البعد التبليغي
في شخصية الشهيد الحكيم (قدّس سرّه)

الشيخ منير الطريحي   
 
 
 
 

بحث قدمه الشيخ منير الطريحي في المؤتمر الأول للتراث الفكري والعلمي
للشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)
الذي أقيم في لندن بتاريخ 11 / 1 / 2004 م


بسم الله الرحمن الرحيم

{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إلا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً}(1).

لقد شهدت مع هذا الرجل العظيم حقلاًً مهماًً من حقول العمل الإسلامي، ألا وهو حقل التبليغ، الذي يعتبر هماً من هموم الأنبياء والأوصياء والأئمة (عليهم السلام) ومن سار على هذا الخط، فكان (قدّس سرّه) بحق، شمعة في هذا الخط الذي رسمه لنا أهل البيت (عليهم السلام) وهو خط التبليغ، وباصطلاحنا الحديث: (الخط الإعلامي) الذي يعتبر منهجاً مهماً من مناهج التحرك الإسلامي والثوري.

نعم، لقد سار الشهيد الحكيم على هذا المنوال تحقيقاً لأطروحة المرجعية العليا، المتمثلة في والده الإمام الحكيم (قدّس سرّه)، وهكذا مفجر الثورة الإسلامية، ومعلمنا روح الانتفاضة والجهاد، الإمام القائد الخميني (قدّس سرّه) ومن بعد ذلك أستاذه العظيم، والمفكر الكبير، الذي وقف ليعلم الطغيان في العراق درساً لن ينساه العراقيون، شهيدنا ومفجر ثورتنا في العراق، آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه).

لقد سار بهذا المنوال، وله محطات في التحرك، لا أستطيع أن أستوعبها كلها في هذا المقام، ولكني أحاول أن أختصر جهد الإمكان، لأترك المجال لإخوتي المتحدثين:


المحطة الأولى

قبل تصديه للثورة، حينما انتقل من أرض المقدسات, أرض العراق, في حينها وفي أوان شبابه، كان السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) يعتبر لولباً ومحوراً رسالياً، ومشروعاً حضارياً في عملية التحرك في كل المجالات.

ولا أجانب الحقيقة، ولا أريد أن أمدح هذا الرجل مدحاً لا يستحقه، فقد تصدى الشهيد الحكيم منذ شبابه الأول، في وقت كان الشباب يرتعون بأيام المرح، ولكنه تصدى للجهاد، فكان قطباً من أقطاب التحرك في الحوزة العلمية، على صغر سنه، فكان منطلقاً ومفتاحاً للتواصل بين المرجعية وبين مواكب الشباب في الجامعات، التي كان يحرضها للحضور في المناسبات، وخصوصاً في أيام عاشوراء، وأيام الأربعين، فكان حركة دائبة وديناميكية لا تعرف معنى السكون.

ومن جانب آخر، كان على صغر سنه، شعاراً ورمزاً إعلامياً يمثل المرجعية في أوساط مختلفة، سواء في المؤتمرات، أم الاحتفالات العامة التي كان يحضرها رئيس الجمهورية آنذاك، أو رئيس الوزراء، ويقول كلمة الحق صادعاً بها لا يخاف في الله لومة لائم.

فليس عجباً أن يعبر عنه الشهيد الصدر (قدّس سرّه) بـ (عضدي المفدى) فهو عضده التي كان يتحرك بها.

هكذا كان رجلاً عظيماً تحرك في زمن شحيح، وكان العلماء لا يتجاوزون في حقول تحركهم النجف الأشرف، وخصوص الحوزة العلمية، فأبى إلا أن يجمع بين الأكاديمية والدراسات الحوزوية. فكان ملتزماً في مواعيد حضوره إلى كلية أصول الدين، ليلقي الدروس على طلابه دون أن يتأخر، وكان يحضر في الوقت المحدد له. وكان يجاهد عملية ربط رسالي بين الحديث والقديم.


المحطة الثانية

مرحلة العمل الثوري، أو العمل التبليغي في أيام الثورة، حيث وضع خطة لتطوير العمل التبليغي على مستوى الداخل, أي في الجمهورية الإسلامية، التي كانت ساحة تحركه، وعلى مستوى الخارج، واستطاع من خلال هذه الخطة، أن يحشد جماهير الأمة، ويجعل منها سلاحاً تنطلق بوجه الاستكبار، ووجه الطغمة العفلقية المقبورة بأشكال مختلفة، سواء في ساحات الجهاد، أو في الجانب الإعلامي، أو في التحرك السياسي.

وقد نجح في تطوير وتكوين هذه الخطة، وكانت لها امتيازات ومحاور مختلفة في عملية النجاح:

فهو:


أولاً:

استطاع من خلال العمل التبليغي، أن يكوّن جيشاً وقوة ضاربة (فيلق بدر) كان يخافها صدام ونظامه، وحتى قوات الاحتلال بعد سقوط النظام، لأنها قوة رسالية عقائدية مجهزة ومدربة على صنوف السلاح، دون أن تخاف في الله لومة لائم، كما كان قائدها السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه).


وثانياً:

نجح من خلال هذه الخطة في أن يصنع مؤسسات ثورية، وأخرى سياسية، كانت أذرعاً له في التحرك في عمله للثورة، وكانت بحق من أنجح المؤسسات، سواء على المستوى الجهادي أم السياسي الذي رسمه لها هذا الرجل العظيم.

كما أقام مؤسسات خدمية من أجل أن يستقطب الجماهير المظلومة، ويقدم لها الخدمات في مختلف المجالات، سواء المجالات الاجتماعية أم الطبية أم المجالات الأخرى.

وهكذا أقام مؤسسات ثقافية تتعهد عملية احتواء الناس، بطرح المفاهيم، وعملية بسط القضايا الثورية للناس على مختلف المستويات، وبذلك استطاع أن يكون قائداً للأمة بحق.


وثالثاً:

إن السيد الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) حينما تحرك ووضع هذه الخطة، استطاع أن يستقطب حتى القوى غير الإسلامية، وقد شاهدت ذلك بعيني، حينما رأيت أحد أقطاب الحزب الشيوعي، بعد استشهاد السيد الحكيم، وكانت عيونه تدمع حزناً على هذا الرجل, قائلاً: إن السيد الحكيم هو محصلة الثورة في العراق.

إنه القاسم المشترك في الثورة، لأنه كان يتعامل مع الجميع بلطف دون لحاظ للقوميات والأحزاب والتحركات والتجمعات، فلذلك نجح في مشروعه التبليغي الإعلامي الذي سار عليه.

لقد تحرك على مستوى الجمهورية الإسلامية بأشكال مختلفة, وكانت له مجالات عظمى, ومن هذه المجالات حقل الأسرى، فاستطاع أن يكوّن من هذا الحقل الذي رباه صدام، وأرسله ليقاتل الجمهورية الإسلامية، جيشاً سمي بـ (التوابين)، فكانت له فعاليات ومواقف شهد بها صدام بنفسه، كما سمعته يقول: إن عمليات حاج عمران وشرق البصرة قامت بها سواعد أبنائنا من العراق، ولكنه عبر عنهم بالغوغائيين أو المخالفين.

لقد استطاع الشهيد الحكيم (قدّس سرّه) أن يصلح هؤلاء، ويحولهم من أداة للشر، إلى أداة للخير، وقد اعترف في وقتها الشيخ هاشمي رفسنجاني والسيد علي الخامنئي، بعظمة ووجود وقوة هؤلاء الذين كانوا بالمرصاد للجيش الذي أرسله صدام لضرب الجمهورية الإسلامية.

ولم يكن ذلك حكراً على الأسرى المسلمين فقط، بل تحرك في كل المجالات وعلى كل الأصعدة، فكان يحترم حتى الإخوة المسيحيين، وقد التزمهم ونسق مع الجمهورية الإسلامية لإحياء مناسباتهم وأعيادهم. ففي عيد (الكريسمس) أقام لهم قُداساً ضخماً حضرته وكالات الأنباء، وهذه الصور تشهد بذلك(2)، فقد أقام لهم هذا الاحتفال، ليعلن للعالم أن الثورة الإسلامية القادمة في العراق ليست ثورة الشيعة والمسلمين، بل ثورة كل القطاعات.

كما أنه لم ينس حقولاً أخرى، فقد كان دائماً يوصينا بالالتفات إلى الشباب، لأنهم أمل المستقبل، وفي إحدى المرات كنت في فنلندا، وقد تحادثت معه في يوم العيد، وبعدما باركنا له حلول العيد، قلت له: سيدي، هنا ثلة من الشباب تريد أن تتحدث إليك، قال: أعطني إياهم، فإنهم أبنائي، وكان يتكلم معهم ودموعه تجري. يقول: هؤلاء لم ينسوني حتى في هذه المدن النائية! إلهي لك الحمد. وبقي ساعتين يتكلم، وكنت بين الحين والآخر آخذ السماعة وأقول له: سيدي، لقد زاحمناك. فيقول: لا، هؤلاء أبنائي، وقد طرح لهم بعض المشاريع، ومنها هذا الكتاب: (الشباب أمل المستقبل) الذي لم أشاهده على لائحة كتب سماحة السيد. وكان مقدمة لأطروحة ومشروع حضاري لاستقطاب الشباب في العراق، بل لكل شيعة أهل البيت، ولكل المسلمين والشباب الضائعين في العالم.

وهناك مجالات أخرى لا أستطيع أن أتكلم عنها لضيق الوقت، ولذلك أتوقف عند هذا المقدار، وأرجو من الله تعالى أن يوفقني، لكي أشرح بعض هذه المواقف في مناسبات أخرى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

____________

1- الأحزاب: 39.

2- كان الشيخ حفظه الله يعرض أمام المؤتمرين ما لديه من صور.