الإيمان بالإنسان في فكر
الشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم(قدّس سرّه)

د. أنور غني الموسوي   
 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}

آل عمران: 110


(إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يقم بهذه الثورة إلا بعد أن تأكد من وجود القاعدة الجماهيرية لها)

الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم(قدّس سرّه)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الهادي واله الهداة الطيبين.

ان الانجاز الذي حققه المفكرين المسلمون لهو بحق مفخرة ليس للمسلمين فقط بل للإنسانية جمعاء، وخصوصا ذلك الفكر العظيم لإتباع أهل البيت(عليهم السلام) وما تميز به هذا الفكر من إيمان بالإنسان وحريته وبالاهتمام بالجانب العملي من العمل المعرفي مقدمين بذلك طرحا متقدما من الفكر الإسلامي، وبالأخص في العقود الأخيرة من القرن الماضي، فكان لزاما على المتطلعين لبناء إضافات حقيقة للنظرية الإسلامية من استيعاب ودراسة أطروحات أولئك المفكرين والمتأخرين خاصة، وإبراز المعالم الحقيقية لتلك الأفكار والأطروحات لتكون استعدادات متوفرة ومشاريع جاهزة لكل بناء أو تغيير حقيقي. فكانت محاولتنا هذه في تناول جانب صغير هو قطرة من بحر العلم الذي يحفل به فكر سيد المجاهدين الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) متناولين إيمانه بالإنسان والجماهير وصور ذلك الإيمان في فكره العظيم.


د. أنور الموسوي
الحلقة 2004 



مقدمة

قدرة الإنسان على التغيير أساسها استعداده لذلك، وقد تكون هذه القدرة ظاهرة فتكون الإشارة إليها من باب تنظيم الكفاءات أو تكون غير ظاهرة ـ لصاحبها أو لغيره ـ فتكون الإشارة إليها بناء على مقدمات موضوعية نابعة من الإيمان باقتدار الإنسان واستعداده للانجاز.

عادة ما تكون تلك الإشارات إلى القدرات الكامنة في الإنسان هي منهج الشخص الرسالي، لما فيها من دلائل مباشرة على المستوى الرفيع للمعارف المكتسبة وعلى التقدم الملموس في أبعاد التكامل الإنساني من حب وحكمة وجمال، فأما الحب فصورته الإخلاص المتعالي على حدود الذات والإحساس بالآخر الكلي وتعيين المناطق الفاعلة في الخارج. وأما الحكمة فصورتها امتلاك ذلك الاستعداد المتميز الذي مكن الرسالي من امتلاك الرؤية الصادقة نحو الأشياء. وأما التقدم الجمالي في فعل الرسالي، فيما يحققه ذلك الفعل من إبهار وإدهاش في الوعي العميق للإنسان كنوع، بتلك الإشارة المتميزة المتجاوزة عادة لحدود الإنسان.

من الانجازات الإنسانية التي تحقق ذلك الشكل من التقدم نحو حقيقة الإنسان الوجودية في درجات عالية من التكامل في تلك الأبعاد، هي الصورة الموضوعية للإيمان بالإنسان المتمثلة بالإشارة الواقعية إلى القدرات الكامنة في الإنسان المعتمدة على معطيات موضوعية.

وهذا الإيمان بالإنسان نجده احد الأمور التي يحفل بها فكر الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم(قدّس سرّه) بل هو من الأسس الغالبة والفاعلة في سعيه(قدّس سرّه) نحو بناء الإنسان المقتدر الثوري.

ولما يمثله هذا الإيمان من مستوى عالي في الوجود الموضوعي سواء من ناحية أشاريته المتعالية إلى رقي المعارف المكتسبة المولدة لهكذا استعداد، أو من ناحية ما يوفره هذا النظام الموضوعي عالي المستوى من قدرات وقوى جاهزة لتفعيل الأدوار ولتكامل السعي الإنساني نحو التغييرات الحقيقية، كان من الواجب تناول ذلك الجانب المعطاء وذلك المستوى الثري وصوره الموضوعية الفاعلة من فكره (قدّس سرّه)، فكانت هذه المحاولة دراسة هذا الجانب من فكره العظيم.


غايات البحث

لهذا البحث وباختصار ثلاث غايات رئيسية:

الأولى: تحديد المعالم الأساسية لمضمون الإيمان بالإنسان في فكر الشهيد السعيد محمد باقر الحكيم(قدّس سرّه) كأحد أسس فكره العظيم.

الثانية: تشخيص مواطن الاقتدار والقوة في الإنسان والجماهير من خلال أطروحاته (قدّس سرّه)، لكي يكون أساس للبناءات والتغيير الحقيقي.

الثالثة: محاولة بيان ما يحققه هذا المنهج أي الإيمان بالإنسان من تكامل في الدعوة إلى الإصلاح والاقتراب الحقيقي من الأهداف السامية.

ومن المناسب هنا الإشارة إلى نقطتين بخصوص طريقة البحث هما:

الأولى: أن هذا البحث ما هو إلا قراءة مفهوماتية لعبارات الشهيد السعيد (قدّس سرّه) مع السعي إلى النهايات المنطقية لأفكاره(قدّس سرّه)، بعيدا عن التأويل، اعترافا لما لهذه العبقرية الفذة من عمق الطرح ودقة الإشارة العلمية.

الثانية: حاولنا الإشارة إلى بعض المجالات العرفية للدلالات من اجل الاقتراب من تحديد ملامح معرفية لأفكاره(قدّس سرّه) لا باعتبارها أصولا وإنما إشارة إلى سعة تلك الأفكار وتأكيداً لعمقها وموضوعيتها.


صور إيمانه(قدّس سرّه) بالإنسان

اتخذ إيمانه(قدّس سرّه) صورا متعددة، ورغم أن الجانب الوظيفي كان له الحظ الأوفر في إشارته إلى الثقة بالإنسان، إلا انه من الواضح أيضا أن الإيمان بالإنسان والجماهير كان مرتكزا رئيسيا قائما بذاته في فكره العظيم. فلم يكن ذلك الإيمان لمعرفته (قدّس سرّه) أن توقف التغيير الحقيقي على مشاركة الجماهير فحسب، وإنما كان في الأساس نتيجة لإدراكه (قدّس سرّه) لمواطن الاقتدار ولمسه ومعاينته للمعطيات الموضوعية الدالة على ذلك الاقتدار، مع ما لديه (قدّس سرّه) من منطلقات مرجعية تؤمن بالإنسان وتطلعات مستقبلية تتوقف عليه.

وسنحاول هنا ـ مع الاعتراف بالقصور تجاه هذا المفكر العظيم وفكره الثر ـ الإشارة إلى صور إيمانه(قدّس سرّه) بالإنسان، لا على سبيل الحصر، وإنما لما أظهره البحث وأشار إليه من معطيات وإشارات موضوعية لصور إيمانه(قدّس سرّه) بالإنسان والجماهير. وبالإمكان رد صور هذا الإيمان إلى ثلاثة أنظمة أشارية:

أ ـ التأكيد على البعد الجماهيري للثورة.

ب ـ التأكيد على رصانة الإيمان والعقيدة عند الجماهير.

ج ـ التأكيد على وعي الجماهير.


أ ـ التأكيد على البعد الجماهيري للثورة

إن تأكيده (قدّس سرّه) على البعد الجماهيري لأجل تحقيق التغيير الحقيقي يظهر جليا في أطروحاته(قدّس سرّه) وتناولته بالشكل الذي لا تفارق الإشارة إلى ذلك البعد الجماهيري والتأكيد عليه عبارة من عباراته(قدّس سرّه) ويظهر تأكيده (قدّس سرّه) على هذا البعد وأولويته عنده يصور في عباراته وتناولاتها نحاول الإشارة إلى أبرزها في ما يلي:


1 ـ وجوب البعد الجماهيري لأجل التغيير الحقيقي


* لابد من البعد الجماهيري لتحقيق التغيير الحقيقي وبلوغ الأهداف المنشودة.

إن ابرز صور إيمانه (قدّس سرّه) بالإنسان يتجلى في جعله (قدّس سرّه) البعد الجماهيري شرطا لنجاح الثورة ضمن شروط خمسة.(1) (فلابد أن يكون للثورة وجود جماهيري وقاعدة واسعة في الأمة تتفاعل معها، وتؤمن بمفاهيمها وشعاراتها وأهدافها)(2) بل من دون تفاعل الأمة واستيعابها لأهداف ومفاهيم الثورة أو الحركة (إنما تصبح تلك الحركة عملية انتحارية أو ثأرية أو انفعالية أو تغيير مؤقت محدود قد يكون مبررا من الناحية الشرعية والسياسية، ولكن لا يحدث التغيير المطلوب)(3) ومن الواجب التوقف عند هذا النص التجديدي الأصيل في العمل الرسالي في عدة نقاط:

النقطة الأولى: انه في حال فقدان تفاعل الأمة تكون الحركة التغييرية عملية انتحارية غير سامية مهما تكن أسبابها، وبهذا تقديم للجماهير على كل اعتبار موضوعي. (فإنه حتى وان كانت الأهداف حقه ومقدسة والنخبة مستعدة للتضحية والفداء، فان الثورة لا تنجح ما لم يتوفر هذا النصر الأساسي والمهم وهو وجودها في هذا الوسط الجماهيري الذي يمكن أن يتفاعل معها)(4).

الثانية: إن التغيير الحقيقي المطلوب لا يمكن أن يحدث دون وجود تفاعل جماهيري، حتى وان كانت تلك الحركة شرعية، وهذا التقديس للجماهير لا يمكن أن يفهم إلا في ضوء العمل الرسالي الذي لا يجد مبررا لوجوده سوى الإضافة الحقيقة، وفي مجال العمل الثوري لا يكتمل المبرر لوجود الثورة خارجاً إلا بالتأكيد من تحقق التغيير المنشود. ولا يقتصر هذا التغيير بالتغيير المادي الآني وإنما يمتد إلى المعنوي التأريخي.

الثالثة: يبرز لنا هنا شرط في العمل الرسالي هو وجود تحقيق الإضافة الحقيقية ـ والتي تعني الارتقاء بالجماهير ـ والتي يتطلب في الأساس تفاعلا جماهيرياً مع تلك الحركة واستيعاباً لأهدافها، وهذا النضج والتكامل في العمل الثوري الذي تمثل بعمله (قدّس سرّه) هو بحق شكل من إشكال العمل الرسالي الخالد.

الرابعة: إن هذه الدرجة من الإيمان بالإنسان والتقديس للجماهير لا تبنى على أساس مراعاة مطلقة لجميع إشكال التوجه الجماهيري، فقد يكون بعض إشكال التوجه من باب التعصب والأهواء، وإنما أساس ذلك الإيمان الانطلاق من العناصر المشتركة لتطلعات الإنسان نحو الحق والعدل والحرية والحقيقة، والبناء عليها وقد صرح (قدّس سرّه) بذلك بقوله (في بعض الحالات قد يكون وضع الناس آراء الناس وميولهم ليست مع الحق، ومن ثم فالفكر الإسلامي يرى ان المتبع والحاكم بين الناس هو الحق)(5).


* سرعة التغيير أو تأخيره يرتبط بالبعد الجماهيري أيضا.

(فإن فعلية التغيير وسرعته وحضوره، أو تأخيره وبطأه، أو في المستقبل يرتبط أيضا بهذا الجانب (أي البعد الجماهيري)، ومدى وجود الثورة وحضورها وسط الأمة، وتفاعل الأمة فكريا وعاطفيا وإراديا مع الثورة)(6).


* الجماهير هي العنصر الوحيد القادر على حماية الثورة وضمان استمرارها ودوامها.

(فإنه من اجل أن تستمر عملية التغيير وتدوم بعد النصر، لابد للثورة من حماية تضمن لها الدفاع عن نفسها أمام الأعمال والعناصر المضادة التي تتحرك عادة للقضاء على الثورة ووأدها في مهدها، والجماهير هي العنصر الوحيد، بعد الله تعالى التي يمكنها أن تقوم بهذه المهمة)(7).

ولا اعتقد بتوفر هكذا درجة من الثقة بالإنسان وحب للجماهير عند غيره (قدّس سرّه) فالكلمات الأخيرة من عبارته(قدّس سرّه) المتقدمة، تكشف بوضوح عن هذه الدرجات العالية من الإيمان بالإنسان وحب الجماهير والإقرار بسلطتها المنفردة في الواقع وعدم أعطاء الأهمية إلى أشكال السلطة الأخرى التي تحققها الدولة بعد انتصار الثورة، التي يراها (قدّس سرّه) غير فاعلة أمام سلطة الجماهير، وهذا يتأكد بظاهرة أن فرض ما لا تؤمن به الجماهير عليها من قبل السلطة الحاكمة أما أن يؤدي إلى سقوط تلك الحكومة إذا كانت هناك حرية حقيقية موجودة او ان يؤدي الى القمع والاضطهاد وهذا هو الفشل الإنساني والتأريخي والموضوعي لتلك الحكومة.

ومن المفيد الإشارة انه بعد انتصار الثورة ذات المبادئ الحقة والأهداف السامية، لابد من العمل المستمر على الارتقاء بالجماهير والعمل الثوري فكريا وعمليا بالاقتراب من الغايات الحقيقية لوجود الإنسان وبذلك تكون الجماهير هي الحامي للثورة والمدافعة عنها ضد وجوه الشر والباطل والوهم، ولا يكون وجود للعزلة بين الدولة والجماهير، والتي غالبا ما يكون سبب وجود هذه العزلة هو فقدان هذا العامل، أي السند الجماهيري لها. فيظهر من ذلك انه يجب أن لا يكون نضال النخبة الصالحة من اجل مبادئهم التي يؤمنون بها هم فقط، بل يجب أن يكون نضالهم من اجل مبادئهم التي تؤمن بها الجماهير ولعله يمكن استفادة هذا المعنى من قوله (قدّس سرّه) من أن الحسين (عليه السلام) لم يقم بهذه الثورة إلا بعد أن تأكد من وجود القاعدة الجماهيرية لهذه الثورة، فلم تكن ثورة الحسين (عليه السلام) معزولة عن الجماهير)(8).

مع رسوخ أسس هذا المبدأ ـ أي ضرورة البعد الجماهيري في التغيير ـ فانه (قدّس سرّه) يعمد إلى الإشارة إلى دور التيار الجماهيري في الإحداث المهمة في تاريخ الأمة، فيشير إلى ما حدث بعد خلافة عمر بن الخطاب (بان الضغط الجماهيري فرض على ابن عوف أن يطلب في البداية من الإمام علي (عليه السلام) ان يتصدى للخلافة)(9) (وتتوضح فاعلية هذا التيار الجماهيري بشكل واضح بعد ذلك عندما تحدث فتنة قتل الخليفة عثمان، حيث تنهال الجماهير بصورة فريدة على بيعة الإمام علي (عليه السلام) بحيث كان هذا الشئ مما اختص به (عليه السلام) وامتاز به من جميع الخلفاء الذي سبقوه والذين جاءوا من بعده)(10).

ويظهر جليا من هذا النص ميله (قدّس سرّه) إلى إعطاء الأهمية بل والأولوية للجماهير فمع ما نعلمه من تشرف الأمة بالصورة الفريدة التي انثالوا بها على بيعة الأحق بالخلافة يكون هذا التفرد خاصة وامتيازاً له (عليه السلام) وهو المختار من قبل الله تعالى ورسوله (صلي الله عليه و آله)، (وكذلك كان لهذه النخبة الدور المتميز في الصراع الذي خاضه الإمام علي (عليه السلام) مع مناوئيه)(11). بل ويصرح (قدّس سرّه) (بأنه لم يكن من الممكن للإمام علي (عليه السلام) ـ بسبب الظروف النفسية والتأريخية القائمة ـ ان يستمر في الصراع أو أن يحقق نجاحاً نسبياً فيه لو لا وجدود هذه النخبة الصالحة التي كان قد بناها في أوساط الأمة)(12).

وإشارته (قدّس سرّه) إلى أن استمرار الصراع والنجاح الذي تحقق لوجود النخبة الصالحة لا يعني تصور إمكانية الفشل في بلوغ كمال الانجاز مع فقدان هذا الشرط بل لا يعني أيضا إمكانية تصور الانتهاء بمراتب أدنى من النجاح، لان جميع لحظات وجود الإمام (عليه السلام) المقدس لا تنفك عن تمامية الانجاز وكمال تبليغ ما حمل به. وإنما تعني الإشارة إلى ذلك الشرط هو الكشف عن ان حالة الانجاز والعطاء التي أرادها الإمام (عليه السلام) والتي تحققت وقد اعد لها الأسباب الكافية والعوامل الموضوعية اللازمة للتحقق، والتي من احد أسسها بناء النخبة الصالحة في أوساط الأمة.


2 ـ إشارته(قدّس سرّه) إلى جماهيرية ثورة الحسين (عليه السلام).


التخطيط في الثورة الحسينية

يظهر تأكيده (قدّس سرّه) على ضرورة البعد الجماهيري لأحداث التغيير الحقيقي، في اهتمامه بهذا العنصر حتى وان كان القائد مقدسا، حتى لو كان القائد هو الإمام الحسين (عليه السلام). كما هو ظاهر في موضع إشارته إلى التخطيط في الثورة الحسينية العظيمة، (وعلى هذا التخطيط شواهد واضحة) منها (خروج الإمام الحسين(عليه السلام) في الثامن من ذي الحجة ـ يعني يوم التروية ـ أي في نفس اليوم الذي يتوجه فيه الحجاج إلى منى وعرفات، فان الإمام الحسين وجد أفضل طريق للإعلان عن ثورة إمام جماهير المسلمين)(13). (وبذلك أصبح المسلمون على علم بهذه النهضة، وفي نفس الوقت على علم بالأساليب الوحشية التي يستخدمها النظام لمطاردة الصالحين، حيث أعلن الإمام الحسين(عليه السلام) ان السبب في هذا الخروج المستعجل هو محاولة النظام القيام بقتله في مكة، كما كشف الحسين (عليه السلام) بذلك استهتار النظام بالحرمات الإسلامية عندما أعلن أن خروجه واجب بسبب انه يريد ان يجنب الحرم والمسجد الحرام الهتك من خلال إراقة الدماء فيه)(14). (كما ان عملية السبي التي كان يتنبأ بها الإمام الحسين (عليه السلام) كان لها دور عظيم في فضح شراسة بني امية وهمجيتهم واستهتارهم بالإسلام وقيمه، لان قتل الحسين (عليه السلام) اذا كان يمكن لبني أمية ان يبرروه أمام البسطاء والعامة والمغفلين – تحت شعارات الخروج عن الطاعة وشق عصا المسلمين وما شابه ذلك من الشعارات والعناوين التضليلية – فلا يمكن لبني امية بأي حال ان يبرروا سبي بنات رسول الله (صلي الله عليه و آله) وذراريه وهتكهم وتعريض النساء والأطفال لهذه الآلام والمحن والعذابات)(15). (ولعل هذا الموضوع من ابرز وأوضح الشواهد على ضلال يزيد وانحرافه في نظرة الأمة وعامة الناس)(16).


تحرك الحسين (عليه السلام) كان للأمة كلها لا للحسين وحده.

(الحسين(عليه السلام) كإنسان ثائر (مع علمه انه سوف يقتل) يسعى للإطاحة بالنظام الحاكم وكشف حقيقته والتأثير بالأمة الإسلامية، كان عليه ان يبذل كل ما في وسعه وجهده من اجل تحقيق هذه الأهداف، ومن اجل ان يوفر لهذه الثورة شروطها ويضع على عاتقه المسؤولية الملقاة عليه، وهي مسؤولية مواجهة هذا النظام)(17). (فأرسل مسلم بن عقيل لكي يهيئ الاجواء في الكوفة ويعبئ المسلمين وينظمهم ويأخذ البيعة لهم)(18). (كما ان ذلك وضع أهل الكوفة إمام مسؤوليات دينية وأخلاقية وسياسية. وفي نفس الوقت وفر الغطاء السياسي والاجتماعي والمبرر الطبيعي لحركته وثورته)(19).

(ولقد تمكن مسلم بن عقيل من ان يأخذ البيعة من جماهير الكوفة ويصعد أجواء المواجهة إلى حد إخراج الكوفة عمليا من سلطة الحكم الأموي، وأصبح التحرك ضد النظام للأمة كلها لا الحسين (عليه السلام) وحده، وأصبحت المطاردة والمظلومية والشعارات عامة مشتركة)(20). (ولم يكن النظام قادرا على السيطرة على الأوضاع من خلال (الشرعية) أو الشعارات الكاذبة أو المفاهيم المزورة و (الموضوعة) وأصبح القمع هو الوسيلة الوحيدة لبقاء النظام)(21).

وبالقدر الذي يصف الشهيد السعيد (قدّس سرّه) هذه الخطط بأنها (من أروع الخطط والبرامج التي وضعها الإمام الحسين (عليه السلام) ونفذها مسلم بن عقيل، والتي حققت بعد ذلك أفضل النتائج)(22)، فمن الواجب القول ان هذا التحليل لهو من أروع الإشارات الحقيقية إلى مجالات الاقتدار والقوة في الأحداث الفاعلة والتاريخية في مسيرة الإسلام والإنسانية، وتلك الصياغة التحليلية النادرة التي تبلغ من عمق الطرح وروعة البيان الدليل الصريح على الإشارات المضيئة والالتفاتات الفذة التي يتصف بها فكر هذا الرجل الرسالي العظيم.

ومن الواجب أيضا التوقف والإشارة إلى ابرز مضامين عباراته المتقدمة فيما يخص موضوع ضرورة البعد الجماهيري في الثورات والتغييرات الحقيقية وان كانت مقدسة.

1 ـ ضرورة التخطيط لكل تغيير حقيقي، حتى وان كان القائد مقدسا.

2 ـ عملية التمهيد أو تمهيد الرسول يجب أن تهتم في الأساس بتهيئة الجماهير للتغيير الحقيقي المنشود.

3 ـ ضرورة الجانب الإعلامي في العمل الثوري، وان كانت الأهداف سامية، أو النخبة صالحة بل وان كان القائد مقدسا.

4 ـ بذل الوسع في تحقيق الأهداف الموضوعية المنشودة رغم كل اعتبار اخر (حتى الأخبار اليقيني بالشهادة).

وربما تكون هذه الالتفاتة النادرة من وجوب العمل على توفير جميع أسباب النصر ووسائل الظفر مع الأخبار اليقيني بحصول الشهادة، وما لتلك الالتفاتة من دلالة على وجوب التصرف وفق الحاضر الموضوعي لا وفق المعلوم المستقبلي، أقول ربما تكون هذه الالتفاتة مجالا معرفيا يفتح جوانب تفسيرية في فهم اكبر للعمل الرسالي بل والسماوي أيضا.

5 ـ وجوب كون الصراع بين الأمة ووجوه الانحراف عن الأهداف السامية، أي عدم حصر الصراع بين النخبة الصالحة ووجوه الظلم والانحراف، وذلك يكون بجعل الجماهير في مناطق معرفية اقرب من الغايات الحقيقية لوجود الإنسان، وفي حالة سعي إلى تلك الغايات الحقة.

وبذلك تتبين مرحلية العمل الثوري الحقيقي المتمثل بمرحلتين:

الأولى: اقتراب الجماهير من الغايات الحقة والأهداف السامية وإيمانها بها.

الثانية: النضال العام * ضد وجوه الانحراف عن تلك الغايات الحقة والسامية.

6 ـ ان الخسارة في كل صراع حقيقتها الخسارة في القيم والمبادئ السامية، فيكون مقدار الخسارة في طرف من أطراف الصراع لا بقدر الخسارات المادية – إلى حد معين – وإنما بقدر خروج ذلك الطرف عن القيم والمبادئ وانحرافه عنها، ومع الانحراف يكون خاسرا وان حقق مكاسب مادية. ومن واجب الثائر الحقيقي تأكيد هذا الانحراف بكل مستطاع وتأكيد هتك الحرمات والاعتداء على القيم، وبكل التضحيات وتضحية سبايا ال الرسول (صلي الله عليه و آله) العظيمة تأكيد لهذا الواجب وربما الركن للثورة الحقيقية.

ويأتي وضوح تحقيق هذا المنهج – أي منهج تأكيد الانحراف وهتك الحرمات والاعتداء في المعتدي – للنتائج والغايات المطلوبة، لان القيم والمبادئ السامية من الكيانات الممتدة في الزمن، ذات الصور الموحدة، مما يوفر لها الحضور الدائم في حياة الإنسان في كل زمان ومكان، فلا يمكن تبرير الاعتداء على القيم والمبادئ في أي زمن بأي مبرر مادي او معنوي، عكس الاهتمام بالخسائر المادية – مع مالها من وقع موضوعي – إلا أن الارتباط الفعلي والتفاعل الوظيفي لا يكون من النهوض بالدرجة المطلوبة من الفاعلية لافتقاره ذلك الامتداد في الزمن والتوحد في الصور لنسبيته في الزمان والمكان ولافتقاره الحضور الموضوعي كحالة معاشة وإمكانية التزييف في وقائعه وصوره، بعكس صور الاعتداء على الحرمات والانحراف عن المبادئ والقيم.


3 ـ تقديم الجانب العملي من المعرفة والاقتدار.

يركز الشهيد السعيد (قدّس سرّه) على الجوانب العملية من عوامل النظام الواحد، وهذا الاهتمام بالجانب العملي يمتد حتى القضايا الشاملة. فنجده بعد ان لخص الأهداف الاجتماعية من أطروحة أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الإسلامية إلى سبعة ادوار (23)، يوجه عنايته إلى الهدف السابع، أي دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة، ولقد صرح (قدّس سرّه) بذلك بقوله (كما وجدت نفسي أيضا مسوقا للكتابة ابتداء من الهدف السابع وهو (الجماعة الصالحة) ولعل بسبب هذا الاختيار للبداية هو إحساسي بالحاجة الفعلية، من خلال الممارسة العملية لوجود تصور كامل (نظري وتطبيقي) للجماعة الصالحة ليكون مثلا واقعيا، ويقدم للعاملين في ميادين العمل السياسي والاجتماعي ما يتأسون به ويقتدون بهداه)(24). كما انه يرى ان التطور النوعي في الأبحاث والدراسات حول أهل البيت (عليهم السلام) يجب ان يهتم اهتماما خاصا باكتشاف وتفسير جميع إبعاد دور أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الإسلامية من ناحية، والتركيز على جانب علاقة هذه الأبعاد بالنظرية الإسلامية من ناحية أخرى)(25).

فنجده يقدم الجانب العملي من الفهم العام لدور أهل البيت (عليهم السلام) ثم يدعو إلى بحث هذا النظام العملي ضمن النظرية الإسلامية العامة، بل انه يصرح بهذه المضامين فيقول (قدّس سرّه) (ان الهدف من وراء كتاب (دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة) هو بيان دور أهل البيت (عليهم السلام) عمليا في تكوين وبناء الجماعة الصالحة وتكوين النظرية حولها ثم، بيان معالم وتفاصيل هذه الجماعة الصالحة)(26). فهو يبحث عما ينفع الجماعة، بل سائر الطالبين للحقيقة في بحثهم العلمي عن التكامل، فهو يصف الهدف المتقدم (بأنه أمر ينفع الجماعة الصالحة نفسها، كما ينفع سائر المسلمين الذين يريدون ان يعرفوا الحقيقة ويلتزموا ويتأسوا بها، وفي الوقت نفسه ينفع كل الباحثين عن الحقيقة من سائر الناس)(27).

ويتجلى هذا التأكيد على الجانب العملي من دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة في الإشارة إلى اهتمام أهل البيت (عليهم السلام) بالمستوى العلمي إلى المستوى الفكري والعقائدي في الدور الذي تقوم به الجماعة الصالحة من تمهيد للإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف). فان الأئمة (عليهم السلام) (قد وضعوا في منظورهم عند بناء الكتلة الصالحة ان تقوم بهذا الدور – أي دور التمهيد لظهور الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) – في عصر الغيبة، ليس على المستوى الفكري والعقائدي فحسب بل على المستوى العملي أيض)(28).

ومما يجدر الإشارة إليه أن قوله (قدّس سرّه) بالنظرية الإسلامية، لا باعتبارها إضافات وضعية أو صور موضوعية متقدمة على الشريعة، وإنما باعتبارها شكلا من أنظمة البسط والترتيب لمضامين الشريعة، اعتمادا على الاستنباط الصحيح المعتبر شرعا، فهو يؤكد (قدّس سرّه) ويوصي بالالتفات إلى (اهتمامه باستنباط معالم النظرية بالاستناد إلى المصادر الأساسية (القرآن الكريم والسنة النبوية والنصوص المعتبرة التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) في نقل السنة النبوية أو شرحها أو بيانها، مضافا إلى النصوص المعتبرة التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) في نقل السنة النبوية أو شرحها أو بيانها، مضافا إلى النصوص المعتبرة التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) في بيان تفاصيل السياسات والمناهج والأساليب والمواقف)(29). (كما أن استنباط النظرية لما كان بحاجة الى اجتهاد صحيح يعتمد على المصادر والقواعد الصحيحة للاجتهاد، ومن اجل ان تكون النسبة إلى أهل البيت (عليهم السلام) وجماعتهم نسبة صحيحة التزمنا في استنباط أصول النظرية والأفكار الرئيسية والمركزية بالنصوص المعتبرة، أو الآراء الاجتهادية المعروفة في أوساط علماء شيعة أهل البيت (عليهم السلام) مع ذكر الشواهد والنصوص التي تؤيد هذا الاجتهاد أو التي يستند إليها أصحابه)(30).

أما في التفاصيل فقد سعيت إلى الاستناد فيها إلى النصوص المعتبرة أيضا، أو النصوص المتعددة التي يوجد في النفس الوثوق بها، باستثناء بعض الموارد الجزئية التي لا تؤثر على أصل النظرية بل توضحها وتشرحه)(31). *


ب ـ التأكيد على رصانة إيمان وعقيدة الجماهير


1 ـ رصانة العقيدة.

نراه (قدّس سرّه) يؤكد على أن الحالة المتقدمة التي أرادها أهل البيت (عليهم السلام) للجماعة الصالحة التي بنوها تحققت بصورتها المطلوبة، إذ (لم تتعرض هذه الجماعة (أي الجماعة الصالحة) إلى حالة الانفصام والتأرجح بين الأوامر التي كان يصدرها الحكام والولاة للمجتمع الإسلامي العام)(32).

وبالقدر الذي تمثل أشارته إلى رصانة العقيدة عند الجماهير – جماهير الجماعة الصالحة – مظهرا من مظاهر إيمانه (قدّس سرّه) بالجماهير وقدرتها على تحقيق الانجاز، إذا ما توفرت القاعدة الأساس لها، فإنها تدل وتؤكد على الجهد الجهيد الذي لم يترك الشهيد السعيد (قدّس سرّه) منه وسعا في استخلاص جميع ما يمكن استخلاصه لأجل التكامل العملي للإنسان، فهو حتى عندما يتناول عصمة أهل البيت (عليهم السلام) ودورهم في بناء الجماعة الصالحة، يهتم فيما يهتم به، بأنها تحفظ الجماعة الصالحة المتبعة للمعصومين من حالة الانفصام والتأرجح. أي تحقيق درجات عالية من المقادير الوظيفية في الجماعة الصالحة مما يمكنها من الانجاز المطلوب. وفي ذلك دلائل لا تقبل الشك عن عنايته (قدّس سرّه) الخالصة بالجانب الوظيفي العملي لكل شكل من أشكال الاكتساب المعرفي بما فيها العقائد والأفكار المتعالية. (فان في الحالة الذهنية والعقائدية وغيرها التي تناولها الأئمة (عليهم السلام) وعالجوا فيها الجانب الفكري والعقائدي وقدموا فيها الموقف الناجز كان لها دور عظيم في قوة القاعدة العقائدية واستحكام بناء هذه الجماعة الصالحة وتراص صفوفه)(33).


2 ـ ارتباط الجماهير بأهل البيت (عليهم السلام).

يشير (قدّس سرّه) إلى أن اختيار أهل البيت (عليهم السلام) للكوفة والعراق في بناء الجماعة الصالحة كان له أسبابا وظيفية مضافا إلى الأسباب الأخرى، فهو يؤكد على الجانب العملي من هذا الاختيار الصادر عن المعصومين (لأنهم – أي أهل البيت (عليهم السلام) – كانوا يرون الكوفة والعراق قاعدة لهم، ولان هوية العراقيين هي حب أهل البيت (عليهم السلام) والتشيع لهم)(34).

فهذه النظرة وان كانت من الموضوعية بمكان لا تحتاج فيه إلى بيان، إلا أن تأكيده (قدّس سرّه) على استقرار حب أهل البيت (عليهم السلام) في العراقيين واعتبارهم القاعدة الصالحة للتغير الحقيقي العظيم الذي أراده أهل البيت (عليهم السلام). وان التشيع هو هوية العراقيين، كلها أشارت إلى مدى إيمانه (قدّس سرّه) بالجماهير. ويتجلى هذا الإيمان باظهر صورة في تصريحه باستمرار ذلك الارتباط والهوية العلوية، وإنها تتجاوز الزمن. لما لها من عمق وأصالة. ولما أثبتته عبر التاريخ من تجذر هذه العلاقة وحقيقتها (فلم يكن ارتباط العراق بأهل البيت (عليهم السلام) وهويته العلوية امرا طارئا، مرتبطا بمقطع زمني محدود بل كان ارتباطا عميقا منذ الصدر الأول للإسلام وحتى يومنا الحاضر)(35). ولأجل هذا العمق وهذه الأصالة في ارتباط الجماعة الصالحة بأهل البيت (عليهم السلام)، وما تبين معه من استمرارية هذا الانتماء عبر العصور، يكون ذلك الانتماء دالا على استحقاق الجماعة الصالحة لتلك المكانة التي أعطاها أهل البيت (عليهم السلام) لهم. فكما ان البذرة الصالحة التي أودعها أهل البيت (عليهم السلام) في العراقيين كان لها الأثر الأكبر في أن تؤتي ثمارها، فان الاستعداد والصلاحية في تربة تلك الجماهير، واحتضان تلك البذرة الصالحة والتفاعل معها كان له دور أيضا في ذلك الإثمار. (فأنهم – أي الجماعة – من أهل البيت (عليهم السلام) لأنهم أولى الناس بهم. وإنهم الأوفياء بالميثاق الإلهي)(36).

وفي كلماته (قدّس سرّه) الأخيرة تقدم نوعي نادر في الإيمان بجماهير الجماعة الصالحة، فهم الشعب المختار وهم الأنصار وهم الأوفياء بالميثاق، والذين بوفائهم بالميثاق وباستحقاقهم للولاية يكونون قد ادوا ما حملوا به، بالغين بذلك درجات القبول والرضا في وجوه الانجاز التي رسمتها لهم السماء.

ومن المناسب هنا الإشارة إلى الدلالات المعرفية لاستمرار الأفكار والعقائد خلال الزمن في الكيانات الفعالة كالجماهير. فلأن الإنسان كيان متطور فعال ذا أبعاد وجودية أوسع بكثير من كل فكر يحمله، يكون استمرار ذلك الفكر الذي تبناه في فترة زمنية معينة مشيرا موضوعيا الى الانجاز الوظيفي في حمل ذلك الفكر، ويتناسب ذلك الانجاز مع مقدار الفترة الزمنية للتبني. أما إذا أصبح ذلك الفكر الحقيقي * هو الميزة التي تعرف بها الجماهير المعينة التي تتبناه، فان ذلك يعد من الانجازات الجبارة بالقياس إلى طبيعة تطور الأفكار وطبيعة تطور الإنسان. فجماعة أهل البيت (عليهم السلام) التي تبنت أفكارهم في صدر الإسلام ليس فقط حافظت على استمرار تلك الأفكار، وإنما أعطتها من السعة والظهور درجة ان تلك الأفكار أصبحت من السعة والظهور إلى الحد الذي ذابت الجماهير المتطورة الفعالة في تلك الأفكار *، فانتقلت الأفكار – بذلك الانجاز – من مستوى الكيانات المتطورة غير المستقلة أي المحتاجة إلى غيرها، إلى مستوى الكيانات المتطورة المستقلة أي التي تكون غاية فعالة لغيرها. وهذا لا يكون إلا بإضافات حقيقية امتدادية عبر تلك الحقب الزمنية الفاصلة.


ج ـ التأكيد على وعي الجماهير


1 ـ تمسك الأمة بإيمانها بالله تعالى.


* ربما يكون الإيمان بالله تعالى بصوره الموضوعية هي الفاصل الرئيسي في انتساب صاحبه إلى المستويات المعرفية العالية وانتماء غيره إلى مستويات معرفية متدنية.

وهذه الحقيقة لم تكن مشار إليها من قبل مصادر اليقين الحقيقية – المتمثل بالرسالات السماوية – التي فيها الكفاية طبعا لذوي العقول السليمة فحسب، وإنما هو ظاهر وجلي لكل إنسان بما للإيمان من أثار موضوعية بنائية لا يمكن من غير الإيمان تحقيقها. وأكثر درجات الإيمان بنائية وعطاء هي حينما تكون المجموعة أو الأمة في درجة مرضية من الإيمان – بما له من صور موضوعية.

فيتبين من ذلك، وبلا شك ان تمسك الأمة بإيمانها بالله تعالى هو خير دليل موضوعي على رقيها، ولقد أوضح الشهيد السعيد (قدّس سرّه) هذه العقيدة وأكد عليها باعتبارها محورا للنضال والتضحية. (فأمتنا متمسكة بإيمانها بالله ومبادئها وقيمها والتي رووها بدماء الشهداء الإبرار والآم المتشردين والمعذبين والمضحين)(37). فأمتنا المؤمنة بالله تعالى أثبتت تمسكها بإيمانها ومبادئها بتقديمها التضحيات والشهداء الإبرار. وهي بذلك لا تبلغ الدرجات المقبولة من الإيمان فحسب، بل ترتقي في إيمانها إلى المراتب العالية المقرونة بالتضحية والفداء. وفي ذلك كله أشارة وتأكيد على وعي الأمة واقترابها من غاياتها الحقيقية، وذلك الإيمان وآثاره الايجابية في الواقع الإسلامي ظاهر فان (المسلمين جميعا يقفون في صف واحد ضد الإرهاب، والوعي السياسي لهم لا يسمح بان يسوق هذا الشعار ضد المستضعفين والمسلمين كما تسوق الشعارات الأخرى ضدهم)(38).

وفي الواقع، الإيمان بالله تعالى من الكيانات ثنائية الوجود إذا ما أمكن القول أن في التوظيف الموضوعي للخارج تقسم الأشياء إلى غايات ووسائل، فالإيمان هو من الأشياء التي تكون غاية في ذاته ووسيلة إلى غايات أخرى. أما من حيث انه غاية فلأنه من الإشارات الاستقلالية للاقتراب من الأنوار الإلهية والدرجات العالية للكمال، فهو بذلك درجة عالية من الوجود المعرفي، سيشير بلوغها الى امتلاك ذلك الشخص المؤمن مستويات معرفية متقدمة. وأما من حيث انه وسيلة، فلما يحققه من انجاز وظيفي في الواقع، وخصوصا في البناء الموضوعي للجماعة، إضافة إلى تمهيده الطريق، وفتح الباب أمام ذلك الشخص المؤمن كفرد نحو الإكتسابات المعرفية عالية الوجود.

وفي خصوص بناء الجماعة، فللإيمان أثره في تحقيق الغايات الموضوعية للإنسان، بل هو شرط لتحقق تلك الغايات من حق وعدل وحرية ومساواة، ولقد صرح الشهيد السعيد (قدّس سرّه) بذلك فان (قيمنا وأخلاقنا وحضارتنا الإسلامية الأصيلة تدعو إلى الحق والعدل والسلم والأمن وكرامة الإنسان والمساواة)(39).


2 ـ ايجابية المسلمين تجاه أهل البيت (عليهم السلام)

مع بيانه (قدّس سرّه) أن الواقع المعنوي الواسع الذي يتمتع به أهل البيت (عليهم السلام) في صفوف المسلمين – رغم ما تعرض له أهل البيت (عليهم السلام) من محاصرة مادية ومعنوية – إنما كان بسبب الحقيقة الإلهية لهل البيت (عليهم السلام) فان ما تعرض له أهل البيت (عليهم السلام) من قتل وتشريد ومحاصرة مادية ومعنوية، وبشكل متواصل طيلة قرون من الزمن على أيدي الأمويين والعباسيين والعثمانيين، كان يفرض القضاء – أو يفرض العزلة على الأقل – عليهم وعلى مدرستهم في المجتمع الإسلامي)(40). فمع تأكيده (قدّس سرّه) أن السبب في ذلك الواقع المعنوي الواسع لأهل البيت (عليهم السلام) هو الحقيقة الإلهية لأهل البيت (عليهم السلام) فهو يؤكد أيضا ويشير إلى أن من أسباب تحقق هذا الواقع هو أدراك المسلمين لتلك الحقيقة. (فان هذا الواقع الايجابي من المسلمين تجاه أهل البيت (عليهم السلام) هو الذي يفسر لنا هذا العدد الكبير من الدراسات والكتب والأبحاث الخاصة بهم التي تناولت هذا الموضوع الإسلامي من قبل علماء المسلمين على اختلاف مذهبهم، أو وجود الاعتراف بهذه الحقيقة في مطاوي كتب المعارف الإسلامية في الفقه والتفسير والحديث والتأريخ وغيرها، بحيث لا نكاد نستثني منها أي كتاب)(41).

هذه الإشارات الموضوعية، وهذا التلخيص الرفيع لتفاعل المسلمين عموما مع أهل البيت (عليهم السلام) ومدرستهم، والتي – أي تلك الإشارات – تتجاوز حدود الظواهر الجزئية الأقل شمولا، لا على سبيل اعتبار تلك المظاهر الجزئية عديمة الوظيفة، وإنما الخروج من تلك الأنظمة غير الشاملة إلى أنظمة بنائية شاملة أساسها النقاط المشتركة في مستويات الوجود المعرفي، في إشارة غير مباشرة إلى أن ما أنجزته الرسالة السماوية من بيان للغايات الحقيقية للإنسان، وطرق الوصول إليها، جعل من الأطراف الخارجة عن المنهج الأكثر يقينية والأوثق والأقصر في الوصول إلى الغايات الحقة، جعل تلك الأطراف في حالة مستمرة من الرجوع إلى ذلك المنهج الحق بشكل أو بآخر، حتى في حال وجود ما يعيقهم من تراكمات جزئية، الا انهم في حالة مستمرة لتجاوز مستويات تلك المعوقات بارتقاء مستويات أعلى من التعبير * وإظهار التضامن بل الانتماء المتعالي أيضا.

هذا التفاعل الايجابي والاهتمام العالي الذي يبديه جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهمـ، بل وباقي أبناء الإنسانية بأهل البيت (عليهم السلام) ومدرستهم ما هو في حقيقته إلا حالة من المحاولة لتجاوز المعوقات الجزئية والعبور من فوقها في مستويات معنوية أو بنائية أكثر حرية و أكثر تحررا من رقابة التراكمات والخلفيات التي لدى المخالفين للمنهج الأوثق والأكثر يقينية في الوصول إلى الغايات الحقيقية للإنسان، وبهذا تظهر أهمية انتباه جماعة أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الميول من غيره والى تلك المحاولات الاقترابية العبورية، وتوفير أسباب نجاحها وتماميتها، ليس رغبة في الزيادة الكمية للجماعة، وإنما ارتقاء في نوعية المعرفة عند الجميع انطلاقا من وحدة الوجود وتأثير كل جزء من العالم بوضع أجزاءه الأخرى. وأفضل طريقة لتوفير فرص الاقتراب من المناهج الحقة اليقينية هو الاهتمام بتلك المستويات العالية من المعرفة والتي في الغالب تكون موحدة لدى جميع البشر، والابتعاد عن الانطلاق من المستويات الظاهرية الجزئية ذات التنوع والتي غالبا ما تؤدي إلى الاصطدام بالجزئيات الظاهرية الأكثر صلابة.

ومن المناسب الإشارة إلى إمكانية القول ان بعض أنظمة التفاعل والخطاب بين البشر أنظمة تفاعل موحدة، كالأخلاق والفن مثلا، حيث أن الصدق هو واحد عند جميع الناس وكذلك الجمال والبعض الآخر من أنظمة التفاعل هي الأنظمة التعددية كالعقائد والانتماءات الفكرية. فبينما يكون الاختلاف في الأنظمة الموحدة في الكم بين الأفراد يكون الاختلاف في النوع * في الأنظمة التعددية مما يؤدي الى صدق التفضيل والتفاهم في دراسة الأولى، وتفصيلهما أو انتفائهما في الثانية، ما لم يكن مسبوقا بتوحيد المقدمات لها * لذا فالأصح والأقل توليدا للاصطدام والعنق هو الابتداء في الحوار والتفاهم من الأنظمة الموحدة البسيطة والانطلاق منها إلى الأنظمة التعددية.

وفي الاتجاه نفسه يصب مبدأ الابتداء من القضايا المشتركة، لكن مع تطور البناء وفق هذا المنهج ربما يصطدم بالجزئيات الظاهرية الأكثر صلابة وارتكازا، والطريق الأمثل لتذليل المعوقات في القناعات غير الفعلية هو الابتداء من الأنظمة التفاعلية الموحدة كما تقدم.

ويمكننا أن نستظهر جميع هذه المضامين من عبارة الشهيد السعيد (قدّس سرّه) المتقدمة.

ومن المهم التذكير أن هذه الدرجات العالية من الإيمان بالجماهير وبهذه الصورة لا يمكن ردها – بالكلية – إلى المعطيات الموضوعية في عموم الجماهير، وإنما ذلك الإيمان يمثل مظهرا من مظاهر الإفاضات الكريمة لنفسه المحبة، وفكره المشرق، فيعلمنا هذا المعلم الكبير كعادته ان لغة المحبة ولغة القلب هي من الأنظمة الخطابية الموحدة، التي تحقق حالة من القبول والرضا في نفس الأخر عند تجليها، وتحدث اقترابا فيه من معالم المناهج الحقة المتمثلة بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بسبب درجات الثقة والصدق العالي التي تتميز به تلك اللغة، أي لغة المحبة. ولقد كان (قدّس سرّه) مثالا حقيقيا واقعيا لتلك المحبة الإلهية، وما إيمانه بالجماهير إلا مظهر من مظاهرها.


3 ـ التأكيد على تمهيد الجماهير العملي لظهور الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

كما قد تبين سابقا هناك فرق في مراتب الوجود المعرفي والوظيفي بين النظرية كحالة من الوجود الوظيفي بين النظرية كحالة من الوجود الوظيفي المرحلي المحتاج إلى حالة موضوعية أكثر تقدما نحو الواقع هو التطبيق وبين الحالة الموضوعية للتبني باعتباره وجودا وظيفيا كاملا محققا للانجاز في كل آن من آنات وجوده.

وبهذا الفهم يمكن استظهار مضمون الفرق الذي يشير إليه الشهيد السعيد (قدّس سرّه) بين إيمان المسلمين بفكره ظهور الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) وبين إيمان الجماعة الصالحة به كوجود حي معاش (فمن الواضح، رغم أن جميع المسلمين يؤمنون بهذه الفكرة – أي فكرة الظهور – نجد الجماعة الصالحة تتميز عن بقية المسلمين في مقدار تبينها وإحساسها بهذه الفكرة والتزامها بتفاصيل معالمها، فالقائم المنتظر لديهم ليس مجرد حالة مستقبلية يطمح إليها الإنسان، بل هو موجود حي يعيش مع الفرد المسلم ويتحسس الأم الإنسان ومشاكل المجتمع الإنساني)(42).

والفرق في الانجاز الوظيفي والعمل الموضوعي واضح بين الإيمان بالإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كمنتظر وبين الإيمان به (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كقائم منتظر. لما يمثله الإيمان الأول من وجود مستقبلي للمثال يحتاج في إحداث أثره في الواقع إلى عوامل وموارد فعالة موضوعية خارجة عنه في عصر الانتظار وعملية التمهيد. أما الإيمان به (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) كقائم منتظر، فهو بوجوده الموضوعي يحقق – بذاته – الانجاز الوظيفي المطلوب والأثر الموضوعي في كل لحظة من لحظات وجود المجموعة. (فان التمهيد الذي تمارسه هذه الجماعة الصالحة ليس مجرد طرح نظري او التزام عقائدي كما نشاهده عند جميع المسلمين، بل عند معتنقي الأديان أيضا، وان كان ذلك بتفاوت كما انه ليس أيضا بمجرد حالة نفسية وروحية وان كان كل من هذين البعدين له دور في التمهيد)(43).

ولهذا الإيمان – بصورته هذه – اكبر الأثر في أن تكون ملامح مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الجماعة الصالحة واضحة بل وبارزة متميزة لا يمكن أن تقبل أية إضافة خارجية إليها، بعكس صور الإيمان الأخرى فان افتقار أصحابها إلى هذا الإيمان مع عوامل أخرى – سببها الأساس عدم تبني تعاليم أهل البيت – أدت إلى كثير من الخسارات الوظيفية في وجودهم وعملهم والى تخلف في الدور الموضوعي لجوانب مهمة من مستويات تلك الجماعة الأخرى. (فتمهيد الجماعة الصالحة – وهو الأهم – حركة سياسية جهادية في الأمة تتميز بالشعور بالمسؤولية تجاه ما يجري من أحداث، وتملك الإرادة في العمل على تحقيق هذا الهدف، وفي نفس الوقت تعمل للمنع من استسلامها أمام الطغاة والضغوط الحضارية أو الثقافية التي تواجهها عبر عصور التأريخ)(44).

هذا من جهة الانجاز الوظيفي بما يخص تطوير المجموعة ذاتها أما بما يخص الإشارة الاستقلالية إلى المستوى المعرفي الذي يمثله ذلك الإيمان المتميز للجماعة الصالحة. فمن الواضح أن تأجيل التفاعل مع المثال الذي يفرضه الاعتقاد المستقبلي المجرد به والذي يتصف به إيمان الجماعات الأخرى يكون ذا انجاز وظيفي غير محسوس، مقارنة بذلك الإيمان البناء الذي تتميز به الجماعة الصالحة، والذي أضفى الكثير من الخصوصية والبروز لتلك الفكرة، أي فكرة الظهور، بما جعلها من السعة والموضوعية تبلغ درجات لا تكاد تتوفر إلا في الاكتساب المعرفية العالية للإنسانية عبر وجودها الطويل *.

بقي هنا شئ من الواجب ذكره وهو أن الإيمان بالمنتظر الذي عند غير الجماعة الصالحة، رغم ما فيه من تأخر وظيفي إلا انه بما يمكن أن يحققه من تفاعلات – إذا ما توفرت العوامل والموارد الخارجية – مما يوفر استعدادا لتلك الجماعات للاقتراب من حالة التهيؤ في اللحظة التي يتم فيها الظهور المبارك أن شاء الله تعالى، وهذا الذي قصدناه من (تأجيل التفاعل) ويظهر ذلك صريحا في قوله (قدّس سرّه) في عبارته الأخيرة (بأنه وان كان كل من هذين البعدين – أي البعد النظري المجرد والنفسي الروحي – له دور في التمهيد. وفي هذا يظهر أيضا منهجه الثابت (قدّس سرّه) على تأكيد وإبراز العناصر المشتركة في الاعتقاد لتكون جسورا لكل حوار وتفاهم.


المناقشة

ربما يكون بالإمكان تلخيص ما يحتاج إلى مزيد إشارة أو بيان في النقاط التالية:

الأولى: إن ذلك الإيمان بالجماهير – لما فيه من أطلاقات في بعض الموارد – وبالرجوع إلى ما هو ظاهر من الأخبار (45) الدالة على كون الانجاز الحقيقي متحقق في أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ان لم نقل بالحصر فيهم، وبانحصار الطريق الأكثر وثوقا ويقينية بمنهجهم – أقول ذلك الإيمان بالجماهير عموما يحتاج إلى إشارة مع ما يظهر من إخبار إلى وجه التوفيق بين الاطلاقات في كلماته (قدّس سرّه) بخصوص الإنسان وبين ما يظهر من الأخبار بحصر الانجاز الحقيقي * بأتباع أهل البيت (عليهم السلام). هنا تتوضح وتتجلى التفاتته الرسالية وإحدى مظاهر عبقريته (قدّس سرّه). بان ذلك الإيمان – في موارد الإطلاق – ما هو إلا نوع من الدعوة لان تكون الجماهير وظيفيا اتباعا لأهل البيت (عليهم السلام) مع ما لهم من انتماء لمذاهب وجماعات أخرى. وهذا الطرح لا يمكن استيعابه الا بالقول بان إيمانه (قدّس سرّه) هذا بمنطلقاته وأهدافه ما هو إلا شكل من أشكال التمهيد للدولة العالمية لأهل البيت (عليهم السلام) في عصر هو بحق عصر الاديولوجيات والتحزب. وهذا الطرح الأبوي للعمل الوظيفي – وليس فقط للفكر المثالي – لا ينفك بملازمته للرسالة والتشخيص الرسالي.

لأن انتماء الإنسان يجب أن يكون أولا وأخيرا لله تعالى وللإنسان، متجاوزا بذلك ما يحتفظ به من انتماءات وخصوصية.

فدولة الحق والعدل التي يريدها أهل البيت (عليهم السلام) والتي يدعو أليها (قدّس سرّه) تتسع بل وتحتضن الفرق والمذاهب بل الأديان الأخرى أيضا. مقدما بذلك (قدّس سرّه) الصورة الحقيقية المشرقة لدولة الحق والعدل كنموذج بسيط لدولة أهل البيت المنشودة. مما يجعل الجماهير مشتاقين تواقين لتلك الدولة، ويهئ الجماهير الإسلامية والعالمية لقيامها، لما في تلك الدولة من تلبية لطموح الإنسان وتطلعاته نحو الحق والعدل والحرية لان أولئك الجماهير الإسلامية والعالمية وجدوا في مشاريع ونماذج الدولة التي يتقدم بها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وجماعتهم تلبية لطموحات الإنسان وتطلعاته في مقابل من عرفوه من سياسات القهر والتسلط والمصالح الزائفة عند غير الجماعة الصالحة في الماضي والحاضر. فتكون تلك الجماهير في حالة ثقة واطمئنان بان دولة أهل البيت (عليهم السلام) الموعودة، ستكون أكثر رقيا وتلبية لطموحاتهم وتطلعاتهم. ولقد نجح أتباع أهل البيت (عليهم السلام) (أيدهم الله) بحق ومنهم الشهيد السعيد (قدّس سرّه) في خلق حالة الشوق والتوق هذه عند جميع الجماهير وتهيئة الناس لقيام دولة أهل البيت (عليهم السلام) دولة الحق والعدل والحرية.

الثانية: إن الإيمان بالجماهير هو صورة من صور الدعوة إلى المشاركة *، ولهذا المضمون (أي الدعوة إلى المشاركة) في مقابل فرض الرأي وبأي شكل وبأي درجة ولو بالإقناع، له مردود وظيفي لا يمكن تحقيقه في أي أسلوب آخر للدعوة. فعندما تتضح صور الحق والعدل ويسعى الجميع إليها – بما تدعوهم عقولهم إلى ذلك – كل من موقع انجازاته وقدراته، توفر دعوة المشاركة هذه مع الاحتفاظ بالخصوصيات توظيفا للانجازات وقدرات الآخرين في خدمة الحق والحقيقة، مع بلوغ درجات اكبر نسبيا من العطاء والبذل لا تتحق بغيرها. بل يمكن القول أن فرض الرأي ما هو الا نوع من الفشل الموضوعي والخسارة الوظيفية مع ما يؤديه إلى صراع وعنف.

وبهذا الفهم يمكن تفسير الاعتقاد بوجود الصراع الأزلي بين الخير والشر، لأنه في واقعه هو الصراع المتولد من الدعوة إلى الشر ومحاولة فرض الرأي على الغير. فبينما تتحق الدعوة إلى الخير بتشخيص غايات الحقيقة التي ما لا يمكن أن يولد صراعا مع الإنسان لاتفاقه في السعي نحو تلك الغايات. نجد أن الدعوة إلى الشر – بما تدعيه من غايات كاذبة منحرفة – لا يتولد إلا عن تعصب واستبداد يعمد إلى فرض الرأي على الإنسان الساعي إلى الحقيقة وقهره والاعتداء عليه. فالانسب وصف ذلك الصراع بانه صراع بين الإنسان والشر.

الثالثة: الإيمان بالإنسان – هذا المنهج الرسالي الذي يؤمن بالإنسان ويثق بقدرته على التغيير والانجاز – يعبر فيما يعبر عنه عن أصالة وحقيقة ذلك الشخص الرسالي المؤمن.

وهذا الإيمان يكون مبنيا على مقدمات واقعية ومعطيات موضوعية، بعضها ظاهر جلي لا ينكره الا مدعي وبعضها كامن خفي بحاجة الى العبقرية الفذة المخلصة للإشارة إليها وتشخيصها * وهذا هو العمل الضخم الذي أنجزه واجاد فيه الشهيد السعيد (قدّس سرّه)، والقول بتلك المعطيات الموضوعية والإشارة اليها تأكيد على استمرار شخوصها وفاعليتها ودوام عطائها لتكون أُسساً شاخصة ومشاريع جاهزة لكل تغيير حقيقي نحو الغايات والأهداف السامية، وهذه هي الصفة الرسالية في هذا الانجاز.

أما المنهج الذي يضع الأمة في قفص الاتهام ويصفها بالعجز ويصادرها اقتدارها متهما اياها بقلة الوعي والتفريط بالمقدرات، فلربما يكون في موضع الكشف عن عجزه هو وافتقاره الى الأصالة والبعد الرسالي. وأي إشارة من هذا الشكل لا تمثل أي نظرة صائبة للواقع ولا تؤدي الا الى مزيد من اليأس لدى الجماهير، وتعطي بصورة مباشرة او غير مباشرة تبريرات – تبدو كأنها منطقية – للتبعية للغير ومصادرة إرادة الأمة في التحرر.

الرابعة: إيمانه (قدّس سرّه) بالإنسان بدرجاته العالية هذه، رغم انه مبني على مقدمات ومعطيات موضوعية، الا انه – أي ذلك الإيمان – ما كان ليبلغ تلك الدرجات العالية لولا الافاضات الراقية من نفسه المحبة (قدّس سرّه). ذلك الحب الإلهي الذي يتسع لكل شئ، ذلك الحب الالهي الذي هو صفة كل رسالي بل هو الأساس الأهم في الشخصية الرسالية. والذي يشير فيما يشير إليه إلى حب الله تعالى وأوليائه الصالحين، وهل كان بعث الله تعالى للرسل والرسالات الا من حبه تعالى للإنسان، بعد قيام الحجة دون الحاجة إلى رسله تعالى ورسالته.

وبقدر حب الإنسان لأخيه الإنسان يكون عطاؤه وبذله، وبقدر فقدانه لهذا الحب يكون عجزه وافتقاره.


الاستنتاجات

نحاول هان تأكيد الإشارة على بعض مضامين إيمان الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) بالإنسان وما يتعلق بها وهي أمور:

1 ـ الإيمان بالإنسان هو من ابرز المعالم الفكرية للشهيد السعيد (قدّس سرّه)، بل هو احد الأسس الفاعلة في سعيه (قدّس سرّه) نحو بناء الإنسان الثوري المقتدر.

2 ـ الإيمان بالإنسان – كما هو إيمانه (قدّس سرّه) – يجب أن يكون حقيقة موضوعية تبنى على أساس المعطيات الموضوعية وهي تحتاج إلى النفس المحبة المخلصة كما هي نفسه (قدّس سرّه).

3 ـ الإيمان بالإنسان وما يصاحبه من تشخيص لمواطن الاقتدار والقوة في الجماهير يوفر الاسس والمشاريع الجاهزة لنهوض وتحرر الأمة من التبعية وإطلاق إرادتها.

4 ـ لابد من البعد الجماهيري للثورة لتحقيق التغيير الحقيقي وبلوغ الأهداف المنشودة. والجماهير هي العنصر الوحيد القادر على حماية الثورة وضمان استمرارها ودوامها.

5 ـ من واجب الثائر الحقيقي – لكمال العمل الثوري – من بيان وتأكيد وجوه الانحراف عن القيم وهتك الحرمات التي يرتكبها المعتدي الظالم – بكل مستطاع وبكل وسيلة أعلام. ويجب عدم حصر الصراع بين النخبة الصالحة والنظام الفاسد بل يجب أن يكون الصرع بين الأمة والنظام الظالم الفاسد.

6 ـ أسس النظرية الإسلامية لابد أن تكون بالاستنباط الصحيح وكل إضافة معتبرة بمعنى أن الاجتهاد الصحيح هو شرط لتحقيق الإضافة الحقيقية في النظرية الإسلامية.

7 ـ من المهم الانطلاق من أنظمة الخطاب الموحدة في الحوار والتفاهم، ومن المهم أيضا الاهتمام بمحاولات الاقتراب العبورية التي تتجاوز الأنظمة الظاهرية الجزئية.

8 ـ المحبة ولغة القلب هي من الأنظمة التفاعلية الموحدة، التي اعتمدها الشهيد السعيد (قدّس سرّه)، والتي أعطى بها – مع دعوته للمشاركة – النموذج الأمثل لدولة الحق والعدل الدولة الأبوية التي تحتضن الفرق والمذاهب والأديان الأخرى، مما يولد الشوق والتوق في نفوس الجماهير إلى دولة أهل البيت (عليهم السلام) دولة الحق والعدل.

انتهى
والحمد لله رب العالمين أولا وأخرا.

____________

1- ثورة الحسين (عليه السلام)، الشهيد السعيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه) دار الحكمة – الطبعة الثانية ص70.

2- المصدر السابق ص74.

3- المصدر السابق ص74.

4- المصدر السابق ص75.

5- شروط الحرية في الإسلام، الشهيد السعيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، مؤسسة دار التبليغ الإسلامي ص250.

6- ثورة الحسين (عليه السلام)، الشهيد السعيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، دار الحكمة – الطبعة الثانية ص76.

7- المصدر السابق ص75.

8- المصدر السابق ص86.

9- دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة، الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، الجزء الأول، دار الحكمة – الطبعة الثانية ص37.

10- المصدر السابق ص37.

11- المصدر السابق ص38.

12- المصدر السابق ص38.

13- ثورة الحسين (عليه السلام) الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، دار الحكمة – الطبعة الثانية ص83.

14- دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة، الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، الجزء الأول، دار الحكمة – الطبعة الثانية ص83.

15- ثورة الحسين (عليه السلام) الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، دار الحكمة – الطبعة الثانية ص85.

16- المصدر السابق ص85.

17- المصدر السابق ص82.

18- المصدر السابق ص82.

19- المصدر السابق ص82.

20- المصدر السابق 83.

21- المصدر السابق 83.

22- المصدر السابق ص83.

* عبرنا بالنضال العام بدلا عن (النضال الجماهيري) لكي لا ينصرف الذهن إلى تصور عدم إمكانية النضال إلا بالزحف الجماهيري، وإنما يتحقق النضال الجماهيري بكل عمق يقف بوجه الانحراف من كلمة وصوت وعمل فني وانجاز علمي ووظيفي وإخلاص وغيرها من جهات السعي نحو الغايات الحقيقية للإنسان وفي مجاهدة الشر الموجود داخل النفس. فالميزة الأساس في العمل الجماهيري هو السعي تجاه الغايات الحقة والأهداف السامية المنشودة، وانتشار هذه الصفة في الجماهير وغلبتها.

23- دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة، الجزء الأول – الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، دار الحكمة – الطبعة الثانية ص18.

24- المصدر السابق ص19.

25- المصدر السابق ص13.

26- المصدر السابق ص23.

27- المصدر السابق ص23.

28- المصدر السابق ص52.

29- المصدر السابق ص23.

30- المصدر السابق ص23.

31- المصدر السابق 24.

* وليس هناك أكثر صراحة من تأكيد تجنبه (قدّس سرّه) الإضافات الوضعية والبناءات المنطقية (القياسية) من اعتماده الاستنباط الصحيح المعتبر شرعا. فيتبين أن النظرية الإسلامية التي يطرحها (قدّس سرّه) هي في الواقع تنظيم وترتيب لمضامين الشريعة وشرح وبيان لها والالتفات إلى هذا التنبيه والذي صرح به (قدّس سرّه) من الأهمية بمكان لكل من يسعى إلى التطوير في بناءات النظرية الإسلامية، لان أي فهم خلاف ذلك سيؤدي وبأي شكل كان إلى إدخال ما هو وضعي فيما هو سماوي. فيقع الناتج النهائي لهكذا طرح – وبشكل واقعي – إلى أن يكون في مقابل النظريات الوضعية الأخرى. وهذه الحال من (المقابل الوضعي) ما لا ينبغي الوصول إليها أو القبول بها لمضامين الرسالة السماوية. بل لابد من المحافظة على الوجود العلوي الأبوي الشمولي للرسالة السماوية ولصورتها الموضوعية المتمثلة بالشريعة، التي تبلغ من السعة حدا، يكون البحث عن صور موضوعية متقدمة عليها نوعا من البعد المعرفي. أما في مجال الانجاز الوظيفي، فان شدة ارتباط مصطلح (النظرية) في الوعي الشرعي بالانجاز الوضعي قد يجعلها لا تتحلى بتلك القدسية الأولية التي هي للشريعة. ثم أن القول بالنظرية – بما لها من وجود ثنائي من جهة (النظرية والتطبيق) – يحتم المرحلية في الوعي، بينما لا وجود للمرحلية في الشريعة، فهي موجودة بين الناس والأفراد كحالة معاشة، ولا فرق في مراتب الوجود بين الشريعة وتطبيقها في الوعي فهي وجود واحد لا يحتاج إلى مقدمات مرحلية فاصلة.

32- المصدر السابق ص89.

33- المصدر السابق ص69.

34- الشعب العراقي وملحمة كربلاء، الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، دار الحكمة – ص68.

35- المصدر السابق ص69.

36- دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة، الجزء الأول – الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدس)، دار الحكمة – الطبعة الثانية ص170.

* نبهنا بالفكر الحقيقي هنا، لان نقاط الحقيقة في مجالات المعرفة تحتاج إلى استعدادات عالية لاكتسابها وبلوغها خلال فترة التطور في الزمن، عكي الأفكار الكاذبة او الوهمية فإنها تكون من نصيب عديمي الاستعداد وذوي الدرجات الدنيا من المستويات والاكتسابات المعرفية. فبينما يتحقق الانجاز في حالة اكتساب الفكر الحقيقي، بالاقتراب من الغايات الحقيقية لوجود الإنسان، يكون اكتساب الأفكار الكاذبة خاليا من كل انجاز، لأنه يمثل حالة من الابتعاد عن الغايات الحقيقية لوجود الإنسان فلا يكون من المفاجأة وصف جماعة أهل البيت (عليهم السلام) بأنهم الأولى بهم وأنهم الأوفياء بالميثاق.

* ومن المهم عدم توهم أن سعة الأفكار وظهورها في زمن هو نتاج طبيعي للتراكم في الزمن لان تطور الأفكار يعتمد على الإضافات الخارجية الفعالة ولا يتميز بالتطور التراكمي، فكثير من الأفكار تولد قوية ثم تضمحل وكثير من الأفكار تنمو في فترة من الزمن ثم تعود وتضمحل، أما الفكر الذي يظهر ويتسع في الجماعة التي تحمله فهو دليل أشاري معرفي إلى الإضافات الحقيقية الفعالة عليه من تلك الجماعة.

37- الابتلاء والامتحان، الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، مؤسسة دار التبليغ الإسلامي ص103.

38- المصدر السابق ص108.

39- المصدر السابق ص105.

40- دور أهل البيت (عليهم السلام) في بناء الجماعة الصالحة، الجزء الأول – الشهيد السعيد السيد محمد باقر الحكيم (قدّس سرّه)، دار الحكمة – الطبعة الثانية ص11.

41- المصدر السابق ص11.

* من المهم عدم تصور أن تجاوز الجزئي والتعبير بأنظمة ذات مستوى أعلى في الوجود أن المقصود منه اعتماد المذهب الرمزي أو التأويلي، للخسارة الوظيفية في هذه الأنظمة التعبيرية في مجالات العلوم الموضوعية الوظيفية كالاعتقاد والشريعة، وإنما يعني تجاوز الجزئي هو اعتماد القواعد الموضوعية العامة في البحث والطرق العلمية في الطرح كمقدمة لانتقاء الأنسب – أي الأكثر علمية ووظيفية – من الموروث. وربما هذا الفهم هو الأنسب لدعوات التقريب بين المذاهب مثلا، لأنه، لا يستدعي – أبدا – ولا يؤدي إلى الخروج عن القواعد الشرعية المرعية، وصورته العلمية هو وجوب الاتفاق أولا في المبادئ اللغوية والمبادئ المنطقية ثم المبادئ الأصولية والرجالية، بعدها يمكن الدخول في تقريب الآراء الفقهية، أما الابتداء من الآراء الفقهية كمحاولة للتقريب فانه سيصطدم بالجزئي الصلب ذي المقدمات المتباينة.

* تتكون الأنظمة التفاعلية الموحدة من وحدات متكررة، فالاختلاف بين إفراد النوع لا يكون اختلافا في طبيعتها او نوعها، وإنما يكون اختلافا في شدتها وضعفها وهذا ليس اختلافا في واقعه. أما الأنظمة التفاعلية التعددية فتتكون من وحدات مختلفة بالأصل واقعه في علاقات، وتختلف تلك العلاقات والأنظمة الرابطة باختلاف الوحدات الداخلة فيها.

* فلأجل إمكانية الاتفاق في مجال الأنظمة التعددية لا بد من حصول الاتفاق في المرجعيات الأولية والخلفيات المعرفية لتلك الأنظمة المركبة.

خصوصا إذا كان هذا النهج مصحوبا بابتداء الحوار والتفاهم من أنظمة التفاعل والخطاب البشري الموحدة أو البسيطة، فعندما نتفق على إن الصدق واحد والجمال واحد وتحدده بدقة، نتقدم نحو الخير والحب ثم نحو كل اعتقاد مركب كلي أو جزئي.

42- المصدر السابق ص52.

43- المصدر السابق ص53.

44- المصدر السابق ص53.

* وهذا في واقعه انجاز وظيفي عال يدل فيما يدل عليه على حقيقة وغائية الاكتساب المعرفية للجماعة الصالحة ودورها الفاعل في بناء الإنسانية. ولو أن العالم أحب لنفسه الخير وكل الخير وابتعد عن أهواءه ومصالحه الكاذبة وإتاحة الفرصة ووفر الظروف والأسباب الملائمة لهذه المدرسة الحقيقية واستفاد منها لكان للعالم صورة مختلفة عما تراه في واقعه المتأخر ووظيفيا واستقلاليا بانحرافه عن الغايات الحقيقية للإنسان.

45- المصدر السابق ص241 – 250.

* لابد من التنبيه على ضرورة عدم تصور أن (الانجاز الحقيقي) المقصود به (الحيز) وإنما هو الاقتراب الأكثر يقينية من الغايات الحقة والكون على الطريق الأكثر وثوقا ويقينية في الوصول. أما الحيز فهو الكون على الطريق الصحيح دون مراعاة للتفضيل أو الاقتراب.

* تتضمن الدعوة إلى المشاركة تشخيص نقاط الحق وغايات الحقيقة والسعي الجماعي نحوها لا نحو طرف موضوعي. والمباينة لفرض الرأي والقهر في ذلك واضحة. أما الإقناع فهو محاولة حمل الآخر إلى الغايات الموضوعية في احد الطرفين وان كانت حقة وبذلك يختلف الاقتطاع عن الدعوة إلى المشاركة. أي الإيمان بالإنسان وانجازاته وموروثة.

* لقد عمل الشهيد السعيد (قدّس سرّه) انطلاقا بل وكشفا عن روح البيان الرسالي والاشارية النادرة على تشخيص وتعيين مواطن الاقتدار والقوة في الجماهير التي يؤمن بها، وسنتناول هذا الموضوع – إنشاء الله – في بحث آخر والله ولي التوفيق.