التفسير الاجتماعي للقرآن
عند الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)

الدكتور علي الأوسي   
 
 
 
 

بحث قدمه الدكتور علي الأوسي في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م


بسم الله الرحمن الرحيم

إن تفسير النص القرآني نشأ منذ اليوم الأول لنزول القرآن الكريم, لكنه أخذ يتطور كأي علم من علوم الشريعة الأخرى، وقد انطلق في بداياته الأولى تفسيراً بالأثر, أي ما يسمى بالتفسير النقلي, معتمداً على روايات المعصوم واللغة والتاريخ وسبب النزول, ثم بفعل الانفتاح على العالم الإسلامي, وتعدد حاجات المجتمع, ودخول المترجمات العقلية والفلسفة وعلوم أخرى، تشكّل ما يسمى بالتفسير العقلي أو التفسير بالرأي, فأضيف الرأي والعقل إلى جانب الرواية. وفي ضوء هذين النمطين من التفسير تشكلت المناهج التفسيرية وتعددت أنماطها.

ومن هنا, وعبر تاريخ هذا العلم, الذي هو من أشرف العلوم, لتناوله أقدس نص إلهي كان مادة للتحدي والإعجاز، يمكننا تصنيف وتحديد هوية المفسر واتجاهه التفسيري, فيمكن أن نقول: هذا اتجاه صوفي أو لغوي أو كلامي أو فلسفي أو فقهي, وهكذا, وذلك بلحاظ المعلومة التفسيرية, وطبيعة النتائج التي وقف عليها المفسر. فهذه الأفكار والمعاني من شأنها أن تحدد اتجاه المفسر، بينما المنهج التفسيري يختلف عن الاتجاه التفسيري عند المفسرين, بأن المنهج عبارة عن الأدوات والأساليب التي يستخدمها المفسر في الكشف عن معنى الآية ومراد النص القرآني. وبين المنهج والاتجاه فرق كبير ولكل مجاله ومعناه.

ولقد اهتم المفسرون بواقع الأمة الإسلامية وحاجاتها، فمنذ تاريخ بعيد، قام المفسرون بالدفاع عن الأمة ومعالجة مختلف التحديات التي واجهتها، وقاموا برد الشبهات التي أثيرت على مصادر التشريع الإسلامي, ومسائل كثيرة ذات علاقة بالمجتمع وحركة الفرد وسلوكه وغير ذلك.

ومنذ وقت بعيد عالج المفسرون الجانب الأخلاقي والسلوكي للفرد والمجتمع، وطرح المفسرون مسائل عديدة في جوانب اجتماعية تخص حياة ومستقبل هذا المجتمع المسلم, لكنها كانت جهوداً، استند الكثير منها ـ إن لم يكن أغلبها ـ إلى الطريقة الفردية في التفسير, ويمكن أن نعبر عنها بالتفسير التجزيئي, ورغم أهمية هذه النتائج التفسيرية وعظمة تأثيراتها على صعيد تاريخ هذه الأمة، لكنها لم تطرح نظريات قرآنية أو معاني شاملة لمفاهيم القرآن الكريم ذات المساس بالواقع الاجتماعي، وفي ظل النهوض الحديث والوعي المتنامي للفرد المسلم والصحوة المتفتحة لهذه الأمة حديثاً, وسط أكبر وأشد مستويات التحدي المعاصر على مختلف الأصعدة الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية, أصبح المسلم يواجه تحديات جديدة شرسة استهدفت عقله ووجوده وهويته. تُرى هل سيبقى المفسرون بعيدين عن هذه الهموم الجديدة؟

لا يمكن ذلك بحال, بل وجدنا من خلال كتب التفسير الحديثة والمعاصرة والمقالات والدراسات التي قدمها علماء هذه الأمة, أنها احتوت على جانب كبير من الشأن الاجتماعي لهذه الأمة, فاستنطق القرآن من خلال تناول تفسيري جديد كان للمنهج الموضوعي ظهور واضح في تأسيس هذا الاتجاه الاجتماعي الجديد للتفسير والعناية الكبيرة لصياغة نظريات قرآنية, أو مفاهيم ومعان قرآنية للكثير من الموضوعات المتعلقة بالفرد وشؤونه، والأسرة وكياناتها، والمجتمع ومؤسساته، والتشريع وآثار أحكامه، بإبراز قدر كبير من التعاطي الاجتماعي مع الواقع ذاته، ومن خلال الاهتمامات التفسيرية للواقع برز التفسير الاجتماعي للقرآن الكريم.

هذا العرض السريع وقف عليه المفسر الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) مؤيداً طرح أستاذه الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه) يضاف إلى ذلك النتيجة التي أشار إليها مفسرنا الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) في كتابه (الهدف من نزول القرآن) بأن غرض النص القرآني من النزول هو إحداث التغيير الاجتماعي, وأن هناك آيات قرآنية تشير إلى أهداف متعددة لنزول القرآن مثل: الإنذار والتذكرة، وضرب الأمثال والعبر، ولأجل إقامة الحجة والبرهان والمعجزة، ومن أجل الفصل والحكم بين الناس, وأنه تصديق لما سبقه من الرسالات والهيمنة عليها.

لكن هذه الأهداف يمكن تفسيرها والنظر إليها من خلال الهدف الرئيسي للقرآن، وهو إحداث العملية التغييرية الاجتماعية الكبرى في مجتمع الإنسان باعتبارها عملية جذرية شاملة تهدف لخلق قاعدة ثورية تقوم بعملية التغيير من خلال منهج قرآني صحيح وسليم.

كما أشار الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) إلى أن هذه العملية التغييرية هدفت إلى تحرير الإنسان من الوثنية, والعقل من الخرافات, والإنسان من عبودية الشهوة, كذلك يمكن رصد التفسير الاجتماعي من خلال معالجات السيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) لموضوع عناصر المجتمع الأساسية وهي، الإنسان والطبيعة والعلاقة المشتركة. وهنا يدعم الشهيد الحكيم نظرية أستاذه الشهيد الصدر (قدّس سرّه) بوجود البعد الرابع وهو (الله) سبحانه بالنسبة للمؤمنين ولغيرهم مثل الهوى والطاغوت {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(1) وهنا يبرز الشهيد الحكيم تفصيلاً عن البعد الرابع وتأثيره في الواقع الاجتماعي, وبهذا البعد تتمايز النظرية الإسلامية عن نظرية الماديين في تفسير حركة المجتمع الإنساني, وبذلك يصبح الدين سنة من سنن التاريخ الإنساني الذي يتحكم بمسار حركة الإنسان والتاريخ.

ثم يضيف الشهيد الحكيم قوله:

وقد يكون منظور السيد الشهيد الصدر (قدّس سرّه) إلى كون العلاقة ثلاثية في أحد التصورين, هو بيان الفهم الإنساني المادي للعلاقة بين عناصر المجتمع على أنها ثلاثية, حيث لا يدرك التصور المادي الطرف الآخر لها. وأما واقع العلاقة ـ كما يقتضيه الفهم القرآني للعلاقة ـ فهي في كل الأحوال رباعية, ولكنها إما (إلهية) أو (شيطانية) وعلى هذا يكون الإنسان من منظور قرآني بين نوعين وصيغتين من العلاقة كلاهما رباعي الأطراف, وهما:

الأول: علاقة الاستخلاف، وهي ما نعبر عنه بالصيغة الدينية للعلاقة ذات الطبيعة الإلهية الحقة، وبعدها الرابع هو الله سبحانه وتعالى وهو المستخلف للإنسان.

الثاني: علاقة (الهوى) والطغيان، وهي الصيغة الأخرى للعلاقة التي يكون البعد الرابع فيها هو الشيطان أو إبليس, وتكون ذات طبيعة شيطانية قائمة على أساس الهوى والغواية والطغيان.

والنظام الاجتماعي عنصر رابع من عناصر المجتمع, والذي هو عبارة عن مجموعة الحدود والأبعاد التي تتصور فيها هذه العلاقة، له دور تحديد وتشخيص وتوضيح حدود العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة في الفهم المادي لها وبين الأطراف الأربعة في الفهم القرآني، والنظام الاجتماعي في نظر القرآن هو الذي يستبطن فهم العلاقة على أساس الاستخلاف.

وعلى هذا تكون عناصر المجتمع الإنساني حسب تصورنا أربعة، وهي:

الأول: الإنسان.

الثاني: الأرض والطبيعة.

الثالث: أصل العلاقة بين الإنسان والإنسان من جهة، والإنسان والطبيعة من جهة أخرى.

الرابع: النظام الاجتماعي الذي يحدد ويشخص شكل هذه العلاقة, ولا تختلف المجتمعات البشرية بعضها عن بعض في تعيين العناصر الأساسية للمجتمع، إلا في العنصر الرابع وهو النظام الاجتماعي.

ويكشف ذلك عن اهتمام واضح للمفسر الحكيم (قدّس سرّه) بالجانب الاجتماعي، نعم, إنه (رضوان الله عليه) شُغِل كثيراً بالتصدي والعمل من أجل إسقاط الطاغية صدام, وإنقاذ الشعب العراقي, فلم يكمل تفسيراً كاملاً للقرآن الكريم, كما حصل لكثير من علماء التفسير الذين لم يكملوا دورة تفسيرية كاملة للقرآن, وإنما قدم الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) كتاباً في علوم القرآن, وآخر في القصص, وتفسيراً موسعاً لسورة الحمد، وتفسيراً للكثير من سورة القرآن (2). وقد عقد المفسر الحكيم دروساً كثيرة في التفسير لحد الآن, لكنها لم تظهر من دائرة الأرشيف الواسعة لتراثه الكبير الذي تركه لهذه الأمة.

وهنا أود أن أؤكد للمؤتمرين بأن هناك حاجة ماسة لتأسيس مركز أو مؤسسة تعنى بهذا الأرشيف الواسع والآثار والكتب التي تركها الشهيد الحكيم, من أجل تقديم تجربة غنية بمضامينها ومفاهيمها ومواقفها لهذه الأمة التي تتطلع اليوم ـ وهي في مفترق طرق معقدة وملتوية ـ إلى النهوض والخلاص. وأعتقد أن دراسة فكر الشهيد الحكيم يصبّ في هذا المعنى لتسديد حركة الأمة في العراق وهي تواجه مختلف التحديات الخارجية والداخلية.

دعوني هنا أشير إلى ثلاثة موضوعات من مجموع عشرات, بل مئات المسائل التي عالجها الشهيد، وهي موضوعات ذات علاقة بالجانب الاجتماعي للأمة, خاض فيها بحوثاً تفسيرية، وانتهى إلى نتائج محددة من خلال النص القرآني, وهي:

1 ـ الوحدة الإسلامية.

2 ـ الهدف من نزول القرآن (وقد مرّ بيانه).

3 ـ التقريب بين المذاهب.


الوحدة الإسلامية

لقد ترك المفسر كتاباً بعنوان: (الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين) وعرض الشهيد الحكيم فيه التصور القرآني لهذه الوحدة المبررة اجتماعياً, والملبية لطموحات الوجود الإسلامي, من خلال بحثين مهمين, أحدهما في ظاهرة الوحدة والاختلاف في التاريخ الإنساني, والثاني الوحدة في المجتمع الإسلامي. وقد حشد لذلك كثيراً من النصوص القرآنية المباركة مبيناً ذلك من خلال جو التحديات الخارجية التي تستهدف وحدة المسلمين, لتفككهم أجزاء متنافرة متقاتلة أحياناً، فالمفسر الحكيم يرى في الوحدة الإسلامية علاجاً للموقف, وسلاحاً بوجه هذا التحدي الغريب والمتناقض. وقد خصص صفحات كثيرة من كتابه لهذه الفكرة (مواجهة التحدي من خلال الوحدة الإسلامية).

ففي مورد الاختلاف في المجتمع الإنساني يقول المفسر الشهيد: (وقد وضع القرآن الكريم إطاراً للوحدة بين التأريخ والديانات الإلهية، إلى جانب محاولته لمعالجة مجمل الانحرافات التي أصابت الأمم والجماعات التي آمنت بهذه الرسالات، وذلك من أجل إبقاء العلاقة النفسية والروحية بين المسلمين, وأتباع هذه الديانات، وتهيئة الأرضية للتعايش الاجتماعي والسياسي بين هذه الديانات من ناحية، وإيجاد صف واحد للمؤمنين بالله واليوم الآخر) (3).

إن الوحدة في المجتمع الإسلامي إنما تنبني على أساس من عقيدة التوحيد والطاعة للرسول (صلى الله عليه وآله) ورعاية القيادة الإسلامية للأمة {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(4) وكذلك على أساس من الأخوة الإيمانية, والقاعدة الأخلاقية في مجمل التصور الإسلامي تجاه مختلف القضايا.

ومن آليات تحقيق هذه الوحدة يمضي المفسر الشهيد ليثبت عدداً من الأفكار المؤثرة التي تساهم في تحقيق هذا الطموح الوحدوي في المجتمع الإسلامي من خلال:

1 ـ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

2 ـ أسلوب الصلح والمساعي الحميدة.

3 ـ العفو والصفح.

4 ـ الوقوف في وجه العدوان.

5 ـ الاعتماد على العلم في معالجة الحوادث {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}(5).

6 ـ التعامل على أساس ظاهر الإسلام {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً}(6).

فالوحدة الإسلامية ليست شعاراً, بل هي هدف إسلامي وإنساني. ويخلص في النهاية إلى أن الوحدة ضرورة من ضرورات الحياة الإسلامية, وأنها واجب شرعي لجميع المسلمين المخلصين.

إذن, يتعامل الشهيد الحكيم في معالجة موضوعه الاجتماعي من خلال استنطاق النص القرآني, ويطرح نتائج قرآنية تفسر الكثير من الظاهرة الاجتماعية بين الناس.


التقريب بين المذاهب الإسلامية

يرى الشهيد الحكيم أن القرآن الكريم بما أنه موضع احترام واتفاق جميع المسلمين, وكلما ازداد الاهتمام بهذا المحور ازداد تقارب المسلمين لبعضهم, فمن هذا المنطلق، ولحيثيات أخرى تصدى الشهيد الحكيم في هذا الحقل القرآني، فقام بتدوين دروس في علوم القرآن, وألقى الكثير من المحاضرات القرآنية في المعاهد العلمية منذ أن كان في النجف الأشرف, وواصل هذا النشاط القرآني بعد هجرته خارج العراق, حتى استشهاده رضوان الله عليه، إضافة إلى نشاطاته الأخرى.

ويرى الشهيد السيد الحكيم أن المرجعية العلمية التي تحكم مسائل الخلاف بين السنة والشيعة تشكل السند القويم لحل هذا الخلاف. والسيد الحكيم يعتقد أن المسلمين متفقون نظرياً على هذه المرجعية, لكنهم لا يلتزمون بها عملياً في التحكيم بمسائل الخلاف. وهذه المرجعية تتمثل في: (القرآن والسنة).

يقول (قدّس سرّه): (المسلمون يتفقون جميعاً على هذا الكتاب الموجود الآن بين المسلمين، ويعتبرونه وحياً نازلاً على الرسول الكريم بنصّه دون زيادة أو نقيصة.

ولا قيمة لما ينسب إلى الشيعة من القول بتحريف القرآن، فهي نسبة باطلة وغير صحيحة, وآراء علماء الشيعة منذ الصدر الأول وحتى عصرنا الراهن هي الاعتقاد بسلامة النص القرآني من أي تحريف. وهذا هو الرأي السائد.

إذن هناك اتفاق على الرجوع إلى القرآن الكريم، وهكذا بالنسبة للسنة النبويّة. كل المسلمين بكل مذاهبهم يعتقدون بأن ما جاء عن الرسول الكريم حجة لا يمكن لأي شخص أن يجتهد أمامه. مذهب أهل البيت يركز على هذه المرجعية، مرجعية القرآن والسنّة. وقد بيّنا أهمية هذه المرجعية ـ والحديث للشهيد السيد الحكيم ـ في بحثنا عن: التفسير عند أهل البيت).

ولا يفوت السيد الحكيم وهو يتحدث عن مرجعية القرآن والسنة أن يبين أسلوب الرجوع إلى القرآن والسنّة، حتى لا تكون هذه المرجعية عامل خلاف كما حدث في التاريخ. فيؤكد على ضرورة التتلمذ على القرآن والسنّة. أي أن يأتي المسلم إليها تلميذاً لا معلّماً، مستفتياً لا مفتياً، خالياً من المواقف المسبقة، لا أن يحاول تبرير مواقفه المسبقة بآية أو حديث.

يقول الشهيد الحكيم: (عندما يختلف المسلمون في رأي من الآراء، فليرجعوا إلى المتفق عليه بينهم وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، دون اتخاذ موقف تفسيري مسبق تجاه القرآن والسنّة يناصر رأي هذا المذهب أو ذاك).

ثم يذكر السيد الحكيم ملاحظة بصورة عابرة عن غاية من الأهمية, هي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضع للناس المرجعيّة, ووضع الضمان لعدم الاختلاف في العودة إلى هذه المرجعيّة وهو (أهل البيت).

من هنا فإن السيد الحكيم يفهم (الثقلين) بأنهم السبيل الصحيح لفهم القرآن والسنّة. وأن ما حدث من خلاف بين المسلمين في فهم هذه المرجعيّة الرسالية إنما هو بسبب عدم التزامهم بهذا الضمان الذي ركّز عليه النبي الأعظم في مناسبات متعددة, ومنها حجة الوداع التي أوصى فيها بأهم أسس استمرار المسيرة الإسلامية على نهجها الصحيح.

يقول الشهيد: (ولقد اهتمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الأمر (أي بأمر الأسلوب الصحيح في العودة إلى مرجعية القرآن والسنّة) حين وقف ينصح المسلمين في حجة الوداع بعدّة أمور, كان من جملتها نصيحتهم بالعودة إلى الثقلين)(7).

وهذا الفهم لدور الثقلين في توحيد المسلمين وإبعادهم عن الاختلاف نجده عند كبار العلماء من السنة والشيعة، وأشير ـ على سبيل المثال ـ إلى (محمد بن عبد الكريم الشهرستاني) في كتاب (مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار) فهو يرى أن كل ما أصاب المسلمين من تفرق في الفروع والأصول إنّما يعود إلى ابتعادهم عن الرجوع إلى الثقلين.

فالقرآن الكريم يبقى مصدراً أساسياً لهذه الأمة ترجع إليه في تذليل خلافاتها. وهذا الاتجاه في تفسير آيات الوحدة في المجتمع أخذت حيزاً كبيراً من اهتمامات الشهيد الحكيم التفسيرية, إذ يعتقد السيد الحكيم بأهمية تفسير آيات القرآن الكريم من خلال وضع الحلول والتصورات الكفيلة بحل المشكلة الاجتماعية.

وفي حديثه عن الأسس العامة للتجربة التفسيرية يذكر الشهيد الحكيم: ضرورة الاهتمام ـ بالنسبة لأي مفسر للقرآن الكريم ـ في بيان الأبعاد الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والتربوية والسنن الاجتماعية التي تتحكم في بناء المجتمع البشري... لأنّ القرآن كتاب هداية وتطهير وتزكية وتغيير وإخراج من الظلمات إلى النور على مستوى العقل الروح والسلوك.

ويتحدث السيد الشهيد الحكيم عن اهتمامه التفسيري فيقول:

إن الهدف الأساس للقرآن الكريم هو عملية التغيير الجذري للمجتمع, وبيان المنهج الصحيح, وخلق القاعدة الثورية لهذا التغيير. ونحن نضع هذا الهدف أمام أعيننا في بحثنا هذا لنتبين المعالم التغييرية والتربوية في القرآن الكريم ومنهجه في هذه العملية.

وقد فرضت علينا طبيعة الظروف التي تعيشها الأمة الإسلامية في هذا العصر الاهتمام بهذا الجانب وبصورة كبيرة.

فمنذ الصدر الأول للإسلام وحتى سقوط الدولة الإسلامية, كان المجتمع مجتمعاً إسلامياً على مستوى الإطار العام والقوانين والشعارات رغم وجود بعض الانحرافات فيه.

وهذا ما يفسرّ لنا أيضاّ قلّة اهتمام مفسري هذه الحقبة بهذا الجانب المرتبط بعملية تغيير المجتمع تغييراً جذرياً.

وأمّا في عصرنا الحاضر فإنّ المجتمع قد تغيرّ بصورة كبيرة، فرغم وجود المسلمين في مجتمعنا المعاصر, ورغم وجود بعض الجذور الإسـلامية المتحكـمة في تـقاليدهم وأعـرافهم وأخـلاقهم، إلا أن المجتمـع ـ وبشكل عام ـ في أكثر بلاد المسلمين مجتمع غير إسلامي، وإنّ حالة (الطاغوت) هي الحالة التي تتحكم فيه وتشكل إطاره العام.

ومن ثمّ نحن بحاجة إلى الاستفادة من القرآن الكريم ومنهجه في العملية التغييرية من أجل تغيير المسلمين باتجاه الإسلام, وتعميق الجذور والعلاقات والنظُم الإسلامية في المجتمع الإسلامي, وإشاعة النور والهدى فيه بدل الظلام والضلال(8).

فالتفسير الاجتماعي للقرآن لدى مفسرنا الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) برز في أغلب تناولاته التفسيرية وخاصة في الجانب الإصلاحي والنهضوي لحركته الاجتماعية السياسية. وقد عالج العديد من هذه المسائل من خلال تأليفه ومحاضراته وكتبه وآثاره ومواقفه ودروسه، ولدى الشهيد الحكيم ثروة تفسيرية كبيرة في الأرشيف المركزي, لا زال لما يفتح, ويحتاج إلى عمل فني وعلمي مناسبين في آن واحد.

____________

1- الفرقان: 43.

2- وكذلك كتابه: المجتمع الإنساني في القرآن الكريم.

3- الوحدة الإسلامية: 58.

4- آل عمران: 159.

5- الحجرات: 6.

6- النساء: 94.

7- بحث الشهيد الحكيم والتقريب، للدكتور محمد آذر شب.

8- تفسير سورة الحمد: 118.