لا نتعدّاه بلا زيادة فيه ولا نقصان منه.. وإنما نهونا (عليهم السلام) عن قراءة ما وردت به الأخبار من أحرف يزيد على الثابت في المصحف لأنه لم يأت على التواتر وإنما جاء بالآحاد، وقد يغلط الواحد فيما ينقله)).
16 ـ السيد محمد مهدي الطباطبائي، الملقّب ببحر العلوم المتوفّى سنة 1212 هـ:
قال ما نصّه: ((الكتاب هو القرآن الكريم والفرقان العظيم والضياء والنور والمعجز الباقي على مرّ الدهور، وهو الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من لدن حكيم حميد، أنزله بلسان عربيّ مبين هدى للمتقين وبياناً للعالمين...)).
ثم ذكر روايتي: القرآن أربعة أرباع، و: القرآن ثلاث أثلاث، ثم قال:
((والوجه حمل الأثلاث والأرباع على مطلق الأقسام والأنواع وإن اختلف في المقدار...)).
17 ـ الشيخ الأكبر الشيخ جعفر، المعروف بكاشف الغطاء المتوفّى سنة 1228 هـ:
قال ما نصّه: ((لا ريب في أنّ القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان، كما دلّ عليه صريح الفرقان وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر ما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها، ولا سيّـما ما فيه نقص ثلث القرآن أو كثير منه، فإنّه لو كان كذلك لتواتر نقله لتوفر الدواعي عليه، ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله، ثم كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه؟!... فلابد من تأويله بأحد وجوه)).
18 ـ السيد محسن الأعرجي الكاظمي المتوفّى سنة 1228 هـ:
قال ما ملخّصه: ((إنّ القوم إنما ردّوا مصحف علي (عليه السلام) لما اشتمل عليه من التأويل والتفسير، وقد كان عادة منهم أن يكتبوا التأويل مع التنزيل، والذي يدلّ على ذلك قوله (عليه السلام) في جواب الثاني: ((ولقد جئت بالكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ)). فإنّه صريح في أنّ الذي جاءهم به ليس تنزيلاً كلّه)).
19 ـ السيد محمد الطباطبائي المتوفّى سنة 1242 هـ:
قال ما ملخّصه: ((لا خلاف أنّ كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواتراً في أصله وأجزائه، وأمّا في محلّه ووضعه وترتيبه، فكذلك عند محقّقي أهل السُنّة، للقطع بأنّ العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، لأنّ هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم مـمّا توفّرت الدواعي على نقل جمله وتفاصيله، فما نقل آحاداً ولم يتواتر يُقطع بأنّه ليس من القرآن قطعاً)).
20 ـ الإمام روح الله الموسوي الخميني المتوفّى سنة 1409 هـ:
قال: ((إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه، قراءةً وكتابةً، يقف على بطلان تلك الروايات المزعومة وما ورد فيها من أخبار ـ حسبما تمسّكوا به ـ إمّا ضعيف لا يصلح للاستدلال به، أو موضوع تلوح عليه أمارات الوضع، أو غريب يقضي بالعجب، أمّا الصحيح منها فيرمى إلى مسألة التأويل والتفسير، وأن التحريف إنما حصل في ذلك، لا في لفظه وعباراته.
وتفصيل ذلك يحتاج إلى تأليف كتاب حافل ببيان تاريخ القرآن والمراحل التي قضاها طيلة قرون، ويتلخص في أن الكتاب العزيز هو عين ما بين الدفّتين، لا زيادة ولا نقصان، وأن الاختلاف في القراءات أمر حادث، ناشئ عن اختلاف الاجتهادات، من غير أن يمسّ جانب الوحي الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين)).
21 ـ السيد أبو القاسم الخوئي ـ المتوفّى 1413 هـ:
قال: ((إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلاّ من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه حبُّ القول به. والحب يعمي ويصم، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته)).
22 ـ الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني (دام ظلّه):
قال: ((فالقرآن الموجود بين الدّفتين هو كتاب دين الفريقين، وهو أصلهم الأوّل الّذي تأتي بعده السنّة المشروط صحة الاعتماد عليها بأن لا تكون مخالفة للقرآن، وهذا الأمر يحتج به الجميع في الأصول والفروع وفي خلافاتهم، ويعتمدون عليه وعلى السنّة.
فكلّ الأمة ـ شيعة وسنّة ـ يتمسّكون بجميع محكماته، وفي متشابهاته أيضا يقولون: آمنّا به كل من عند ربّنا)).
ويقول الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) من الواضح أن إثارة هذه الشبهة من قبل أعداء الإسلام القدامى منهم والمحدثين تستهدف ما يلي:
1 ـ إدانة أهم دليل على حقّانية الإسلام وخلوده.
2 ـ إسقاط أهم مصدر للتشريع من الحجّية وسلب الثقة به.
3 ـ زعزعة ثقة المسلمين بكتابهم ورمز وحدتهم وأصالتهم، إن لم يستطيعوا كسبهم نحو دينهم الذي أثبت القرآن تحريفهم للكتب السماوية السابقة.
4 ـ إيجاد الفرقة بين المسلمين، حيث يتّهم بعضهم البعض الآخر بأنه يعتقد بتحريف القرآن.
5 ـ تربية ذهنية الإنسان المسلم وترويضها على أن تتقبّل المنهج العلماني الذي يتناول النصوص القطعية المقدّسة عندنا بذهنية مشكّكة.
6 ـ كما لا يبعد أن تكون هذه الإثارة ردّة فعل من قبل اليهود والنصارى الذين أدان القرآن سلوكهم تجاه كتبهم (التوراة والإنجيل) حيث حرّفوهما، وحين يشكك في سلامة النص القرآني لم يتميّز الإسلام وكتاب الإسلام عن الديانتين اليهودية والمسيحية من هذه الجهة.. قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم}.
2- إعجاز القرآن
إن المعجزة الخالدة للرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هي القرآن الكريم وهذه المعجزة هي إعجاز دائم في جميع العصور والدهور، لما فيها من حكمة لأنها جاءت من خبير عليم، ويأخذ هذا الإعجاز عدة وجوه، منها البلاغة والفصاحة وذكر العلوم الغيبية والنظرة المستقبلية ومعرفة الماضي والحاضر والمستقبل.
إن القرآن الكريم يمتد بنظره إلى الغيب المجهول في الماضي البعيد وفي المستقبل على السواء، فهو يقص أحسن القصص عن أمم خلت، وما وقع في حياتها من عظات وعبر، وما اكتنفها من مضاعفات، يتحدث عن كل ذلك حديث من شاهد الأحداث كلها، وراقب جريانها، وعاش في عصرها بين أصحابها، قال اللّه تعالى:
{تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين}.
وقال:
{ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم اذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون}.
وكل هذه الآيات الكريمة تؤكد تحدي القرآن للقوانين الطبيعية في استيعابه لتلك الأحداث، وإحاطته بالماضي المجهول، إذ كيف يمكن بحكم القوانين الطبيعية أن يتحدث شخص في كتاب عن أحداث أمم في الماضي السحيق لم يعشها ولم يعاصرها؟
وقد أحسّ المشركون بهذا التحدي أيضا:
{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
وكانت حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رداً مفحماً لهم، فقد عاش في مكة ولم تتهيأ له أي دراسة لأساطير الأولين، أو كتب العهدين، التوراة والإنجيل، ولم يخرج من المنطقة إلا مرتين، سافر فيهما إلى الشام، أولاهما في طفولته مع عمه لقي فيها بحيراً، وهو ابن تسع سنين، فقال هذا الراهب لعمه: سيكون لابن أخيك هذا شأن عظيم. والأخرى في تجارة خديجة وهو شاب وكان بصحبته ميسرة غلام خديجة، ولم يتجاوز (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى مدينة بصرى في كلتا الرحلتين القصيرتين.
فأين يأتي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدرس التوراة أو يكتب أساطير الأولين، وكما كان القرآن محيطاً بالماضي، كذلك كان محيطاً بالمستقبل، فكم من خبر مستقبل كشف القرآن حجابه فتحقق وفقاً لما أخبر به، ورآه المشركون، ومن هذا القبيل أخبار القرآن بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين، إذ قال تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، وهكذا نجد أن القرآن يتحدى الغيب في الماضي والمستقبل على السواء، ويتحدث بلغة المطمئن الواثق الذي لا يخالجه شك، فيما يقوله وهذا ما لا يقدر عليه إنسان أو كتاب إنسان وفقاً للقوانين الطبيعية.
ونأخذ رأيين لأبرز مفكري الشيعة في هذا المجال، والتعرّف عن كثب حول تلك الآراء وهي للشهيد مطهري والثاني لشهيد المحراب (رضوان الله عليهما).
يقول الشهيد مطهري: إن من خصائص القرآن التي يختص بها من بين الكتب السماوية هي أن لغته جزء من إعجازه.
إن أياً من الكتب الدينية لا يستند على لغته بل على محتواه فحسب، فإذا أخذنا التوراة - التوراة الأصيل الذي نزل على موسى (عليه السلام) - أو الإنجيل الذي نزل على عيسى (عليه السلام) أو أياً من الكتب التي نزلت على الأنبياء، نجد أن محتواها هو المقصود دون الالتفات إلى اللفظ وجمال اللفظ والخصائص اللفظية.
إن المحتوى مهما يكن وبأي لفظ كان فهو نفسه. أما القرآن، وهو الكتاب السماوي الأخير الذي نزل على البشر، فقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون لغته ومحتواه الفني من صنع الله الذي أنزله على نبيه، فالآيات كانت مهيأة من قبل، ثم كانت تتلى أو تقرأ على الرسول. وفي الوقت نفسه كان اللفظ بكل ما فيه من خصوصية وجمال، قد عرض بأروع صورة.
إن الإعجاز القرآني يرتكز بصورة رئيسية على الفصاحة والبلاغة القرآنية، ونحن نعرف أن العرب قد وضعوا قواعد وأسسا للفصاحة والبلاغة والنطق تعتبر هي المقياس الرئيسي في تمييز الكلام البليغ من غيره.
وبالرغم من ذلك نجد في القرآن الكريم بعض الآيات التي لا تنسجم مع هذه القواعد بل تخالفها الأمر الذي يدعونا إلى القول بأن القرآن الكريم ليس معجزاً لأنه لم يسر على نهج القواعد العربية وأصولها وتسرد الشبهة بعض الأمثلة لذلك.
ويمكن أن تناقش هذه الشبهة بأسلوبين رئيسيين:
الأول: ملاحقة الأمثلة والتفصيلات التي تسردها الشبهة، وبيان انطباقها مع القواعد العربية المختلفة وانسجامها معها، وملاحظة شتى القراءات القرآنية التي يتفق الكثير منها مع هذه القواعد، بالشكل الذي لا يبقي مجالاً لورود الشبهة عليها. وقد قام العلامة البلاغي بجانب من ذلك.
الثاني: مناقشة أصل الفكرة التي تقوم عليها الشبهة ومدى إمكان الاعتماد عليها في الطعن بإعجاز القرآن، وهذا ما سوف نقوم به في هذا البحث وذلك بملاحظة الأمرين التاليين:
أ ـ إن تأسيس قواعد اللغة العربية كان في وقت متأخر على نزول القرآن الكريم، وفي العصور الأولى للدول الإسلامية بعد أن ظهرت الحاجة إليها بسبب التوسع الإسلامي الذي أدى إلى اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب. وقد كان الهدف الرئيسي لوضع هذه القواعد هو الحفاظ على النص القرآني ولغته. وقد اتبعت في استكشاف هذه القواعد طريقة ملاحظة النصوص العربية الواردة قبل هذا الاختلاط أو التي لم تتأثر به. فلم تكن عملية وضع القواعد عملية تأسيس واختراع من قبل واضعي اللغة العربية، وإنما هي عملية استكشاف لما كان العرب يتبعه من أساليب في البيان والنطق خلال كلامهم ولذا كان الكلام العربي الأصيل هو الذي يتحكم في صياغة القاعدة وتفصيلاتها.
ولا شك أن القرآن الكريم كان أهم تلك المصادر التي اعتمد عليها واضعو هذه القواعد في صياغتها وتأسيسها لأنه أوثق المصادر العربية والكلام البليغ الذي بلغ القمة.
وعلى هذا الأساس التاريخي لوجود قواعد اللغة العربية يجب أن يكون الموقف تجاهها أن نجعل القرآن هو القياس الذي يتحكم في صحتها وخطئها، لا أن نجعل القواعد مقياساً نحكم به على القرآن؛ لأن القاعدة العربية وضعت على ضوء الأسلوب القرآني فإذا ظهر أنها خلاف هذا الأسلوب، يكشف ذلك عن وقوع الخطأ في عملية استكشاف القاعدة نفسها.
ب ـ ثم إذا لاحظنا موقف العرب المعاصرين للقرآن الكريم ـ وهم ذوو الخبرة والمعرفة الفائقة باللغة العربية ـ وجدناهم قد أذعنوا واستسلموا للبلاغة القرآنية وتأثروا بها، وذلك إيماناً منهم بأنه يسير على أدق القواعد والأساليب العربية في البيان والتعبير، ولو كان في القرآن الكريم ما يتنافى مع قواعد اللغة العربية وأصولها لكان من الجدير بهؤلاء الأعداء أن يتخذوا ذلك وسيلة لنقد القرآن ومنفذاً للطعن به.
أما السيد شهيد المحراب (قدّس سرّه) فيقول:(16)
فله تقسيم حول مدعي الشبهات حول الإعجاز القرآني ويقسمها إلى قسمين رئيسيين هما:
1. الشبهات التي تحاول الإيهام بنقص أو الخطأ في الأسلوب والمحتوى القرآني.
2. الشبهات التي تدعي أن القرآن الكريم ليس معجزة؛ لقدرة البشر على الإتيان بمثله.
أما ما يخص النوع الأول، فهناك عدة شبهات نذكر منها بشكل مختصر ما يلي:
الشبهة الأولى
إن الإعجاز القرآني يرتكز بصورة رئيسية على الفصاحة والبلاغة ونحن نعرف أن العرب قد وضعوا قواعد وأسس الفصاحة والبلاغة في حين أننا نرى الكثير من الآيات القرآنية تخالف هذه القواعد.
والجواب عن هذه الشبهة نقول:
إن الامثلة التي سردتها هذه الشبهة لم تراعي جميع القراءات وبيان انطباقها مع قواعد اللغة، وكذلك يجب الالتفات إلى نقطتين رئيسيتين هما:
1. إن قواعد اللغة العربية وتأسيسها جاء في وقت متأخر على نزول القرآن الكريم بعد أن ظهرت الحاجة إليها بسبب التوسع الإسلامي، فكان لابد أن تكون هناك أسس وقواعد للحفاظ على النص القرآني.
2. استسلام أهل البلاغة والفصاحة للقرآن الكريم في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والانقياد إلى كلماته، ولو كان هناك ما يلفت النظر لكان من الأجدر بهؤلاء الطعن بالقرآن وهم أهل اللغة والبلاغة.
الشبهة الثانية
إن القرآن الكريم تحدث عن قصص الأنبياء، وهذه القصص مروية ومذكورة في كتب الإنجيل والتوراة، ونلاحظ هناك اختلاف في المعنى والحوادث، مع العلم أن كل الكتب السماوية منزلة من الله تبارك وتعالى.
والجواب عن هذه الشبهة بسيط كسابقتها حيث نقول:
إن الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن تعرضت إلى التزوير والتحريف من قبل اليهود والنصارى، ولو نظرنا إلى هذه الشبهة لكان التصديق بالقرآن أكثر؛ وذلك لأنه يخالف الحوادث التي ترويها تلك الكتب والخرافات والأساطير التي تخدم مصلحة الكفار من اليهود وأعداء الإسلام من الإساءة للأنبياء والأوصياء بالضافة إلى العقائد الفاسدة.
الشبهة الثالثة
إن أسلوب القرآن - في تناول الأفكار والمفاهيم وعرضها - لا ينسجم مع أساليب البلاغة العربية ولا يسير على الطريقة العلمية في المنهج والعرض؛ وذلك لأنه يجعل المواضيع المتعددة متشابكة بعضها مع البعض، كأن يكون القرآن يتحدث عن الوعد والوعيد فينتقل مباشرة إلى الأمثال والحِكم.
ونناقش هذه الشبهة على أساس النقطتين التاليتين:
1. إن القرآن ليس كتابا علميا أو مدرسيّا، وإنما كتاب هدفه الأساس هو التغيير الاجتماعي، ونلاحظ أن الأسلوب القرآني خضع لهذا الهدف في العرض وفي التدرج في النزول والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، وهذه الطريقة في العرض هي من الخصائص التي جعلت للقرآن الكريم تأثيرا مباشرا في نفسية الإنسان.
2. يمكن اعتبار هذه الطريقة في العرض من المميزات التي يمتاز بها الإعجاز القرآني، حيث - مع التشابك في الموضوعات - نلاحظ الاحتفاظ بجمال الأسلوب وقوة التأثير وحسن الوقع.
الشبهة الرابعة
لا شك أن ذوي القدرة والمعرفة باللغة العربية، يتمكنون من الإتيان بمثل بعض الكلمات القرآنية، وبالتالي يمكن الإتيان بسورة أو أكثر من القرآن الكريم لدى هؤلاء؟
والجواب عن هذه الشبهة نقول:
إن الإعجاز القرآني يتمثل بجانبين رئيسيين هما: جانب الأسلوب والتركيب البياني، وجانب المضمون والمحتوى الفكري، وفي كل من الجانبين لا مجال لهذا الوهم والخيال.
أما في جانب المضمون والمحتوى الفكري، فمن الواضح أن القدرة على إعطاء فكرة أو فكرتين لا يعني القدرة على إعطاء هذا المقدار الكبير المنسجم من الأفكار والمفاهيم التي جاء بها القرآن الكريم. وأما في جانب الأسلوب، فإن القدرة على جملة أو مقدار من الكلمات لا يعني القدرة على تمام التركيب بعناصره المتعددة التي لا يمكن أن توجد أو تتوفر إلا ضمن التركيب بكامله.
الشبهة الخامسة
إن النقطة الأساسية التي يستند إليها الإعجاز القرآني، هو عدم قدرة العرب على معارضته رغم تحدي القرآن الكريم لهم مرة تلو الأخرى. ولكن هل أن العرب حقيقة لم يكونوا قادرين على معارضته؟ أو أن أسباباً أخرى خارجية هي التي منعتهم عن تحقيق هذه المعارضة؟
يمكن مناقشة هذه الشبهة بملاحظة النقاط التالية:
1. إن تحدي القرآن الكريم للمشركين كان منذ بداية الدعوة وفي الفترة التي كان الإسلام فيها ضعيفاً تجاه قوة المشركين، وبالرغم من ذلك لم يستطيع أحد من بلغاء العرب أن يقوم بهذه المعارضة.
2. إن سيطرة الإسلام في أواخر عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعصر الخلفاء الأربعة الذين جاؤوا إلى الحكم من بعده، لم تكن تعني منع الكفار من إظهار كفرهم، فقد أقرّ الإسلام جماعات من الكفار على ديانتهم، كما حدث ذلك لأهل الكتاب حيث كانوا يعيشون في ظل الدولة الإسلامية في طمأنينة ورفاهية، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. فلو كان واحد من هؤلاء قادراً على الإتيان بمثل القرآن الكريم لتصدى لمعارضته والانتصار لديانته على الإسلام.
3. إن افتراض الخوف من المعارضة نتيجة للسيطرة الإسلامية إنما يمنع من إظهار المعارضة للقرآن الكريم وإعلانها، أما المعارضة السرية فقد كان من الممكن أن تتم ضمن الحدود الخاصة للمعارضين من أصحاب هذه الديانات دون أن تكون لها نتائج مضادة ولو من الممكن بمثل القرآن الكريم لأمكن لهؤلاء أن يعارضوه بمجموعة من النصوص الدينية ويتداولونها مع أنها تتعارض مع القرآن الكريم.
4. من الملاحظ عادة أن الكلام مهما بلغ رتبة عالية في البلاغة ومتانة الأسلوب وقوته فإنه يصبح كلاماً عادياً إذا تكرر سماعه، ولذلك نرى القصيدة البليغة تصبح عادية عندما يتكرر إلقاؤها عدة مرات بحيث قد تبدو قصيدة أخرى أقل منها بلاغة كأنها أبلغ منها بسب عدم تكرارها. وهذا يعني أن الألفة والأنس بالقرآن الكريم ـ لو كان كلاماً عاديا ًـ تدعو إلى أن يصبح أيسر على المعارضة والإتيان بمثله، لا أن ينصرف الناس عن التفكير بمعارضته نتيجة لأنسهم به بالرغم من تحديه المستمر لهم وتعاليهم عليه.
الشبهة السادسة
إن القرآن ليس معجزة - وإن كان يعجز جميع البشر عن الإتيان بمثله - لأن المعجزة يجب أن تكون صالحة لأن يتعرف جميع الناس على جوانب التحدي فيها؛ لأنها دليل النبوة التي يراد بواسطتها إثبات النبوة لهم، والكلام البليغ لا يكفي في إعجازه عجز الناس عن الإتيان بمثله من جهة عدم معرفة جوانب التحدي والإعجاز فيه - من بلاغته وسمو التعبير فيه - والتي لا تتوفر الا للخالصة منهم الذين يمارسون الكلام العربي ويعرفون دقائق تركيبه وميزاته.
ويمكن أن تناقش هذه الشبهة بالآتي:
إن هذه الشبهة تتضمن في الحقيقة اعترافاً بالإعجاز القرآني إلا أنها تحاول التهرب من ذلك بإعطاء المعجزة طابعاً خاصاً يرتبط بمدى دلاتها على دعوى النبوة. فالشبهة لا تناقش الإعجاز من ناحية النقض في التركيب والمضمون القرآني وعدم ارتفاعه إلى مستوى التحدي، إنما تناقشه من زاوية قدرة الناس على فهم هذا الإعجاز واستيعابه،كذلك أن فكرة الإعجاز في القرآن الكريم من الممكن أن تشرح وتوضّح على نطاق واسع وليس ذلك مما يتعسر فهمها فيفهمها الناس على حد سواء، العربي منهم وغير العربي وذوو الاختصاص وغيرهم، لأن إعجاز القرآن لا يختص بالجانب البلاغي من أسلوبه بل هو المعجزة الخالدة التي لا تنفى والتي لا تختص بأمة دون أخرى.
أما ما يخص النوع الثاني من الشبهات التي تدعي أن القرآن الكريم ليس معجزة لقدرة البشر على الإتيان بمثله.
فيمكن الرد عليها حيث يقول سماحته (قدّس سرّه):
إن هذه الشبهة أو الوهم هو الذي أدى إلى مجموعة من متكلمي المسلمين بالقول إن الإتيان بمثله متوفر لدى بعض الأشخاص، لكن منعوا من ذلك بالتدخل الإلهي وصرف أذهانهم عن ممارستها، وهذا باطل لأن:
1. إن محاولة المعارضة قد وقعت من بعض الناس وانتهت بالخيبة والفشل.
2. إن صرف الأذهان إنما يفترض بعد نزول القرآن الكريم ومن أجل التأكد من الإعجاز القرآني، ليس علينا إلا مقارنة القرآن بالنصوص العربية السابقة على وجوده وملاحظة الامتيازات المتوفرة فيه دونها.
الخاتمة
قدمنا في هذا البحث جزءا بسيطا من آراء بعض الفقهاء في بعض جوانب علوم القرآن الكريم وقارنا ذلك برأي شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، وحصلنا على نتيجة جيدة عملت على استبصار أفكارنا وزيادة ذهنيتنا في هذا المجال، حيث كان السيد الحكيم رائداً في هذا المجال، ولاحظنا أن هناك اهتمامات للسيد الحكيم في تفسيره للقرآن الكريم خرجنا بها من هذا البحث وهي:
1. الجانب التربوي والتغييري للقرآن الكريم.
2. السياق القرآني.
3. الظواهر القرآنية.
4. الاهتمام بتفسير مفردات النص القرآني.
5. الاهتمام بالتفسير الموضوعي.
6. الاهتمام بالقضايا ذات الخلافات المذهبية و الفكرية والعقائدية والفقهية.
7. الإشارة إلى المأثور عن المعصوم عليه السلام بصفته شاهداً وقرينة على ما نفهمه من النص القرآني.
التوصيات
1. إحياء تراث العلماء العاملين بالقدر المستطاع ومنهم اية الله السيد الحكيم (قدّس سرّه) وتحويل كافة خطبه وكلماته إلى كتب واقراص مدمجة للفائدة منها خصوصا في هذا الوقت الحرج.
2. الاهتمام بمؤلفات السيد الحكيم ومحاولة تدريسها في المعاهد والجامعات الإسلامية والأكاديمية لما فيها من أبحاث قيمة تستحق الثناء.
3. إدخال بعض مؤلفات السيد الحكيم الخاصة بعلوم القرآن الكريم في المناهج الدراسية بعد تبويبها وشرحها بشكل يتناسب مع المستوى العلمي والدراسي، كالقصص القرآني الذي يستفاد منه كمادة لتدريس التاريخ.
4. إقامة المؤتمرات والندوات العلمية بخصوص تراث السيد الحكيم (قدّس سرّه) وتفّعيلها في المحافظات، للتعرّف عن كثب حول أبحاث ومؤلفات السيد الحكيم.
نسال الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لخدمة الإسلام وإحياء تراث علمائنا العاملين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
مصادر البحث
1. القرآن الكريم
2. نهج البلاغة
3. البيان في تفسير القرآن / السيد أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه)
4. التبيان / الطبرسي
5. مفاهيم القرآن / الشيخ جعفر السبحاني
6. علوم القرآن / السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
7. تفسير سورة الحمد / السيد الحكيم (قدّس سرّه)
8. تفسير القرآن / السيد عبد الله شبر
9. تفسير القرآن (نور الثقلين) / الحويزي العروسي (قدّس سرّه)
10. اقتصادنا / السيد محمد باقر الصدر
11. المجتمع الإسلامي في القرآن الكريم/ للسيد الحكيم
12. أبحاث / مؤسسة تراث الشهيد الحكيم
____________
1- د. صاحب محمد نصار / المؤتمر العلمي الأول لاحياء تراث الشهيد الحكيم.
2- الإمام الخوئي / البيان في تفسير القرآن ص13.
3- العلامة جعفر العاملي / تفسير سورة الناس ص4ـ5.
4- السيد الحكيم / علوم القرآن ص143.
5- الكافي / كتاب فضل القرآن 2/599.
6- السبحاني / مفاهيم القرآن ج1 ص9.
7- الفاضل المقداد / كنز العرفان ص221.
8- العروسي الحويزي / تفسير نور الثقلين ص7.
9- السيد الحكيم / علوم القرآن ص66.
10- المصدر السابق ص68.
11- حرصنا على نقل الموضوع بكامله من كتاب علوم القرآن للسيد الحكيم للفائدة.
12- المصدر السابق ص73.
13- المجتمع الإسلامي في القرآن الكريم/ للسيد الحكيم ص7.
14- الشهيد الصدر /اقتصادنا ص16.
15- التبيان في تفسير القرآن / العلامة الطبرسي.
16- علوم القرآن / السيد محمد باقر الحكيم ص 127.
|